ومن حيق التطبيق، يمكن للفكر الديني أن يجعل من نظرية الاستخلاف قاعدته للتحرك تبعاً للمقاصد، فهي جامعة لأصلين هامين على مستوى الاعتقاد والسلوك، هما الايمان بالله الواحد والعمل الصالح. فهي نظرية تستقطب عدداً من القضايا، هدفها بناء (الإنسان الصالح) وفقاً لمنظومة القيم. فلو رجعنا إلى النص الديني، كما في القرآن الكريم، نجد أنه يهدف إلى تحقيق هذين الأصلين دون قيد أو شرط، وبالتالي فإنه يهدف إلى بناء ذلك الإنسان، كما يدل عليه ما لا يحصى من التعاليم الدينية. فغرض وجود هذه التعاليم واضح، وهو العمل على جعل الإنسان صالحاً، سواء مع نفسه أو مع غيره من افراد المجتمع، وسواء مع الطبيعة أو مع الله تعالى.
ولا يتعلق مفهوم (الإنسان الصالح) هنا بالجانب الفردي للإنسان، كما لا يتعلق بالمجتمع ككل، لا سيما أن الصورة الأخيرة لا تخلو من طوباوية يصعب تحقيقها، ويبقى أن يتعلق المفهوم بالإمكانات الواقعية لعدد كبير من الأفراد والشرائح الاجتماعية التي تتقبل التغيير تبعاً لهذا المنطق الإنساني، كما لها القدرة على التأثير الايجابي وسط المجتمع استناداً إلى ما تحمله من قوة في المنطق والقيم.
وأبرز مقومات هذا الإنسان أنه لا يميز بين عرق وعرق، ولا بين مذهب وآخر، ولا دين وآخر، ولا بين مسلم وغيره، إلا بقدر ما يمتلك من عناصر ومقومات الصلاح، فهي نزعة إنسانية عامة تستهدي بقوله جلّ وعلا: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم﴾.
وعلى الصعيد النظري تختلف أبعاد هذا التصور عن تصور الحضارة الغربية، حيث تطالب الأخيرة بأن يكون الإنسان حراً دون قيود ما لم يمس حريات الآخرين، وليس الأمر هكذا في التصور الديني الذي يطالب الإنسان ان يكون صالحاً، وان الحرية - ضمن حدود - لا تعد غاية في هذا الصدد، بل وسيلة حقة دونها يعجز الإنسان عن تحقيق مبتغاه من الصلاح المنشود.
كما يختلف التصور السابق عن الفهم التعبدي الذي يضفي على الوسائل والآليات الدينية صفة التعبد، فيرى العمل بالدين هو ذاته العمل بما هو جاهز من الآليات والوسائل الدينية بكل ما تتضمنه من تشريعات جزئية. وبالتالي وفقاً للتصور الأخير لا يمكن فصل الدين عن آليات النُظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الدينية ومفاهيمها، وعلى رأسها آليات النُظم السياسية والاقتصادية والقانونية، والتي يكون غرضها تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات.
وبحسب الفهم التعبدي للدين هناك مسألتان، إحداهما الآليات كوسائل، والأخرى الجاهزية من التشريعات الجزئية التي تلعب - في الغالب - دور الغاية لتلك الوسائل، والتي تمثل لديه عين الدين ذاته. ومنه يُفهم قول الإمام الغزالي: «الملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع».
وكلا المسألتين معرضتان للنقد الذاتي. فاذا بدأنا بالغاية، فإن مفادها اعتبار الدين هو عين الجاهزية من التشريعات التي يراد تطبيقها عبر تلك الوسائل أو الآليات. فالدين هو الشريعة، والشريعة هي الدين. ومن الممكن ان تأخذ المسألة بعداً آخر، وهو اعتبار تطبيق تلك الجاهزية عين العدل، فكل ما يطرح خلاف تلك الجاهزية ليس من العدل ولا من الدين في شيء. فالشريعة هي العدل، والعدل هو الشريعة. وقد يعني هذا ان من غير الممكن الارتكاز على الوجدانيات العقلية لتقرير ما هو عدل وانصاف، تأثراً بالموقف الأشعري. وبالتالي لا توجد مراعاة لما يمكن ان تفضي إليه النتائج من تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات، وما قد تفضي إليه الأمور خلاف الهدف المنشود، وهو بناء الإنسان الصالح. بل نحن على ثقة بأن التطبيق لا بد من أن يسفر عن نتائج هي خلاف العدل ومقاصد الدين، باعتبارهما ليسا لازمين عن تلك المفاصل الشرعية بالضرورة، بل الأمر يتوقف على طبيعة الواقع والظروف، وحيث ان هذين الأخيرين في حالة تغير مستمر؛ لذا فمن المحال أن تناسب تلك المفاصل طبيعة العدل والمقاصد على الدوام. فقد جاءت المفاصل الشرعية وفق ما كان عليه الواقع من أحوال، وبالتالي لا يعقل أن تكون ثابتة كثبات المقاصد، فهي ذات طبيعة اجرائية جزئية قد تتفق مع المقاصد أحياناً، وقد تتضارب معها أحياناً أخرى، وكل ذلك يعتمد على طبيعة الواقع وتغيراته غير المتناهية.
إذاً، لا يمكن للفهم السابق أن يقيم الدين من دون ان يعرّضه للتشويه والإلغاء. فإما أن يعبّر الدين عن مقاصده بغض النظر عن طبيعة ما تكون عليه التشريعات، أو يعبّر عن جاهزية التشريعات فحسب، أي دون أخذ اعتبار ما عليه المقاصد ذاتها، ومن المحال واقعاً ان يكون الدين جامعاً بين المقاصد وجاهزية التشريعات أو ثباتها، فالاهتمام بأحدهما يلغي الآخر ويهدمه. وبالتالي فإما ان نعمل على مراعاة المقاصد وعلى رأسها مبدأ العدل فنلغي الثبات والجاهزية من التشريعات، أو نعمل على مراعاة هذه الأخيرة فنلغي المقاصد والعدل، ومن ثم سوف يكون نظرنا للدين إما أن يمثل العدل والمقاصد، أو يمثل تلك الجاهزية الثابتة. ومن التعسف اعتبار الأخيرة عين العدل، فيصبح العدل صورياً بلا قيمة، كالذي ترمي إليه نظرية الأشاعرة أو منطق (حق الملكية) بما يخالف العقل والوجدان.
هكذا فالمقاصد هي المعنية بتحديد ما هي التشريعات المناسبة وفق ما عليه الواقع المتغير. أما العكس فغير صحيح، بمعنى أن التشريعات ليست معنية بتحديد المقاصد. والتصور الآنف الذكر قام بقلب هذه المعادلة الوجدانية فأصبحت المطالبة بإقامة الدين هي في حد ذاتها تعني إلغائه وتعطيله أو تشويهه.
وإذا كان هذا الأمر ينطبق على الغايات، فسينطبق على الآليات بالأولوية، فهي الأخرى لا يمكن اعتبارها تعبدية ولا توقيفية، بل تخضع لموجهات المقاصد بمراعاة ظروف الواقع وأحواله. صحيح أن هناك صوراً تمتلك قابلية أكبر للثبات والاتساق مع المقاصد، سواء من حيث الآليات أو التشريعات، لكنها في جميع الأحوال قليلة، وهي لا تتعالى على ظروف الواقع وتقلباته.
وينطبق هذا الحال حتى على الصور التي يغلب عليها الطابع التعبدي، كالصلاة والصيام، كما سيتضح في الفصل الأخير من هذه الحلقة.
أما وفق الفهم المقصدي للدين، فلا توجد وسائل تعبدية ثابتة لتحقيق تلك المهمة السامية من بناء الإنسان الصالح؛ غير العمل بالقيم الوجدانية والاخلاقية وترسيخ الصلة بالله.
ويخطئ من يتصور ان تحقيق ذلك يأتي من خلال النظام السياسي في الإسلام، وهو افتراض ينطوي على التسليم بوجود آليات ثابتة لدى السياسة الدينية. والخطأ في هذا التصور يكمن في أن الدين يخلو من تفاصيل آليات هذا النظام أو غيره من النُظم الأخرى. فمثلاً لا يوجد ما ينص على آليات التنصيب ولوائح الدستور العام وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا صلاحيات الحاكم وشروط استمراريته في الحكم.
فنحن نعلم بأن عملية التنصيب التي جرت مع الخلفاء الراشدين بعضها يختلف عن البعض الآخر، فما جرى من تنصيب للخليفة الأول يختلف عما جرى مع الخليفة الثاني، وهما غير ما حدث مع الثالث، وكذا ان ما جرى مع الثلاثة مختلف عما جرى مع الرابع.
ولم تكن جميع صور التنصيب السابقة قائمة على مبدأ الشورى، كما إن الأخيرة التي حدثت بفعل قرار الخليفة الثاني لم تكن بين جميع المؤمنين، ولا جميع أهل الحل والعقد. والشيء ذاته يقال حول البيعة، حيث لم تحدث على وتيرة واحدة، وبالتالي لا توجد آليات ثابتة ومفصلة للتنصيب.
والحال ذاته ينطبق على ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي تحكم الحاكم بالمحكوم، ونعلم كم الفارق بين الطريقة التي سار عليها الخليفتان الأول والثاني، وبين ما أحدثه الخليفة الثالث من تغيير.
ومن حيث النصوص القطعية، يعترف بعض الفقهاء المعاصرين بأن المبادئ الدستورية في القرآن الكريم قليلة للغاية. فالاستاذ عبد الوهاب خلاف يعتقد بأن نصوص القرآن قد اقتصرت على تقرير مبادئ أساسية ثلاثة عامة، وهي كل من الشورى ﴿والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون﴾ الشورى/ 38، والعدل ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ النساء/ 58، والمساواة ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ الحجرات/ 10. مع ان للمبدئين الأول والأخير دلالة على كل من الشورى والمساواة بين المؤمنين فحسب، وهو أمر لا يتناسب مع الواقع الحديث للدولة.
كما إن نصوص القرآن في القانون الاقتصادي قد اقتصرت على تقرير حق الفقير في مال الغني، وكذا حق الفقراء والمساكين في مال الدولة، حيث لهم سهم من الصدقات والغنائم والفيء. وعلى رأي الاستاذ خلاف لم تُفصَّل أحكام هذا البر بالفقراء؛ لتُفصِّل كل امة ما يناسبها.
وفي قانون العقوبات وتحقيق الجنايات اقتصرت نصوص القرآن على تحديد خمس عقوبات لخمس جرائم، هي: القتل والسرقة والسعي في الأرض فساداً، والزنا، وقذف المحصنات، أما غيرها فهو - على رأي الاستاذ خلاف - متروك لولي الأمر.
وعلى الصعيد السياسي، نعلم بأن الأنبياء لم يُطلب منهم أن يكونوا قادة سياسيين، مثلما طُلب منهم التبليغ بدواعي النبوة والرسالة. أو أنهم لم يكونوا مكلّفين بهذا الأمر ما لم يبايعهم الناس، لا سيما أن بعض الأنبياء والرسل لم يتولّوا هذه المهمة ولم يسعوا إليها.
لذا لو تخيلنا بأن الله بعث نبينا (ص) إلى دولة يحكمها حاكم أسلم على يديه، وليس إلى قبائل عديدة متناثرة كما كان واقع شبه الجزيرة العربية، فهل نتصور أنه سيطالب بخلع الحاكم وتنصيب نفسه بحجة النبوة؟
كل ما يمكن قوله ان قيادة النبي للأمة على المستوى الاداري قد تمت بشكل تلقائي لعدم وجود زعامة مسبقة.
ويخطئ أصحاب الفهم التعبدي حينما يجعلون آليات النظام السياسي، أو غيره من النُظم الاجتماعية، جزءاً متأصلاً في اللحمة الدينية لا تقبل الخلع والانفصال، حالها في ذلك كحال الصلاة والصيام إن لم تكن ابلغ منها، وكأنها الشعيرات النابتة في حجر الرخام (المرمر)، فمن المعروف أنه لا يمكن عزلها عنه بأيّ شكل من الأشكال ما لم يتم تهشيمه كاملاً.
فهذا هو الفهم التعبدي الذي جرى اتخاذه بعناوين مثل عنوان الخلافة، وولاية الفقيه، وقبل ذلك الإمامة. وقد أصبح العنوان الأخير معطلاً لا فائدة ترجى منه سياسياً، والشيء ذاته فيما يخص شروطه الموضوعية، كشرط القرشية لدى الإتجاه السني، وشرط العصمة لدى الإتجاه الشيعي.
هكذا لمّا كان اختيار النظام السياسي ليس مطلوباً في حد ذاته ، بل لِما يمكن ان يحققه من أهداف مرهونة بالحاجات الإنسانية، فإن ذلك يضعنا أمام عدد من الخيارات الممكنة. ونرى ان خيارنا للنظام الذي يخدم إطروحة (الفهم المقصدي) يعتمد على ما يتضمنه هذا النظام من فقرات دستورية، وامكانات فعلية للتنفيذ، مع مراعاة الظروف الواقعية.
وبعبارة أخرى، طالما أنه لا يوجد تصور ثابت ومحدد لآليات النظم الاجتماعية يمكن رصده في طيات النص الديني، فهذا يعني أن هناك أشكالًا متعددة مفتوحة وقابلة للتطبيق.
وبالتالي فآليات هذه النُظم تختلف عما عليه سائر آليات القضايا الدينية التعبدية كالصلاة والصيام والحج وغيرها. ومن ثم فبقدر ما تكون آليات هذه النُظم باعثة على خلق أجواء مناسبة لبناء (الإنسان الصالح) بقدر ما تكون مطلوبة، وبقدر ما تفعل العكس بقدر ما تصبح مستبعدة.
فمن الناحية السياسية – مثلاً - لا يمتنع أن يكون المطلوب نظاماً علمانياً عندما تثبت أفضليته في تهيئة مثل تلك الأجواء مقارنة بالنظام الديني. فالعبرة هنا بصلاح الوسيلة، وذلك لعدم وجود برنامج محدد، سواء من حيث النظر العلماني أو الديني.
ومن الناحية النظرية يمكن أن نتصور نوعاً من الأفضلية لنظام يعتمد على الموجهات الدينية والوجدانية في صور التعامل مع الوقائع والأحداث، مع الأخذ بعين الاعتبار الاجتهاد في الواقع بكل ملابساته، ومن ثم العمل وفقاً لمعطياته تحت حاكمية تلك الموجهات بما فيها المقاصد الدينية. لكن حيث ان الواقع ما زال يفتقر إلى مثل هذه الصورة، فإن الخيار لا يتم بمعزل عن لحاظ طبيعة البرامج المقدمة، والظروف التي تنفذ فيها، مع القدرة على التنفيذ.
وبالتالي فالمطلوب هو كل ما يمكن ان يقربنا نحو بناء ذلك الهدف المنشود؛ سواء تمّ الأمر عبر وسيلة دينية، أو وسائل أخرى قد تكون أنجع منها، لا سيما عندما تسهم في ترسيخ الحريات العامة وتعزيز المساواة بين الناس أمام القانون؛ لا فرق في ذلك بين الحاكم والمحكوم، وكذا عندما تفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كذلك عندما تجعل العمل التربوي والتغييري في المجتمع ممكناً، الأمر الذي يشكل أرضاً خصبة للداعين إلى صنع ذلك الإنسان: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾[7].
على أن علاقة (الإنسان الصالح) بالمقاصد الدينية هي علاقة ضرورية غير قابلة للانفكاك، فلا يمكن تصور أحدهما دون الآخر. فالغرض من الدين لا يحيد عن هذا المطلب النبيل. وليس الأمر كذلك مع آليات النُظم الاجتماعية وعلى رأسها النظام السياسي، حيث لا يمتنع ان يكون الدين محايداً ازاءها إذا ما استثنينا مطالبته بجملة من القيم والموجهات ذات العلاقة المباشرة بالغرض الديني الآنف الذكر. مما يعني أنه لا يوجد نظام محدد تفصيلي؛ سواء استعنّا بالنظريات الشيعية أو السنية. وبالتالي فليس هناك ما نعتبره من التعبديات كما يزعم أصحاب الفهم التعبدي، ولا توجد مؤشرات تشير إلى هذا المعنى من التعبد.
هكذا ليس من الضروري أن يكون هناك تضاد بين البرامج الاجتماعية - السياسية والاقتصادية وغيرها - لدى الفكرين الديني والعلماني. فالفارق بينهما يمكن ان يتحدد في بعض المصادر المعرفية، حيث ان الفكر الديني لا يمانع من الأخذ بجميع ما يعتمد عليه الفكر العلماني، مع إضافة خصوصيته المتعلقة بالنص. وهذا يعني أن الفكر الديني غالبًا ما يميل إلى الجمع دون الطرح، مما قد يؤدي إلى تقارب الرؤيتين في بعض الحالات. فمثلاً قد يتحقق التقارب عند اعتماد الرؤيتين على الاعتبارات العقلية والواقعية وغيرها من الاعتبارات العارضة لدى الفكر الديني. كما قد يتجلى التقارب في النتائج رغم اختلاف الأسس المعرفية لكل منهما، كإن يكون الإعتماد لدى الفكر الديني على الاعتبارات الذاتية (النص)، ولدى الفكر العلماني على العقل والواقع. مع هذا فالفوارق بينهما تظل متوقعة وكثيرة، لكن ذلك يحدث أيضاً بين البرامج المختلفة التي يقدمها ذات الفكر الديني بأطيافه المتنوعة، وكذا يحدث بين البرامج المختلفة التي يقدمها الفكر العلماني.
فمثلاً ينقسم النظام السياسي داخل الفكر الديني إلى نظام ديني استبدادي، والى نظام يعمل بالتعددية. وكذا هو حال ما يحصل داخل الفكر العلماني. وهذا يعني أن الخطأ وارد في البرامج والمشاريع المقترحة، سواء كانت دينية أو علمانية، وان صفة الاجتهاد لدى كل منهما قائمة، وأنه لا قدسية في الاجتهاد الديني، وان الأحكام الواردة فيه ليست أحكاماً إلهية بحتة، وكذا ان السلطة والسيادة ليست إلهية ثيوقراطية، بل لها طبيعة بشرية مصطبغة بالصبغة الدينية، وحصيلتها في النتيجة هي حصيلة بشرية قائمة على الفهم والاجتهاد، ومن ثم فهي قابلة للخطأ. وان الأفضلية بين الفكرين لا تتحدد بمجرد الانتماء، بل لا بد من معرفة طبيعة ما عليه البرامج؛ سواء كانت دينية أو علمانية. فللنزعتين عدد غير محدد من البرامج التطبيقية. وبالتالي قد يتفوق برنامج ديني على علماني، كما قد يحصل العكس، طالما ان المصادر والاعتبارات المعتمدة قد تتفاوت وتختلف فيما بينها، وقد يطغى بعضها على البعض الآخر، مما قد يختلف فيه الأمر من برنامج إلى آخر. فليس كل من يعول على النص يصيب الاجتهاد الصحيح، ومثل ذلك من يعول على العقل والواقع، وان الصواب صواب سواء كان مستمداً من النص أو غيره.
على أن الأنظمة الحديثة لم توفق بعد إلى الصواب في تعاملها مع الشعوب المحكومة، وان الداء فيها متنوع، إذ قد يتمثل في إبتعادها عن الروح الدينية وقيمها السامية، كما قد يتمثل في إهمالها للموجهات الوجدانية المناطة بالممارسة والتطبيق؛ كالإخلال في العدالة والتمييز والاضطهاد، أو لكونها لا تعير أهمية للمقاصد الدينية واعتبارات الحقائق الواقعية. فلا يخلو نظام من أنظمة الحكم الحديثة دون ان يمسّه داء أو أكثر. وبالتالي فهي لا تعبّر عن طموح (الإنسان الصالح) سواء كانت مصطبغة بالصبغة الدينية أو العلمانية. وان المسؤولية الملقاة على عاتق النظام الديني كبيرة، باعتباره يمارس نوعين من الفهم والاجتهاد، أحدهما يتعلق بالنص، والآخر بالواقع، وان اغفال أهمية فهم الأخير هو الداء المزمن الذي رافق التفكير الديني منذ نشأته الى يومنا هذا، وبالتالي فأزمة هذا النظام وفشله يعودان في الغالب إلى عدم الوعي بأهمية الواقع وعلاقته بالنص.
لذلك فعادة ما تتفوق بعض التجارب العلمانية الغربية على مشروعاتنا السياسية. ومع ان لكل نواقصه، إلا أن الفوارق في النقص والخلل بين هذين النوعين من المشاريع والتجارب كبيرة للغاية. وقديماً قال ابن تيمية أيام الحملة المغولية، نقلاً عن بعض العلماء: إن «الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة». ويقال: «الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء››. ومثل ذلك ما أفتى به الفقيه رضي الدين علي بن طاووس بتفضيل الحاكم العادل الكافر على المسلم الجائر، أيام السلطان هولاكو. وهو ما أيده بعض رواد الاصلاح الديني الحديث مثل الكواكبي؛ مفضّلاً أن يحكمنا الملوك الغربيون عن أن يحكمنا الرؤساء المسلمون، معتبراً الأوائل أفضل من الآخرين وأولى منهم حكماً، شرعاً وعقلاً، لكونهم أقرب للعدل وأقدر على إعمار البلاد وترقية العباد ومن ثم تحقيق المصالح العامة. لذا اعتبر التشريع الغربي هو حبل الله لأنه بيد الأمة.
يبقى أن الخيار الديمقراطي هو الخيار المطلوب، وأن التيار الديني هو أقوى التيارات التي يمكنها توظيف هذا الخيار في مجتمعاتنا الإسلامية، إلى حدّ قد يفضي التحقيق فيه إلى اعتباره واجباً متعيناً قبال غيره من الخيارات من الناحية الدينية، فهو خيار استراتيجي لا تكتيكي، فالمكسب فيه معلوم، سواء في الفوز أو الفشل، إذ هناك فرص حقيقية لتجنيد الطاقات في التوعية والتغيير الاجتماعي، وأن من الممكن الاستفادة من الحرية المتاحة وقابلية مجتمعاتنا لقبول الخطاب الديني أكثر من غيره.
ومن الغريب فعلاً أن يعرض أغلب الكتّاب الإسلاميين والكثير من حركات التيار الديني عن ذلك الخيار، بدل التهافت عليه. وهم إذ يفعلون ذلك فلتمسكهم ببعض ألوان الاستبداد الديني والسياسي، رغم ما يفضي إليه الأمر من تشويه سمعة الدين وفقدان الثقة وحالة الاحباط التي تصيب المجتمع جرّاء التطبيق، كالذي رأيناه في أكثر من مكان وتجربة.
نعلم ان هناك تحسساً للتيار الديني إزاء عدد من القضايا التي تتضمنها فكرة التعددية والخيار الديمقراطي، ومن ذلك الجلوس مع الأحزاب المعارضة في المجالس النيابية. وقد يجاب عليه بأن ذلك لا يكون أعظم من قبول النبي (ص) لصلح الحديبية مع ما فيه من بعض الخسارة المعنوية قبال الكسب الذي تضمنته المعاهدة. فما يحصل في المجالس النيابية من الخسارة المعنوية للطرف الديني، بل وجميع الأطراف، ليس بأعظم من تلك الحالة التفاوضية التي جرت بين النبي وخصومه من المشركين، ولا أعظم مما عاهد به النبي يهود المدينة المنورة وغيرهم، ضمن ما يُعرف بصحيفة المدينة التي لها طابع المواطنة والحقوق المدنية. وفي جميع الأحوال هناك مكسب تناله جميع الأطراف المتعارضة، وهو رفض العنف وتحويل الصراع مما يمكن أن يكون صراعاً دامياً إلى صراع التنافس حول التأثير لكسب المقاعد والأصوات.
كما أن من القضايا التي يتحسس منها التيار الديني هو أنه يرى المشاركة في المجالس النيابية ما هي الا تعبير عن الرضوخ لتقبل (المنكر)؛ لما تحمله أطراف المعارضة من برامج علمانية. مع أنه يمكن الإجابة عن هذه الحساسية بأن تلك المشاركة ليست بأعظم من تقبل الفرد المسلم للمنكر عندما يصعب تغييره فيعمل بأضعف الايمان، وهو الرفض القلبي، تبعاً للحديث النبوي: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ففي الجلوس على طاولة المجالس النيابية حفظ لحياة الجماعة لا الفرد وحده، وان الخسارة المعنوية التي تطال الجميع يستعاض بها في القدرة على تغيير الأوساط الاجتماعية، وذلك لأن الخيار الديمقراطي مشروط بحماية الحريات العامة، ومنها الحرية الدينية والثقافية والاعلامية والسياسية.
تبقى الإشكالات التي توردها الحركات الدينية على التعددية السياسية كثيرة، أهمها أنها مناقضة لأصول الإسلام، فالإسلام يقر بالوحدة لا التعددية، وأنه لا يقر الا بحزب الله كجماعة دون غيره، وان الحرية في الإسلام مقيدة لا كما هو الحال في التعددية، وان المجالس النيابية وما تتضمنه من المعارضة لا تنسجم مع الفكرة الإسلامية الموحدة، وان الإسلام يعمل طبقاً للحق وليس بحسب الأكثرية، وان العمل بتعيين مدة الحكم يعد شرطاً ليس للإسلام فيه أصل، وان الإسلام يدعو إلى بيعة أهل الحل والعقد بعد التعيين، وعلى الأقل بين المؤمنين كافة، في حين إن الإنتخاب يكون من قبل الناس جميعاً دون تمايز... الخ.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك؛ ما كان يجمع عليه الفقهاء من عدم شرعية التعددية في الدولة الإسلامية، وتقييد المنصب الرئاسي بالشرط القرشي تارة وبالعصمة تارة أخرى. لكن الملاحظ بأن هذه الشروط والقيود أخذت تتراجع ولم يعد لها ذلك الصيت والأثر لعدم امكانية تحقيق بعضها، وصعوبة تحقيق البعض الآخر.
وتذكرنا الإشكالات السابقة بما كان يُطرح من إشكالات على التعددية العقائدية، تبعاً لمقالة الفرقة الناجية وسط فرق الضلال، حيث ان الحق المختلف فيه واحد. لذا تعني التعددية المعرفية بأن جميع الفرق المختلفة باستثناء واحدة منها هي فرق ضالة إن لم تكن كافرة، وبالتالي فإن الإسلام لا يقر الا بواحدة، هي فرقة حزب الله، أو الجماعة التي تدعيها كل فرقة لنفسها، وكذا ان الحرية الفكرية في المجال العقائدي غير مقبولة، وكثيراً ما يمنعها العلماء بأساليب مختلفة، كاسلوب الفتوى التي تأمر بحرق كتب أهل الضلال... الخ.
ومثلما أن الإشكالات في المجال العقائدي تفترض وجود عقائد ثابتة يمكن التحقق منها دون التباس، فكذا أن الإشكالات في المجال السياسي تفترض وجود برنامج ديني مثالي ناجح للتطبيق، وهو أصل الخلاف، إذ لا يوجد برنامج موحد يتفق عليه جميع أصحاب الحركات الإسلامية، فكل برنامج يقتضي الممارسة الاجتهادية مع النص، كالذي يجري في المجال العقائدي، يضاف إلى أنه حتى مع سلامة الاجتهاد وفق متطلباته الدينية، فذلك لا يفي بحل المشكل السياسي؛ للإلتباس الحاصل في الواقع المتغير، إذ لهذا الأخير أثره البالغ في نجاح المشروع السياسي أو فشله.
وبالتالي فإننا نتعامل مع أطياف مختلفة، سواء في الحالة الدينية أو العلمانية.
ومن حيث التقارب في مواقف الفكر الديني إزاء القضايا العقدية والسياسية، يلاحظ ان الفِرق الدينية كان لها طابعها الاجتهادي، رغم أنها تتنكر - في الغالب - لهذا الاجتهاد ولا تعترف به. وهي وإن كانت تعددية من حيث الواقع إلا أنها أحادية التصور؛ لا تجيز التعدد ولا تقبل للآخر الإختلاف، وبعضها يتهم البعض الآخر بالضلال والكفر. هذا على الرغم من أن دوائرها المذهبية الكبيرة ليست فقط تعددية من حيث الواقع ، بل ومتداخلة فيما بينها أيضاً، سواء على صعيد المضمون الفكري، أو على نحو المنهج والطريقة.
كذلك فإن الحركات السياسية الدينية وإن كانت حركات اجتهادية وتعددية يتداخل بعضها مع البعض الآخر، الا أنها تتنكر لطابعها الاجتهادي وتنظر للأمور بعين واحدة دون أن تعترف بتعدديتها وتداخلها، لا سيما تلك التي تقسّمها الاعتبارات المذهبية. وهو الأمر الذي شهدناه في الفكر الديني على المستوى العقدي كالذي أشرنا إليه قبل قليل. ناهيك عن أنها تقتبس - أحياناً - الفكر الآخر عند الحاجة وتصبغ عليه ما تراه مناسباً من مرجعيتها الدينية، ومن ذلك قضية الديمقراطية التي قد تعني عندها مفهوم الشورى دون اختلاف.
هكذا ينبغي ان لا نربط مصير الدين بالقضية السياسية أو غيرها من النُظم الاجتماعية بقدر ربطه بالغاية التي استهدفها الدين ذاته. وبعبارة أخرى إن العبرة بالغايات لا الوسائل والآليات، الأمر الذي يجعل التصدي إلى جوانب التربية والفكر والتثقيف من الأولويات للعقل المسلم، أما التصدي للمسألة السياسية فهي من الأمور التابعة لتلك الجوانب، والعمل معها ينبغي ان يتخذ الكثير من الحيطة للخطورة التي تترتب عليها، سواء من الناحية الدينية أو الواقع الاجتماعي.