يحيى محمد
مفهوم المجمل ومشكلة التعريف
لعل أول ما يواجهنا من مشكل بصدد التعريف أنه ليس هناك تعريف يمكن اتخاذه لتحديد القضايا الخارجية تحديداً تاماً يتطابق فيه الأمران تطابقاً كلياً. وبعبارة أخرى إن من المستحيل وضع تعريف تام جامع مانع، فهو وإن تطابق مع جملة من المصاديق لكنه يضيف إليها مصاديق أجنبية، بل ويعجز عن التطابق مع مصاديق أخرى يفترض دخولها فيه. فضلاً عن ان التعريف مهما كان فإنه يظل حاملاً لبصمات الإجمال. فطالما ان القضايا الخارجية منزوعة من الواقع المشتمل على تغايرات غير محصورة، فإن التعريف الذي يقابلها لا يمكن حصره هو الآخر. فلكي يتحدد التعريف لغوياً ويكون مطابقاً للقضية الخارجية؛ لا بد من تطابق الدلالات اللغوية مع التغايرات الواقعية، ولمّا كانت هذه التغايرات غير محصورة ولا متناهية فإن التعريف الذي يقابلها لا يسعه مطابقتها ما لم يحمل دلالات لغوية غير متناهية هي الأخرى، الأمر الذي يستحيل فعله. وبالتالي فإن التعريف مهما كان فإنه يظل ناقصاً، أو هو ليس بجامع مانع، وأنه يحمل بصمات الإجمال ويلبس لباس المتشابهات أيضاً.
وينطبق هذا الذي ذكرناه على الفكر أيضاً. فهو محدود ونسبي في علاقته بالموضوع الخارجي، حاله في ذلك حال اللغة ذاتها، إذ لا يمكنه الإحاطة الكلية بالواقع، ولا يسعه التعبير عنه كما هو، وبالتالي فهو يعاني ذات المشكل من النقص والإجمال. ورغم أنه من الممكن تخفيف حدّة هذا المشكل بزيادة المعرفة وتصحيحها أكثر فأكثر؛ إلا ان علاج القضية كلياً يبقى متعذراً، إذ تظل أبعاد الفكر محدودة لا يسعها مسايرة ما عليه الواقع.
فنحن هنا نتفق مع فتجنشتاين في أنه لا يمكننا التعبير بدقة تامة عن شروط ما تستلزمه فكرته حول ‹‹اللعب›› بلا تجاوز ولا خرق، ومثل ذلك ما يقرّه توماس كون حول العناصر والقواعد التي يتضمنها نموذجه الإرشادي (البرادايم).
على ان الإجمال الذي يكتنفه التعريف يصدق في حالتين: إحداهما ان عناصر التعريف ومضامينه هي بدورها لو أردنا تعريفها لكان من المحال ان نصل إلى نهاية محددة، أو إنه لا توجد نقطة مركزية مفصلة تفصيلاً مطلقاً يمكن الاستناد إليها. ومن ثم فليس أمامنا سوى الإعتماد على المجمل، وهو أمر يصدق مع كل تعريف. كذلك فإن التعريف وإن تطابقت مضامينه مع بعض المصاديق إلا أنه يواجه التباساً مع مصاديق أخرى؛ تلك التي تشكل الحدود الوسطى أو التي تقف بين حدين من أنواع المصاديق.
إذاً، فهناك مشاكل ثلاث تنتاب التعريف، نجملها كما يلي:
1ـ مشكلة النقص وعدم وجود تعريف جامع مانع للقضايا الخارجية.
2ـ مشكلة عدم وجود حد مفصل يبتدئ منه التعريف لتتأسس عليه سائر التعريفات للقضايا، سواء كانت خارجية أو تجريدية مطلقة.
3ـ مشكلة الحدود الوسطى التي تجعل التعريف بالقضايا الخارجية ملتبساً ومتشابهاً.
ويمكن ايضاح طبيعة هذه المشاكل عبر المثال التالي:
عادة ما يعرّف الإنسان بأنه حيوان عاقل. وواضح ان التعريف يشتمل على الناس الناضجين عقلياً، لكن السؤال المطروح بهذا الصدد: ماذا بشأن المجانين والأطفال الصغار من الناس؟ فالتعريف لا يشملهم، وهو بالتالي ليس بجامع ما لم نعتبر هاتين الفئتين لا تدخلان ضمن مفهوم الإنسان. وهو أمر مشكل باعتبار ان النفس البشرية نفس واحدة، فكيف ينضوي بعضها ضمن ماهية والبعض الآخر ضمن ماهية ثانية؟!
ومثل ذلك لو افترضنا وجود كائن ليس كهيئة الكائن البشري الا أنه يفكر ويعقل بطريقته الخاصة فهل نعتبره مندرجاً ضمن مفهوم الإنسان أم هو نوع آخر مختلف؟ فلو التزمنا بصيغة التعريف، فصادقنا عليها كل ما وجدناه قابلاً للدخول ضمنها، وأخرجنا منها كل ما لا يتسق معها، لأصبحنا - في هذه الحالة - نفترض ماهيات كلية مستقلة تعمل على تفريق ما لا ينبغي تفريقه وجمع ما لا ينبغي جمعه. فقد تنضم مصاديق ذات ماهيات مختلفة تحت ظل التعريف، وتزاح مصاديق أخرى تنتمي إلى ماهية واحدة. وبذلك نصبح غير متمكنين من تحديد القضايا الخارجية والكشف عن حقائقها، بل نحن بصدد صياغات ذهنية ولغوية مفترضة. فهذا ما يبرر اعتبار كل تعريف يبقى ناقصاً لعدم كونه جامعاً مانعاً.
من جهة ثانية، كيف يمكن لنا تحديد الحدود الفاصلة التي تميز بين ما هو إنسان وما هو غير إنسان؟ فمثلاً ما هو الحد الفاصل للإدراك ليكون الكائن إنساناً أو غير إنسان؟ هل الجنين إنسان؟ وكذا هل الطفل الرضيع إنسان؟ والى أي حد يبلغ فيه الطفل النضج العقلي حتى نلحقه بدائرة الإنسان، هل في إدراك الجزئيات أم الكليات؟ ثم متى يمكنه فعل ذلك؟ وماذا نقول لو وجدنا كائناً أقوى إدراكاً من القرود، لكنه أضعف من أدنى الناس تعقلاً، فهل نُلحقه ضمن مفهوم الإنسان أم لا؟
قد يقال إن مفهوم الإنسان يمكن تشخيصه عبر ما يحمله من عدد الصبغيات الوراثية (الكروموسومات) الثابتة. ففي هذه الحالة يتمايز عن بقية الكائنات الحية مثلما يتمايز عن المادة الجامدة.
لكن تبعاً لهذا المقياس تكون بيضة الإنسان المخصبة مما يشملها المفهوم، لحيازتها نفس العدد، وهو أمر غير معقول. وكذا نعلم بأن كل خلية من خلايا جسم الإنسان تحمل نفس هذا العدد الثابت؛ فهل يعقل أن يكون كل منها مندرجاً تحت سقف المفهوم السابق؟!
نعم قد يقال إن في الأمر شرطاً وهو أن يكون الكائن مستقلاً وحاملاً لهذا العدد.
وهنا نواجه مشكلة تتعلق بالإستقلالية ودرجاتها، إذ تجعلنا نقع في ذات المشكل من الحدود الوسطى.
فهل الطفل الرضيع كائن مستقل لمجرد خروجه من بطن أمه، أو أنه ليس بمستقل باعتبار أن حياته متوقفة على الحاضنة التي تشبع حاجاته الأساسية من الغذاء وغيره؟ وهل البيضة المخصبة التي تزرع في انابيب صناعية خارج الرحم تعد مستقلة بهذا الاعتبار، أم أنها ليست مستقلة لعدم الاكتمال الجسمي؟ وهل نعد الميت إنساناً، حتى وهو ما زال يحمل ذلك العدد من الكروموسومات قبل موت الخلايا الجسمية، أو هو غير إنسان لفقده عنصر الحياة والروح؟
هكذا فمن هذه الناحية ان تحديد المفهوم هو تحديد مجمل غير مفصل.
كما من جهة ثالثة، يلاحظ ان عناصر التعريف تحتاج بدورها إلى تعريف. فالحيوانية والعقل كل منهما ينطوي على قضايا متفرعة تحتاج إلى تعريفات تجرنا إلى غيرها وهكذا ضمن سلسلة غير منتهية من التعريفات. فمثلاً إن الحيوان بحسب التعريف لو اعتبرناه مجرد جسم ذي حياة متصفة بجملة خصائص كالحركة والنمو والتكاثر وغيرها، لرأينا أن هذه العناصر تحتاج بدورها إلى تفريعات من التعريفات بلا نهاية. فهل يُقصد بالجسم - مثلاً - أنه كل مادة لها أبعاد ثلاثة من الطول والعرض والارتفاع؟ لكن ماذا بشأن المواد الذرية والاشعاعات وغيرها؟ ثم ماذا نعني بالمادة، وكذا الأبعاد الثلاثة؟.. وهكذا يمكن ان ننجر إلى سلسلة غير متناهية من التحديدات.
وسنواجه في هذه الحالة مشكلة منطقية تجعل من التعريف أمراً غير ممكن، إذ كيف يمكن تأسيس تعريف مفيد إذا ما كان كل تعريف ينطوي على ما لا نهاية له من التعريفات الضمنية؟
وقريب من هذا المعنى سبق لديكارت ان صرح بأن تعريفنا للانسان - مثلاً – بانه حيوان عاقل، كما هو متعارف عليه في المدارس، سيجرنا إلى سلسلة من المتاهة والغموض لا تقل عن غموض التعريف. فلو شرحنا معنى الحيوان؛ فسيجاب بأنه حي ذو حواس، وان حيواناً حياً هو جسم متحرك، وان الجسم هو جوهر جسدي.. إلخ، حيث نجد ان التساؤلات ستتزايد وستتعدد مثل فروع شجرة عائلية. وبديهي ان كل هذه الاسئلة ستنتهي إلى لغوٍ من دون توضيح شيء.
وكذا هو الحال مع شرح معنى العاقل[1].
مع ذلك نرى ان الإشكال السابق يصدق فيما لو أردنا تعريفاً دقيقاً ومنضبطاً غاية الدقة والإنضباط. وهو لا ينطبق على ما لو اكتفينا بتعريف ينطوي على مصاديق مسلّم بها أو مشار إليها بالحس أو المعنى.
فمثلاً إذا أردنا أن نحدد مفهوماً معيناً كمفهوم (الكلب)، فسيمكننا تجاوز هذه المشكلة عندما نأخذ بنظر الإعتبار أن المفهوم الذي نقصده هو ذلك المتضمن - على الأقل - تلك المصاديق من الكلاب المألوفة المتصفة بصفات حسية معلومة كهيكلها العام وكونها من آكلات اللحوم وذات أصوات نابحة ولها عدد محدد من الازواج الكروموسومية وما إلى ذلك. فهذا هو الحد الأدنى من مقصودنا بالكلب، وهو حد يضمن لنا ان نتحدث عن ماهية أو مفهوم معين نتفق عليه بلا اختلاف ومن غير حاجة إلى دقة مفهومية أو لغوية، فالعبرة بتلك الإشارة الحسية أو المعنوية التي يستلهمها الذهن البشري والتي تشكل حجر الزاوية من التفاهم وصنع المفاهيم، وإن كنا نواجه فيما عدا هذا الحد من الإشارة المصداقية مشاكل مختلفة كالتي سبق ذكرها. وبالتالي يتحتم اعتبار المفاهيم مجملة بلا تفصيل نهائي.
إذاً، فمرد التعريف يعود إلى الإشارة المصداقية المحدودة من الحس أو المعنى التي يتفق عليها الناس، ولولا هذا المشترك ما كان بالامكان انشاء أي تعريف على الاطلاق، بل ولا أمكن ايصال المفاهيم من فرد إلى آخر، ولا الترجمة، ولا التفاهم بين البشر على شيء. رغم ان الأمر يعني من جانب آخر ان المفاهيم والترجمة والتفاهم بين البشر ليست متطابقة المعنى على السواء عند الجميع، فخلف ما يتفق عليه الأفراد من المعنى المشترك للمفهوم تختبئ موارد الإختلاف والإلتباس، وهو ما يبرر صفة إجمالية المفهوم.
هكذا ندرك استحالة الوصول إلى قضية محددة تحديدًا بسيطًا ومفصلًا حتى النهاية. فكل قضية لا بد أن تتصف بالإجمال، فصدقها هو صدق مجمل ينطبق على نماذج معينة، لكنه يواجه مشاكل مع نماذج أخرى؛ كالحدود الوسطى ودقة التطابق مع المصاديق. فما يبدو واضحاً في بادئ الأمر؛ يأخذ بالإلتباس عند التفصيل، وذلك من حيث إجراء حالات الانطباق والتوافق. وهو ما يجعل تحديد القضايا، ومنها القضايا الخارجية، قائماً على التحديد الإجمالي.
وتعتبر هذه الإشكالية موضع اهتمام المنشغلين بالعلوم الطبيعية، إذ الشعور بأن اللغة التي يتداولونها هي لغة مفعمة باللبس والغموض، وان اللغة العادية أو العرفية لا تفي بحاجة الفهم العلمي. فمثلاً إن عبارة (الماء يتجمد عندما يكون بارداً بشكل كاف) هي جملة تنطوي - على الأقل - على لفظين سائبين، هما: الماء والكفاية. فقد يشير لفظ الماء في الجملة إلى المطر النازل من السماء، والى السائل المستخرج من عيون الأرض والابار، وإلى الجاري في الانهار والبحار. كما قد يستخدم اللفظ بشكل أقلّ في ما يُعرف بالماء المضاف؛ كعصير الشاي والفاكهة وغيرهما. أما لفظ الكفاية فهو أيضاً ليس دقيقاً، إذ هناك اختلاف في البرودة الكافية لتجمد الماء بالنسبة إلى المناخ العام إن كان صيفاً أو شتاءاً، وكذا عندما يكون الوقت فجراً أو ظهيرة، حيث تختلف درجة الحرارة. وبالتالي فحيث ان مقدار الحرارة يتغير لذا يكون اللفظ غير دقيق[2]. وهو أمر سبق ان نسبناه إلى الفارق الحاصل في التقابل بين ما هو متناه، كاللغة، وما هو غير متناه، كالواقع.
وينطبق هذا الحال على التحديدات الانشائية والقيمية المرتبطة بالواقع الخارجي، فهي كالقضايا التقريرية لا يمكن التعامل معها إلا على نحو النقص والتحديد الإجمالي كالسابق.
وهنا نعود إلى صلب السؤال المركزي الذي بدأنا به البحث: إذ علمنا ان تعريف القضايا، ومنها الخارجية والقيمية، لا ينفك عن التحديد المجمل كما تدل عليه المشكلتان الأخيرتان من مشاكل التعريف الثلاث الآنفة الذكر، لكن ما الذي نعنيه بالمجمل؟ أو ما هو تعريف المجمل بالذات؟
لا بد من التذكير اننا بصدد تعريف إجمالي، لإستحالة فعل غيره كما قدمنا. كما إننا بصدد قضية مجردة ليست خارجية رغم العلاقة التي تشدها إليها. فكما قلنا إن كل قضية لا تخلو من عناصر مجملة في علاقتها بالمصاديق، وان هناك اختلافاً بين القضايا فيما تحمله من النسب المجملة، فبعضها أشد اجمالاً من البعض الآخر.
وبالتالي فلدينا قضايا قليلة الإجمال مقارنة بقضايا أخرى أكثر تعقيداً واجمالاً، طالما أن القضايا بعضها يتأسس على البعض الآخر.
فما من قضية نعدها مفصلة إلا وهي مفصلة بالنسبة إلى قضية أكثر اجمالاً منها، مع أنها تظل مجملة بالنسبة إلى غيرها.
وهذا يعني ان تحديد المجمل هو تحديد نسبي في علاقته بما يقابله من المفصل. فالمجمل هو ما يتصف بالعموم والاشتراك دون الخصوص والانفراد، وعلى عكسه المفصل. أو يمكن القول إن المجمل من الناحية الاجرائية فيه شيء من التفصيل والبيان، وهو ما يبديه من العموم والاشتراك دون ما يقابله من الخصوص. أو هو ذلك المبين من حيث اجماله، لكنه متشابه من حيث تفصيله. أما المفصل فيفترض ان يكون مبيناً في تفصيله من غير تشابه. لكن لمّا تعذر وجود مفصل تام التفصيل، إذ كل تحديد لا يخلو من اجمال، لذلك فإن تحديد المجمل والمفصل هو تحديد اجرائي ونسبي على الدوام.
ومع ان علماء المسلمين عرّفوا المجمل بأنه ‹‹ما لم تتضح دلالته››، وفي قباله المبيّن الذي تتضح دلالته[3]، فالملاحظ وعادة ما يشير نفس العلماء إلى ذلك هو ان المجمل ليس ذلك الذي لم تتضح دلالته كلياً وعلى اطلاق، وإلا لكان ضمن المبهم، إنما له دلالة واضحة مفادها العموم والاشتراك دون الخصوص والانفراد. أي ان القضية المجملة هي مبينة ومفصلة من جانب دون آخر، أو أنها علم وجهل، وبالتالي فانها تمتاز بصفة الاحتمال التي تجتمع فيها المعرفة والجهل. ومن القدماء من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد[4].
وحديثاً أقام المفكر محمد باقر الصدر تفسيره للاحتمال طبقاً للعلم المجمل، واعتبر العلم الاحتمالي من العلم المجمل. ففي هذا العلم هناك أكثر من طرف محتمل. والمجمل بحسب هذا التحديد هو علم كلي غير محدد، وله أطراف محتملة، وان كل طرف من أطرافه يُحتمل ان يمثل معلوم هذا العلم الكلي.
وقد عدّ المفكر الصدر نوعين لهذا المجمل: أحدهما قائم على التشابه أو الإشتباه؛ كعلمنا بفقدان كتاب ما لا على التعيين، أو علمنا بأن أحد طلاب الصف غائب دون ان نعلم بوجه التحديد من هو الغائب بالذات، فهل هو زيد أو عمر أو خالد..؟ والآخر قائم على التمانع أو التنافي العقلي؛ كعلمنا بأن تلك الكتابة ليست سوداء وزرقاء معاً، أو في الوقت نفسه، فقد تكون سوداء، وقد تكون زرقاء، وقد تكون غير هذه وتلك، ولكن لا يمكن أن تكون سوداء وزرقاء معاً، لعلمنا باستحالة اجتماع المتنافيات حسب شروط التنافي، وكعلمنا بأن وقوع الزهرة المنتظمة على الأرض لا يُظهر لنا - في الجهة العليا - الآسين رقم (1) ورقم (2) معاً. فالملاحظ في العلم الإجمالي الأخير ان أطرافه متنافية، فظهور الآس (1) يتنافى مع ظهور الآس (2) أو مع أي آس آخر في قطعة الزهر، فإذا صدق أحدها أو بعضها انتفى الآخر، وان التنافي يشير إلى أن بعضها يمثل حقيقة العلم الكلي لا على التحديد. أما العلم الإجمالي الأول فلا شك ان أطرافه ليست متنافية، بمعنى ان من الممكن ان يجتمع اثنان منها على الأقل. فمثلاً لو كان لدي عشرة أصدقاء أعلم اجمالاً ان بعضهم وربما كلهم سيزوروني؛ فإن الأطراف العشرة المحتملة ليست أطرافاً متنافية، بل يمكن ان تجتمع كلها بخلاف ما عليه النوع الآخر من العلم المجمل. ولو ان بعض الناس أخبرنا بولادة مولود لا نعرف عدده ولا جنسه سوى أنه ليس خنثى ولا يزيد على اثنين؛ فهذا يعني ان من المحتمل ان يجتمع طرفا العلم الإجمالي ويكون المولود عبارة عن اثنين لا واحد. لكن رغم ذلك فإن من الممكن تحويل هذا العلم إلى علم إجمالي متنافي الأطراف، كالذي تناوله الصدر بالتفصيل في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)[5].
فهذا هو الفهم المنطقي للعلاقة بين المجمل وأطرافه المحتملة كما قدمه الصدر. لكن ما يعنينا ليس الفهم المنطقي ولا ما يتضارب معه. إذ لما كانت دراستنا متعلقة بالقضايا اللغوية، وحيث أن هذه القضايا مركبة، لهذا فإنها قد تحمل مزيجاً من البيان والاجمال، أو العلم والتشابه، الأمر الذي يقتضي فهماً خاصاً للنص ينطلق من حقيقة ما تحتّمه اللغة من طبيعة إجمالية ملتبسة بالتشابه كما عرفنا. مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظتين كما يلي:
الأولى: حصول ظاهرة التفاوت في مستوى الإجمال والتفصيل لدى الناظرين. فقد يرى باحث مسألة ما بأنها مجملة متشابهة إلى حد كبير، في حين يرى آخر أنها ليست بهذا الحد من الإجمال والتشابه. لكن سواء هذا أو ذاك فإن حقيقة النص اللغوي لا يسعها ان تنفك عن صورة المجمل قلّ أو كثر.
الثانية: إن التشابه تارة يكون ذاتياً عندما ينبع من ذات النص وليس بأمر عارض خارجي، وأخرى عارضاً بفعل تغايرات الواقع، دون أن يكون له علاقة بالنص ذاته، فمثلاً قد يكون النص اللغوي بيّناً في تطبيقه على الظرف الذي قصده الخطاب، لكنه متشابه فيما عدا ذلك من الظروف.
هكذا نخلص إلى أنه لا يمكن فهم النص الديني فهماً متسقاً إلا إذا اعتبرنا مضامينه - قلّت أو كثرت - مجملة متشابهة، سواء نبع التشابه من النص ذاته، أو بفعل عارضية الواقع وتغايراته. وهو ما يتطلب تفعيل الدلالات الثلاث (المقصدية والواقعية والعقلية)، وذلك لحلّ الإلتباس الحاصل في هذه المضامين وما يعتريها من إجمال وتشابه، دون التغاضي عما يظهر فيها - في الوقت ذاته - من بيان وتفصيل.
أقسام المجمل
إن ما يهمنا في بحث المجمل هو معرفة العلاقات الدائرة بين المجمل والمفصل، والمبين والمتشابه. وبالتالي فمن الممكن تقسيم المجمل اللغوي إلى قسمين أساسيين؛ هما: المجمل المتشابه والمجمل المبين، ولكل منهما تفريعاته الخاصة كالآتي:
1 ـ المجمل المتشابه
يتميز هذا المجمل بكونه متشابهاً في الأصل سواء في مفصلاته أو في اجماله، بمعنى أنه لا يحمل معنى مشتركاً واحداً في اجماله، وانما يتردد بأكثر من معنى.
صحيح أنه من الناحية المنطقية لا يخلو هذا المجمل من بيان، غير أننا بصدد القضية الخارجية التي ليس فيها بيان محدد، وإنما يتردد الأمر بين أكثر من طرف من أطراف القضية، كوجود الشيء وعدمه، أو ان البيان منحصر مصداقه في التردد بين عدد من الأطراف لا يجمعها معنى وجودي مشترك واحد، فهو عبارة عما يُعبّر عنه بهذه الصيغة: إما وإما.. وبالتالي فإن كل طرف من الأطراف المتشابهة يحتمل أن يكون الممثل الحقيقي للمجمل.
وهذا النوع هو الذي توقف عنده العلماء باعتباره يمثل حقيقة المجمل، ولولاه ما صح الإجمال.
فعلماء الأصول والقرآن عرّفوا المجمل بأنه النص الذي لا تتضح دلالته، خلافاً للمبين. وقد ذكروا العديد من الصور للمجمل اللغوي في النص وأشاروا إليها بضروب من الأمثلة القرآنية، منها الاشتراك اللفظي والحذف واختلاف مرجع الضمير واحتمال العطف والاستئناف وغرابة اللفظ وعدم كثرة الاستعمال والتقديم والتأخير وقلب المنقول والتكرير القاطع لوصل الكلام في الظاهر[6].
وللمجمل المتشابه صورتان كما يلي:
أـ مجمل تضادي:
والمقصود به أن تتنافى مفصلات هذا المجمل المتشابه بعضها مع البعض الآخر، فاذا صدق بعضها فإن البعض الآخر يكون كاذباً، فهي بالتالي محتملات بعضها ينافي البعض الآخر، مثل حالة التردد فيما لو كان الحكم الشرعي لمسألة ما هو الحرمة أو الحلية، فلو كان الحكم الحقيقي فيها هو الحرمة لانتفت الحلية، ولما جاز ان تجتمع معها - في الوقت ذاته - على نفس الموضوع، والعكس صحيح أيضاً، مثلما تحصل حالة التردد في رمي قطعة الزهر المنتظمة، فإن ظهور أي وجه منها يتنافى مع ظهور الوجوه الأخرى كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ب ـ مجمل جمعي:
والمقصود به أن لا تتنافى مفصلات هذا المجمل المتشابه بعضها مع البعض الآخر، فاذا صدق بعضها فلا مانع من ان يصدق البعض الآخر معها.
إذ قد تكون القضية مركبة من جمع من المتشابهات غير المتنافية، حيث ان صدق بعضها لا يتعارض مع صدق البعض الآخر. فمثلاً قد تكون القضية مركبة من متشابه السند ومتشابه الدلالة. ولا تعارض بين هذين الأمرين، ولا مانع من أن يصدق طرف من السند مع طرف آخر من الدلالة، أو يكذبان سوية، أو يصدق أحدهما مع كذب الآخر.
وينقسم المجمل المتشابه - من جانب آخر - إلى متشابه ذاتي يعود إلى النص سنداً أو دلالة، والى متشابه عارض يتعلق بالقضايا المستجدة التي يفرزها الواقع والتي لم يرد حولها نص ليحكم عليها بالسلب أو الايجاب. وسيتضح لنا تفصيل ذلك فيما بعد.
2 ـ المجمل المبين
على الرغم من أنه يُشترط في المجمل حالة التشابه، كما يرى العلماء، لكن في إضافتنا للمجمل المبين ما يفيد الغرض؛ لكون القضايا اللغوية مركبة يختلط فيها البيان والتشابه من دون فصل.
وللمجمل المبين قسمان: مجمل ذاتي حيث التشابه فيه مصدره النص، ومجمل عارض لكون التشابه فيه نابعاً من عوامل خارجية عارضة.
ومصدر البيان لدى المجمل الذاتي نابع إما من حيث اجماله أو من حيث بعض مفصلاته. وهو لا بد من أن يحمل عدداً من المفصلات المتشابهة. واستناداً إلى مصدر بيانيته يمكن تقسيمه إلى قسمين هما: المبين الاستقرائي (الاستدلالي) والمبين الأصلي.
ويمتاز المبين الاستقرائي بأن بيانه المجمل مستمد مما يحمله من مفصلات، رغم ان هذه المفصلات ليست بيّنة من حيث انفرادها وانفصالها. لذلك فالبيان بحسب هذا المجمل هو من النوع المعنوي المشترك أو العام. في حين يمتاز البيان في المجمل الأصلي بأنه نابع ومتأصل من نفس النص.
إذاً، لدينا في المجمل المبين ثلاثة أنماط، هي العارض والاستقرائي والأصلي، والأخيران ينضويان تحت المجمل الذاتي. وتفصيل الحديث عنها سيكون كما يلي:
أ ـ المجمل العارض
وميزة هذا النوع هي أن الإجمال فيه متولد عن العوامل العارضة. وهو بيّن في بعض أطرافه وليس بإجماله، والتشابه في إجماله ليس ذاتياً من حيث الأصل، بل ناتج عن عوامل خارجية.
وبعبارة أخرى، إن لهذا المجمل عدداً من المفصلات المبينة، لكن لحدوث بعض العوارض الخارجية تتشكل مفصلات أخرى متشابهة. أي أن هذه المفصلات تتضمن مجملات فيها أطراف متشابهة.
فمثلاً عندما تتصف الأحكام الشرعية المسماة بـ (الاحكام التفصيلية) بالوضوح والبيان، سواء دلّت على الحرمة أو الوجوب أو الإباحة، تصبح أحكاماً مجملة من النوع العارض، وذلك إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار كونها تحمل أكثر من طرف محدد، وهو أنها في بعض أطرافها المتعلقة بالحالة أو الواقع الخاص تكون مبينة، لكنها في غير تلك الحالة أو الواقع تصبح مجملة متشابهة. فالإجمال أو التشابه ينشأ حول ما إذا كانت هذه الأحكام تخص تلك الحالة والواقع، أو أنها شاملة لما عدا ذلك.
وبالتالي فإن لهذا المجمل فرضين محتملين هما الشمول والخصوص. والأخير يعد - كما علمنا - من المفصلات المبينة، إذ هو مما ينطبق عليه الحكم، أما الشمول فهو مورد الشك والاحتمال، وهو بنوع من الاعتبار يكون من المفصلات المتشابهة، لكنه يبقى معبراً عن كونه مجملاً متشابهاً. وبالتالي فالتشابه في هذا المجمل هو تشابه عارض غير ذاتي أو مستند إلى النص كالذي سيأتي مع المجمل الذاتي بنوعيه.
مع هذا ينقسم المجمل العارض إلى صنفين تبعاً لمنشأ ما يحمله من بيان. إذ تارة يكون منشأً البيان فيه عائداً إلى النص، كما أسلفنا، وأخرى إلى الوجدان العقلي، وذلك فيما لو كانت القضية الخارجية ضمن ظروف وحالات معينة بيّنة وجداناً؛ لإرتباطها بأحكام العقل العملي، الا أنها مجملة ومتشابهة فيما عدا هذه الظروف والحالات. لكن عموماً سيبقى محور بحثنا متعلقاً بالبيان اللغوي النصي وليس العقل.
ب ـ المجمل الاستقرائي
وله خصوصيتان تميزانه عن غيره من المجملات، إحداهما ان البيان فيه مستدل عليه بالطريقة الاستقرائية، أو على الأقل إن البيان ناجم عن كثرة ما تدل عليه القرائن الاحتمالية. فالبيان بهذا الاعتبار ليس ذاتياً بحسب المنطوق اللغوي. كما يمتلك ميزة أخرى متممة، وهي أن البيان فيه متحقق رغم وجود التشابه في جميع مفصلاته، بل إن الفضل في توليد هذا البيان (المجمل) يعود إلى ذات المفصلات المتشابهة. وأن هناك تعاضداً بين الأطراف المفصلة المتشابهة لتوليد المعلوم الكلي للمجمل من دون تضاد أو معارضة. بمعنى أن هناك عدداً من الأطراف تجتمع كحد أدنى لتوليد ذلك المعلوم، أما الحد الأعلى الممكن فهو جميع الأطراف بلا تنازع ولا معارضة. ويظل أن كل طرف من هذه الأطراف يُحتمل أن يمثل ذلك المعلوم بلا تعارض فيما بينها.
هكذا يُنتزع البيان المجمل من الأطراف المتشابهة، وعملية الانتزاع هي ممارسة استدلالية تخص هذا النوع دون غيره من الأنواع الإجمالية الأخرى. فمثلاً إن المقاصد الضرورية للشريعة هي مقاصد منتزعة من أمثلة كثيرة، لكن ليس كل واحد منها يمكن ان يدل على ذلك الأمر المعلوم. وكذا لو فرضنا ان كل ظاهر قرآني حول عصمة الانبياء يفتقر إلى البيان الكافي لنفي العصمة المطلقة، فمع ذلك نجد أن كثرة القرائن التي تدل عليها عشرات الآيات تفضي إلى تكوين البيان الكلي لنفي ذلك النوع من العصمة.
لذا ففي المجمل الاستقرائي رغم أن أخذ القرائن منعزلة ومجزأة يجعلها محتملة؛ الا أن إجتماعها نحو محور محدد مشترك يفضي إلى توليد بيان مجمل عام غير مخصص بفرد ما من أفراده. مع أخذ اعتبار التفاوت الحاصل في القوة البيانية للأفراد المحتملة، إذ إنها تتباين من حيث درجة دلالتها البيانية إتجاه المحور العام المجمل. كما لو فرضنا ان لبعض الأفراد قوة بيانية تكفي للدلالة على المطلوب؛ فيصبح ما عدا ذلك من الأفراد يفيد التأكيد على المحور دون تأسيسه. وفي جميع الأحوال لا غنى عن تعاضد الأفراد وتساند القرائن المختلفة لبناء الدلالة البيانية للمحور المشترك العام.
ج ـ المجمل الأصلي
وميزته أنه بيّن في اجماله من حيث الأصل أو النص، كما إن منبع التشابه في مفصلاته يعود إلى النص أيضاً. فتارة تتصف جميع مفصلاته بالتشابه، وأخرى يتصف بعضها بذلك فيما يتصف البعض الآخر بالبيان. وعليه فهو على نوعين: بسيط ومركب، والأول ليس فيه الا متشابهات نهائية، بينما يحتضن الثاني مفصلات هي بدورها مجملة تنتهي في الأخير إلى تفريعات متشابهة نهائية.
المجمل الأصلي البسيط:
وهو عبارة عن مجمل بيّن من حيث الأصل أو النص، لكن جميع أطرافه المفصلة متشابهة. وفارق هذا النوع عن المجمل الاستقرائي، هو أن الأخير يستمد بيانه المجمل من أطرافه المتشابهة، في حين إن البيان في المجمل البسيط مستمد من النص مباشرة أو ذاتياً دون علاقة بالأطراف المتشابهة، بل إن هذه الأطراف تنتزع من المجمل المعلوم، فلولا الأخير ما علمنا بالأطراف نفسها. وبعبارة أخرى، إن الأطراف في المجمل البسيط تتشكل طبقاً للمجمل المعلوم، وليس العكس كما هو الحال مع المجمل الاستقرائي.
ومن الأمثلة على المجمل البسيط كل ما يصلنا من أحكام مجملة البيان مع التردد في تفاصيلها. فقد نتردد في حكم مجمل يفيد الطلب المعلوم إن كان هذا الطلب على سبيل الاستحباب أو الوجوب، وكذا عند النهي؛ إن كان النهي نهي كراهة أو تحريم. وأيضاً عند التردد في الأمر إن كان مولوياً أو ارشادياً..
المجمل الأصلي المركب:
وهو مجمل نصي يحمل مفصلات تكون بدورها مجملات لما تحتها من مفصلات نصية، وهكذا حتى تؤول إلى مفصلات نهائية متشابهة.
وبعبارة أخرى، يعبّر هذا المجمل عن قضايا بعضها مركب من البعض الآخر، فهي وإن كانت بيّنة من حيث الأصل، الا أن تفريعاتها التالية تعبّر عن ضمنيات مجملة قد تكون بيّنة أو متشابهة، لكنها في النتيجة لا بد أن تنتهي إلى مفصلات متشابهة أخيرة.
فمثلاً قضايا العبادات العامة كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها؛ يعبّر كل منها عن المجمل المبين المركب، وذلك لما تحمله من مفصلات بدورها تكون مجملات لما تحتها من تفريعات. ففي هيئة الصلاة - مثلاً – نجد جملة من المفصلات كالركعات والسجدات والتسبيحات وغيرها. كما إن كلاً من هذه الأعمال تتفرع إلى ما تحتها، فالركعة تتفرع – مثلاً – إلى عدد من المفصلات المجملة المتشابهة، إذ مضامينها تبعث على الخلاف، كالخلاف الحاصل حول قراءة البسملة والجهر والإخفات وغيرها، لذا تعد من المجملات المتشابهة. ومن ثم فالصلاة كقضية عامة تتضمن مفصلات بيّنة، كما تتضمن مفصلات تالية متشابهة.
***
وحول المقارنة بين المجملين البسيط والمركب نجد أن كليهما يحملان مفصلات متشابهة، لكن هذه المفصلات لدى المجمل البسيط هي مفصلات مباشرة نهائية لا تتفرع بدورها لما تحتها. في حين للمجمل المركب مفصلات بعضها مباشر والبعض الآخر غير مباشر، أو أن بعضها يتوسط من خلال البعض الآخر، وأن المتوسطات قد تكون بيّنة أو متشابهة، لكن في جميع الأحوال لا بد من أن تؤول المفصلات إلى متشابهات نهائية.
وبعبارة ثانية، يحمل المجمل المركب مجملات ضمنية لها مفصلات فرعية، بعضها نهائية متشابهة دوماً، والبعض الآخر توسطية قد تكون بيّنة أو متشابهة. أي قد تنشأ في هذا المجمل مفصلات مجملة متشابهة تتفرع عنها مفصلات ثانية متشابهة وهكذا. فلا مانع من أن تتأسس التفريعات المتشابهة على مجملات مثلها؛ طالما كان المجمل في البدء مجملاً بيّناً يتمايز فيه عن المجمل المتشابه الذي يخلو من البيان كلياً.
ويتميز المجمل المركب عن البسيط في أن الأخير لا يتفرع الا إلى مفصلات متشابهة مباشرة، فهو بالتالي لا يحمل مجملات ضمنية كما هو الحال مع المجمل المركب.
ومن الناحية المنطقية تتصف التفريعات المجملة البيّنة في المجمل المركب بأنها أضعف بياناً من أصولها، فقراءة سورة الفاتحة في الصلاة مثلاً هي مجملة بيّنة، لكنها أضعف بياناً من المجمل الخاص بعموم الصلاة ذاتها. كذلك فإن التفريعات المتشابهة تكون هي الأخرى أشد تشابهاً من أصولها المجملة المتشابهة، ذلك ان الفرع يتوقف على صدق الأصل، والعكس غير صحيح، بمعنى أن الأصل لا يتوقف على صدق الفرع ما لم تكن العلاقة بينهما متلازمة.
ملاحظات استنتاجية
يتبين مما سبق عدة أمور كالتالي:
1ـ تحصل أحياناً جملة من التداخلات بين المجملات السابقة. فقد يتداخل المجمل العارض مع المجمل الأصلي. وهو ما ينطبق على ما ذكرناه من التكاليف العامة. فقد علمنا ان المفصلات المباشرة للتكاليف الخاصة بالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها لها تفريعات أخرى تنتهي إلى متشابهات كتلك المتعلقة بكيفية الركعة في الصلاة. لكن من ناحية ثانية، يجوز للأحكام التكليفية البيّنة – كالعبادات المذكورة - أن تخضع لحكم المجمل العارض، إذ تنشأ من مبينات هذا المجمل متشابهات عارضة كما سيتضح لنا فيما بعد.
كما قد يحصل تداخل بين المجمل الاستقرائي من جهة، والمجملين الأصلي والعارض من جهة ثانية. فقد تكون الدلالات الجزئية للنصوص المختلفة بيّنة، سواء على نحو المجمل الأصلي أو العارض، لكنها تتضمن وراء هذه البيانات المختلفة بياناً آخر كلياً لا تدل عليه النصوص منفردة أو مستقلة بعضها عن البعض الآخر. فمثلاً هناك نصوص بيّنة كثيرة عن أحكام المعاملات المالية، وهي من حيث استقلالية بعضها عن البعض الآخر لا تفيد الا المعنى الذي يخصها، لكنها إذا أُخذت مجتمعة فإن لها بعض الدلالات العامة المشتركة الجديدة التي لا يدل عليها نص بعينه، ومن ذلك المقصد الشرعي العام المتمثل في الحفاظ على المال.
2ـ إن المجمل الذاتي بصنفيه الاستقرائي والأصلي لا بد من أن يتضمن المجمل العارض في أي مستوى من مستويات التفريع، والعكس ليس ضرورياً. أي ليس بالضرورة ان ينضم المجمل العارض ضمن المجمل الذاتي. إذ إن المجمل العارض الناشئ عن الوجدان العقلي هو مجمل مستقل عن المجمل الذاتي. فمثلاً قد تكون أحكام المصلحة العقلية والحسن والقبح العقليين بيّنة في موارد موضوعية معينة يشهد عليها الوجدان، الا أنها خارج هذه الموارد يمكن أن يكتنفها التشابه والإجمال. وبالتالي فلكل مجمل ذاتي يوجد مجمل عارض، أما الأخير فيمكن ان يكون مستقلاً، كما يمكن ان يكون ضمن المجمل المذكور بصنفيه.
3ـ تختلف أقسام المجمل المبين من حيث موضع بيانها: فتارة يكون البيان في المفصل دون المجمل، كما في المجمل العارض، إذ المفصل مبين من حيث الأصل. وأخرى يكون في المجمل ذاته دون المفصل، كما في المجمل الاستقرائي والمجمل الأصلي البسيط وبعض حالات المجمل المركب. وثالثة يكون في كليهما، كما في الحالات الأخرى للمجمل المركب. أما من حيث التشابه: فتارة يكون التشابه في كل من المجمل والمفصل، كما في المجمل المتشابه. وأخرى في المجمل فقط، كما في العارض، إذ المجمل هنا طارئ على المفصل المبين. وثالثة في المفصل فقط، كما في المجمل الاستقرائي والمجمل البسيط وبعض حالات المجمل المركب.
4ـ إن التشابه في المجمل تارة يكون مصدره النص، كما في المجمل الذاتي بصنفيه وبعض حالات المجمل المتشابه. وأخرى بفعل عوامل عارضة نابعة من تغايرات الحالات والأحوال وظروف الواقع، كما في المجمل العارض. وثالثة بفعل علاقته بصحة صدور النص، أو ما يُعرف بإثبات السند، كما هو شأن بعض حالات المجمل المتشابه والمجمل الاستقرائي.
5ـ إن المجمل المبين، وكذا المجمل المتشابه، يقومان على المفصل المتشابه. لكن ليس في المجمل المتشابه سوى التشابه، سواء على صعيد المجمل أو المفصل، في حين لا بد من أن يكون هناك بيان في المجمل المبين، سواء على صعيد المجمل أو المفصل أو من خلالهما معاً.
كذلك ان المجمل المبين الذاتي (الاصلي والاستقرائي) يحمل كلا التشابهين الذاتي والعارض، ومثله المجمل المتشابه الذي ينقسم بدوره إلى متشابه ذاتي وعارض. أما المجمل العارض فهو يحمل التشابه العارض فقط.
6ـ في أحيان معينة قد تبدو بعض الأمثلة قابلة للصياغة ضمن أكثر من نمط محدد من أنماط المجمل. فمثلاً ورد في بعض الروايات ان أحدهم سأل النبي (ص) عن وجوب الحج عند الاستطاعة بحسب آية الحج؛ هل المقصود فيها اتيان الحج مرة واحدة في العمر أم في كل مرة تتحقق الاستطاعة؟
ففي هذه الحالة يمكن صياغة المثال ضمن نمط المجمل الأصلي، وذلك عندما نعتبر الحج - كأمر كلي - مجملاً له طرفان متشابهان بحسب ما في ذهن السائل، وهما اتيان الحج مرة أو كل مرة تتوفر فيها الاستطاعة. حيث ان ظاهر النص - بحسب فهم السائل - ينطوي على تشابه ذاتي رغم بيانيته المجملة. الأمر الذي يبرر جعله ضمن المجمل الأصلي.
لكن من ناحية أخرى، يمكن وضع المثال في اطار المجمل العارض، وذلك إذا ما أخذنا باعتبار ان هذا المجمل يمتلك صفة الاحتفاظ بطرف يتعلق بحالات التكرار أو الشمول الدائم، بالإضافة إلى الطرف المتعلق بالحالة الواحدة. إذ لا بد من أن تتوفر فيه خصوصيتان، إحداهما أن تحصل حالة مفصلة ومبينة في الوقت ذاته، أما الأخرى فلا بد من أن ترد مقابل تلك الحالة حالات مجملة متشابهة، وهي حالات التكرار والشمول، الأمر الذي ينطبق على المثال المذكور، فالإتيان بالحج معلوم ولو لمرة واحدة، والتشابه ينطبق على ما يخص غير هذه المرة؛ فهل هو واجب على دوام الاستطاعة أم لا؟
مع هذا فالصحيح ان من المناسب طي المثال ضمن المجمل الأصلي لا العارض، تبعاً لمعيار كون التشابه الوارد في المثال هو تشابه ذاتي وليس عارضاً عليه من الخارج، وان اتصافه بصفة التكرار والشمول مثلما هو حال المجمل العارض ليس كافياً لتبرير انضمامه إليه. إذ نعتمد في المجمل العارض على فاعلية عوامل أخرى هي التي تحقق مضمون هذا المجمل.
7ـ إن سلامة المجمل الأصلي ومبرر وجوده - وكذا العارض إن كان منشأ بيانه النص - يتوقفان على المجمل الاستقرائي من جهة السند دون عكس. فلو افترضنا ان المجمل الأصلي لا يبرره المجمل السندي الاستقرائي؛ فإن ذلك سيخل بقيمة المجمل الأول باعتباره يفتقر إلى الدليل الخاص بمصدر صدوره، طالما لم تدل على صدقه دلالة أجنبية، مثلما يحصل أحياناً لبعض النصوص من الدعم العلمي الحديث.
هكذا فالنص قائم على نوع من السند؛ أحادياً كان أم تواترياً، وان التعويل على الأخذ بالتواتر إنما يبرره المجمل الاستقرائي، كما إن الأحادي عندما يحتف بقرائن متنوعة أخرى كافية تدعم معناه فإنه يجد هو الآخر تبريره عند المجمل الاستقرائي.
8ـ مثلما ينقسم الإدراك إلى فاعل ومنفعل؛ فكذا هو الحال مع النص، وان العلاقة بينهما عكسية، فكلما كان النص فاعلاً ومؤثراً كان الإدراك المتعلق به منفعلاً ومتأثراً، والعكس بالعكس، وهو ما يحصل بفعل تأثير القبليات المعرفية، كالذي أشرنا إليه في (علم الطريقة). وطبقاً لهذا التقسيم يعبّر المجمل الأصلي عن الدور الفاعل للنص، في حين يتخذ الإدراك دور المنفعل. أما المجمل العارض فعلى خلافه يعبّر عن الدور الفاعل للادراك على نحو تقييد الفعل المعرفي للنص. وبالتالي يتضح بأن النص هو فاعل ومنفعل باعتبارين مختلفين. مما يعني اننا لسنا بصدد تأويل النص كالذي تمارسه الدائرة العقلية لدى تراثنا المعرفي، فالواقع لا يضطرنا إلى مثل هذا التأويل، وهو يحافظ على روح النص ومضمونه في افادته للظاهر، وإن كان يعمل على توجيه مساره ضمن الحدود البينة، بتبيان ما يحمله من حجم السعة والإمتداد.
9ـ إن سبب الإجمال والتشابه في المجمل المبين بشطريه (الذاتي والعارض الذي منشأ بيانه النص) ينبع من الضرورة اللغوية في تحديدها للاشياء الخارجية. فمهما كان حجم الوضوح لدى النص اللغوي فإنه يظل عاجزاً عن التحديد التام لماهية الأشياء فهماً وحكماً. وقد مرّ معنا في مطلع هذا البحث كيف ان تعريف الأشياء أو تحديدها لغوياً ليس بوسعه تفادي ظاهرتي النقص والاجمال للكشف عن الموضوع الخارجي. إذ عرفنا بأن التعريف - أياً كان - لا ينطبق على موارد معينة فيكون ناقصاً، كما أنه يواجه الالتباس في حالات أخرى فيكون مجملاً؛ سواء في عرض التعريف أو طوله. فكل ذلك يبيّن ان تحديداتنا اللغوية هي تحديدات ناقصة ومجملة لا يمكنها أن تتطابق مع التغايرات غير المتناهية للواقع. والنص الديني لا يتجاوز هذه الحقيقة اللغوية. فلا يمكن للنص - مهما كان - ان يتخلص من مشكلتي نقص التحديد والإجمال. فما لم تكن لغتنا الفعلية سائرة بما لا نهاية له من التحديدات فلن يسعنا فعل شيء حيال هاتين المشكلتين.
10ـ إذا كانت مشكلة النص ذات بعدين: فمن جهة ان لها علاقة بنقص التحديد، حيث لا يمكن تحديد الموضوعات الخارجية بمفهوم دقيق جامع مانع، فيتعذر الحكم عليها بدقة، كما إنها من جهة أخرى ذات علاقة بالالتباس والاجمال، حيث لا يخلو التحديد والحكم من موارد الالتباس التي تحمل في طياتها الإجمال.. فاذا كانت هذه هي مشكلة النص؛ فلا مناص - حينها - من الإعتماد على عناصر أخرى وظيفتها التدقيق وتلافي النقص المذكور وفك الإجمال قدر الامكان. فهناك عناصر مشتركة تساهم في حل الإشكالية المذكورة، وتتمثل في كل من الواقع والوجدان والمقاصد. إذ إن عدم مشاركة هذه العناصر في حل الإشكالية المشار إليها سيفضي إلى تعارضٍ بين ما يُفهم من الحكم وفقًا للأسلوب اللغوي من جهة، وبين المقاصد والواقع من جهة أخرى، وذلك بسبب القيود التي تمتاز بها اللغة، بما في ذلك لغة النص، حيث إنها لا توازي التغيرات غير المتناهية في الواقع. وعليه لا بد من إثارة تساؤلات محددة وإشكاليات حقيقية لها علاقة بما ذكرنا.
لنفترض - مثلاً - ان الشارع الحكيم أورد نصاً مفاده: (اكرم العالِم). فالنظر إلى هذا النص يجعلنا ندرك أنه يتضمن كل علامات البيان والنقص والالتباس المجمل معاً. ولنتجاوز في البداية تحديد المقصود بالعالم وحدوده، وكذلك مفهوم الإكرام، ولنفترض انهما واضحان تماماً، مع هذا يُثار إشكال حول مقصود النص إن كان يعبّر عن مطلق العالِم أم لا. وبالتالي لا بد من العمل على تقسيمه.
لكن التقسيم تارة يكون بعيداً عن الحدس المقاصدي، وأخرى يندرج ضمن هذا الحدس. فالملاحظ ان التقسيم الأول هو تقسيم فارغ لا يعني شيئاً بحسب الإدراك الوجداني، من حيث ان الشارع الحكيم ليس بصدده، وبالتالي لا جدوى من تفكيك النص إلى نوع من الإجمال يحمل تساؤلاً حول ما إذا كان ما يقصده النص مطلق العالِم، أم علماء محددين ببشرة لونية معينة أو أوطان أو قوميات محددة؟ فكل ذلك يعتبر من التساؤلات غير المجدية لعدم ارتباطها بمقاصد التشريع. فوجداننا الحدسي لا يسمح لنا التمسك بمثل هذه التقسيمات على محمل الجد، وبالتالي فالبحث فيها لا يجدي نفعاً. وهو على شاكلة ما وقع به اليهود من تورط عندما سألوا عن شكل البقرة التي أُمروا بذبحها مما ينافي القصد في الأمر، لذلك فقد ضيّق الله عليهم كلما زادوا من أسئلتهم العابثة[7].
فالسؤال الحقيقي إنما ينبع من تفكيك النص بما له من علاقة بمقاصد التشريع، وذلك عندما نسأل أسئلة مجدية يمكن من خلالها ان نحدد الأطراف المبينة ونميزها عن تلك المتشابهة.
فمثلاً يمكن تقسيم العالِم إلى عالِم خيّر وعالِم شرير، وكذا إلى عالِم مسلم وغير مسلم، وبالتالي تصبح لدينا أطراف متعددة هي بحسب تفكيك النص كما يلي:
1ـ إكرام العالِم المسلم الخير.
2ـ إكرام العالِم المسلم الشرير.
3ـ إكرام العالِم غير المسلم الخير.
4ـ إكرام العالِم غير المسلم الشرير.
هذه أربعة أطراف تتفاوت فيها نسب البيان والالتباس، مع أنها تعود إلى نص مجمل واحد هو (اكرم العالِم). ولأجل التبسيط سنترك النسب الخاصة بالخير والشر وكذا مستوى العلمية والإكرام وحدود كل من هذه المفاهيم التي لا يخفى أنها تعاني من مشكلة المجمل المبين، فضلاً عن نقص التحديد. فكل مفهوم يحمل في ذاته قدرًا من الإجمال فيما يُقصد به، إذ تكون بعض الأطراف مما يصدق عليها المفهوم بوضوح، وبعض آخر يتشابه الأمر فيها، كما إن هناك أطرافاً لا يُحسم أمرها بدقة على نحو الجامع المانع. إذاً، لنكتفي بتلك الأطراف الأربعة على ما فيها من شبكة المجملات الضمنية، وذلك لغرض الايضاح والتبسيط.
فالملاحظ ان الطرف الأول هو من المفصل المبيّن بلا أدنى شك، وبالتالي فإن ما يعنيه النص وفقاً للنظر الابتدائي أنه يلزم - على الأقل - إكرام العالِم المسلم الخير. أما سائر الأطراف فتتفاوت في الاعتبار. فمثلاً يستبعد الطرف الأخير من مقصد النص تماماً، وهو الطرف الذي يقع في القطب الآخر المقابل لقطب الطرف الأول. ويكشف هذا الحال عن حقيقة كون النص لا يمكنه ان يتجنب نقص التحديد، أي أنه في هيئته اللغوية ليس بجامع مانع. في حين إن الطرفين المتوسطين لا يصلان إلى نفس المستوى الذي عليه الطرفان المتضادان، أي ان هذين الأخيرين يمتازان بأولوية الحكم المتقابل، وان الطرفين المتوسطين يشوبهما - كلاً أو بعضاً - قدر من التشابه مقارنة ببيانية الطرفين المتضادين.
وهنا يأتي دور المقاصد لتفكيك النص ومن ثم معالجته وفقاً لما ينطوي عليه من بيان وتشابه. وإذا كان بعض الأصوليين أولى الدليل اللبي - أي غير اللفظي - أهلية لفك مثل هذا الاطلاق أو الإجمال، فإنا نعزو ذلك إلى تصورنا عن مقاصد المتكلم ومنه المشرّع الديني وما له من دور في إعمال ذلك الحل والتفكيك[8].
هكذا يلاحظ في مثالنا السابق ان النص (اكرم العالِم) ينطبق على بعض المصاديق مثل العالِم المسلم الخير، لكنه نص غير مانع، ففي مفهوم (العالِم) وجدنا ذلك المتصف بغير المسلم الشرير، حيث يتضمنه النص من الناحية اللغوية الصرفة، لكن يستبعد هذا المصداق من النص تبعاً لما تدلنا عليه المقاصد. كما إن في النص شيئاً من الالتباس والتشابه، إذ كيف نتعامل مع العالِم الخيّر غير المسلم، فمن الواضح أنه متشابه بدرجة ما، ولا يمكن التخلص من هذا التشابه إلا بالرجوع إلى المقاصد العامة وروح الديانة إن كانت تسمح وترجح فضيلة الخير على رذيلة الكفر أم لا؟
إذاً، فالنص يمتلك وصفين ملازمين، هما نقص التحديد وإلتباس التشابه، وأن معالجة هاتين المشكلتين تتم عبر تفكيك النص تبعاً للمقاصد وعلاقتها بكل من الوجدان العقلي والواقع.
لكن قد يُشكل على ما سبق بأنه إذا كانت الأسئلة المجدية هي تلك التي لها علاقة بمقاصد التشريع؛ فما بال السؤال الذي طرحه بعض الصحابة - كما ورد في الخبر - ووجد فيه النبي (ص) كراهية، مع ان له مساساً واضحاً بتلك المقاصد؟ إذ روى الترمذي والدارقطني عن الإمام علي أنه قال: لما نزلت آية الحج ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾[9]؛ قال جمع من الصحابة: يارسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم. فأنزل الله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾[10]. كما روى الحديث آخرون كمسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وبعضهم حسّنه والبعض الآخر صححه[11].
والجواب هو أن من المقاصد الشرعية التيسير والعفو عما لم يُصرح به، كما ورد في عدد من الآيات الكريمة والكثير من الأحاديث النبوية، مما يجعل الإكثار من الأسئلة نوعًا من التشديد غير المرغوب، إلى درجة جاء في الرواية المذكورة أن النبي (ص) قال في آخر حديثه:‹‹لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم››، وفي رواية أخرى لابن جرير الطبري جاء فيها قوله (ص): ‹‹ولو وجبت لكفرتم، إلا أنه أهلك الذين قبلكم أئمة الحرج››[12]. لذلك كان سلوك النبي (ص) كافيًا للصحابة ليعلموا ما هو المطلوب قدر المستطاع دون الحاجة إلى التعمّق في الاستفسارات التي قد تفضي إلى العسر والمشقة. وجاء في بعض الروايات كما في صحيح البخاري ان النبي (ص) قال: ‹‹إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا..››[13]، وكذا روى أحمد والبخاري عن النبي قوله: ‹‹أحب الدين إلى الله الحنيفة السمحة››[14]، كما جاء في الصحيحين ان النبي (ص) قال: ‹‹يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا››[15].
أصناف المجمل والعلاقة مع النص
سنتناول في بحثنا حول الفهم المجمل كلا نوعيه: المجمل المبين والمجمل المتشابه، مع استعراض تفريعات كل منهما. كما سنناقش المنحى العام للفهم المفصل المألوف، ونقارنه بالفهم المجمل وفق المحاور التالية:
1ـ المجمل المتشابه:
يمكن تقسيم المجمل المتشابه من حيث علاقته بالنص إلى قسمين كما يلي:
أـ المتشابه النصي:
وهو على صنفين؛ أحدهما المتشابه الدلالي، والآخر المتشابه السندي:
المتشابه الدلالي:
ويتحقق عندما يكون النص - أو النصوص - ذا دلالة متشابهة غير قابلة للتحديد البياني المجمل، وذلك عند التدقيق في لغة النص والسياق. والمتشابه بهذا المعنى لا تأثير له ما لم تساعد على فهمه عناصر الواقع والوجدان والمقاصد. ومن ذلك ما ورد ذكره في القرآن الكريم حول بعض الصفات الإلهية، كالاستواء على العرش وامكان رؤية الله وغيرها.
المتشابه السندي:
ويتحقق عندما يكون سند النص متشابهاً لا يفضي إلى الإطمئنان أو العلم بالصدور. فأغلب النصوص هي أخبار آحاد تتضمن سلسلة طويلة من السند، وبهذه الصورة تتضاعف حالة التشابه والاحتمال، فالسلسلة الطويلة تُضعِف من القيمة الاحتمالية لوثاقة الجميع، كما إن التعامل غير المباشر في معرفة رجال السند يُضعِف هو الآخر من هذه القيمة، مما يعمل على كثرة الاحتمالات والتشابه، حيث التوثيق غالباً ما يكون توثيقاً للغائب دون الحاضر[16].
وهناك بعض الفوارق بين التردد في السند والتردد في الدلالة. فالتردد في السند مع القطع بمعنى الدلالة يفرض وجود احتمال حدوث زيادة أجنبية على الخطاب الديني. إذ لو كان السند كاذباً لكان من المرجح ان تكون الدلالة فيه دلالة أجنبية على الخطاب وإن لم نعلم بذلك. ولو فرضنا أننا أهملنا السند؛ فذلك يعني احتمال حدوث نقص وحذف لبعض مضامين الخطاب. في حين إن التردد في الدلالة مع القطع بالسند يفرض وجود احتمال لفعل مزدوج في آن واحد، وهو إضافة دلالة أجنبية على الخطاب مع اخراج دلالة ذاتية منه، أي أنه يقلب ما هو ديني إلى غيره، والعكس بالعكس، وذلك على فرض الأخذ بأي من الدلالات المحتملة. أما عند ترك هذه الدلالات فإنه يحتم انتقاص شيء من معنى الخطاب ما لم يكن المعنى مكرراً في أرجائه الأخرى.
إذاً، الفارق بين الترددين في حالة الأخذ بكل من السند والدلالة، هو ان التردد الأول لا يحمل من الاحتمالات سوى الزيادة على الخطاب عند الأخذ بالسند، كما لا يحمل من هذه الاحتمالات سوى حذف شيء من المضامين عند ترك السند. أما التردد الأخير فيرد فيه احتمال الزيادة على الخطاب والحذف منه معاً، على فرض الأخذ بالدلالة، أي أن فيه ظاهرة التبديل والتغيير. كما يرد فيه النقص المؤكد لمضمون الخطاب على فرض ترك الدلالة كلياً، وذلك ما لم يوجد تكرار في المعنى لدى مضامين الخطاب الأخرى.
ب ـ المتشابه العارض:
ويتحقق عندما نجد حادثة جديدة لا يمكن ردها إلى النص مباشرة، إذ الحكم فيها بحسب النظر الابتدائي حكم متشابه. وعلاج مثل هذا التشابه لا يستند إلى القياس وغيره من مبادئ الاجتهاد المألوفة، وإنما إلى تلك العناصر الفاعلة الثلاثة: الواقع والوجدان والمقاصد. ومن الأمثلة على هذا النوع من التشابه الموقف من التدخين والاستنساخ وتلويث البيئة والمعاملة مع البنوك والتأمين وغيرها من القضايا المستحدثة.
2ـ المجمل المبين:
وهو على ثلاثة أصناف من حيث علاقته بالنص الديني، وذلك كالتالي:
أـ المجمل العارض ومبادئ الفهم الديني
ذكرنا أن للمجمل العارض صنفين أحدهما ينشأ بيانه من النص، والآخر يتأصل بيانه في الوجدان العقلي، وسنقصر الحديث هنا على الأول دون الثاني.
تتحدد الوظيفة الملقاة على عاتق هذا المجمل بتحويل المبين التفصيلي إلى نوع من المجمل، ينطوي على أطراف بعضها مفصلة مبينة والبعض الآخر متشابهة، إضافة إلى الوظيفة التي تُتخذ للكشف عن نقص التحديد اللغوي للنص، أي ذلك المتمثل في افتقار صورة الجامع المانع.
إن الطرف المفصل هو ذلك الذي تم تشخيصه مسبقًا من قبل النص، في حين أن المجمل المتشابه يتجاوز هذه الحالة من التشخيص والتعيين إلى مناطق أخرى مشكوكة وفق النظر الابتدائي. وإذا أضفنا إلى ذلك ما في النص اللغوي من نقص - باعتباره ليس جامعًا مانعًا - فإن الأطراف المتصورة للمجمل العارض يمكن تصنيفها إلى أربعة كما يلي:
1ـ الطرف المبين والمشخص من قبل النص اللغوي، والذي يتطابق مع حالة التنزيل. وهو ما نعبّر عنه بالمنطوق البياني الموجب، أو قل إنه المنطوق.
2ـ الطرف المبين غير المنضم إلى المبين اللغوي أو المنطوق، وإن كان حكمه حكم هذا المبين بحسب النظر الابتدائي أو الوجداني، ولنعبّر عنه بالمفهوم البياني الموجب أو الموافق. وهو أوسع اعتباراً مما كان الأصوليون يسمونه مفهوم الموافقة. مع هذا سنحافظ على هذا المصدر ونطلق عليه ذات المصطلح.
3ـ الطرف المبين غير المنضم إلى المنطوق البياني، كما إن حكمه على خلاف ذلك المبين بحسب النظر الابتدائي، ، ولنعبّر عنه بالمفهوم البياني السالب أو المخالف. وهو أوسع اعتباراً مما كان الأصوليون يسمونه مفهوم المخالفة. لكننا سنحافظ على هذا المصدر ونطلق عليه ذات المصطلح.
4ـ يضاف إلى ذلك هناك الطرف المتشابه الذي لا يُعرف بحسب النظر الابتدائي - على الأقل - إن كان يعود إلى الطرف الثاني أو الثالث. فهو الطرف الذي يحتاج للممارسة الاجتهادية ليعيَّن في أي من الطرفين الأخيرين يوضع إن أمكن. ورغم ذلك فلا بد من أن ترد حدود وسطى ليس بوسع العملية الاجتهادية فرزها وجعلها ضمن أي من الطرفين المتقابلين.
فلو تصورنا خطاً يحمل قطبين على اليمين والشمال، كما يحمل نقاطاً على طوله، فإن القضايا البينة هي تلك التي تكون في القطبين وما يقترب منهما، أما لو بعدنا شيئاً فشيئاً عن القطبين إتجاه الوسط فإن التشابه والاجمال يزداد أكثر فأكثر.
وهذا يعني أن إلتباس الأحكام الشرعية، من حيث الحلية أو الحرمة، وكذا الحلية أو الوجوب، إنما يقع في الحدود الوسطى بين القطبين.
وينطبق هذا الحال على القضايا العلمية. فمثلاً هناك تصورات ثلاثة للون الأحمر: أحدها أنه شكل من أشكال اللون يقع بين نهايتين أو حدين ضمن الطيف الضوئي. وثانيها أنه شكل لوني مسبب عن الأطوال الموجية الواقعة بين طرفين مخصوصين. أما ثالثها فهو التصور الفيزيائي القائل بأنه أمواج لها أطوال تقع بين هذين الطرفين المخصوصين. لكن تظل المشكلة في هذه التعريفات هي أنها غير واضحة من حيث حدود الطرفين[17]. وبالتالي فإذا اعتبرنا الفهم المجمل ينطبق على مركز ما نعدّه لوناً أحمر، سواء بشكله أو بطوله الموجي، فالمشكلة تأتي عندما نبتعد عن دائرة المركز، سواء نحو اليمين أو الشمال، وبطول الموجة أو قصرها. ومن ثم فهناك يقين مفصل عند حد معين، لكنه يصبح متشابهاً ومجملاً كلما ابتعدنا عن هذا الحد.
ويمكن أن يصور لنا هذا الحال طبيعة الأحكام وعلاقتها بالواقع تبعاً للمبين والمتشابه. فكل حكم يحمل بياناً لا بد من أن يتحول إلى تشابه عند الإبتعاد عن دائرة البيان. لهذا نجد في حديث المتشابهات ما يحل هذا الأمر اتساقاً مع المقاصد. فالحديث كما في الصحيحين وغيرهما يقول: ‹‹ان الحلال بيّن وان الحرام بيّن وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه››[18].
فالمتشابه الذي يلزم اجتنابه هو ذلك الذي يقع في دائرة وسطى بين دائرة البيان الموجب وما يعاكسها، والحركة من احدى الدائرتين المتقابلتين إلى الأخرى لا بد من ان تمر ببؤرة التشابه أو الحدود التي لا يعرف إن كانت تعود إلى الدائرة الأولى أو الأخرى. وكأن لدينا ثلاث دوائر، أحدها للبيان الموجب، واخرى للبيان السالب، وثالثة تتقاطع بين الدائرتين فتكون متشابهة لا يعرف إن كانت تعود إلى الأولى أو الثانية.
وفي جميع الأحوال تظل هناك نقاط ملتبسة لا يمكن تحديدها هي مصدر الشبهات، أو المتشابهات التي لا يسع تفصيلها.
هكذا يتضح أن اللغة مجملة لا يسعها أن تكون بينة إلى الدرجة التي تغطي فيه كافة تفاصيل الواقع. فبقدر ما لها من بيان بقدر ما فيها من لبس وتشابه، ولا يمكن القضاء على هذا التلابس والاشتباه، وانما يمكن تخفيفه حسب الأنشطة التي تقوم بها مبادئ الواقع والوجدان والمقاصد.
أنماط التشابه العارض
للتشابه ضمن المجمل العارض أنماط مختلفة بعضها يتعلق بمقدار ما عليه موضوع الحكم المباشر، وبعضها له علاقة بتغايرات الحالات والظروف، كما هناك نمط يرتبط بتغاير النظام الاجتماعي أو الحضاري. وكل ذلك يمكن علاجه طبقاً لأنشطة المبادئ الثلاثة الآنفة الذكر. وعليه فالحديث عن الأنماط السابقة وتوضيح العلاقة الناشئة بينها وبين تلك المبادئ سيكون كالتالي:
1 ـ تغاير المقادير
وهو النموذج الذي يكون فيه الحكم مبيناً وفق بعض المقادير، لكنه متشابه في مقادير أخرى، بغض النظر عن اختلاف الظروف والأحوال. فمثلاً ما ورد في الحكم من النهي عن شرب الخمرة، فمع ان النص القرآني لم يحدد مقدار الشرب، بل ظاهر اللفظ يفيد الاطلاق، لكن عند مراعاة مقصد الحكم؛ يمكننا نقسّم الموضوع إلى مقدارين أحدهما مبين والآخر متشابه.
فالغرض من تجنب الخمرة هو الضرر الناتج عن تناولها، وهو أمر يجعلنا نعلم بأن هناك مجملاً له أطراف أربعة، أحدها الطرف اللغوي المبين (المنطوق)، وطرفين مبينين ومتخالفين في الحكم، وطرف رابع متشابه. أي أنها كالتالي:
1ـ الطرف اللغوي المبيَّن (المنطوق): وهو تناول الخمر بكميات كبيرة، لأن ذلك يحقق الضرر المقصود من النهي.
2ـ طرف المفهوم الموجب (مفهوم الموافقة): فهو كتناول المخدرات، فمع أنها غير مذكورة في النص، إلا أن مقصد الحكم يشملها بلا شك، لأنها تحقق الضرر نفسه.
3ـ طرف المفهوم السالب (مفهوم المخالفة): فهو كتناول الخمر عند الاضطرار، كحالة المرض، حيث لا يشملها الحكم الموجب بسبب الضرورة أو الاضطرار.
4ـ الطرف المتشابه: وهو ما يقع في المنطقة غير الواضحة، مثل تناول قطرة أو قطرتين من الخمر، لأن الضرر هنا غير معلوم بالنظر الابتدائي. وهنا يكون الفصل في الحكم معتمداً على دراسة الواقع، فإذا ثبت أن هذه الكمية تحدث ضرراً معتداً به، فسيكون حكمها كحكم الخمرة الكثيرة، والعكس بالعكس. وبهذا يظهر أن معرفة الضرر مسألة واقعية تحتاج إلى بحث طبي وعلمي، وليس مجرد استنباط لغوي أو فقهي فقط.
ويلاحظ ان النص القرآني يشير إلى ان الضرر المتعلق بالخمر هو ذلك الناجم عن حالة السكر، كالذي جاء في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون﴾[19]. ويؤيده بحسب الظاهر ما جاء في بعض الأحاديث كما في صحيح مسلم ووسائل الشيعة من ان ‹‹كل مسكر خمر، وكل خمر حرام››[20]. مع هذا فهناك ضرر آخر ناشئ عن المادة التي تتشكل منها الخمرة كما هو معلوم واقعاً. بل إن كلا الضررين المتسببين بفعل الخمرة متعينان تبعاً لكشف الواقع. وعليه لو فرضنا ان الضرر المنهي عنه شرعاً هو كلا الضررين المشار اليهما؛ ففي هذه الحالة لا غنى من الرجوع إلى الواقع لتعيين إن كان للخمرة القليلة تأثير مضر على الإنسان أم لا؟
ولنفترض ان الخمرة القليلة إذا كانت عبارة عن قطرة واحدة فهي ليست مضرة اطلاقاً، وبالتالي فانها تخرج عن الحكم الخاص بالخمرة الكثيرة وفقاً لما طرحناه من تصور. لكن ما الحكم في حالة تناول قطرتين، ومن ثم ثلاث قطرات، وهكذا؟ فالملاحظ أنه كلما زاد العدد؛ اقتربنا من دائرة المتشابهات، حيث يلتبس الأمر فيما إذا كان هذا المقدار يسبب الضرر الموجب للتحريم أم لا.
ومع ذلك، فإن هذا لا يتعارض مع الفتوى القائلة بحرمة تناول الخمر، سواء كان كثيرًا أم قليلًا، استنادًا إلى حديث أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن النبي قوله: ‹‹ما أسكر كثيره فقليله حرام››[21]، ومثله أحاديث أئمة أهل البيت كما في المصادر الشيعية[22]، فهي فتوى إن صحت - أو صح الحديث الذي تستند إليه - فيمكن تفسيرها وفقاً لقاعدة سد الذريعة[23]، بمعنى ان الحرمة لا تعود إلى الخمرة بما هي خمرة، بل تجنباً لاستسلام النفس إلى اغرائها والتدرج في تعاطيها، مما قد يؤدي إلى الإدمان والوقوع في الحرام البيّن. فهي على شاكلة ما ورد من النهي عن الجلوس على مائدتها، أو تطهير الأواني منها وغسلها. وعلى حد قول رشيد رضا فإن قاعدة سد ذرائع الفساد الثابتة في الشريعة تقتضي منع قليل الخمر لأنه ذريعة لكثيره، باعتبار أن قليل الخمر يدعو إلى كثيرها، وأن متعاطيها قلما يستطيع تركها[24].
2 ـ تغاير الحالات والظروف
وهو النموذج الذي يكون فيه الحكم مبيناً بحسب لحاظ بعض الحالات والظروف، لكنه متشابه في حالات وظروف أخرى. كذلك فإن له بياناً من حيث المفهوم على صعيد كل من الموافقة والمخالفة وفقاً لما يتحدد من مقاصد.
وكتطبيق لهذه الحالة ما نجده في حكم قطع يد السارق، فمنه يمكن انتزاع أربعة عناوين كما يلي:
1ـ المنطوق البياني، إذ الحكم فيه مبين؛ على الأقل فيما لو كان هناك استقرار اجتماعي وكفاية اقتصادية وعدم وجود ضغوط خارجية مانعة.
2ـ مفهوم الموافقة، إذ المعنى المنتزع من حكم السرقة يتمثل في الشدة والغلظة. فإذا كان هذا الحكم ينطبق على سرقة المال الخاص عندما يكون ملكية فردية؛ فكيف يكون الحال عند اختلاس المال العام، وهو الذي يمس الكيان الاقتصادي للمجتمع بأسره، وقد يهدد استقراره ويعرّضه للخطر؟
3ـ مفهوم المخالفة، وقد جسدته السيرة النبوية والخلافة الراشدة. فمع ان النص القرآني أظهر العقوبة للسارق من غير شروط مقيدة، لكننا نجد من حيث النصوص الأخرى والممارسة العملية ان بيان النص لم يمنع من وجود استثناءات وقيود عديدة، لا سيما تلك التي ظهرت عند تغاير بعض الظروف، ومن ذلك ما تعامل به النبي عند الحروب مع المشركين، وكذا ما تعامل به الخليفة عمر بن الخطاب عند المجاعة. فمثل هذه الممارسات تدل على مفهوم المخالفة طبقاً للمقصد الشرعي.
4ـ التشابه، إذ قد نتساءل: إذا كان منطوق الحكم ينطبق على الظروف المستقرة، فماذا بشأن الظروف الأخرى التي تضطرب فيها الحياة الاجتماعية الداخلية؟ ومثلها الحياة الاقتصادية غير المستقرة؟ كالمجتمع الذي يمتاز بكثرة البطالة وقلة العمل وازدياد الفقر. فهذه الأطراف لا تخلو من تشابه والتباس، وبالتالي فهي تحتاج إلى تحليل من حيث علاقتها بالمقاصد.
ومثل ذلك أيضاً مسألة شهادة المرأة، إذ على الأقل إن من البيّن هو ان شهادتها في التداين تعادل نصف شهادة الرجل في ظروف كانت فيه النساء لا يمتلكن من الخبرة الاجتماعية والتعليمية الشيء الكثير، وحيث ان مقصد الحكم هو التوصل إلى الشهادة الصحيحة قدر الامكان، لذا وفقاً لهذا المقصد لا يتصف الحكم المتعين بالتعبد، وانما غرضه الكشف عن الواقع. وبالتالي فهناك تشابه فيما عدا مثل هذه الظروف، وان فك التشابه وتحويله إلى مبين يعتمد على فحص الواقع. مع الأخذ بعين الاعتبار ان شهادة المرأة كما مذكور في القرآن لا يشمل في منطوقه جميع أنواع الشهادة. مع هذا يمكن القول: لو دلّنا الواقع على مجتمع يتساوى فيه وثوق الشهادة بين الرجال والنساء؛ لكان مفهوم الحكم هو المخالفة تبعاً للمقاصد. كذلك لو أننا كنا حيال مجتمع نسوي أشد قصوراً من مجتمع عصر الرسالة؛ لكان المتعين اتخاذ دلالة الموافقة لمفهوم الحكم. أي ان شهادة المرأة في هذا المجتمع أقلّ اعتباراً من شهادتها المنطوق بها نصاً.
وينطبق الأمر ذاته على العبادات، فالصلاة مثلاً تعد مبينة تماماً في الأحوال الاعتيادية التي تتوفر فيها شروطها الوقتية بحسب منطوق النصوص. لكن في ظروف أخرى مختلفة، مثل الحياة في المناطق القطبية والقريبة منها، نجد بعض الأحوال التي يسود فيها النهار عدة شهور متواصلة أحياناً، وكذا هو الحال مع الليل، وحينها تكون الشروط الوقتية لعدد من الصلوات الخمس غير متاحة. فهل يعني ذلك أن الإنسان غير مكلف بأداء هذه الصلوات، أم ينبغي تقدير أوقات مناسبة قياساً على الصلوات في بقاع الأرض الأخرى؟
وكذا الحال نفسه يجري فيما يتعلق بالصيام، فاذا كان أغلب أهل الأرض يصومون ضمن فترة زمنية محددة نسبياً؛ فماذا نقول عن أولئك الذين يعيشون في مناطق يسود فيها الليل المتواصل لعدة شهور؟ هل يصومون متقطعاً خلال هذه الأشهر، أم يؤجلون الصيام حتى يحل عليهم النهار، أم أنهم يُعفون من الفريضة لعدم تحقق شرطها وهو النهار؟ وقريب من ذلك فيما لو كان وقت الصيام يقع ضمن نهار ممتد لشهور عدة، فهل تقدر لهم ساعات متناوبة للصيام أم أن هناك حلاً آخر يتناسب مع هذه الظروف؟
وتبعاً للمقاصد الشرعية فإن من البيّن عدم الاخلال بهذه العبادات مهما كان الاجتهاد حول طريقة تنفيذها. فهي من هذه الناحية تُنفذ طبقاً لمفهوم الموافقة. لكن في ظروف أخرى قد يجد الإنسان نفسه بين تأدية هذه العبادات وبين تعطيلها لأجل غرض آخر مزاحم لا يقل أهمية عنها، كإن يكون الغرض انقاذ نفس من الهلاك، فمثلاً قد يواجه الفرد موقفين متزاحمين من قبيل اقامة الصلاة قبل فواتها وانقاذ نفس من الغرق أو الحرق أو غير ذلك، ولا شك أنه بدلالة الوجدان العقلي يلزم انقاذ النفس، أي ان الحكم هنا يتخذ شكل المخالفة.
كذلك نجد في حالات وظروف معينة صوراً من التشابه، وذلك فيما لو كانت مساعدة من يحتاج إلى العون في رفع الضرر عنه متوقفة على تعطيل أداء الصلاة في وقتها، أو تعطيل الصيام في وقته. فمثلاً ماذا نفعل لو كان للصيام تأثير على خفض الانتاج الاقتصادي في بلد فقير يحتاج إلى رفع مستوى الانتاج؟ لا شك أنه لا يمكن البت في حكم يتعلق بهذا الأمر ما لم يُدرس الواقع بدقة لتقدير حجم الضرر والمعاناة الذي يسفر عن أداء الفريضة الشرعية، وذلك بالاعتماد على هدي المقاصد ورفع الضرر المعتد به قدر الامكان.
هكذا يلاحظ ان هناك وقائع متغايرة لا يمكن معاملتها بنفس الطريقة المصرح بها في المنطوق البياني.
ويمكن القول - مبدئياً - إنه حينما تثار القضايا بشكل جديد، أو حينما يفرز الواقع بتحولاته حوادث جديدة، فإن ذلك يبعث على قلب الفهم البياني إلى فهم مجمل. فالمبين يصبح مجملاً حيال ما يستجد من قضايا وحوادث. فمثلاً إن مفهوم الضعفية الوارد ذكرها في آية المصابرة هو مفهوم مبين بحسب التصور التقليدي، الا ان ما أحدثته التحولات الحضارية جعلت منه مجملاً يحتاج إلى تفصيل. مما يعني أنه عندما يتجدد الواقع يصبح المبين مجملاً يحتاج إلى عوامل خارجية تعمل على تفصيله، وليس من طريقة يمكنها استيفاء هذه الخطوة سوى المقاصد وعلاقتها بتحولات الواقع.
3 ـ تغاير النظام الاجتماعي
فيما سبق تبين أن لاختلاف الظروف والأحوال دوراً في إحداث التشابه والاجمال، فضلاً عن الدور الذي تلعبه في إحداث القضايا الجديدة التي تتشكل عليها أحكام الموافقة والمخالفة. ولا شك ان اختلاف النظام الاجتماعي يعبر عن تعقيد أعظم في تباين الظروف والاحوال، وهو بالتالي يخلق المزيد من تلك الصور المتباينة للأحكام.
فإرث المرأة – مثلاً - هو نموذج مناسب للكشف عن هذه الحالة. فقد كان النظام الاجتماعي وقت ولادة الإسلام يتعامل مع المرأة باعتبارها عضواً غير منتج، وهي غير مسؤولة عن أعباء الحياة الاقتصادية، إذ يقع ذلك على عاتق الرجل. فالرجل هو الذي يعيل المرأة، وهو الذي يقدم لها المهر عند عقد الزواج، بل ويتكفل بمعيشتها وتسديد حاجاتها، لذلك فمن الحق ان يكون له من الإرث ما يربو على إرثها؛ إنصافاً لما يتحمله من كثرة اعباء التبني والمعيشة.
لكن لو افترضنا أننا في نظام اجتماعي مختلف عن السابق، يسمح للمرأة بالمشاركة في الإنتاج والعمل جنباً إلى جنب مع الرجل، ويُلزمها بتحمل أعباء المعيشة بالتساوي مع قرينها، كما هو الحال في بعض المجتمعات الغربية، فهل يبقى إرثها على النصف من إرث الرجل، أم أن لهذا النظام الجديد حكماً آخر؟
من الواضح أنه إذا كان حكم النص مبيناً بياناً تاماً ضمن سياق النظام الاجتماعي الذي نزل فيه، فإن الأمر يختلف عند الانتقال إلى نظام آخر، حيث لا يكون الحكم بذات الدرجة من البيان، مما يستدعي النظر في طبيعة المستجدات وما قد تسفر عنه من أحكام مختلفة.
وبطبيعة الحال لسنا بصدد المفاضلة بين النظامين وأقربهما للاستقامة، إذ لا بد من توقع ارتفاع نسبة البطالة في النظام الأخير بسبب شدة المنافسة على فرص العمل بين الرجال والنساء. وقد يؤدي ذلك إلى تفضيل النساء على الرجال في التوظيف إذا كنّ أكثر قبولاً بالأجور المنخفضة، مما قد يزيد من معدلات البطالة بين الرجال، وبالتالي يُحفّز على تفشي بعض الجرائم مثل السرقة وتعاطي المخدرات وغيرها، خلافاً لما هو متوقع في النظام الأول.
لكن بغض النظر عن مثل هذه الحقائق والفوارق، فإن الإجمال والالتباس يطرح أطرافاً محتملة لمعالجة الأمر، وفي حالات معينة يصدق عليها كل من مفهومي الموافقة والمخالفة. فماذا لو كان الضرر ملحقاً بالرجل؛ هل نتعامل مع الإرث على شاكلة ما ينص عليه المنطوق طبقاً للموافقة؟ أم لا بد من التعامل بحسب ما تفرضه الوقائع الجديدة للنظام الآخر دفعاً للضرر الذي يلحق بالمرأة، طبقاً لمفهوم المخالفة؟
فمثلاً لو تبين لنا أن اعتماد النساء على أنفسهن يجعل منهن صاحبات أموال على حساب ما يتحمله الرجال من بطالة وفقر، ففي هذه الحالة يمكن تخفيف الضرر الملحق بالرجل عبر عدم التسوية بينها وبينه في الارث طبقاً لمفهوم الموافقة.
وعلى العكس، إذا كان الضرر واقعًا على المرأة دون الرجل، فلا بد من إعمال مفهوم المخالفة، وذلك بتخفيف الحكم بما يتناسب مع الأضرار التي تواجهها.
وهناك حالة أخرى قد تطرأ في النظام الجديد، وهي أن يكون الضرر متردّدًا بين الطرفين، بحيث إذا أُجريت التسوية في العطاء؛ كان الضرر الواقع على الرجل أكبر، وإذا طُبّقت قاعدة الضعفية (للذكر مثل حظ الأنثيين)، كان الضرر الأكبر على المرأة. لذا ففي هذه الحالة لا بد من فحص الواقع بدقة واعتماد نهج يخفف من وطأة الضررين قدر الإمكان، وفقًا لمقاصد التشريع، مما يشكّل حلاً مناسبًا لهذا التشابه.
ب ـ المجمل الاستقرائي ومبادئ الفهم الديني
يمكن الاستفادة من هذا المجمل على نحوين، الأول من حيث الصدور السندي، والثاني من حيث الدلالة. وبالتالي فهناك مجمل سندي كالتواتر بقسميه اللفظي والمعنوي، ومجمل دلالي كالدلالات المفضية إلى المعنى العام المشترك.
فعندما تكون الدلالة النصية ظنية متشابهة فانها تصبح عرضة للترك؛ طالما أنها لا تكشف عن بيان النص. لكن عندما تكون الظنون المتشابهة منشأً لتكوين بيان كلي؛ فعندئذ يصبح لها فائدة، وفائدتها ليس في حد ذاتها، إذ أنها تظل ظنية لا تتحول إلى بيان ويقين، بل بما تفضي إليه من بيان كلي مجمل، كالذي يُستلهم من خلال الاستقراء النصي. فالترابط بين النصوص فيما تقدمه من معنى عام مستلهم منها جمعاً واشتراكاً، لا انفراداً وانعزالاً، وهو الذي يحقق الفهم المجمل البياني.
ويعد الشاطبي أفضل من وظف هذا المجمل ضمن تطبيقه لمبدأ الاستقراء العام على علم الشريعة، وإن كان عيبه أنه لم يطبق هذا المبدأ على القضايا الاعتقادية؛ مثل موقفه من عصمة الانبياء، وقبوله لتأويل الآيات التي ترد حولها، ومعاملتها معاملة تجزيئية بعيداً عن المنطق الكلي الذي يفرضه مبدأ الاستقراء وقرائنه الاحتمالية[25]. أما حول الشريعة فقد رأى الشاطبي ان مبدأ الاستقراء يعمل على نظم شتات أفرادها، حتى تصير في العقل كتلة تتصف بثلاث صفات أساسية، تشاطر في ذلك ما يجري في كليات العقل القطعية، وهي أنها كليات مطردة ثابتة، وانها غير زائلة ولا متبدلة، كذلك أنها حاكمة غير محكوم عليها، بمعنى أنها مفيدة للعمل وما يترتب عليه من أمور تليق به بلا آمر حاكم عليها. وجميع هذه الخواص مما ينطبق على الكليات العقلية[26].
وكما عرفنا أن الشاطبي كان يعي فضل المنهج الاستقرائي في الكشف عن حقائق الأصول والقضايا التشريعية العامة التي لا تثبتها جزئيات النصوص وفردياتها، بل إنه عدّ ذلك من المتعذر، واعتبر القطع ناشئاً من حيث انضمام الأدلة بعضها إلى البعض الآخر، إذ يساق مجموعها من مواضع مختلفة من الأبواب دون أن يعود إلى باب واحد، رغم أنه يفضي إلى معنى واحد منتظم. وبدون هذا الأمر لا يمكن تحقيق قطع بأي حكم شرعي[27]. مما يعني ان العلاقة بين المجمل والمفصل هي ذاتها تعبر عن علاقة المبين بالمتشابه، فالأدلة الظنية تظل متشابهة حتى تتحول بفعل الاجتماع إلى معنى عام مشترك يفيد البيان، وهو الحال الذي ينتجه منهج الاستقراء، والذي وظفه الشاطبي خير توظيف ليكشف لنا عن الفارق الكبير بين أمرين: الأول ما يسفر عن الفردي المعزول من ظن وتشابه، والثاني ما يسفر عن الكلي المنتظم من قطع وبيان. أو بعبارة ثانية، إن ما يكشف عنه هذا المنهج هو فداحة الاختلاف بين المفصل المتشابه والمجمل البيّن.
أما حول المجمل السندي، كما في التواتر، فقد سبق للشاطبي أن عمل على تبريره من خلال مبدأ الاستقراء، إذ يقول في (الموافقات): ‹‹انما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تظافرت على معنى واحد حتى افادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق. ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه››[28].
وأبرز من اهتم بهذا المحور حديثاً هو المفكر محمد باقر الصدر، اعتماداً على نظريته في قاعدة الاحتمال وعلاقتها بالعلم الإجمالي[29].
ونشير - أخيراً - إلى أن للمجمل الاستقرائي الدور الحاسم في الكشف عن مقاصد التشريع مثلما أوضح ذلك عدد من علماء المقاصد وعلى رأسهم الشاطبي. وبعبارة أخرى، إذا كان للمقاصد أهمية عظمى على تفصيل كل من المجملين العارض والأصلي؛ فإن الأمر مع المجمل الاستقرائي ينعكس، إذ يرجع إليه الفضل في الكشف التأسيسي للمقاصد، أو أن المقاصد تدين له بالكشف والوظيفة، في حين إنها تعمل على اجلاء البيان في المفصلات العائدة إلى المجملين العارض والأصلي.
ج ـ المجمل الأصلي ومبادئ الفهم الديني
لاحظنا في المجمل العارض أن النص الذي يُعتمد عليه هو نص مبين، على الأقل في بعض أطرافه. أما الميزة التي يمتاز بها المجمل الأصلي فهي ان بيان النص ينتهي إلى متشابه النص والذي عبرنا عنه بالتشابه الذاتي. مما يجعل التعامل مع المجمل البياني ليس كالتعامل مع المتشابه. فاذا كان لا بد من التعويل على مجمل الواضحات العامة من النص؛ فإن الأمر مع ما يتبقى من تفاصيل متشابهة ينعكس، وذلك لغياب الوضوح والبيان، كما في مختلف قضايا النص، سواء تلك التي تعود إلى العقائد والأصول، أو تلك التي ترجع إلى الفقه والفروع، أو حتى التي لها علاقة بالكشف عن ميادين الواقع الكوني والإنساني.
فمثلاً على صعيد العقائد تعتبر مسألة التوحيد أبرز محاور المجمل المبين الذاتي، إذ يفضي الدخول في تفاصيلها إلى التشابه، كالذي أدت إليه محاولات العلماء فأوقعوا أنفسهم في خلافات كثيرة وعميقة.
أما على صعيد الفقه فالملاحظ ان القضايا الفقهية يمكن ان تندرج تحت هذا المجمل، وذلك عندما تكون أصولها صحيحة، لكنها مبتلاة في الفروع، لا سيما عندما يكون مصدر التعويل على هذه الفروع خبر الآحاد بكل ما يتضمنه من مشاكل واحتمالات.
فحكم الجزية على الكتابي - مثلاً - هو أمر مبين ومصرح به في القرآن الكريم، لكن مقدار الجزية ليس ببيّن وعليه الكثير من الاختلاف. وان قطع يد السارق مبين ومصرح به هو الآخر في القرآن، لكن موضع القطع في السرقة الأولى وموضعه عند تكرار السرقة وكذا مقدار النصاب الذي يتوجب به القطع؛ هي من الأمور غير البيّنة، وعليها الكثير من الاختلاف[30]. وان من شروط الحكم الإسلامي لدى فقهاء السنة انعقاد الإمامة، فهي مجمل مبين بحسب هذا الاعتبار، أما كيف يتم الإنعقاد فإنه متشابه، وهو لدى المذاهب الفقهية مورد اختلاف، فكما ذكر الماوردي ان منهم من قال إنها تنعقد بواحد، ومنهم بثلاثة، ومنهم بخمسة، ومنهم بجمهور أهل العقد والحل[31]. كذلك فإن الوضوء واجب شرعي مبين، الا ان فيه تشابهات فرعية كثيرة؛ منها النية، فهل تشترط فيه أم لا؟ كما إن غسل الوجه في الوضوء هو من الفرائض المبينة لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾[32]، لكن حدود الوجه المراد غسله هو من المتشابه، وان غسل اليدين والذراعين هو من فرائض الوضوء المبينة، لكن ادخال المرافق فيها هو من المتشابه، وكذا ان مسح الرأس هو من فرائض الوضوء المبينة، لكن مقدار ما يمسح به الرأس فهو من المتشابه.. الخ[33]. كذلك يلاحظ ان الأصل المبين في الوضوء هو وجوب الطهارة بالمياه، أما ما يتفرع عن هذا الأصل ففيه الكثير من التشابهات، كما يدل عليه الاختلاف الواسع بين الفقهاء، كالذي يلاحظ فيما ورد من اختلاف حول الماء إذا خالطته نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه. وكذا الحال فيما يخص الوضوء بالماء المضاف الطاهر، وغير ذلك من قضايا الطهارة. فعلى هذه الشاكلة تتصف أبواب الفقه بفروعها المختلفة بكثرة التشابه، لذا يزداد فيها اختلاف النظر لدى الفقهاء.
وفي جميع الأحوال لا مفر من النظر في المقاصد العامة للشريعة لحل كل ما نجده من تشابه، كما لا بد من مراعاة اليسر والتخفيف في قضايا العبادة طبقاً لمراد الشرع، وان التردد في أمرين فأكثر يستدعي اتيان احدها بحسب الخيار لا التعيين، ما لم يكن هناك دواعٍ تفرض ترجيح واحد منها على البقية، لا بدعوى اصابة الشرع، بل بدعوى لزوم اتباع ما هو راجح لدى من يظهر له ذلك فحسب.
هذا فيما يتعلق بالقضايا الفقهية، أما القضايا الأخرى التي لها علاقة بحقائق الواقع وما حوله من سنن تكوينية ونفسية واخلاقية واجتماعية؛ فالملاحظ ان ما يذكره النص القرآني حولها ينطوي على هذا النوع من المجمل المبين، وبالتالي ليس هناك حل لفك هذا الإجمال الا من خلال النظر في الواقع والبحث في حقائقه السننية والتكوينية والإنسانية. فمن الآيات المجملة البيان ما تتحدث عن سنن الحياة النفسية والاجتماعية كما في قوله تعالى: ﴿ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾[34]، وقوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾[35]. كذلك بالنسبة للآيات التي تتحدث عن خلق الكون والسماوات والأرض وما إليها، حيث أنها من المجملات التي تحتاج إلى تفصيل الواقع العلمي. مع ما يلاحظ ان بعض العلماء أشار إلى امكانية تفعيل الواقع وتحويل مجمل النص إلى تفصيل، كما هو الحال مع الشيخ محمد عبده الذي لم يجد سبيلاً للفهم المفصل لبعض النصوص الدينية إلا عبر البحث والنظر في الواقع، مشيراً إلى حاجة المفسّر للتعرف على الواقع على نحو التفصيل من أجل تبيان دور القرآن في هداية البشر جميعاً[36].
وعادة ما يبتلى المجمل الأصلي بكثرة المتشابهات المتفرعة، وان العلماء لم يفرقوا من حيث الموقف العملي بين هذه التفريعات وأصولها المبينة، أي أنهم تعاملوا مع المبينات وتفريعاتها المتشابهة بالمستوى ذاته، وكذا بين الأصول المتشابهة وتفريعاتها، وهو موضع الخلل الذي ينبغي تجاوزه للفارق المعرفي بين الأمرين.
الفصل السادس عشر
بين الفهمين: المجمل والمفصل
للعلماء المسلمين سلوك منهجي ثابت، جرى فيما يخص المجمل الذاتي والعارض والمتشابه، وهو البحث عن التفصيل والإيغال في النص أكثر فأكثر، الأمر الذي بعث على المزيد من الإجمالات والتشابهات؛ سواء كان التفصيل والإيغال داخل النصوص المبينة، أو النصوص المتشابهة، أو حتى ضمن ما يتفرع عنهما من قياسات واجتهادات لا تأخذ مبادئ الفهم الديني المشار إليها بعين الاعتبار.
ففي جميع الأحوال هناك تعميق لحالة التشابه، سواء كان التشابه مصدره النص، أو كان مصدره التفريعات من الممارسات الاجتهادية البعيدة عن منطق تلك المبادئ.
وبعبارة ثانية، نحن نقف أمام منهج ساد وأفضى إلى خطأ تاريخي جسيم. ذلك ان الوظيفة الرئيسة لهذا المنهج هو البحث والتنقيب عن المزيد من المفصلات عبر التدقيقات الفقهية اللغوية في النص، حيث الامعان أكثر فأكثر لانتزاع ما يبعث على كثرة الخلاف والمعارضات، وما يترتب على ذلك من اجتهادات وقياسات عارضة. لهذا نطلق عليه منهج الفهم المفصل.
ولإيضاح هذا الخلل لا بد من استعراض عدد من الأمثلة والنماذج الفقهية التي أشبعها الفقهاء اجتهاداً وتفصيلاً، ومن ثم مزيداً من التشابه. فمن ذلك التكثير والاهتمام المبالغ به حول قضايا جزئية مثل الطهارة والنجاسة والاغسال والوضوء وغيرها مما اختلف حولها الكثير من الفقهاء بحسب معالجاتهم المعهودة من التفصيل دون الحفاظ على يقين المجملات المبينة.
فمثلاً إن مسح الرأس في الوضوء هو من المبين الذي اتفق عليه الفقهاء، لكن بسبب منهجهم المفصل قاموا بتوسيع الدائرة إلى سلسلة من التفريعات الخلافية المتشابهة. فقد اختلفوا في القدر المجزئ منه. فذهب البعض إلى ان الواجب مسحه كله، وبعض آخر إلى مسح جزء منه، ثم اختلفوا في مقدار هذا الجزء، فبعضهم حدده بالثلث، واخر بالثلثين وثالث بالربع. كما إن منهم من رأى استحباب البدء بمقدم الرأس فقال بأن يمرر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ. واختار آخرون ان يبدأ من مؤخر الرأس وليس من مقدمه. كما واختلفوا في مسح الاذنين هل هو سنة أو فريضة، أو لا هذا ولا ذاك، وهل يجدد لهما الماء أم لا؟ ومثل ذلك اختلفوا في المسح على العمامة، حيث أجازه بعضهم ومنعه آخرون[37].
وعلى هذه الشاكلة ما ظهر من تكثير المسائل حول السواك، فقد روي، كما في الصحيحين، أن النبي قال: (لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)[38]. فعلى قول الكواكبي ان هذا الحديث مع صراحته الضمنية الدالة بأن السواك لا يتجاوز حد الندب، إلا ان أكثرية الفقهاء جعلوه سنة، وخصصه بعضهم بعود الاراك، وعمم بعضهم الاصبع وغيره بشرط عدم الادماء. وفصّل بعضهم أنه إذا قصر عن شبر، وقيل فتر، كان مخالفاً للسنة. وتفنن آخرون بأن من السنة ان تكون فتحته مقدار نصف الابهام ولا يزيد عن غلظ اصبع. وأوضح بعضهم كيفية استعماله فقال: يسند بباطن رأس الخنصر، ويمسك بأصابع الوسطى، ويدعم بالابهام قائماً. وفصّل بعض آخر ان يبدأ بادخاله مبلولاً في الشدق الأيمن، ثم يراوحه ثلاثاً، ثم يتفل، وقيل يتمضمض، ثم يراوحه ويتمضمض ثانية، وهكذا يفعل مرة ثالثة. وبحث بعض آخر في ان هذه المضمضة هل تكفي عن سنّة المضمضة في الوضوء أم لا؟ ومن قال لا تكفي احتجّ بنقصان الغرغرة. واختلف الفقهاء في أوقات استعماله في اليوم مرة أو عند كل وضوء أو عند تلاوة القرآن أيضاً، حتى صار بعضهم يتبرك بعود الاراك يخللون به الفم يابساً، وبعضهم يعدّ له كثيراً من الخواص؛ منها أنه إذا وضع قائماً يركبه الشيطان، وخالف البعض فقال: بل إذا أُلقي يورث لمستعمله الجذام. وكثير من العامة يتوهم فيحسب السواك بالاراك من شعائر دين الإسلام. إلى غير هذا من مباحث التشديد والتشويش المؤديين إلى ترك الدين، على عكس مراد الشرع الذي يقصد تنظيف الفم كيفما كان[39].
من ناحية أخرى تضلّع أصحاب منهج الفهم المفصل بالتفنن والتدقيق في الألفاظ الحرفية، الأمر الذي زاد من طائلة المتشابه لكثرة الاحتمالات التي تسفر عن هذه العملية المخلة بالمقاصد. فمثلاً ذكر ابن القيم الجوزية ما يقارب عشرين مذهباً مختلفاً حول قضية في غاية الجزئية لها علاقة بالطلاق، وهي فيما لو قال الزوج لزوجته: أنتِ عليّ حرام[40]. وصوّر قاسم أمين وهو بصدد بحث هذه المسألة (الطلاق) بأن الذي يطلع على كتب الفقهاء ‹‹يندهش عندما يرى اشتغالهم بتأويل الألفاظ والتفنن في فهم معانيها في ذاتها، بقطع النظر عن الاشخاص، وعندهم متى ذُكر اللفظ تم الأثر الشرعي. ولهذا قصروا ابحاثهم جميعها على الكلمات والحروف وامتلأت الكتب بالاشتغال بفهم: طلقتك، وانت طالق، وانت مطلقة، وعليّ الطلاق، وطلقت رجلك أو رأسك أو عرقك، وما اشبه ذلك، وصارت المسألة مسألة بحث في اللفظ والتركيب.. على اننا نظن ان علم الشرائع يقبل ابحاثاً أخرى غير تأويل الالفاظ.. ولو ترك فقهاؤنا الاشتغال بالالفاظ وبحثوا في مآخذ الأحكام التي يقررونها وعرفوا تاريخها واسبابها وقارنوا المذاهب بعضها ببعض وانتقدوها، وبالجملة لو اشتغلوا بعلم الفقه الحقيقي لتبين لهم ان الطلاق لا يكون طلاقاً الا إذا كان مصحوباً بنية الانفصال››[41].
ويفرض هذا المنهج مزيداً من المشاكل بغير حل. فالتدقيقات اللغوية وتشقيقات النصوص والتنطع والتفريع كلها موارد تزيد من دائرة الشبهات والاحتمالات. وكل ما تصنعه هذه الطريقة من تخصيص وتقييد، وما على هذه الشاكلة من عمليات تعود إلى التوفيق في الصيغ اللغوية المتعارضة، إنما يبعدها عن جوهر العلاج الصحيح، وهو الرجوع إلى الفاعلية التي ينشط فيها كل من الوجدان والواقع والمقاصد.
وقد ينطبق على الفقهاء مقولة بعض الفلاسفة: إن ما تربحونه من ناحية الدقة إنما تخسرونه من ناحية الموضوعية[42].
بل نقول: ليس من بين المذاهب الإسلامية مَن قام بذبح البقرة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً...﴾، وذلك وفقاً لمنهج الفهم المفصل الذي اتكأت عليه هذه المذاهب بالإجماع.
ومن آفات هذا المنهج هو أنه يسفر عن اتباع طروحات يشهد الوجدان بأنها مخالفة لروح الديانة وأهدافها السامية، كإطروحة المذهبية وترجيح الفرقة على الوحدة، وهي من أعظم الأمراض المزمنة التي تفشّت بين المسلمين، وأصبح من المتعذر علاجها؛ ما لم يتم التخلي عن المنهج المذكور وابداله بمنهج الفهم المجمل. فالعلاقة التي تربط بين المنهج الأول وبين الطائفية وما يترتب عليها من نزعة عدائية؛ هي علاقة تأثير مضطرد، فكلما زاد ايغال المنهج في التفصيل؛ كلما زاد تحقق الطائفية، بل وزاد التشاحن والصدام والاقتتال. وعلى خلاف ذلك ما ينشأ عن الالتزام بمسلك الفهم المجمل، فهو يعمل على احياء روح الديانة والحفاظ على بيانها. في حين لا تعبّر التفصيلات الظنية عن هذه الروح ولا تكشف عنها. وقد قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾[43]، وقال أيضاً: ﴿ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون﴾[44]، كما قال: ﴿ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء﴾[45]. حتى ان عدداً من القدماء اعترف بما آل إليه أمر العلماء من التفرق حسب اختلاف آرائهم وتأويلاتهم ومحاولة كل منهم نصرة مذهبه تقليداً والرد على المخالفين، وبذلك ينطبق عليهم المعنى المستوحى من مثل هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك ما قاله الفخر الرازي: ‹‹واقول إنك إذا أنصفت علمت ان أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة››. كما سبق للغزالي ان أشار إلى مثل هذا المعنى من سوء حال العلماء في الاختلاف والتفرق[46].
وكدلالة على ما سبق، التأثير الذي سببه منهج الفهم المفصل في الخلاف المتفاقم حول القضايا العقائدية، وعلى رأسها مسألة التوحيد. فرغم ان النصوص حولها كثيرة؛ الا أنها بادية الإجمال، وهذا ما جعل العلماء لا يكتفون بالفهم المجمل للمسألة، بل سعوا وأجهدوا أنفسهم في البحث عن التفاصيل والتقاط ما أمكن لدعم طروحاتهم حول الكيفية التي عليها هذه المسألة. وبالتالي فاننا نجد التوحيد لدى المعتزلة هو غير التوحيد عند الأشاعرة، وعند هؤلاء هو غيره عند الفلاسفة وكذا الصوفية، بل حتى عند السلفية نجده مورداً للاختلاف والتباين، رغم ان جميع هذه الفرق تتفق على المعنى العام من التوحيد وهو عدم وجود شريك لله تعالى، وأنه لم ينشأ من كائن آخر غيره ولا له ولد يخلفه. فتلك هي الصفات السلبية التي يتفق عليها الجميع، أما الصفات الايجابية فهي مجملة بالمرة؛ كعلمه وقدرته وذاته وحياته. ولا شك ان كل تفصيل لهذه الصفات يفضي إلى الخلاف وتعدد الرؤى، وغالباً ما يدعو إلى التنازع والتضليل والتكفير.
مع هذا فالملاحظ في قضية التوحيد أنها قضية غيبية لا يمكن معالجة تفاصيلها من خلال الواقع، الأمر الذي يختلف عن القضايا المرتبطة بالواقع المباشر كتلك المتعلقة بالمسائل الفقهية.
الفهم المجمل والسلوك السلفي
أول ما يلاحظ بهذا الصدد هو أن القرآن الكريم بشهادة السلف اكتفى بما نزّله من مجملات، وأنه بخصوص الأحكام نهى عن التنطع والالحاح في السؤال. فعدد آيات الأحكام في الكتاب قليلة جداً قياساً بغيرها من الآيات، والبعض يرى أنها لا تتجاوز المائة أو المائة والخمسين[47]، أو الثلاث مائة آية. الأمر الذي يتنافى مع الممارسة التي لجأ إليها الفقهاء في تكثير صور التكليف والأحكام عبر البحث اللغوي. وقد ورد ان بعض الأعراب كان يأتي النبي فيعلمه أمور دينه في مجلس واحد فقط. مما يكشف عن ان مدار الأحكام التكليفية المنصوصة هي في غاية الضيق، وان ما ألفه الفقهاء من التدقيقات والتنطعات ليس مطلباً دينياً. والكثير من الروايات تفيد هذا المعنى، ومن ذلك الباب الذي عنونه البخاري في صحيحه (ما يكره من كثرة السؤال)، وجاء فيه ما روي عن النبي (ص): ‹‹إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحُرّم من أجل مسألته››[48]. كما روي عنه (ص) قوله: ‹‹ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها››[49]. وعن ابن عباس قوله: ‹‹ما لم يذكر في القرآن فهو مما عفا الله عنه››. وكان يُسأل عن الشيء لم يحرم فيقول عفو، وقيل له ما تقول في أموال أهل الذمة فقال العفو، بمعنى لا تؤخذ منهم زكاة[50]. وجاء في الصحيحين حديث: ‹‹ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما امرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فانما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على انبيائهم››[51].
فهذا ما يتسق مع ما كان عليه الصحابة، فقد عُرفوا بأنهم لم يكثروا من الأسئلة على النبي، وقد عدّ ابن عباس هذه الأسئلة وقال أنها ثلاث عشرة مسألة فقط[52].
وبذلك يتضح ان الخطاب الديني يفضل الاكتفاء بالمجمل على الخوض في التفاصيل؛ سواء بكثرة السؤال أو بتشقيق النصوص. وعوضاً عن ذلك. وكأن لسان الشرع يقول: اعملْ بما تراه مناسبًا؛ شرط أن تسعى إلى تحقيق المقصد الديني أو تحافظ عليه. وبالتالي فالاجتهاد ليس في النص بقدر ما هو في الواقع ذاته.
وقد كان الصحابة يدركون مطالب الخطاب على اجمالها لعلمهم بأسباب النزول، وكانوا يعملون على ضوء هذه الأسباب محتفظين بفهمهم المجمل، وانهم لم يواجهوا - في الغالب - حوادث ملتبسة تبتعد عن دائرة ضوء البيان التي دارت عليها معاملاتهم، طبقًا لما أوضحناه سابقًا حول الفارق بين قطبي الخط ووسطه.
لكن الفقهاء الذين أتوا بعدهم لم يسلكوا النهج ذاته فإلتزموا بمنهج الفهم المفصل، بل وأوقعوا أنفسهم بمناقضة ظاهرة، وهي أنهم اعتبروا الصحابة أفهم الناس بالشريعة، ومع ذلك لم يتبعوا طريقتهم في الإقلال من الرواية وتجنب التفاصيل وعدم السؤال عما لم يرد فيه نص. وبالتالي خالفوا نهج الصحابة في الفهم والتفكير، إذ اتبعوا النهج المفصل مقابل المسلك المجمل، وهو مسلك يجمع بين الوضوح والاجمال بخلاف ما طرقه الفقهاء من مفصلات لم تخطر ببال الأوائل ولا كان من المتوقع ان ينسبوها إلى شرع الله.
نعم، ان للصحابة آراءاً في التعامل مع القضايا الجديدة التي واجهتهم، لكنهم لم يعتمدوا فيها على ظاهر النص إذا وجدوه مرتبطًا بمقاصد محددة، بل كانوا يراعون علاقته بالواقع. فهو اجتهاد من النوع العقلاني المدعم بالمقاصد، وليس اجتهاداً بالمعنى المتعارف عليه عند الفقهاء من النظر في النصوص والتدقيق في نواحيها اللغوية وما يترتب عليها من تفريع وتفصيل، ومن ثم بناء الظنون على الظنون، والقياس على القياس. ويتجلى هذا النهج في مواقف الخليفة عمر بن الخطاب من المسائل المستحدثة وعلى رأسها موقفه من سهم المؤلفة قلوبهم الوارد ذكره في القرآن الكريم.
فهذا هو المعنى الحقيقي للفقه. لذلك اعتبر رشيد رضا ان المراد بلفظ (الفقه) كما ورد في نصوص الشريعة ومنها النصوص النبوية؛ هو معرفة مقاصد الشريعة وحكمها، وليس علم أحكام الفروع المعروف. فالمعنى الأخير مستحدث مثلما بيّن ذلك الغزالي والحكيم الترمذي والشاطبي وغيرهم. وعليه كان رؤوس المسلمين في عصر النبي والخلافة الراشدة من أهل هذا الفقه المقاصدي في الغالب[53].
على أن هناك تفاوتاً في الارتباط بمسلك الفهم المفصل وكيفيته لدى الإتجاهات المعرفية. فهناك الإتجاه الذي يرى كل شيء محدداً بالنص جملة وتفصيلاً، ويمنع العناصر الأخرى من الدور الفاعل لتحديد الفهم. فمثلاً رأى ابن حزم بأن الله تعالى قد أحكم شريعته وأبان كل شيء مما يحتاجه البشر ودلّ عليه بالبيان والظاهر، وأنه لا شيء من الدين وجميع أحكامه إلا وقد نصّ عليه بالتفصيل، فلا حاجة بأحد إلى القياس وغيره من موارد الاجتهاد، خصوصاً وقد أمر الله تعالى بالرد إليه وإلى رسوله عند الاختلاف والتنازع. وبالتالي فإن دين الله - عند ابن حزم - كامل ليس بناقص، وأنه لا يبدل ولا ينقص ولا يحتاج إلى ما يزيد عليه تفصيلاً، وهو يتحدد بكتاب الله وما بيّنه النبي الأكرم، وبلّغه إلينا أُولي الأمر منّا، وعدا ذلك ليس من الدين بشيء[54]. ومثله ما صرح به الفيض الكاشاني من الإخباريين في الساحة الشيعية، إذ اعتبر ان الكتاب والعترة كافيان لتعليم الأمة معالم دينها ولا حاجة لأحد في ان يجتهد برأيه في الأحكام، أو يعمل بالقياس والإستحسان، وان يضع أصولاً فقهية وطرق استنباطات ظنية[55]. وهو ما سبقت الإشارة إليه ضمن حلقة (نُظم التراث).
وفي قبال الإتجاه السابق استند أغلب العلماء إلى القياس وسائر موارد الاجتهاد ليتجاوزوا بها إشكالية الفهم المجمل، معتبرين التفصيل في تغطية القضايا لا يتم بمجرد النص وحده، لهذا أضافوا عدداً من مبادئ الاجتهاد إدراكاً منهم بأن النصوص مهما كانت فانها تظل محدودة لا تغطي مباشرة كل قضايا الواقع، وبعضهم اعترف بتناهي النصوص ومحدوديتها في قبال الوقائع غير المتناهية. مع ما يلاحظ من ان بعض الفقهاء جانب الصواب فأخذ يجعل من أحكام العبادات والحلال والحرام محلاً للقياس. وبذلك زاد الفقهاء من المسائل حتى ‹‹جعلوها تكاليفاً لا تحتمل››[56]. وأمعن المتأخرون في التفصيل، سواء اعتمدوا على النص مباشرة أو غير مباشرة، وكانوا أشد ايغالاً من أسلافهم في تبني مسلك الفهم المفصل، إذ جعلوا من عبارات شيوخهم وأئمتهم نصوصاً يستنبطون منها الأحكام مثلما يستنبطون ذلك من نصوص الشرع، فأخذوا يقيمون القياس على القياس، والاجتهاد على الاجتهاد، حتى صارت الأحكام المنسوبة للشرع تتضاعف مع الزمن باطراد[57].
مع هذا أدرك أغلب العلماء في الساحتين السنية والشيعية إنسداد العلم، أي العجز عن الوصول إلى القطع في التفاصيل الدينية. وبعضهم اعترف حتى بإنسداد الطريق لهذا العلم، لغياب القرائن الدالة على الإطمئنان بمؤدى الأخبار المنقولة؛ من أمثال الوحيد البهبهاني والمحقق القمي وصاحب الرياض وغيرهم[58]. وهو أمر يتسق مع منطق الفهم المجمل. لكنهم رغم ذلك ظلوا محافظين على مسلكهم التقليدي من الفهم المفصل، وكان يمكن لهذا الإعتراف أن يفضي إلى تغيير حاسم وجذري في اسلوب الفهم والتفكير، بعيداً عن المناهج البيانية المتعارف عليها، وذلك بإدخال عناصر جديدة لها دورها الفاعل في تحديد النتائج المعرفية المرتقبة، مثل مبادئ الفهم الديني المشار إليها سلفاً.
***
وعموماً نشير إلى أن الشريعة أُنزلت انزالاً مجملاً، وأن الصحابة فهموها طبقاً لهذا الإجمال، وتعاملوا معها من موقع القطع والمقاصد. فالطريقة المثلى هي ما كان عليه المسلمون في زمن النبي الاكرم (ص) والخلفاء الراشدين، فإذا عرضت عليهم حادثة ولم يجدوا لها شيئاً في كتاب الله وسنة رسوله؛ جمعوا لها وجهاء القوم فاستشاروهم[59].
وهناك حوادث عديدة تدل على هذا العمل، من ذلك ما صوّره مالك بقوله: أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله[60].
وبعبارة أخرى، إن عمل الصحابة قائم على بيان النص إن أمكن، وإلا لجأوا للاجتهاد المبني على الواقع والمقاصد بجمع وجهاء الرأي البارزين. أما اليوم فلا شك أننا نواجه اجمالاً يتضاعف مضاعفات عديدة قياساً بما كان عليه الأمر في عصر الرسالة والخطاب، لغياب وضياع الكثير من القرائن الدالة على واقع الحال آنذاك.
مقارنة بين المسلكين المجمل والمفصل
يمكن تشخيص الفروق بين الفهمين المجمل والمفصل بحسب النقاط التالية:
أولاً:
إن الفهمين السابقين يفترقان بحسب علاقتهما بالمقاصد. فالفهم المجمل يتسق معها من غير معارضة، في حين يعمق الفهم المفصل حالة التعارض والإنفصال عنها. وهذه النقطة هي من أبرز الإشكالات التي تواجه الفهم المفصل، فهو لا يدع مجالاً للأخذ بالمقاصد؛ طالما ان التمسك بأحدهما يفضي إلى التعارض مع الآخر. وهو ما يفسر كيف أن موقف المنظرين للمقاصد يمتاز بالتبرير لا التشريع. فهم لا يتجاوزون اضفاء الدلالة المقصدية على المفصلات. ومع ان هذا الاضفاء يعد خطوة صحيحة؛ لكن الوقوف عندها يوقع في التناقض. فالمفصلات إما ان تكون دالة على المقاصد، وبالتالي تكون الأخيرة حاكمة على الأولى بإعتبارها الغاية المطلوبة، مما يجعل التشريع قائماً عليها، أو أنها لا تدل على ذلك، الأمر الذي يبرر ثبات العمل بها من دون تغيير.
فالذين نظّروا للمقاصد اعترفوا بما للمفصلات البيانية من دلالات مقصدية؛ لكنهم حصروا العمل بالأُولى وأخفوا دلالة ما تعنيه الثانية من غلبة وحاكمية على الأولى بما فيها تلك التي تتعارض معها. فالعمل الثابت بالمفصل لا يتسق ومقالة المقاصد طالما أن تغايرات الواقع لا تنتهي بحد معين. في حين ليس الأمر كذلك عند التعويل على الفهم المجمل؛ وذلك باعتباره يمتلك أكثر من طرف، الأمر الذي يسمح بالتوجيه وفق ما تفرضه نظرية المقاصد من دون تعارض. وبالتالي ان بمقدور الفهم المجمل ان يجنبنا الكثير من موارد الخلاف والمعارضة، وذلك من حيث الاجتهاد في الواقع وعلاقته بمبادئ الفهم الديني الأخرى، إلى الدرجة التي تصبح التخصيصات والتقييدات والناسخ والمنسوخ كلها ساحة مفتوحة بانفتاح الواقع حضوراً واستشرافاً.
هكذا يقضي العمل بالفهم المجمل على حالة التعارض التي تحصل بين النص من جهة، وبين الواقع والمقاصد والعقل من جهة ثانية. فحين يصادفنا تعارض من هذا النوع نعلم أو نتوقع ان هناك التباساً وتشابهاً قد حدث في فهمنا للنص، مما يقتضي حلّه عبر الواقع أو الوجدان. فمثلاً إذا أسفر حكم النص عن بعض الأضرار المحسوبة دون أن نتوقع ما يقابلها من استشراف للمصالح العقلائية؛ فإن ذلك يجعلنا نعتبر اللبس ليس في الواقع ذاته أو الضرر المترتب عليه؛ بقدر ما هو لبس في فهم النص، مما يتطلب علاجه بصيغة أخرى مفصلة وفقاً لما تمدنا به الخبرة الموضوعية للواقع وهدي المقاصد. وإذا لم نفعل ذلك لأوقعنا النص في تناقض مع مقاصد التشريع والواقع وما ينطوي عليه من مصالح عامة.
وبالتالي لا يمكن قطع الصلة بين النص من جهة، والعناصر الأخرى الفاعلة من جهة ثانية. أو ان قطع الصلة بينهما ليس له مبرر، فالحقيقة لا يمكنها ان تضاد حقيقة أخرى في الموضوع نفسه، وما يُعتقد بأنه نوع من التضاد والمنافاة بين النص من جهة، والعقل والواقع من جهة ثانية، إنما هو تضاد ظاهري يوحي بوجود التشابه في النص حتى لو كان واضحاً وصريحاً، إذ كما عرفنا أنه لا يمكن تجريد اللغة عن التشابه والاجمال مهما حاولنا تفصيله أكثر فأكثر.
ثانياً:
إن الفهمين السابقين يفترقان تبعاً لطريقة معالجة قضايا الواقع. فالمسلك المجمل يولي الواقع أهمية كبرى للمعالجة والتأثير والتفصيل، فهو عنده محل بحث وفحص ومراجعة من غير انقطاع، خلافاً لما يعمل به الفهم المفصل الذي يحد من تأثير الواقع ولا يوليه الكثير من الاعتبار.
كما إنهما يفترقان من حيث المنزلة المعرفية التي يحتلها النص عندهما. فالنص لدى المسلك المجمل له صفة توجيه الفكر، ولدى المسلك المفصل له صفة تكوين الفكر. أي ان الأول يتعامل مع النص بوصفه موجهاً أكثر منه مكوناً، على خلاف الآخر الذي يتعامل معه بوصفه مكوناً أكثر منه موجهاً. ولا شك ان الخلاف بين الحالين ينعكس على الموقف من الواقع. فالذي يولي النص صفة التكوين لا يجعل للواقع مكاناً. والذي يمنحه صفة التوجيه يحتاج إلى كتلة معرفية تكوينية تمارس عليها سمة التوجيه، وهو لا يجدها غنية إلا في الواقع. مع لحاظ الأمر النسبي بين التوجيه والتكوين، إذ التوجيه لا يخلو من تكوين مهما بدا ضعيفاً، كما إن التكوين هو الآخر لا يخلو بدوره من توجيه وإن قلّ[61].
كما إنهما يفترقان بحسب التخفيف من حالات الخلاف المعرفي والعلمي. فالخلاف المعرفي بحسب الفهم المفصل يكاد يكون كما هو من غير تناقص، بل غالباً ما يزداد كلما كثر الرجوع إلى التدقيقات اللغوية واحتمالاتها، وليس الأمر كذلك مع الفهم المجمل، إذ الرجوع إلى الواقع وإن كان لا يقضي على الخلاف عادة، الا أنه يمكن تخفيفه وربما ازالته عبر امتداد الزمن.
ويؤيد هذا المعنى ما ذكره الطوفي من شواهد عديدة لما حصل من عداء وتنافر بين المذاهب الفقهية تبعاً للنهج الذي اتبعوه، ورأى ان الحل قائم على المصالح الواقعية كالذي سبقت الإشارة إليه من قبل.
ثالثاً:
إن الفهمين السابقين يفترقان بحسب اضفاء القداسة على نتائجهما الاجتهادية. فالفهم المجمل يجعل القداسة تلوح المجملات المستلهمة من النصوص ولا يولي للمفصلات الظنية مثل هذا الاعتبار. وهو خلاف ما يقوم به الفهم المفصل من جعل القداسة مبسوطة على المجملات المعلومة والمفصلات الظنية بلا فارق جذري بين المجموعتين.
كذلك فبقدر ما يضيّق الفهم المجمل حدود دائرة النص وما يترتب عليها من قداسة؛ بقدر ما ينفتح على الواقع بهدي المقاصد. وعلى العكس منه يعمل الفهم المفصل، إذ بقدر ما ينفتح على النص ويستلهم منه القداسة حتى في المفصلات الظنية؛ بقدر ما يبتعد عن الواقع واعتباراته.
فالاجتهاد لدى الفهم المفصل هو اجتهاد في النص. بينما الاجتهاد في الفهم المجمل هو اجتهاد في الواقع المفتوح. وان النتائج التي تسفر عن الاجتهاد في الفهم المفصل ليست مجرد نتائج معرفية فحسب، بل تلتبس مع ما يضفى عليها من ثوب مقدس، رغم أنها لا تتعدى دائرة الظن والاحتمال في الغالب، الأمر الذي يسهل توظيفها، كما ويصعب معارضتها من الناحية الايديولوجية، وواقعنا اليوم زاخر بهذا المعنى المعبِّر. في حين إن ما يترتب على الاجتهاد لدى الفهم المجمل يخلو من مثل هذا الثوب؛ لكونه يعتمد على الواقع لا النص، وبالتالي فهو أكثر تواضعاً من الاجتهاد القائم على الفهم المفصل.
هكذا فبفعل الفهم المجمل يمكن القضاء على الكهنوت المبتدع والقائم على منهج الفهم المفصل، والذي ينسب كل ما هو اجتهادي إلى أحكام الشريعة الإلهية، ومن ثم تلبيسه ثوب المقدس. وبطبيعة الحال قد تتفاوت قداسة هذا المقدس وكذا طبيعة الكهنوت القائم عليه. في حين يتقارب الناس في فهمهم للقضايا الدينية وفقاً للنهج المجمل، شبيه بما كان عليه الأمر زمن الرسالة.
فرغم اختلاف المدارك العقلية للصحابة إلا ان ذلك لم يشكّل عائقاً في ارتباطهم المباشر بالدين بعيداً عن الوساطة الكهنوتية، ويعود السبب في ذلك إلى يسر الدين ومرونته. وقد كان الاجتهاد نافذاً بخصوص الواقع دون النص.
ومعلوم ان التفكير في الواقع لا يبعث على خلق القداسة وما يترتب عليها من الوساطة الكهنوتية التي تتوسط بين الناس والدين.
ولا شك ان ما ذكرناه حول الفهم المجمل يقرّب بين الاتجاهات التي تتنافس في طروحاتها حول طبيعة النظام السياسي، فاذا كان أصحاب التيارات الإسلامية لا يملكون برنامجاً متكاملاً للممارسة والتنفيذ، وكانوا مختلفين في برامجهم السياسية، فإن ذلك يدعو إلى التسامح من جانب، كما إنه يدعو إلى تفعيل فهم الواقع أكثر فأكثر، لغرض فك اشكاليات مجملات النص، وجعل الاجتهاد دائراً حول ميادين الواقع المختلفة، مع أخذ اعتبار التظلل بالموجهات الكلية للنص وعلى رأسها المقاصد.
رابعاً:
إن الفهمين السابقين يفترقان بحسب علاقتهما بالأمة المسلمة. فالمسلك المجمل هو مسلك توحيدي خلافاً للمسلك المفصل الذي يعمل على التفريق والتنازع لإرتباطه بالمقدس حتى على مستوى الظنون المنبعثة عن المفصلات. الأمر الذي تتعارض فيه المقدسات الظنية، فيتولد الخلاف والصراع للإرتباط بهذه المدعيات[62].
كما إنهما يفترقان من حيث التخفيف والتشديد وحدود التزامات الأفراد في قضايا الأحكام والعبادات. فالمسلك المجمل يميل إلى التخفيف والتقليل، خلافاً للمسلك المفصل الذي يتجه صوب التشديد والتوسيع. وقد اعتبر بعض المفكرين ان توسيع الفقهاء لدائرة الأحكام أدى إلى تضييق الدين على المسلمين تضييقاً أوقع الأمة في ارتباك عظيم، بحيث جعل المسلم لا يكاد يستطيع أن يعدّ نفسه مسلماً ناجياً لتعذر تطبيق جميع عباداته ومعاملاته تبعاً لطلبات الفقهاء المتشددين الآخذين بالعزائم[63].
وعلى هذه الشاكلة أدان بعض آخر الفقهاء وأخذ يتهمهم بتضييع الدين لما شددوا الخناق فيه على المكلف بكثرة توسيعهم لقضايا الأحكام ومطالبتهم الالتزام بها، كما هو الحال مع تعليم أحكام الطهارة وغيرها من العبادات التي وضعوا لها المجلدات الكبيرة، فألحقت الضرر بالناس دون فائدة[64].
هل الاجتهاد في النص أم الواقع؟
إن القول بالفهم المجمل يجعلنا نعيد صياغة الاجتهاد إن كان يُعد - في الأساس - اجتهاداً في النص أم الواقع؟
فإذا ما اتفقنا على أن المجمل بيّن؛ فإن المشكلة تظل دائرة حول المفصل الذي هو محل التشابه والاحتمال، وبالتالي فعلاج هذا المفصل إما ان يتم عبر النظر في النص ذاته كما هو مسلك الفقهاء، أو عبر النظر في الواقع وهدي المقاصد.
ولإبراز مظاهر الاختلاف بين المسلكين حول طبيعة الاجتهاد المفصل؛ نشير إلى الملاحظات التالية:
1ـ إن الاجتهاد الواقعي أوسع قدرة في التعامل مع قضايا الواقع وحقائقه المتغيرة، مع احتفاظه بالمكانة التي عليها النص ومجملاته المبينة، خلافاً للاجتهاد النصي الذي لا يمتلك قدرة واسعة على التعامل مع قضايا الواقع باتساق، لكثرة اصطدامه بالواقع، وتراجعه بعد كل صِدام.
2ـ إن البحث وفقاً للاجتهاد الواقعي يتخذ صورة التزاوج بين المجمل النصي والمفصل الواقعي، إذ يقوم هذا الأخير بفتح المجملات المغلقة في النص، خلافاً لما تقوم به إطروحة الاجتهاد النصي من البحث في نفس سياق النص اجمالاً وتفصيلاً.
3ـ إن الاجتهاد النصي هو مفصل متشابه ترد فيه الاحتمالات التي لا ترقى إلى القطع أو الإطمئنان. في حين ليس بممتنع على الاجتهاد الواقعي بلوغ درجة القطع أو الإطمئنان.
4ـ طبقاً للاجتهاد الواقعي فإن ما يتم التوصل إليه من نتائج؛ لا يصح أن نعزوه إلى الشرع وحكم الله تعالى، لا ظاهراً ولا واقعاً، إلا عندما يكون الأمر قطعياً بحسب الوجدان العقلي دون أدنى ريب. وهو يؤمن بالسلوك الذي كان عليه العديد من السلف الأوائل الذين لا يحرمون ولا يحللون الا بنص صريح، بل يقولون نكره ونستحسن.
وهنا لا بد من تقسيم القضايا القطعية العائدة إلى الدين إلى قسمين، فهي إما أن تكون عائدة إليه بالعنوان الأولي، وتمتاز بأنها مستنبطة من النص الديني على نحو القطع والوضوح التام دون أدنى شك، كالتوحيد والبرّ والتقوى والصلاة والصوم والزكاة وغيرها من القضايا المجملة الواضحة كما يشهد عليها النص القرآني.. أو أنها تعود إليه بالعنوان الثانوي، وتمتاز بأن قطعيتها المباشرة تأتي عبر طريق آخر غير النص، كتلك التي يقطع بها العقل طبقاً لبعض الدلالات من الإدراكات العقلية الخاصة، كالحسن والقبح، وكذا المقاصد والموجهات الدينية العامة.
5ـ إذا كانت المساند التراثية تؤكد لنا بأن فهم النص لا يسعه بحال ان يغطي مجالات الواقع المفتوح، فلا غنى في المقابل عن ممارسة الاجتهاد في الواقع مع هدي المقاصد. ويؤيد ذلك ما يروى عن النبي (ص) في هذا المجال. بل إن اجتهاد النبي (ص) في القضايا الدنيوية شاهد آخر على كون المطلوب هو النظر في الواقع دون عزو ذلك إلى الله تعالى والشرع.
6ـ غالباً ما يكون الاجتهاد الواقعي أقوى ترجيحاً من الاجتهاد النصي إن لم يفضِ إلى القطع. فبالخبرة والتجربة ومرور الزمن يكون أكثر قابلية على الإقتراب من الحقيقة، خلافاً لما عليه الاجتهاد النصي، لإعتبارين مهمين كما يلي:
أولاً: إن العملية المعرفية في حالة ظنون الاجتهاد الواقعي تمر عادة بطرق قريبة وقصيرة للكشف عن الحقيقة، إذ يسهل عليها مراجعة قضايا البحث طبقاً لما تعتمده من مولدات قائمة على خبرة الواقع وهدي الموجهات العامة للنص. في حين تتأسس العملية المعرفية في حالة الظنون النصية البيانية على سلسلة طويلة ومعقدة من الطرق الاستدلالية؛ بما تتضمن من مدارات احتمالية متشعبة، الأمر الذي يجعلها أقلّ قوة وجاذبية مقارنة بما تتصف به الظنون الخبروية للواقع.
فمثلاً حينما يتأسس الحكم الظني طبقاً للعملية البيانية؛ فإن على الفقيه ان يراعي جملة أمور لتفضي قضيته إلى المطلوب. فحيث ان مادته الرئيسة مستمدة من نصوص الحديث؛ وجب عليه ان يبحث في الشروط الخارجية لصحة النص قبل النظر في شروطه الداخلية؛ فيقوم بفحص السند للتعرف على سلسلة رجال الرواية، وهو في هذه المرحلة يسعى للحصول على نوع من الظن في وثاقة الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار ان السلسلة الطويلة تُضعِف من القيمة الاحتمالية لهذه الوثاقة، كذلك فإن التعامل غير المباشر في معرفة رجال السند هو الآخر يعمل على اضعاف هذه القيمة.
وكل ذلك يواجهه الفقيه، إذ يلاقي أمامه سلسلة ليست قصيرة من الرواة، وهو من حيث التوثيق يعتمد على آخرين تناولوا تراجم الرجال بالإجمال المخل، لا سيما وأنه لم تكن بين الطرفين معاصرة واحتكاك مباشر. فالتوثيق غالباً ما يكون متعلقًا بالغائب دون الحاضر، ناهيك عن أنه كلما طالت سلسلة الناقلين؛ كلما قوي احتمال تغير مضمون الرواية بالزيادة أو النقصان. كما أن معظم المنقول يكون بالمعنى لا باللفظ، وغالبًا ما يكون مقطوع الصلة بملابسات الخبر، مما يثير احتمال وجود خصوصية ظرفية غير قابلة للتعميم والإطلاق. فضلًا عن أن الألفاظ نفسها قد تحتمل وجوهًا متعددة من المعاني، مع احتمال تعارضها مع نصوص أخرى تخضع بدورها لنفس التعقيدات الاحتمالية، مما يجعل إحراز الثقة بالظن البياني أمرًا غير مضمون عادة [65].
فهناك تردد في سلامة نقل الخبر كما هو، وتردد آخر في مضمونه ومعناه، وكذا في علاقته بغيره من النصوص؛ إن كانت علاقة نسخ أو تخصيص وتقييد أو غير ذلك من مشاكل متراكبة عديدة تتجمع على محور إضعاف القيمة المعرفية. إذ يصبح الظن الناتج في الحصيلة النهائية عبارة عن ضرب مجموعة كبيرة من الظنون والاحتمالات الواردة، كالتي صورناها قبل قليل، مع أنه كلما ازداد عدد أطراف الضرب في المحتملات كلما تضاءلت قيمة النتيجة. ولا شك ان هذه الحصيلة لا تحدث - عادة - لدى الظنون الخبروية العقلائية، باعتبارها لا تمر بذلك الكم من التفريعات الاحتمالية التي يتوقف بعضها على البعض الآخر، فكثيراً ما يجري التعامل مع قضايا الواقع ضمن دلالات وبينات قابلة لمنح المزيد من الوضوح؛ طالما أنه يمكن النظر في هذه الدلالات والبينات بالتفصيل وبشكل مباشر أو شبه مباشر.
ثانياً: إن ظنون الاجتهاد الواقعي تتقبل المراجعة والفحص والتحقيق بدرجة أقوى كثيراً مما عليه ظنون الاجتهاد النصي. إذ من السهل معاودة الواقع ومراجعته عندما يمر بسلسلة من التغيرات والتغايرات. فكل تنويع جديد يعبر عن بيّنة ودلالة اضافية يمكن توظيفها في سلك الممارسة المعرفية، وبالتالي فإن لها أثراً على الحصيلة النهائية من العملية المعرفية. وهو أمر يختلف كلياً عما هو الحال بالنسبة للنظر في النص؛ لاتصافه بالمحدودية والثبات وعدم التغيير، وبالتالي فإن الخبرة المستمدة منه هي خبرة محدودة وثابتة، وان الدلالات المعطاة عنه هي دلالات لا تقبل الإضافة الجديدة باستثناء ما يمكن ان يستكشفه الباحث من جديد غير ملتفت إليه من قبل، وحتى في هذه الحالة فإن الغالب في الأمر يعود إلى فضل التأثر بحقائق الواقع في الكشف عن مضامين النص، كالذي يلاحظ في الاشارات المتعلقة بالعلوم الطبيعية والتي لم تُدرك في النص إلا بعد ان شاعت الاكتشافات العلمية الحديثة في الغرب. الأمر الذي يعني بأن الخبرة ومراجعة الواقع لهما دور في تصحيح الأفكار والرؤى؛ سواء المستمدة من الواقع ذاته، أو تلك المستنبطة من النص عبر الآليات البيانية. في حين ليس بوسع البيان الماهوي ان يقوم بمثل هذا الدور في المراجعة المعتمدة على النص.
وبعبارة أخرى، إن للواقع معلمين استكشافيين، في حين ليس للنص سوى معلم استكشافي واحد تتم فيه المراجعة والبحث. كما إن هناك مجالين يتم التأثير عليهما بحسب الاستكشاف الاول، في حين ليس للثاني سوى مجال واحد يمكن التأثير عليه. وتوضيح ذلك كالتالي:
لما كان النص ثابتاً ومحدوداً؛ فكل ما يرجى منه هو استكشاف الدلالات التي يتضمنها دون انتظار المزيد، حيث لا يوجد غيره. كذلك لما كانت دلالات النص المتعلقة بالكشف عن الواقع تتصف غالباً بالإشارات المجملة؛ لذا فإن أي مراجعة له لا تكشف عما هو جديد في الواقع عادة. وبالتالي فإن هناك معلماً استكشافياً واحداً لدى النص، كما إن المراجعة الاستكشافية البيانية لا يتعدى تأثيرها المعرفي - عادة - حدود النص ذاته. في حين إن للواقع معلمين استكشافيين، أحدهما يتعلق بالدلالات المعطاة للحوادث الناجزة أو الحاضرة أمامنا، والآخر ما يضاف إلى ذلك من دلالات استشرافية ضمن أفق الإنتظار الخاصة بالحوادث المستقبلية الجديدة، أو التاريخية التي لم يتم استكشافها بعد.
واذا ما قارنّا بين حروف النص وحوادث الواقع؛ سنلاحظ ان الأولى تتصف بالحصر والحضور الكامل، وبالتالي فانها قابلة للاستثمار المعرفي دفعة واحدة، كما إن مراجعتها لا تتعدى سوى النظر فيها دون انتظار إضافة حرفية جديدة. في حين إن حوادث الواقع ليست محصورة أمامنا بكاملها، فبعضها أصبح في عداد المعدوم وما زلنا نجهله ونطلب معرفته بصورة غير مباشرة، والبعض الآخر ننتظر قدومه، وبالتالي فإن الاستثمار المعرفي - في هذه الحالة - هو استثمار مضاعف مقارنة بما يحصل في حالة النص، وان المراجعة في حوادث الواقع تجري تارة باعادة النظر فيما سبق دراسته من غير إضافة معتمدة، واخرى فيما نستكشفه من عوالم تاريخية ومستقبلية تجعل مراجعتنا مستمرة ومؤثرة في أكثر من مجال، فهي تعمل على تغيير رؤانا فيما تم رصده من الواقع، كما إن لها تأثيراً على تغيير افكارنا المستنبطة من النص، بل وتغيير طريقة تعاملنا المعرفي معه.
هكذا يتضح ان لظنون الاجتهاد الواقعي وثوقاً وقابلية للمراجعة والفحص هي أعظم وأوسع من تلك العائدة إلى ظنون الاجتهاد النصي.
الشبهات المثارة حول المجمل
هناك بعض الشبهات يمكن ايرادها ضد منطق الفهم المجمل وجعل التفصيل قائماً على اعتبارات العقل والواقع والمقاصد، ومنها ما يلي:
1ـ من هذه الشبهات يمكن ان يقال إن منطق الفهم المجمل يتنافى مع بذل الوسع والجهد في الاجتهاد، وهو الاجتهاد المرهون ببحث النص وشروطه الداخلية والخارجية.
والجواب هو ان هذه الشبهة لا ترد فيما نحن بصدده، إذ لا ينكر لزوم بذل الجهد الكافي في الاجتهاد من حيث هو عمل معرفي يراد منه التحقيق، لكن ليس بالضرورة ان ينصب هذا الجهد حول النص ما لم يورث لنا القطع أو الإطمئنان، بل يتحول جهد الاجتهاد بالبحث في قضايا الواقع وعلاقته بالمقاصد ووجدان العقل.
2ـ ومن ذلك أيضاً ما ذكره الشاطبي من أن في الخطاب الديني نصاً صريحاً يفيد بأن معظم أحكام الشرع هي مبيّنة غير متشابهة، وكما يقول تعالى في آية المحكمات: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأُخرُ متشابهات﴾[66]، إذ - كما يذكر الشاطبي - ان أم الشيء هو معظمه وعامته، وأن قوله تعالى ﴿هنّ أم الكتاب﴾ دال على أنها معظمه.
لكن الغريب بأن الشاطبي يذكر - إضافة إلى ذلك المعنى - معاني أخرى يجعلها كأنها مرادفة للمعنى الأول مع وجود الفارق بينها، إذ يذكر ان العرب تقول: (أم الدماغ) بمعنى الجلدة الحاوية للدماغ الجامعة لأجزائه ونواحيه. كما إن معنى الأم هو الأصل، وكل ذلك مما يراه الشاطبي راجعاً إلى المعنى الأول[67]، مع ان معنى الأصل ليس كمعنى المعظم ولا ان أحدهما لازم أو متضمن للآخر، وكذا يقال الشيء نفسه بخصوص معنى الجامع للأجزاء أو الحاوي لها، فهو أيضاً ليس بمعنى معظم الأجزاء، فجلدة الدماغ الحاوية لأجزائه ليست هي أغلب هذه الأجزاء ولا كلها، وهي إن اعتبرناها من أجزاء الدماغ فلا شك أنها لا تمثل سوى الشيء القليل منه.
3ـ وهناك شبهة أخرى كثيراً ما يلجأ إليها العلماء والفقهاء في بيان صدق طريقتهم من الفهم المفصل للنص، وذلك بأخذ اعتبار ما تدل عليه آيات إكمال الدين وبيان الشريعة وان كل شيء يمكن ايجاده في الكتاب أو السنة. الأمر الذي يناهض ما ذهبنا إليه من الفهم المجمل، فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين؟ ثم ماذا نعمل بالتفاصيل الواردة في العبادات؟ وبعبارة أخرى؛ لو كان المتشابه في الدين كثيراً لكان الإلتباس والإشكال كبيراً، وهو ينافي كون القرآن بياناً وهدى للناس مثلما جاء في عدد من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وانزلنا اليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزّل اليهم﴾[68]. إذ يرد الإشكال بأنه لولا ما في القرآن من البيان لما تمت وظيفته من إفهام الناس، ولكان ملتبساً محيراً وليس بياناً وهدى.
وقد يجاب على ذلك من جانب المعارضة، بالقول بأن دلالات ما ذكر من النصوص أو الآيات لم يتفق على فهمها المفسرون خلفاً عن سلف، وان الاختلاف بينهم هو اختلاف كبير، وبالتالي قد يقال إنها لهذا السبب ليست واضحة وصريحة، فالمتفق عليه واضح والمختلف فيه ليس بواضح، وذلك إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن مثار الاختلاف هو التشابه الذاتي دون الرجوع إلى إفتراضات أخرى خارجية كالاعتبارات الآيديولوجية وما إليها.
نعم، قد يجاب على ذلك مثلما فعل الشاطبي بالقول بأن مسائل الخلاف وإن كثرت فهي ليست من المتشابهات، الا ما هو نادر، وعنده ان الأمر يعود إلى نظر المجتهد وما له من مخارج ومناطات، لا سيما وأن المجتهد لا تجب اصابته لما في نفس الأمر، بل عليه الاجتهاد بقدر وسعه، وبالتالي تختلف الأنظار بإختلاف القرائح والتبحر في علم الشريعة.
ويدل على ذلك ان كل عالم يرى علمه للشريعة واضحاً بلا تشابه ولا التباس سوى القليل والنادر. فما من مجتهد الا وهو مقر بوضوح أدلة الشرع وإن وقع الخلاف في مسائلها، ولو كان وقوع الخلاف في المسائل يستلزم تشابه الأدلة والنصوص لتشابه الأمر على أكثر الناس[69].
ومن حيث المبدأ قد يكون الخلاف بين العلماء مصدره التشابه في النص كالذي ذكرناه، كما قد يكون مصدره عوامل أخرى خارجية. وليس هناك معيار صارم يمكن تحكيمه في ترجيح أي من الفرضين. لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار دور الوجدان العقلي في التحكيم وإفتراض كونه ذا سلطة متعالية على حجج المختلفين واعتباراتهم الذاتية فيما يحسبونه من الواضحات. إذ قد يكون الأمر واضحاً لدى شخص متأثر بالاعتبارات النفسية، مع أنه ليس بواضح منطقياً. فكما يلاحظ - مثلاً - ان المقلدين هم أكثر الناس إحساساً باليقين والوضوح، مع أن هذا الإحساس غير متحقق لدى العلماء ومراجع التقليد. وقد يحصل العكس، وهو ان يكون الأمر غير واضح لدى شخص، مع أنه جلي وواضح منطقياً، كالذي يلاحظ حول إدراك بعض القضايا المنطقية والرياضية.
على أن كثرة الخلاف في الرؤى حول قضية جزئية تعد علامة قوية بأنها متشابهة وليست بيّنة، سواء كانت بنظر المختلفين واضحة أو غير واضحة، كالذي يلاحظ في دوائر الخلاف الكبيرة بين العلماء.
مع هذا نقول من حيث الحل: إن الوضوح والبيان لا يتنافى مع اعتبارات المجمل، كما هو حال المجمل المبين على ما عرفنا سابقاً، حيث يتجلى في الكثير من النصوص، وبالتالي فليس ثمة تضاد بين المبين والمجمل، سواء كان المجمل من الصنف العارض أو الذاتي، رغم ان المتشابه حاضر هو الآخر مهما كان المبين بيناً. وهو موضع خلافنا مع مسلك الفهم المفصل. إذ نرى أن معالجته لا تصح من خلال التدقيق والاجتهاد في النصوص، بل يعامل طبقاً للرجوع إلى الحجج الثلاث المشار إليها سلفاً. فمثلاً جاء في قوله تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾[70]. فتعبير النص بأنه بيان للناس وهو بصدد الحديث عن تلك السنن إنما هو تعبير بالمجمل عن هذه السنن، وان الآية تحث على النظر في الواقع والكشف عن تفاصيله.
وعلى شاكلة ما سبق قد يقال: كيف نوفق بين مسلك الفهم المجمل وما جاء في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾[71]؟ فهل الرد المذكور هو شيء آخر غير النص، كتاباً أو سنة؟!
ويبدو ان الآية بصدد ما يحصل من تنازع حول المصاديق الواقعية تبعاً لسياقها، ولا علاقة لها بفهم النص، والا أفضى الأمر إلى الدور، إذ يصبح المعنى أنه متى حصل التنازع والاختلاف في فهم النص فلا بد من الرجوع في ذلك إلى النص أو الكتاب والسنة، وهو ما يوقعنا في الدور. أما في عصر الرسالة الزاخر بالوضوح فإن رد المتنازع فيه إلى الرسول يعتبر أمراً بيناً ومطلوباً. لكن بعد غياب قرائن الوضوح مما تلى ذلك العصر الذهبي أصبح الرد في حد ذاته موضع تنازع، نظراً للإختلاف الحاصل في فهم النص، وذلك وفقاً للنهج المفصل. وبالتالي تصبح حالات الرد للقضايا المتنازع فيها سالبة بانتفاء الموضوع، على حد تعبير المنطقيين.
إذاً، لا مفر من اعتبار الرد في الآية هو من المجمل المبيّن، وذلك لما يتضمنه من عناصر بيّنة واخرى متشابهة، فالعناصر البينة هي تلك التي تحقق مفاد الرد إلى الله والرسول، أما المتشابهة فوضعها يختلف ولا تعالج بذات النسق الذي تعالج فيه القضايا الأولى. مع الأخذ بعين الاعتبار ان أهم العناصر البينة التي ينبغي الرد إليها هي تلك التي تتصف بالموجهات الكلية العامة؛ كاعتبارات دفع الضرر والحرج والمقاصد وغيرها مما تنفع في حل التنازع المشار إليه في الآية الكريمة.
وكذا قد يقال الشيء نفسه فيما يخص قوله تعالى: ﴿واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾[72].
والملاحظ أنه لا علاقة للآية بمفهوم الاستنباط المطبق على النص، إنما مناطها يتعلق بالأمور الحربية والسياسية كما هو واضح من سياقها، مثلما أشار إلى ذلك رشيد رضا ناقداً العلماء الذين فسروا الاستنباط باصطلاحهم المستحدث[73].
4ـ كما قد يقال بأن العمل بالفهم المجمل لا يبقي من الدين شيئاً. فالدين من غير تفصيل هو بحكم العدم. فما معنى مثلاً اننا مكلفون اجمالاً لكن دون ان نعلم ماهيات هذا التكليف ولا حدوده؟ وما معنى اننا مطالبون مثلاً بالجهاد أو الصوم أو الصلاة وغير ذلك؛ مع اننا لا نعرف على وجه التفصيل كيف يتم ذلك ولا حدوده؟ وقد سبق لبعض العلماء ان منع التكليف بالمجمل وحكم بعدم الاحتياط بالنسبة لنا كغائبين[74]، كما ذهب جماعة من العلماء أنه لا يمكن التعويل - في هذه الحالة - على البراءة الأصلية لأنها ترفع جميع الأحكام الدينية تقريباً[75].
هذه هي أعظم شبهة يمكن أن تثار حول الفهم المجمل. وواقع الأمر أن هناك شبهة معاكسة ترد على مبنى الفهم المفصل. ذلك أن طبيعة هذا الفهم تبعث على كثرة الخلاف، إذ تتعدد الآراء المختلفة للمسألة الواحدة لتصل أحياناً إلى ما يقارب العشرة. فلو كانت لدينا مسألة طُرح فيها مثل هذا العدد المتضارب من الآراء، وكل منها يدعي إصابته لمراد الشرع أو يظن بذلك؛ لكان يعني أن تسعة أعشار هذه الآراء – على الأقل - هي ليست من الشريعة بشيء، ولتبين لنا من الناحية المنطقية اننا نراهن على الإصابة باحتمال قدره واحد من عشرة، وذلك على فرض أن أحدها يصيب الشرع، كالذي سبقت الإشارة إليه في (علم الطريقة).
وبالتالي فنحن أمام شبهتين متقابلتين، كلاهما يفتحان الباب أمام تعطيل الشريعة، إحداهما تعمل على تعطيلها بطريقة الاصطناع، أي أنها تصطنع شريعة وتتوهم صدقها، رغم ان احتمال كذبها وارد وكبير، لكثرة الخلاف وذهاب القرائن الدالة على الصحة. أما الأخرى فانها تعمل على تعطيلها من خلال إبعاد هذه الاحتمالات والابقاء على المعنى المشترك العام الذي يتصف بالمبين الصحيح، أو على المعنى المخصوص طبقاً للمجمل العارض كما عرفنا ذلك من قبل.
مهما يكن فقد أفاد بعض القدماء ما هو شبيه بهذه الشبهة؛ حين اعتقد أن عدم التعويل على خبر الآحاد يفضي إلى نفي الشريعة[76]، باعتبار أن الأخيرة مستمدة – غالباً – من هذا الخبر الناقص الذي لا يبعث - عادة - على الإطمئنان لكثرة التباسه بالتشابه والمحتملات. وهذه هي من أبرز مشاكل الفكر الإسلامي التي لم تجد لها حلاً بعد. وفعلاً ان العمل بالمجمل لا يتسق مع التمسك بهذا الخبر ما لم يقترن بقرائن أخرى اضافية وكافية للوثوق. فما لم يتحقق الوثوق والإطمئنان بهذا الخبر فإنه لا عبرة للعمل به ولا حجية لوجوب الالتزام بمؤداه. ولا أظن ان هذا مما ينبغي الخلاف عليه. لذا أقرّ بعض العلماء كالشيخ الأنصاري من أن الدلالات الخاصة بحجية خبر الواحد لا تدل إلا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والإطمئنان بمؤداه، بحيث يكون احتمال مخالفته لواقع الحكم الإلهي بعيداً لا يعتني به العقلاء ولا يسبب لهم الحيرة والتردد. وأكثر من هذا إنه نفى أن يكون الاجماع والضرورة من الدين ثابتين في وجوب الرجوع إلى الأخبار التي لا تفيد القطع[77]. فكيف إذا ما كانت لا ترقى عند التحقيق إلى الوثوق والإطمئنان؟! بل على العكس فإن التعويل على الأخبار مع عدم الوثوق يبعث على اختلاق دين جديد مصطنع. وهذا في حد ذاته يؤكد عدم جواز ربط الدين بالظنون والترددات التي تطفح بها الروايات والأخبار[78].
كما عبّر العلماء قديماً عن كثرة الخلاف حول فتور الشريعة، فذكر الغزالي في (المنخول) بأن العلماء أجمعوا على جواز فتور الشريعة بالنسبة إلى من قبلنا خلافاً للكعبي، لأَجل قوله بوجوب مراعاة الأصلح على الله. أما بالنسبة إلى شريعتنا فمنهم من منع الفتور فيها، لأنها خاتمة الشرائع، إذ لو فترت لبقيت إلى يوم القيامة. ورجح الغزالي بأنه من الناحية العقلية لا مانع من أن يصيب الفتور شريعتنا ما أصاب قبلها من الشرائع، لا سيما وقد ورد في الحديث: (يأتي عليكم زمان يختلف رجلان في فريضة فلا يجدان من يقسم بينهما). لكن من حيث وقوع الفتور فعلى رأيه أن فيه تفصيلاً يغلب على الظن، وهو إن قامت القيامة على قرب فلا تفتر الشريعة، خلافاً لما لو إمتدت إلى خمسمائة سنة مثلاً، لأن الدواعي متوفرة على نقلها في الحال فلا تضعف إلا على التدرج، وإن تطاول الزمن فالغالب فتورها، ومن ثم ارتفاع التكليف. ونقد الغزالي ما ادعاه أبو اسحاق من أنه إذا فترت الشريعة فسيكلف الناس بالرجوع إلى محاسن العقول، إذ اعتبر كلامه لا يليق بالمذهب المتبنى، وهو المذهب الأشعري القائل بالتحسين والتقبيح الشرعيين[79]. هذا ما نقله الغزالي (المتوفى سنة 505هـ). وقد مرّ على الشريعة فترة طويلة يفترض أن يلحق بها الفتور كسائر الشرائع، وهو ذات ما عبّر عنه جماعة من علماء الشيعة بإنسداد باب الدليل والطريق، وهو حاصل فعلاً عند التعويل على منهج الفهم المفصل وما يعتريه من كثرة الخلاف والتعارض في مسائله، بخلاف الحال فيما لو اعتمدنا على منهج الفهم المجمل.
لذا نقول بأن من الخطأ اعتبار الفهم المجمل يفضي إلى تعطيل الشريعة أو فتورها. إذ يعترف هذا المنهج بالأحكام المبينة وهو يرى ديمومة بقاء الشريعة بكلياتها ومقاصدها، خلافاً لمنهج الفهم المفصل الذي اعتمد على المتشابهات المحتملة بلا دليل.
فقليل مضمون الصحة أفضل بما لا يقارن من كثير مشكوك فيه[80].
نعم طبقاً لما سبق تكون دائرة المبين في الدين دائرة ضيقة جداً. لكن في قبالها تصبح دائرة الاجتهاد بحسب مبادئ الفهم الديني، من الواقع والوجدان وهدي المقاصد، دائرة واسعة بلا حدود. فمثلاً يكفينا في التوحيد من الناحية الدينية الاعتراف بوحدانية الخالق وصفاته المقطوع بها، أما التفاصيل التي تخص طبيعة الذات والصفات والعلاقة بينهما فهي من القضايا المفصلة التي لا تعلم بالدين على وجه القطع، أي أنها من الأمور المتشابهة التي لا ينبغي اضفاء القداسة الدينية عليها. واذا كان من المحال ان يتوصل العقل إلى التفاصيل الخاصة بطبيعة الذات والصفات؛ فالأَولى الاحتفاظ بالمجمل دون ولوج ذلك العالم الغيبي. ويؤيد هذا أن النصوص القرآنية تحث على الإذعان للإله الواحد عبر التفكر في الخلق والنظر في الآيات الكونية، بمعنى أنها تكتفي بالمطالبة المجملة من التفكير والتأمل دون استخدام مقاييس الأدلة والصنعة، رغم أن هذه القضية هي أعظم قضية دينية وأبلغها تأثيراً.
أما فيما يتعلق بالمجملات الدينية التي لها علاقة بالواقع المباشر؛ فواضح أن التفصيل فيها يأتي عبر مبادئ الفهم الديني الآنفة الذكر دون عزو ذلك إلى حكم الله تعالى كما أسلفنا.
وعموماً نقول: بقدر ما تُضيّق دائرة الدين بقدر ما يُضمن الصواب، والعكس بالعكس. ويكفي ذلك من الفائدة ما لا تُقدّر بثمن..
الفهم المجمل والتعبدات
تظل هناك شبهة تواجه الفهم المجمل حول موقفه من التعبدات المفصلية، فهل يتم الرجوع فيها إلى الواقع والوجدان وهدي المقاصد، أم لها سبيل آخر مختلف؟
واقع الأمر أن للمجمل ثلاثة أنواع تخص العبادات كالتالي:
الأول: المجمل المتشابه، وذلك فيما لو كنّا في شك بنوع محدد من العبادة أو الحكم، ففي هذه الحالة لا يرى الوجدان العقلي لزوم الإتيان به طالما أنه يفتقر إلى البيان المجمل.
الثاني: المجمل المبين الذاتي، وذلك فيما لو كنّا نعلم على نحو الإجمال نوع العبادة المطلوبة، لكنها مترددة بين عدد من الأصناف التفصيلية، ففي هذه الحالة لا يرى الوجدان ضيراً في إتيان أي منها.
فمثلاً فيما يتعلق بالصلاة، نعلم بأنها مؤلفة من ركعات، إلا أن هناك اختلافاً في كيفية اتمام الركعة مع وجود الاختلاف في البسملة والسورة والاجهار والاخفات والتكتيف وما يسجد عليه، وكذا حول الوضوء وغيره. ومع أنه لا بد من العمل بحسب طريقة النظر والترجيح أو الاجتهاد داخل سقف النصوص قدر الإمكان، لعدم علاقة هذا الأمر بالواقع، لكن لا بد في الوقت ذاته من التسامح بشأنها إن لم تصل إلى مورد الإطمئنان. وكذا لا بد من التسامح مع الآراء الأخرى المخالفة، طالما أن العمل هو عمل اجتهادي، فضلاً عن كونه يتسق مع مقصد الشرع من توطيد حالة الأخاء بين المسلمين مهما ظهر بينهم من اختلاف الرأي[81]. وعلى ما يقوله رشيد رضا إنه عند اختلاف الأفهام لا يقتضي الشقاق، بل ينبغي النظر والترجيح بينها، وما كان ظني الدلالة فهو موكول إلى اجتهاد الأفراد في التعبدات والمحرمات، والى أولي الأمر في الأحكام القضائية[82].
الثالث: المجمل العارض، وذلك فيما لو طرأت بعض المستجدات التي تغير من موضوع الحكم وشروط الإتيان به تبعاً لتبدلات الظروف، فلا بد في مثل هذه الحالة من لحاظ المقاصد والإتيان بما يمكن إتيانه من العبادة، ولو على نحو المكافئ والنظير. فمثلاً كلنا يعلم عدد الصلوات اليومية وشروطها، وكذا صيام شهر رمضان وشروطه، لكن كيف يمكن تطبيق ذلك في بلاد تبلغ فيها ساعات النهار أو الليل عدداً طويلاً يفوق ساعات اليوم مثلاً؟ فهنا نرى ان مقاصد التشريع لا تسمح بالغاء أحكام الصيام والصلاة في مثل هذه الحالة؛ طالما كان بالإمكان أن نجتهد لتقدير الأوقات والساعات التي تقام فيها العبادات المشار إليها.
***
أخيراً ثمة قضايا تعترض الباحثين وذوي النزعات المذهبية المختلفة، ويمكن علاجها عبر منهج الفهم المجمل كالتالي:
1ـ قضايا مجملة مبينة لا خلاف حولها.
2ـ قضايا مجملة مبينة لدى البعض وغير مبينة لدى البعض الآخر.
3ـ قضايا مجملة متشابهة لدى الجميع.
4ـ قضايا مفصلة مختلف حولها.
والملاحظ في هذه الدوائر الأربع من القضايا؛ أن الدائرة الأولى هي محل الاتفاق التي ينبغي قبولها ما لم تتصادم مع وجدان العقل والواقع والمقاصد. وأن الدائرة الثانية هي محل الاختلاف حول القدر الذي يثبت كونها ترقى إلى المبين فعلاً أم لا؟ وبعبارة أخرى، إن منشأ الخلاف ينبغي أن يتحول مما هو خلاف حول التقرير فيما إذا كانت صحيحة أو لا؛ إلى خلاف دائر حول ما إذا كانت ترقى إلى المبين أم أن فيها من الشكوك ما يجعلها ليست بيّنة. ولعل أفضل مثال على ذلك مسألة الخلاف المتعلق بالنص على الإمامة، ذلك ان من المجدي ان تُبحث من زاوية غير تلك الزاوية التي ألِف المسلمون بحثها، انطلاقاً من التدقيق في مدى بيانيتها وتشابهها. فما هي القرائن الدالة على بيانيتها؟ كذلك ما هي القرائن الدالة على تشابهها؟ وأي القرائن أقوى وأوضح؟
أما حول الدائرتين الأخيرتين فإن معالجتهما مرهونة بعملية الاجتهاد عبر الواقع ووجدان العقل قدر الإمكان، وذلك فيما لو أن الإختلاف له مبرراته القوية وأنه لا يدور حول المسائل التعبدية التي لا علاقة لها بالاجتهاد المشار إليه. لكن تبقى القضايا التعبدية، ومختلف الأحكام، التي تدخل ضمن إطار المجمل المتشابه، هي مما ليس عليها إلزام وتكليف، طالما أنها مفتقرة للبيان المجمل أو المفصل.
وربما يشمل هذا الذي ذكرناه ما حكاه أبو جعفر النحاس عن قوم بأن الحرام ما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه فليس بحرام. واستدرك النحاس على ذلك بقوله: هذا عظيم من القول يلزم منه القول بحل كل شيء اختلف في تحريمه ولو كان مستند الخلاف واهياً[83]. وهو حق وصحيح.
***
هكذا ننتهي أخيراً إلى ان أركان النظام الواقعي أربعة، هي:
1ـ الفهم المجمل للنص. 2ـ المقاصد الدينية العامة. 3ـ الوجدان العقلي. 4ـ الواقع.
واعتقد ان في هذا كفاية للمسلم مع ازالة الحرج عنه بكثرة التكاليف المصطنعة، سواء كانت فقهية أو عقدية، كالتي غرق فيها المتشرعة بظنونهم المفصلة.
[1] رينيه ديكارت: محاورة ديكارت: البحث عن الحقيقة بواسطة النور الطبيعي، ترجمة وتقديم مجدي عبد الحافظ، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007م، ص91.
[2] Nagel, Ernest: The structure of science, First published in 1961, printed in USA, 1979, P. 8.
[3] انظر: السيوطي: الاتقان في علوم القرآن، ج3، ص59. ومحمد بن الشربيني: مغني المحتاج، دار احياء التراث العربي، 1377هـ ـ1958م، المعجم الفقهي الالكتروني، ج4، ص376. والبكري الدمياطي: إعانة الطالبين، دار الفكر، بيروت، الطبعة الاولى، 1418هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج4، ص244. والبهوتي الحنبلي: كشف القناع، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1418هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج6، ص606. وأصول الفقه، ج1، ص170. والبعض كالآخوند الخراساني قسّم المجمل إلى قسمين: الأول ما لم تتضح دلالته، والآخر ما له ظاهر غير مراد للمتكلم، ومثّل عليه بالعام الذي علم اجمالاً تخصيصه، والمطلق الذي علم اجمالاً تقييده (محسن الحكيم: حقائق الأصول، مكتبة بصيرتي، قم، الطبعة الخامسة، 1408هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص568).
[4] الاتقان، ج3، ص65.
[5] محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف، الطبعة الثانية، 1397هـ ـ1977 م، ص187 وما بعدها. كذلك: الاستقراء والمنطق الذاتي.
[6] ذكر السيوطي في (الاتقان في علوم القرآن، ج3، ص59-60) نماذج لما ذكرنا. فمثلاً على الاشتراك اللفظي ما جاء في قوله تعالى: ﴿والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ البقرة/ 228، إذ القرء يأتي بمعنى الحيض وبمعنى الطهر. وعلى الحذف قوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ النساء/ 127، حيث يحتمل ان يكون المحذوف بعد كلمة (ترغبون): في أو عن. وعلى اختلاف مرجع الضمير قوله: ﴿اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر/ 10، إذ يحتمل عود ضمير الفاعل في (يرفعه) إلى ما عاد عليه ضمير (اليه) وهو الله، كما يحتمل عوده إلى (العمل)، والمعنى ان العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، كذلك يحتمل عوده إلى الكلم الطيب، أي ان هذا الكلم هو الذي يرفع العمل الصالح. وعلى احتمال العطف والاستئناف قوله تعالى: ﴿الا الله والراسخون في العلم يقولون﴾ آل عمران/ 7. وعلى غرابة اللفظ قوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾ البقرة/ 232. وعلى عدم كثرة الاستعمال قوله: ﴿يلقون السمع﴾ الشعراء/ 223، بمعنى يسمعون. وعلى التقديم والتأخير قوله: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً واجل مسمى﴾ طه/ 129، أي ولولا كلمة واجل مسمى لكان لزاماً. وعلى قلب المنقول قوله: ﴿وطور سينين﴾ التين/ 2، أي طور سيناء. وعلى التكرير القاطع لوصل الكلام في الظاهر قوله: ﴿قال الملأ الّذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ الأعراف/ 75، إذ إن عبارة ﴿لمن آمن﴾ هي تكرار لما قبلها، أي لقوله: ﴿للذين استضعفوا﴾.
[7] جاء عن النبي (ص) قوله: ‹‹إنما أُمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم›› (تفسير ابن كثير، ج1، ص118).
[8] الملاحظ ان الأصوليين من الإمامية يقبلون التخصيص اللبي عندما يكون المخصص قطعياً. فمثلاً إذا قال المولى: ‹‹أكرم جيراني››، وقطع المكلف بأنه لا يريد إكرام من كان عدواً له منهم، فإن هذا المخصص يؤخذ به لمن قطع به من غير شك (كفاية الأصول، ص259. كذلك: فرائد الأصول، ج2، ص795).
[9] آل عمران/ 97.
[10] المائدة/ 101. انظر: الطبري: جامع البيان، دار الفكر، بيروت، 1405هـ ـ 1984م، ج6، ص332، وج7، ص82-83. وتفسير ابن كثير، ج2، ص119.
[11] صحيح مسلم، حديث 1337. والمنار، ج7، ص128.
[12] تفسير ابن كثير، ج2، ص119.
[13] صحيح البخاري، حديث 39.
[14] صحيح البخاري، حديث 38. والمنار، ج7، ص139. وتفسير ابن كثير، ج1، ص232.
[15] صحيح البخاري، حديث 69 وحديث 5772. وصحيح مسلم، حديث 1732 وحديث 1734.
[16] انظر بهذا الصدد: مشكلة الحديث.
[17] انظر: Russell, B. Human Knowledge, first published in 1948, Sixth Impression, London, 1976, p. 276.
[18] صحيح مسلم، حديث 1599. وصحيح البخاري، حديث 1946. والمنار، ج5، ص302. كذلك: يوسف البحراني: الدرر النجفية، ص28-29. والحدائق الناضرة، ج1، ص44.
[19] المائدة/ 90ـ91.
[20] صحيح مسلم، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، حديث 2003. والمنار، ج7، ص54. ووسائل الشيعة، ج25، ص326.
[21] المنار، ج7، ص77.
[22] وسائل الشيعة، ج25، ص325 وما بعدها. وج28، ص219. وانظر أيضاً: مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج18، ص111.
[23] يعد تناول الخمر، لا سيما غير المسكر منه، من الأمور التي اختلف حولها علماء السلف، كالذي ينقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود وأبي حنيفة والحسن الثوري ومحمد بن الحسن وأبي يوسف وغيرهم (انظر: فتح الباري، كتاب الأطعمة).
[24] المنار، ج7، ص77.
[25] انظر: الموافقات، ج3، ص265.
[26] المصدر السابق، ج1، ص77-79.
[27] المصدر نفسه، ج1، ص37-38.
[28] المصدر نفسه، ج1، ص36.
[29] انظر الفصل الأخير من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء. وبحوث في علم الأصول، ج4، ص327 وما بعدها.
[30] ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مصدر سابق، ج2، ص450-455.
[31] الأحكام السلطانية، ص7.
[32] المائدة/ 6.
[33] بداية المجتهد، ج1، ص11-15.
[34] الرعد/ 11.
[35] البقرة/ 251.
[36] المنار، ج1، ص23-24. ومحمد عبده: مشكلات القرآن الكريم، ص17-18.
[37] انظر مثلاً: بداية المجتهد، ج1، ص15-18.
[38] صحيح البخاري، حديث 847 وحديث 1831 وحديث 6813. وصحيح مسلم، حديث 252.
[39] عبد الرحمن الكواكبي: أم القرى، الأعمال الكاملة للكواكبي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى، 1995م، ص326-327.
[40] اعلام الموقعين، ج3، ص65 وما بعدها.
[41] تحرير المرأة، مصدر سابق، ص404.
[42] هنري بوانكاري: قيمة العلم، ترجمة الميلودي شغموم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الاولى، 1982م، ص19.
[43] آل عمران/ 105.
[44] الروم/ 32.
[45] الانعام/ 159.
[46] المنار، ج4، ص49-50.
[47] أم القرى، ص336. والكواكبي: طبائع الاستبداد، مصدر سابق، ص508.
[48] صحيح البخاري، حديث 6859. وفتح الباري، ج13، ص226-227. وتهذيب الفروق، ج1، ص180.
[49] جامع البيان، ج7، ص85. وتهذيب الفروق، ج1، ص179-180.
[50] تهذيب الفروق، ج1، ص180.
[51] صحيح البخاري، حديث 6858. وصحيح مسلم، حديث 1337. والمنار، ج5، ص218.
[52] اعلام الموقعين، ج1، ص71. وجامع أحكام القرآن، ج6، ص333. وتهذيب الفروق، ج1، ص180. وانظر أيضاً: الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، الفصل الأول.
[53] المنار، ج5، ص196.
[54] ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، ج8، ص2ـ3، وج1، ص10. والمحلى، ج1، ص52.
[55] الفيض الكاشاني: تسهيل السبيل بالحجة في انتخاب كشف المحجة لثمرة المهجة، تحقيق مؤسسة آل البيت لاحياء التراث ـ مؤسسة البحوث والتحقيقات الثقافية، طهران، الطبعة الاولى، 1407هـ، ص22ـ23.
[56] المنار، ج5، ص219.
[57] لاحظ بهذا الصدد: المنار، ج6، ص166.
[58] محمد باقر الصدر: المعالم الجديدة للأصول، مكتبة النجاح، طهران، الطبعة الثانية، ص93-94.
[59] لاحظ بهذا الصدد: الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر. كذلك: المنار، ج5، ص195-196.
[60] الجامع للقرطبي، ج6، ص332.
[61] للتفصيل انظر: القطيعة بين المثقف والفقيه.
[62] يقول الكواكبي في هذا الصدد: ‹‹وا أسفاه على هذا الدين الحر الحكيم السهل السمح.. اتخذوه - أي الفقهاء - وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الامة شيعاً.. فضيعوا مزاياه وحيروا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش.. حتى جعلوه ديناً حرجاً يتوهم الناس فيه ان كل ما دوّنه المتفننون بين دفتي كتاب ينسب لاسم إسلامي هو من الدين، وبمقتضى ذلك ان لا يقوى على القيام بواجباته وآدابه ومزيداته الا من لا علاقة له بالحياة الدنيا، بل واصبحت حياة الإنسان الطويل العمر، العاطل عن كل عمل، لا تفي بتعلم ما هي الإسلامية عجزاً عن تمييز الصحيح من الباطل من تلك الآراء المتشعبة التي أطال أهلها فيها الجدال والمناظرة، وما افترقوا الا وكل منهم في موقفه الأول يظهر أنه الزم خصمه الحجة واسكته بالبرهان، والحقيقة إن كلاً منهم قد سكت تعباً وكلالاً من المشاغبة›› (طبائع الاستبداد، ص451).
[63] الكواكبي: أم القرى، مصدر سابق، ص344.
[64] الأعمال الكاملة للامام محمد عبده، حققها وقدم لها محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1980م، ج3، ص196.
[65] انظر بهذا الصدد ما يقوله المفكر محمد باقرالصدر في: اقتصادنا، مصدر سابق، ص417ـ418. كما انظر التفاصيل في: مشكلة الحديث.
[66] آل عمران/ 7.
[67] الموافقات، ج3، ص86.
[68] النحل/ 44.
[69] الموافقات، ج3، ص94-95.
[70] آل عمران/ 138ـ139.
[71] النساء/ 59.
[72] النساء/ 83.
[73] المنار، ج5، ص299-301.
[74] فرائد الأصول، ج2، ص451-452.
[75] المصدر السابق، ج1، ص187 و207.
[76] عدة الأصول، ج1، ص355. أيضاً: فرائد الأصول، ج1، ص187.
[77] فرائد الأصول، ج1، ص174 و 173.
[78] انظر تفاصيل ذلك في: مشكلة الحديث.
[79] الغزالي: المنخول في تعليقات الأصول، تحقيق محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق، 1400هـ، عن مكتبة المشكاة الإلكترونية، ص484ـ485. والبحر المحيط، مصدر سابق، فقرة 91.
[80] ما سبق يذكّر بما قاله فولتير: ما هي العقيدة التي تتفق عليها جميع العقول؟ عبادة الله والاستقامة، فهناك دين كوني مؤسس في كل العصور وفي كل البشر، والنقطة التي يتفقون فيها جميعاً هي حقيقية لذلك، والنظريات التي يختلفون من خلالها هي خاطئة لذلك (فولتير: قاموس فولتير الفلسفي، ترجمة يوسف نبيل، مراجعة جلال الدين عز الدين علي، مؤسسة هنداوي، ص278).
[81] من المنقولات ذات الدلالة المفيدة لهذا الغرض ما كان عليه النبي (ص) من تسامح إزاء مواقف عديدة للممارسات العبادية التي اختلف حولها الصحابة فهماً وممارسة. فمن ذلك قول النبي: ‹‹ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة››، ومثله ما جاء حول اختلاف عمر ومعاذ حول اتيان الصلاة عند الجنابة في السفر ولم يجدا ماءاً.. حيث لم يعنّف النبي أصحابه أو يستنكر عليهم أخطاءهم (انظر: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، ج2، ص375. والبحر المحيط، فقرة 1714، ص224. والاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ص61).
[82] المنار، ج2، ص109.
[83] فتح الباري، كتاب الأطعمة، فقرة 5256.