-
ع
+

شورى الإجتهاد لدى السنة والشيعة

يحيى محمد

لا نشك بأن من الجائز على العامي تقليد أيٍّ من العلماء من غير شرط للأعلمية ولا الحياة، وبالتالي يصح له تبعيض التقليد مثلما كان الناس يستفتون الصحابة وأصحاب الأئمة ويتبعونهم رغم وجود الإختلاف بينهم؛ طالما أن عملية التبعيض لا تتنافى مع مقاصد الشرع ولا تأتي بشيء غريب عليه؛ سواء بالحيلة أو غيرها.

لكن من الأولى أن يكون الإجتهاد للجماعة بخضوعه لضوابط حالة الشورى، الأمر الذي يجعل التقليد قائماً على إتباعهم. فلهذه العملية فوائد كبيرة؛ منها أنها تجنب الإجتهاد من الوقوع في متاهات الأهواء والمصالح الذاتية. كما أنها تكون أكثر دقة وأشد رصانة، إذ مع الشورى يقل الوقوع في الخطأ. كذلك أن بها تصبح المسؤولية جماعية لا فردية. يضاف إلى أنها تعمل على تنظيم عملية التقليد وتوحيدها. ناهيك عن أنها تساعد على توحيد كيان الأُمة وتجنبها من الوقوع في تيه الأحكام المتناقضة التي تصدر عن الفقهاء، سيما في المسائل المستجدة والقضايا المعاصرة.

فهذه هي جملة من معطيات الشورى، مثلما كان يمارسها الصحابة وجماعة من السلف. فما هي شورى الإجتهاد وما هي مبررات قيامها؟


الشورى في الكتاب والسنة

هناك آيتان نزلتا بخصوص مدح العمل بالشورى والحث عليها، إحداهما خصت المؤمنين كما في قوله تعالى: ((والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون))([1]). أما الأُخرى فهي موجهة الى النبي (ص) تدعوه الى مشاورة اصحابه رغم منزلته الرفيعة كما خصها الله له، وهي قوله تعالى: ((فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظاً غليظ القلب لإنفضوا من حولك، فاعفُ عنهم وإستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله إن الله يحب المتوكلين))([2]).

ومن حيث السنة، عُرف النبي (ص) بكثرة إستشارته لأصحابه، حتى نُقل عن أبي هريرة أنه قال: «لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله»([3]). وجاء أنه كان يكثر من قول: «أشيروا عليّ»([4]).

ومن ذلك إستشارته لأصحابه في شأن المكان الذي ينزل به المسلمون يوم بدر وأخذه برأي الحباب بن المنذر، كذلك إستشارته لهم حول مصير أسرى تلك الواقعة الكبرى، وقبوله لرأي الأكثرية حين أشارت عليه بالخروج يوم أُحد، وعمله بمشورة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة حيث أشارا عليه يوم الأحزاب بعدم مصالحة رؤساء غطفان، وكذا مشاورته للصحابة في عقوبة الزنا والسرقة قبل نزول الحد([5])، وغير ذلك من الوقائع الأُخرى.

وإذا كانت تلك النصوص والسيرة دالة على الإجتهاد في الموضوعات الخارجية؛ فإن هناك بعض المرويات التي لها دلالة أشمل من حيث علاقتها بالأحكام عموماً دون الإقتصار على تلك الموضوعات. ومن ذلك ما روي عن النبي أن بعض أصحابه سأله يوماً: «ماذا نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب ولا سنة، فقال (ص): سلوا الصالحين وإجعلوه شورى بينهم»([6])، أو قال: «إجمعوا له العالمين من أمتي واجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد»([7]).

أما الصحابة بعد النبي فقد عُرفوا بأنهم كانوا يلجأون إلى الشورى في كل ما لا يجدون فيه نصاً من الحوادث والقضايا المستجدة، سيما في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، كالذي حصل مع مشكلة توزيع أراضي سواد العراق وأراضي مصر، حيث جمع الصحابة وشاورهم فإنتهى أمرهم إلى إبقائها في يد أصحابها دون قسمتها على الغانمين كما كان يُفعل قبل ذلك بشأن الأراضي المفتوحة عنوة([8]).


 الشورى قديماً وحديثاً

لقد ظهر من علماء السلف من كان يدعو إلى الإجتهاد القائم على الشورى او يعمل به، وهو المنقول عن الفقهاء السبعة من التابعين، وهم: سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة بن زيد بن ثابت. اذ قال ابن المبارك بأنه اذا جاءت هؤلاء الفقهاء مسألة دخلوا فيها جميعاً فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم فينظرون فيها([9]).

كما عُرف عن أبي حنيفة انه ابرز من تميّز من الفقهاء بقوة اعتماده على الشورى في تحديد مواقفه الاجتهادية، فكان يعرض آراءه على اصحابه وتلامذته قبل تحديد موقف نهائي لها. فقد جاء في (المناقب) للموفق المكي ان أبا حنيفة وضع مذهبه الفقهي شورى بين أصحابه «لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهاداً منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين. فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده، ويناظرهم شهراً، أو أكثر، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها»([10]). وقد يصل حد مناظرة هذا الامام لأصحابه مدة شهر أو اكثر، حتى يستقر آخر الاقوال فيعمل ابو يوسف على تثبيته. فكان تثبيته هذا هو نتاج شورى دون ان ينفرد استاذه في صنعه مثلما هو الحال مع غيره من الأئمة. لذلك كان يقول لاصحابه: «اذا توجه لكم دليل فقولوا به»، وهو أمر يدل على سعة صدره وانه لا يريد فرض آرائه على اصحابه.

وقد كشف الشيخ محمد زاهد الكوثري عن هذه السمة التي امتاز بها مذهب أبي حنيفة عن غيره من المذاهب الفقهية الاخرى، فاعتبر ان من أجلى مميزاته هو «انه مذهب شورى، تلقته جماعة عن جماعة الى الصحابة رضي الله عنهم، بخلاف سائر المذاهب، فانها مجموعة آراء لأئمتها». وكان ابو حنيفة «ينهى اصحابه عن تدوين المسائل اذا تعجل احدهم بكتابتها قبل تمحيصها كما يجب.. ومن هذا يظهر أن أبا حنيفة لم يكن يحمل أصحابه على قبول ما يلقيه عليهم، بل كان يحملهم على إبداء ما عندهم، إلى أن يتضح عندهم الأمر، كوضح الصبح، فيقبلون ما وضح دليله، وينبذون ما سقطت حجته، وكان يقول ما معناه: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلنا، وهذا هو سر ظهور مذهبه في الخافقين، ظهوراً لم يعهد له مثيل، وهو السبب الأصلي لبراعة المتفقهين عليه، وكثرتهم، إذ طريقته تلك هي الطريقة المثلى في التدريب على الفقه، وتنشئة الناشئين.. والحاصل: أن من خصائص هذا المذهب كون تدوين المسائل فيه على الشورى والمناظرات المديدة وتلقي الأحكام فيه من جماعة عن جماعة»([11]). وهذا ما يفسّر ما حدث من مخالفة أصحابه له في الكثير من المسائل، حتى كان لبعضهم من المخالفة معه ما يقارب الثلث في المذهب.

مع ذلك فقد امتاز مذهب ابي حنيفة بفضل ما اعتمده من طابع الشورى بالدقة وقوة الاتقان. لهذا حينما قال رجل ان ابا حنيفة يخطىء، أجابه وكيع: كيف يخطئ ومعه مثل ابي يوسف وزفر في قياسهما، ومثل يحيى بن  ابي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان ومندل في حفظهم للحديث، والقاسم بن معن في معرفته بالفقه والعربية، وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما. من كان هؤلاء جلساؤه لم يكد يخطىء، لأنه إن أخطأ ردوه الى الحق([12]).

هذا عن أبي حنيفة في ممارساته العملية طبقاً لشورى الاجتهاد. أما عن غيره ممن أشار الى أهمية الشورى؛ نجد في الطليعة سفيان بن عيينة في قوله المميز: «إجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول هو برأيه»([13]). كما جاء عن ابي حصين الاسدي قوله: ان احدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. ونحو ذلك عن الحسن والشعبي([14]).

وقال ابو الأصبغ عيسى بن سهل: «كثيراً ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتّاب (رض) يقول: الفُتيا صنعة، وقد قاله قبله ابو صالح ايوب بن سليمان بن صالح، قال: الفتيا دربة، وحضور الشورى في مجالس الحكام منفعة وتجربة. وقد ابتليت بالفُتيا فما دريت ما اقول في اول مجلس شاورني فيه سليمان بن اسود، وانا احفظ (المدونة) و(المستخرجة) الحفظ المتقن.. والتجربة اصل في كل فن ومعنى مفتقر اليه».

وفي القيروان كانت النصيحة مذاكرة العلماء للتدرب على الفتيا. فقد سُئل ابو الحسن القابسي القيرواني عمن يحفظ (المدونة) هل يسوغ له الفتيا؟ فأجاب: إن ذاكر الشيوخ فيها وتفقه جاز، وإن لم يذاكر فيها فلا يفعل([15]).

وعن مجالس شورى الإجتهاد التي أُقيمت في الماضي فلعل أول من بدأ ذلك هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، حيث دعى عشرة من فقهاء المدينة وجعلهم مستشارين لديه، وقال لهم: «إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ونكون فيه أعواناً على الحق، ما أُريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم»([16]). كذلك ما فعله بعض ملوك بني أُمية في الأندلس، حيث تكونت بعض الجمعيات من العلماء لأجل الإستشارة في التشريع، وكثيراً ما يُذكر في تراجم بعض العلماء أنه كان مشاوراً، كما كثيراً ما كان يؤخذ برأي مخالف لمذهب مالك السائد في تلك البلاد، وكان يصل عدد أعضاء المجلس في بعض الأوقات إلى ستة عشر عضواً([17]).

***

وحديثاً نجد الكثير من الدعوات التي تطالب بتطبيق الشورى، أغلبها في الوسط السياسي. فبفضل المصلح خير الدين التونسي تشكل أول مجلس شورى منتخب (عام 1866م)، وقد إتبعه في السنة ذاتها مجلس شورى النواب في مصر، وكانت هناك مطالب تدعو إلى إشراك حق الأُمة في الحكم السياسي عن طريق مجالس الشورى والنيابة، كتلك التي دعى اليها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وغيرهما من الرجال المصلحين([18]). وقال محمد عبده بهذا الصدد: «ينبغي ان يكون للفقهاء جمعيات يتذاكرون فيها، ويتفقون على الراجح الذي ينبغي ان يكون عليه العمل.. واذا كان بعض المسائل رجح لاسباب خاصة بمكان او زمان، ينبغي لهم التنبيه على ذلك، وعلى ان هذا الحكم ليس عاماً، وانما سببه كذا... لا انهم يجعلون كل ما قيل عن فقيه واجب الاتباع في كل زمان ومكان»([19]).

وفي مجال الأحكام نجد أول تشكيلة ظهرت لتحديدها عن طريق الشورى؛ ما أُطلق عليه مجلة الأحكام العدلية التي أنشأتها بعض الحكومات العثمانية من خلال لجنة عملت على وضع تلك الأحكام (سنة 1286هـ)([20]). مع ذلك فهذه المجلة هي مجرد صياغات فنية مختصرة ونافعة بحدود القانون المدني للمعاملات، ولا يمكن عدها ضمن الإجتهاد المنبني على الشورى، سيما أنها منتقاة فقط من الفقه الحنفي دون غيره. وقيل أن هذه الأحكام أُخذت من كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي، إلا القليل أُخذ فيه بأقوال بعض المتأخرين من الحنفية مراعات للأنسب والأنفع في تقرير الأحكام([21]).

وافضت هذه التجربة الى بعض الفوائد المثمرة، اذ بدأ رسمياً تنفيذ فكرة الإستفادة من مختلف المذاهب الفقهية لأهل السنة أواخر العهد العثماني، ولو ضمن حدود الأحوال الشخصية، مثل وضع الحكومة العثمانية لقانون حقوق العائلة (سنة 1333هـ)([22]).

أما في الوقت الحاضر فقد كثرت الدعوات الى الإجتهاد الجماعي المنبني على الشورى رغم أن أياً منها لم يتحقق بعد. فبعض يرى أن من الضروري إقامة الشورى لتحديد الأحكام المناسبة أو المرجحة من مختلف المذاهب الفقهية المعتبرة. وبعض آخر لا يشترط مثل هذه الحدود، بل ينفتح على مطلق الإجتهاد طالما أن القائمين به مؤهلون من الناحية العلمية والدينية.

 ومن الناحية العملية إقترح البعض أن يكون أمر تحديد الشروط التي يجب تحققها في المجتهدين الشورى موكولاً لولي أمر المسلمين نيابة عن الأُمة التي إختارته ولياً عليها، وأن يكون بجانب هؤلاء مستشارون وخبراء في جميع علوم الحياة وفنونها، وذلك لأجل الرجوع إليهم في حدود إختصاصاتهم عند الحاجة. وأن يؤخذ برأي الأكثرية عند إختلاف آراء أُولئك المجتهدين باعتباره أقرب إلى الصواب، وأن يأمر ولي الأمر بتنفيذ هذا الرأي في المسائل الإجتماعية العامة([23]).

وهناك سعي نحو تطبيق شورى الإجتهاد ضمن حدود المذاهب الفقهية الأربعة، وقد تولته لجنة بإشراف (مجمع البحوث الإسلامية). وهو مشروع يعمل على تحويل فقه المعاملات للأحوال المدنية والجنائية وغيرها إلى صيغ مواد قانونية دستورية، لكل مادة عليها شيء من الإيضاح أو مذكرة تفسيرية. وتقوم خطة العمل في البداية بإعداد مواد قانونية لكل مذهب من المذاهب الأربعة على حدة قبل أن يتم إنتخاب ما هو المرجح منها([24]).

كما قامت الأمانة العامة لرابطة العالم الاسلامي بتأسيس شورى الفقهاء، وذلك بتبادل الرأي ضمن ما يعرف بالاجتهاد الجماعي. فأوصت في نظامها الصادر (عام 1383هـ) بانشاء هيئة من العلماء الجديرين بالافتاء([25]).

كما عُقد مؤتمر القمة الاسلامي الثالث (عام 1401هـ) ووجهت الدعوة فيه الى انشاء مجمع عالمي للفقه سمي (مجمع الفقه الاسلامي) غرضه دراسة ومعالجة مشاكل الحياة المعاصرة. وتقرر ان يكون اعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين لمختلف انحاء العالم الاسلامي، وفي شتى مجالات المعرفة؛ الفقهية والثقافية والعلمية والاقتصادية([26]).


الشيعة وشورى الإجتهاد

من الناحية المبدئية ظل الفكر الشيعي على مدى قرون طويلة يعتبر الحكم في النظام السياسي هو من خاصية الإمام المعصوم، مما جعله لا يتجاوب مع مبدأ الشورى في الحكم. فحتى الدعوة الحديثة التي نادت بوجوب تأسيس حكومة الفقيه إستناداً إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم ترعَ حق الشورى إلا في الحدود التي تظل محكومة بتلك الولاية دون التأثر بها، وذلك إتساقاً مع حكومة المعصوم الفردية، بإعتبار أن الولي الفقيه هو نائب عام للإمام المعصوم.

وربما تكون أول دعوة للشورى في الوسط الشيعي هي تلك التي حدثت فيما يسمى بـ (المشروطة)، حيث دعى السيدان عبد الله البهبهاني ومحمد الطباطبائي إلى إعلان قرار (المشروطة) وتأسيس مجلس للشورى لغرض تحديد السلطات المطلقة لملوك إيران. وتأسس هذا المجلس في نفس السنة التي طولب به (عام 1906م). وكان موقف العلماء منه بين مؤيد ومعارض، إذ ظهر ثقل التأييد له متجسداً في شخص الآخوند الخراساني صاحب (كفاية الأُصول)، بينما برزت قوة المعارضة عند غريمه محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى). وعلى أثر هذه المعركة ظهر كتاب (تنبيه الأُمة وتنزيه الملة) للفقيه محمد حسين النائيني أحد تلامذة الخراساني، حيث دعى فيه الى وجوب تحديد سلطات الحاكم بوضع دستور يتقيد به، وإنشاء مجلس للشورى من عقلاء وخبراء الشعب.

أما في العصر الحالي فقد دعى السيد محمد حسين الطباطبائي إلى ضرورة أن يكون حكم الحاكم في الدولة الإسلامية في عصر الغيبة قائماً على المشورة([27]). كما دعى السيد محمد باقر الصدر إلى أن يكون الحكم بيد الأُمة عن طريق الشورى([28]).

مع هذا فإن النظرية الغالبة في الفكر الشيعي هي نظرية ولاية الفقيه المطلقة. ذلك أن فكرة الشورى السياسية ما زالت غريبة في الأجواء الشيعية، اذ ظلت لقرون طويلة المنافس الأكبر لنظرية حكومة المعصوم. لذلك نجد الكتابات الشيعية في الأُمور العقائدية لا تتوانى عن نقد تلك الفكرة وإبطالها بإتهامها أنها تفتقد الدليل الشرعي، وهذا ما حصل حتى مع أُولئك الذين قبلوا فكرة شورى المؤمنين لتغطية الواقع السياسي في الوقت الحاضر، كما هو الحال مع الإمام الصدر([29]).

وبمثل هذا المنحدر سبق لبعض الذين تزعموا حركة الشورى الدستورية (المشروطة) أن إنقلبوا عليها بالرجوع إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، كما حصل مع الشيخ فضل الله النوري الذي ناقضها إنطلاقاً من مبدأ ولاية الفقيه، فإعتبر هذه الولاية شاملة لمصالح الناس عامة وكونها الولاية الشرعية الوحيدة المبنية على نظرية النيابة العامة للإمام المعصوم؛ منكراً قيام التمثيل النيابي المؤسس على أكثرية الأصوات والآراء([30]).

وأعظم من ذلك أنه في بداية قيام مجلس الشورى الأنف الذكر دعى نائب المجلس السيد عبد الحسين الشيرازي إلى العمل بالرجوع إلى منطق ولاية الفقيه المطلقة، فطالب بتسليم رئاسة المجلس إلى رجل حائز على درجة الإجتهاد إنطلاقاً من مبدأ هذه الولاية؛ معتبراً إياها ضامنة لتنفيذ الأحكام الإلهية في الأُمة إستناداً إلى أنها حكم بالنيابة عن المعصوم، وبالتالي فلها حق الخلافة العامة في المجتمع.


بين ولاية الفقيه وشورى الفقهاء

نفهم مما سبق أنه ليس من السهل الإنتقال المباشر من نظرية حكومة المعصوم إلى فكرة الشورى المناهضة لها في النظام السياسي. في حين أن من السهل - نسبياً - التحول من تلك النظرية إلى نظرية حكومة الفقيه المطلقة، خاصة بعد أن ظهرت وسادت بعض الممهدات لهذا السبيل، من قبيل فكرة إعتبار الفقيه نائباً عاماً للإمام الغائب.

وبالفعل فإن هذه النظرية هي التي أخذت مجراها في التطبيق من خلال تأسيس دولة تقوم على الولاية المطلقة للفقيه، والتي صادف أن قام بتأسيسها رجل يعد أول من حثّ عليها بقوة وإصرار وإعتبارها من أُولى الضرورات، وهو الإمام الخميني الذي إستند في حركته على بعض الممهدات النظرية. إذ قبل ذلك دعى الشيخ أحمد النراقي خلال القرن التاسع عشر إلى تلك الولاية من الناحية النظرية، وهي دعوة تأخذ بنظر الإعتبار المستثنيات غير الداخلة تحت مظلة هذه الولاية تبعاً للنص أو الإجماع أو غيرهما. وكما يقول النراقي: «كما كان للنبي والإمام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام - الولاية؛ فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما»([31]). لكنها على ما يبدو لا ترى من بين هذه المستثنيات ما يتعلق بالنظام السياسي المرتهن بالإمام المعصوم تبعاً لما ورد حوله من نصوص غزيرة دالة على هذه الخصوصية، بل على العكس هناك إشارات عديدة تجعل من ولاية الفقيه ممتدة إلى ذلك النظام بأكمله([32]). والنراقي بهذا يعد أول من نظّر إلى الولاية المطلقة للفقيه في (عوائد الايام)، وقد أفاد منه الإمام الخميني كثيراً في كتابه (الحكومة الإسلامية) حتى إستطاع أن يؤسس على ذلك دولته الخاصة بتلك الولاية؛ كتجربة أُولى حديثة لم يسبق لها نظير من التطبيق في التاريخ الشيعي.

إلا أن تجربة الإمام الخميني في التطبيق أعادت النظر في الفكر الشيعي، حيث ظهرت دعوة جديدة تجمع بين ولاية الفقيه ومبدأ الشورى، فتجاوزت بذلك الخلاف بينهما، وهي التي أُطلق عليها (شورى الفقهاء). فقد برزت هذه الإطروحة متأثرة بالظروف التي فرضها الواقع السياسي، وذلك كرد فعل على طريقة الحكم الجديدة التي إتبعها مؤسس الدولة الإسلامية في إيران. حيث أقبل جماعة من العلماء على نقد الممارسات التي إتبعتها السياسة الحاكمة ودعوا إلى ضرورة إتخاذ الشورى للفقهاء مع رضا الأمة كمبدأ أساسي في الحكم، كما يلاحظ في عدد من الكتب والإصدارات الدورية، أبرزها كتاب (شورى الفقهاء) لمرتضى الشيرازي.

بيد أن فكرة الشورى بحسب تلك الإطروحة ظلت محصورة في نطاق معالجة موضوعات الواقع السياسي دون أن تمتد إلى نطاق الإجتهاد والفتوى في الأحكام العامة. ومن الناحية الآيديولوجية أن ذلك يكفي لسد الثغرة في المشكل المعاش، وهو المشكل السياسي. أما من الناحية المعرفية فهو أن أدلة الشورى ليست بصدد مطلق الأحكام وإنما هي بصدد الموضوعات والشؤون العامة، لذلك فإن أدلة التقليد بنظر الفقهاء توجب الرجوع إلى آحاد العلماء ولم تسمح للمقلد أن يرجع إلى المشهور ولا الأكثرية الذين يتسقان مع مبدأ الشورى.

وتُعد تلك الفكرة طرحاً جديداً لبحث جديد. اذ الملاحظ أن الفقه الشيعي يفتقر إلى معالجة مثل هذا الموضوع حتى بالنسبة لأُمور العلاقات الفردية المحدودة، وأن الفقهاء على ما يبدو لا يوجبون العمل بها، كما يلاحظ من السيرة العملية لهم، والتي تدل على عدم ممارستها، بل إدعى البعض أن الإجماع منعقد على عدم وجوبها([33]).

والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد هو كالتالي:

ما هي المبررات المعرفية التي عوّلت عليها الفكرة الآنفة الذكر؟

هذا ما سنتعرف عليه الآن..


 مبررات شورى الفقهاء

لا بد من أن نذكّر ـ قبل كل شيء ـ بأنه لما كانت النصوص المتعلقة بالحكم تكاد تكون مفقودة؛ فأغلب الأخبار المعتمدة هي تلك التي تتعلق بالقضاء، وبعضها جاء في الأُمور العامة كالحث بالرجوع إلى العلماء، وحيث أن آيتي الشورى ليستا كافيتين بأن تغطيا مشكلة الحكم، وأن ظاهرهما يتعلق بالمؤمنين عموماً وليس العلماء منهم فقط؛ لذا عمدت الإطروحة الجديدة (شورى الفقهاء) إلى المزاوجة بين ما يُفاد من الآيتين في الحث على الشورى وبين ما تنص عليه الأخبار في الرجوع إلى الفقيه وقبول حكمه كما في القضاء، فكانت الحصيلة من عملية الجمع هذه هي التبشير بفكرة الشورى لكل من الأُمة والفقهاء. فشورى الأُمة تتمثل بإنتخابهم لشورى الفقهاء بما لهم من منصب من قبل الإمام، فيكون الحكم للأُمة والفقهاء، حيث لا يتم تنصيب الفقهاء إلا برضا الأُمة وكذا بالنسبة إلى نفوذ حكمهم، وفوق ذلك أن رأي الأُمة مقدم على رأي الفقهاء، إذ لو لم ترضَ الأكثرية بحكم وأنفذه الفقهاء لم يصدق ((أمرهم شورى بينهم)) كما في الآية الكريمة، رغم أن حكومة الحاكم منصوبة من قبل المعصوم كما في جملة من الروايات الدالة على قيمومة العلماء والرد إليهم في فصل الخصومات وما إليها([34]).

ومن حيث التفصيل، إعتبرت تلك الإطروحة أن بعض أدلة التقليد تصلح في مجال الموضوعات للشورى. فمن حيث الدليل العقلائي يلاحظ أن العقلاء يعولون على خبرة الكثرة ويرجحونها على خبرة الفرد في الموضوعات. ومن حيث حكم العقل فإن أدلة الأكثرية معتبرة من باب الطريقية وأن رأيها هو الأقرب للواقع عقلاً. ومن حيث الآيات فإن أوضحها آيتا الذكر والانذار؛ فإذا لم يكن لها إختصاص وظهور أو إنصراف إلى المحمولات الشرعية والأُمور الإعتقادية مما يستلزم كونها أجنبية عن دائرة الشورى في الحكم وهي الموضوعات؛ فإن النسبة بينها وبين أدلة الشورى هي العموم والخصوص المطلق، فتكون مقدمة عليها ومخصصة لها، وذلك لظهور وإنصراف آيتي الشورى إلى الموضوعات. أما من حيث الروايات فإن منها ما هو ظاهر في الموضوعات مما يعني إختصاص أدلة الشورى بها([35]).

في حين ان دليل التقليد لمّا كان متعلقاً بالأحكام العامة لذا فهو أجنبي عن دليل الحكومة المختصة بالموضوعات والشؤون العامة التي تنصرف إليها أدلة الشورى، رغم وجود الإرتباط والتزاوج بين أدلة التقليد والحكومة والشورى، وهو ما جعل تلك الإطروحة تعمل على إجلائه. فأدلة الحكومة كقول الإمام: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» حاكمة على أدلة التقليد بأجمعها، في حين أن آيتي الشورى مبيّنتان لكيفية الحكومة على أنها بيد الأكثرية أو كون الحاكم أحدهم بشرط إنضمام الأكثر.

لذلك فالأدلة الثلاثة تتسلسل هكذا:

تقتضي أدلة التقليد لزوم إتباع الخبير، وتقتضي أدلة الحكومة إتباع حكم الحاكم لا مطلق الخبير في شؤون الحكم، أما أدلة الشورى فهي ناطقة بوجوب الإستشارة على الحاكم وإتباعه للأكثرية، وبالتالي تكون الحكومة لكل الفقهاء لا لأحدهم، أو لأحدهم مشروطاً بإمضاء الأكثرية([36]).

مع هذا يلاحظ أن سياق آيتي الشورى ليس متسقاً مع سياق الأخبار التي تأمر بالرجوع إلى الفقهاء كما في القضاء، فهناك فارق كبير بين الأمرين. فإذا كان بالامكان التعويل على الآيتين في الحث على الشورى في الأُمور العامة الكبيرة كالحكم؛ فإن الحال في الأخبار المتعلقة بالقضاء لا يفاد منها ذلك. وكذا العكس، إذ إنه إذا كانت الأخبار تدعو للرجوع إلى العلماء؛ فإن آيتي الشورى لا تتقيدان بهذا القيد، رغم أن الحاجة تقتضي، على فرض صواب الإطروحة، التصريح والجمع بين قيدي الفقهاء والشورى؛ سواء في الأخبار أم في الآيتين، لكن ذلك لم يحصل. أي أننا لا نجد في الشورى قيد الفقهاء، كما لا نجد في الفقهاء قيد الشورى. يضاف إلى أن هناك ثغرة تتعلق بقياس باب القضاء على الحكم مع وجود الفارق الكبير بينهما. فضلاً عن أن الأخبار (الشيعية) لا يستفاد منها الحث والتشجيع على الحكم؛ فكيف يُستفاد منها فوق ذلك الشورى أياً كانت؛ سواء بين الفقهاء أو غيرهم؟!

ومع أن بعض الفقهاء المتأخرين حاول إستنباط معنى حكومة الفقيه في عصر الغيبة من الإشارات العامة غير المباشرة للأحاديث المنقولة عن النبي (ص) والأئمة (ع)، كما في الأخبار التي تقول: «العلماء ورثة الأنبياء».. «العلماء أُمناء الرسل».. «مجاري الأُمور بيد العلماء بالله الأُمناء على حلاله وحرامه».. «أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به».. «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله..».. وغير ذلك من الأحاديث.. لكنها ليست ذات دلالة واضحة على الحكومة، وأغلبها مطعون بضعف السند. وأقربها معنى في الموضوع هي مقبولة عمر بن حنظلة التي وردت في القضاء وفض المنازعات، حيث جاء في طيها جواب الإمام الصادق بعد أن سُئل ماذا يصنع المتخاصمان؟ فقال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا.. فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً..». فهذه المقبولة هي أقرب من غيرها في الدلالة على موضوع الولاية، حتى قال الشيخ النائيني بأن موضوع الولاية كله يستفاد من هذه الرواية. وقد إستدل السيد اللنكرودي من نص الرواية «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» معتبراً أن الحكم أعم من القاضي، اذ الحاكم هو الذي يضرب بالسيف والسوط. لكن رغم ورود لفظة «الحاكم» في الرواية إلا أنها جاءت في سياق القضاء والخصومة وهي ترد في معنى القاضي؛ فلا ضرورة لفهمها بالعنوان العام. ومع هذا وذاك فالرواية تعد ضعيفة السند. والأهم من ذلك كله هو أن هناك روايات غزيرة أغلبها يدل بوضوح على منع التصدي للحكم في فترة الغيبة لإعتبارات التقية وضرورة الإنتظار قبل ظهور الإمام المهدي، كالرواية التي تقول: «كل راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله»، وإن كان الغالب فيها ضعف السند([37]).

ناهيك عن أنه إذا كان يمكن إنتزاع أمر الحكم مما جاء في روايات القضاء، أو أنه على فرض قياس أحدهما على الآخر؛ فالذي يفضي إليه ذلك هو أن يكون دليل شورى الحكم للفقهاء مستلهماً بالضرورة من دليل شورى القضاء؛ استناداً الى افتراض جامع بينهما كوحدة مناط. لكن حيث لم يرد في القضاء دليل الشورى، لا في النص ولا في سيرة المتشرعة، لذا فإن شورى الحكم للفقهاء تصبح خالية من الدليل تبعاً لذلك.

مهما يكن فمن الناحية العقلية تظل الشورى مطلوبة لدى أهل الخبرة، سواء في الموضوعات والشؤون العامة، أو في الأحكام. واذا ما كان الشرع قد أكد عليها في المجال الأول فإنه لم ينه عنها في المجال الآخر، هذا إذا فرضنا أنه لم يحث عليها في هذا المجال، سيما أن قضية الإجتهاد في الأحكام لم تطرح في عصر النص طالما كانت النصوص متوفرة والأحوال واضحة بخلاف العصور التي تلت ذلك العصر الذهبي.


الشورى ونظام المرجعية التخصصية

في دراسة مستقلة لنا، سبق أن طرحنا فكرة انشاء نظام للمرجعية التخصصية يهتم بشورى الإجتهاد، سواء في الأحكام أو الموضوعات، وذلك بأن يضم لجاناً مختلفة تستوعب جميع فروع الفقه، بحيث تضم كل لجنة منها مجموعة من الفقهاء يتم إنتخابهم بين مدة وأُخرى، وهم يمارسون عملهم تبعاً لمبدأ الشورى، ليكون هناك ضمان على الصعيدين العلمي والعملي([38]).

فطبيعة الشورى تضع المزيد من التثبّت والحصانة العلمية قبل إبداء الحكم النهائي، وهي أيضاً تصون العملية الإجتهادية من نوازع الذات والأهواء التي قد تستولي على نفس الفقيه الفرد وهو يمارس دوره في ملاحقة تزاحمات المصالح العامة في المجتمع. كما أنها مع النظام التخصصي سوف تتيح لأول مرة أن يكون التقليد تقليداً للمؤسسة ذاتها أو لجميع الفقهاء، اذ الكل يشتركون في صياغة الفقه، والكل يشاركون في عملية التقنين مشاركة فعالة مثمرة بعيداً عن النوازع الذاتية والمنافسة والإنشقاق التي يخلقها نظام المرجعية الفردي. فينتهي الأمر الى صياغة رسالة عملية موحدة في الفقه قابلة للمراجعة والتجديد بين فترة وأُخرى، وهي تُحدد طبق ضوابط زمنية مناسبة.

ومن الطبيعي أن تكون جميع اللجان تحت إشراف لجنة مرجعية عليا منتخبة ومؤهلة بالقدرة العلمية وخبرة الواقع الإجتماعي والسياسي؛ وظيفتها مراقبة أوضاع اللجان والعمل على حل مشاكلها الخاصة وإضفاء طابع المشروعية والمصداقية على أعمالها، فضلاً عن الأعمال الأُخرى التي تخص نظام الحكم تبعاً لمبدأ الشورى.

وبهذه الطريقة المقترحة يمكن تذويب مشكلة وجوب تقليد الأعلم التي يقول بها مشهور الفقهاء. فحتى لو صدقت هذه الفرضية فإنها تواجه مشكلتين؛ تتحدد إحداهما بضابط الأعلمية، فهل هي الأعلمية من جهة الدقة أو الوساعة أو زيادة إبداء المهارة في إستخراج الفروع عن الكليات أو كثرة الإطلاع على معرفة آراء الفقهاء وإجماعاتهم وتعارضاتهم أو غيرها..؟ أما الأُخرى فتتعلق بتشخيص من هو أعلم وسط الفقهاء المجتهدين. فالمقاييس الموضوعة لمعرفة الأعلم من خلال الشياع وأهل الخبرة وغير ذلك؛ كلها معرضة للإختلاف الشديد، الأمر الذي يدعو إلى التعددية في التقليد، والصراع بين الأتباع أحياناً، كما يشهد عليه الواقع، مما يذكرنا بالصراعات الحادة التي مرّت على أتباع المذاهب الأربعة لنفس المشكل من التعددية.

لكن يمكن التخلص من المشكلتين معاً. فإذا كان الكثير من الفقهاء يعتبرون قول الأعلم حجة دون غيره إستناداً إلى كونه أقرب من جهة  التوصل إلى حقيقة الحكم الشرعي، سيما أن التعليل لديهم مستند الى أمر إرتكازي طريقي لا تعبدي، فعند الدوران والشك بين التعبدية والطريقية رجحوا هذه الأخيرة على الأُولى، ناهيك عما إعتمدوا عليه من السيرة العقلائية في إثبات قبح الرجوع إلى غير الأعلم عند العلم بالخلاف.. فإذا كان مدار الفقهاء هكذا، يصبح من الواضح أن القول بالتخصص هو أقوى مجالاً وأقرب إمكانية للكشف عن حقيقة الحكم الشرعي، وأن السيرة العقلائية لا ترجح قول الفرد على قول الجماعة، الا اذا كانت هذه الجماعة فاقدة للقدرة على الإستدلال.

كذلك أنه إذا كان الشمول والدقة وغيرها هي من الموارد الهامة والمعتبرة في الأعلمية، وهي في الغالب مشتتة بين الفقهاء، فقد تجد بعض العلماء أكثر شمولاً وسعة في تناول الفقه، وتجد آخر أكثر دقة وفهماً وإن كان ينقصه الشمول والسعة.. فإذا كان هذا ما يجري في الغالب بين الفقهاء؛ فإن نظام التخصص مع الشورى سيسدد كلا الجانبين، فهو شامل يحتضن كل ما يمكن أن يدخل في موارد الفقه، كما أنه دقيق باعتبار التخصص. وهو فوق كل ذلك اذ يعمل بمبدأ الشورى؛ فإن له مزية أقوى من جهة الأقربية للكشف عن حقيقة الحكم الشرعي.

وبذلك تكون المرجعية التخصصية غير عاملة بنظرية الأعلم من الناحية الفردية، لكنها من حيث المجموع تعمل بها. كما أنها تحل مشكلة التقابل بين وجود العالم والأعلم وفرز أحدهما عن الآخر بالتشخيص والتعيين، إذ يصبح كلاهما موظفين لذات الدور من عملية تقنين العلاقة بين الواقع بالفقه تبعاً لمبدأ الشورى الإسلامي.

على ان فكرة التخصصية في الفقه الامامي قد طُرحت منذ زمن على يد المرحوم الشيخ عبد الكريم اليزدي. وقد نقلها الشيخ مرتضى مطهري واستصوبها وابدى اهميتها. فكما قال: «ما من ضرورة تدعو ان يقلد الناس شخصاً واحداً في جميع المسائل، بل الافضل ان يُقسّم الفقه الى اقسام تخصصية. اي ان مجموعة من العلماء بعد ان يتفقهوا في دورة فقهية عامة، يعينون لانفسهم جانباً معيناً يختصون فيه، ويقلدهم الناس في ذلك القسم التخصصي وحده. كإن يتخصص بعض بالعبادات، وبعض آخر يتخصص بالمعاملات، وآخرون في السياسات، وبعض بالأحكام الفقهية، كما هي الحال في الطب في الوقت الحاضر حيث تشعبت الاختصاصات، فهذا اخصائي في القلب، وذلك في العين، وآخر في الاذن والأنف والحنجرة، وغير ذلك. فلو حصل هذا لأمكن تحقيق اعمق، كل في مجال اختصاصه. واظن ان هذا القول قد جاء في كتاب (الكلام يجر الكلام) تأليف السيد احمد الزنجاني سلمه الله. هذا اقتراح جيد جداً، واضيف ان الحاجة الى تقسيم العمل في الفقه، وضرورة ايجاد فروع تخصصية في الفقه، قد ظهرت منذ اكثر من مائة سنة حتى الان. وعلى الفقهاء، في هذه الظروف الحياتية السائدة، إما ان يقفوا بوجه تكامل الفقه وتطويره، وإما ان يسلموا بضرورة تنفيذ هذا الاقتراح»([39]).

لكنه اضاف اليها مقترحاً آخر يتعلق بشورى الاجتهاد، فيكون الحاصل عبارة عن مجلس فقهي يضم تخصصات متشعبة؛ كل شعبة منها تعمل طبقاً لتبادل الرأي والشورى. فقد قال بهذا الصدد: «ثمة اقتراح آخر اقدمه هنا، واعتقد ان من الخير ان يقال، وهو انه بعد ان ظهرت الفروع التخصصية في جميع علوم الدنيا، فكانت سبباً في تقدم العلوم تقدماً محيراً للعقول، ظهر امر آخر الى حيز الوجود كان ايضاً عاملاً مهماً من عوامل التقدم والتطور، ألا وهو التعاون الفكري بين العلماء من الطراز الاول والمنظرين في كل فرع. في عالم اليوم لم يعد لفكر الفرد وللتفكير الفردي قيمة تذكر، والعمل الفردي لا يوصل الى نتيجة. ان علماء كل فرع من فروع العلم مشغولون دائماً بتبادل النظر بعضهم مع بعض، يضعون حاصل فكرهم وعصارة عقولهم تحت تصرف العلماء الاخرين. بل ان علماء قارة ما يتبادلون معلوماتهم مع علماء قارة اخرى ويتعاونون معهم. فيكون من اثر هذا التعاون وتبادل المعلومات والتعرف على وجهات نظر الاخرين انه اذا كانت هناك نظرية نافعة وصحيحة، أمكن نشرها بسرعة اكثر لتأخذ مكانها، واذا كانت النظرية باطلة، أمكن نشر بطلانها سريعاً واطراحها بعيداً، دون ان يضطر طلاب العلم الى التمسك بها حتى يتبين لهم بطلانها بعد سنين. انه لمما يؤسف له اننا لا نرى بيننا أي تقسيم للعلم والتخصص، ولا أي تعاون وتبادل نظر. ومن البديهي اننا بهذا الموضع لا يمكن ان نتوقع تقدماً وحلاً للمشاكل... فلو أُنشئ مجمع علمي للفقهاء، وتحقق مبدأ تبادل النظر؛ فان ذلك فضلاً عن انه يؤدي الى تكامل الفقه وتطوره، فانه يزيل كثيراً من الاختلاف في الفتاوى. ليس هناك طريق آخر، لأننا اذا كنا ندعي ان فقهنا من العلوم الحقة في العالم، فلا بد لنا من اتباع الاساليب التي تتبع في سائر العلوم الاخرى، واذا لم نفعل ذلك فمعنى ذلك ان الفقه خارج عن صف العلوم»([40]).

وهو امر يتطابق مع ما عرضناه من اقتراح([41]).



[1] الشورى/ 38.

[2] آل عمران/ 159.

[3] إبن تيمية: رسالة السياسة الشرعية، ضمن مجموعة فتاوى إبن تيمية، مكتبة النهضة الحديثة، 1404هـ، ج28 ، ص387.

[4] ملخص إبطال القياس، ص13.

[5] الفصول في الأُصول، ج3، ص240 . والمستصفى، ج2، ص255.

[6]  الغزالي: إحياء علوم الدين، وبهامشه كتاب (تعريف الإحياء) لعبد القادر باعلوي، وكتاب (عوارف المعارف) للسهروردي، ج1، ص16.

[7] الفقيه والمتفقه، ج1، ص475. وأعلام الموقعين، ج1، ص71.

[8] إجتهد عمر بن الخطاب في منع تقسيم أراضي سواد العراق وأراضي مصر على الفاتحين، وقد طالبه هؤلاء بها محتجين عليه بنصوص من القرآن والسنة، لكنه إعتبر الأراضي من الفيء الذي تتعلق به حقوق المسلمين عامة؛ حاضرهم وآتيهم رعاية لمصلحة الأجيال وحقوقها في بيت المال. لذا أنه أبقى الأراضي في يد أهاليها وطرح عليها ضريبة الخراج، باعتبار أن ذلك أصلح لإحيائها وأعم وأدوم لنفعها وريعها. وقد دامت مناقشات عمر مع الصحابة عدة أيام ثم وجد الحجة عليهم في إحدى آيات سورة الحشر. وقد خاطبهم بقوله: «تريدون أن تأتي آخر الناس ليس لهم شيء، فما لمن بعدكم؟ ولولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله (ص) خيبر». وفي كتاب له إلى أبي عبيدة قال فيه: «.. وشاورت فيه أصحاب رسول الله (ص)، فكل قد قال في ذلك برأيه، وإن رأيي تبع لكتاب الله، قال الله تعالى: ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وإبن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.. والذين جاءوا من بعدهم..))» (انظر حول ذلك: ابو يوسف: الخراج، ص26ـ30. والبلاذري: فتوح البلدان، عني بمراجعته والتعليق عليه رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ ـ1983م، ص266 وما بعدها. والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص176. كذلك: حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس ببيروت، الطبعة السادسة، 1987م، ص483ـ484). وجاء في بعض الاخبار ان الامام علياً هو الذي أشار على عمر بعدم تقسيم السواد (ابن سلام: الأموال، ص33). وكان ابو عبيد يرى ان أمر التقسيم تم باشارة كل من الامام علي ومعاذ بن جبل (ابو فرج الحنبلي: الاستخراج لأحكام الخراج، صححه وعلق عليه السيد عبد الله الصديق، ضمن موسوعة الخراج، دار المعرفة، بيروت، 1979م، ص9).

[9] سير أعلام النبلاء، ج4، ص461. والمزي، يوسف بن الزكي : تهذيب الكمال، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ ـ 1980م، عن مكتبة الايمان الالكترونية، ج10 ، ص150ـ151. وقرارات مجلس المجمع الفقهي الاسلامي، نشر رابطة العالم الاسلامي، مكة المكرمة، 1405هـ ـ1985م، ص159.

[10] الكوثري، محمد زاهد: فقه أهل العراق وحديثهم، عن: شبكة الرازي razi.net www.al-، فقرة: أمثله لا يصدق في نسبه ؟! (لم تذكر ارقام صفحاته). كذلك: ابو حنيفة، ص191.

[11] فقه أهل العراق وحديثهم، فقرة (طريقة أبي حنيفة في التفقيه).

[12] البغدادي: تاريخ بغداد، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1417هـ ـ1997م، عن مكتبة يعسوب الالكترونية، ج14، ص250. وعبد اللطيف، محمد محروس: مشايخ بلخ من الحنفية، الدار العربية للطباعة، بغداد، ج1، ص196ـ197.

[13] أعلام الموقعين، ج1، ص73.

[14] صفة الفتوى، ص7.

[15] فتاوى الامام الشاطبي، حققها وقدم لها محمد ابو الاجفان، مطبعة الكواكب، تونس، الطبعة الثانية، 1406هـ ـ1985م، ص76ـ77.

[16] سير أعلام النبلاء، ج5. والبري، زكريا: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية، ضمن كتاب الإجتهاد في الشريعة الإسلامية وبحوث أُخرى، (القسم الرابع)، ص256.

[17] خلاف، عبد الوهاب: مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، دار القلم في الكويت، الطبعة الثانية، 1970م، حاشية ص167. كذلك: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية للبري، ص256.

[18] الجندي، أنور: الفكر العربي المعاصر، مطبعة الرسالة، ص56 وما بعدها.

[19] عن: البهي، محمد: الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، مكتبة وهبة بمصر، الطبعة العاشرة، ص136.

[20] مجلة الأحكام العدلية هي قانون مدني عام منتقى من قسم المعاملات للفقه الحنفي الذي عليه عمل الدولة العثمانية. وقد جاء مجموع الأحكام بـ (1851) مادة، في ستة عشر كتاب منقسمة إلى أبواب فيها فصول، يبدأ أولها بكتاب البيوع وآخرها بكتاب القضاء. وقد صدرت المجلة بمقدمة تشمل مقالتين، الأُولى في تعريف الفقه وتقسيمه، إذ تم تقسيمه الى قسمين رئيسيين، أولهما يتعلق بأُمور الآخرة، كما تتمثل بالعبادات، وثانيهما يتعلق بأُمور الدنيا، وهي على ثلاثة أقسام: مناكحات ومعاملات وعقوبات. أما المقالة الثانية فهي في ذكر طائفة من القواعد الكلية التي هي عبارة عن (99) قاعدة، أولها قاعدة «الأُمور بمقاصدها»، وآخرها «من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه». وقد تم إصدار لزوم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة عام 1293هـ (انظر: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص209ـ211. ومجلة الأحكام العدلية، لجنة من الفقهاء في الخلافة العثمانية، شبكة المشكاة الالكترونية، ص15).

[21] البشري، طارق: المسألة القانونية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، ضمن بحوث ندوة التراث وتحديات العصر في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، الطبعة الثانية، 1987م، ص625.

[22] فقد أخذت الحكومة العثمانية من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم المنصوص عليه في القرآن عند إختلافهما، وبذلك مكّنت المرأة من أن تتخلص من الزوج السيء بطلبها التفريق. كما وأخذ القانون من مذهب مالك إطلاق حرية الزواج لزوجة المفقود بعد أربع سنين من فقدانه، بينما يقضي المذهب الحنفي بإنتظار وفاة جميع أقرانه في العمر، أي أن الزوجة تبقى حتى شيخوختها تحت ذمة المفقود. وقد حذت الحكومة المصرية في قضية التفريق وزوجة المفقود هذا الحذو (سنة 1920م). وفي (سنة 1929م) خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الإجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة، فأصدرت قانوناًً تحت رقم (25) ألغت بموجبه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما إعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة عملاً برأي إبن تيمية ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر للتخلص من مآسي الطلاق (انظر: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص221ـ222. كذلك: ابو زهرة: محاضرات في عقد الزواج وآثاره، دار الفكر العربي، القاهرة، 1971م، ص27ـ28).

[23] الإجتهاد في الشريعة الإسلامية للبري، ص254ـ255.

[24] من الجدير بالذكر إنه قد تمت موافقة مجلس المجمع على العمل بذلك المشروع في جلسته السابعة والعشرين والتي صادفت يوم 8\3\1967 (انظر: مشروع تقنين الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل).

[25] لاحظ قرارات مجلس المجمع الفقهي الاسلامي، كلمة الامين العام، ص 8ـ 9.

[26] السالوس، علي أحمد: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، دار الثقافة بقطر دار الاعتصام بمصر، 1990م، ص39 ـ40.

[27] الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص121 و124ـ125 .

[28] الصدر، محمد باقر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ضمن سلسلة الإسلام يقود الحياة (4)، مطبعة الخيام في قم، 1399هـ، ص53ـ54. كذلك: الصدر: لمحة فقهية تمهيدية، سلسلة الإسلام يقود الحياة (1)، ص23 و33. وأنظر بهذا الصدد نقد جعفر مرتضى العاملي للسيد الصدر حول فكرة الشورى وقيادة الأُمة، وذلك كدفاع عن منطق ولاية الفقيه (الصحيح من سيرة النبي الأعظم،ج4، ص177 وما بعدها ).

[29] الصدر: بحث حول الولاية، دار التوحيد في الكويت، 1397هـ ـ1977م، ص19ـ21.

[30] مافي، هاشم محيط: مقدمات مشروطيت، بكوشش: مجيد تفرشي ـ جواد جان فدا، ص339 وما بعدها.

[31] عوائد الأيام، ص187ـ188.

[32] المصدر السابق، ص187ـ188. 

[33] عن: شورى الفقهاء، ج1، ص104 .

[34] المصدر السابق، ص421ـ424.

[35] المصدر السابق، ص371ـ376.

[36] المصدر السابق، ص372ـ373. كذلك: الشيرازي، محمد: الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، مؤسسة الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1405هـ ـ1985م، ص507ـ508. والشيرازي: الحكم في الإسلام، ضمن موسوعة الفقه، دار العلوم، الطبعة الثانية، 1410هـ ـ1989م، ج99، ص40 وما بعدها.

[37] انظر حول ما سبق المصادر التالية: النراقي: عوائد الأيام، ص185 وما بعدها. والأنصاري، مرتضى: المكاسب، مؤسسة مطبوعات ديني بقم، الطبعة الرابعة، 1370هـ.ش، ص154. واللنكرودي، مرتضى المرتضوي الحسيني: رسالة الإجتهاد، ضمن رسائله الثلاث، مطبعة الإسلام بقم، 1380هـ، ص26ـ28. والخوئي: الإجتهاد والتقليد، ص379ـ380 و143ـ144. والخميني، روح الله الموسوي: الحكومة الإسلامية، المكتبة الإسلامية الكبرى، إيران، ص56 وما بعدها. والحائري، كاظم: الكفاح المسلح في الإسلام، إنتشارات الرسول المصطفى في إيران، ص110 وما بعدها.

[38] أنظر مقالنا: خطوات على طريق المرجعية الرائدة، مجلة الفكر الجديد، العدد السابع، ص323.

[39] مطهري، مرتضى: الاجتهاد في الاسلام، دار التعارف ـ دار الرسول الأكرم، ص32ـ33.

[40] المصدر، ص35ـ37.

[41] لقد دعوتُ الى هذه الفكرة منذ اواسط الثمانينات، وكتبت عنها سنة (1991م)، ولم تتح لي فرصة نشر ما كتبت الا في عام (1993م)، وذلك كمقالة في مجلة الفكر الجديد الصادرة في لندن، ولم اطلع على ما طرحه المرحوم مطهري الا بعد الطباعة الاولى لكتابي هذا. وربما لم يكن كتابه مترجماً حينها، والنسخة التي اعتمدتها لم يكتب فيها سنة الطبع ولا اسم المترجم.

comments powered by Disqus