يحيى محمد
تعتبر الحدود وما ورد فيها من كيفيات، معلومة المقاصد من الناحية الخاصة، سواء كان ذلك بدلالة النص أو الواقع. فالنص من قبيل قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾[1]، الأمرالذي يدل عليه الواقع، حيث بالقصاص تزول دوافع الثأر ومسلسل سفك الدماء. كما يُظهر الواقع أن الغرض الأساسي من الحدود هو الردع.
لكن لما كان منشأ اعتبار الحدود يتوقف على ما تحققه من أغراض تتسق مع المقاصد الكلية العامة؛ لذا فإن تجدد الواقع قد يُعيق تحقيق أغراضها الخاصة أو يجعلها تتزاحم مع المقاصد العامة، مما يستدعي تعديلها لتتماشى مع هذه الأخيرة. لذلك هناك من رأى جواز ترك الإمام للحدود في بعض الحالات والطوارئ لأجل ما هو أهم منها[2].
وليس غريباً ان تشهد السيرة النبوية والخلافة الراشدة شطراً من التنويعات التجديدية لقضايا الحدود استناداً إلى تغيرات الواقع والنظر إلى المقاصد. فرغم محدودية الظروف وضيقها الا ان ذلك لم يمنعها من ان تكون حافلة بالكثير من التنويعات والتغييرات تبعاً للمصالح والحاجات.
فقد منع النبي (ص) قطع يد السارق في الغزو خشية أن يترتب عليه مضرة لحوق السارق بالمشركين حمية وغضباً. وهو المنقول أيضاً عن عمر والإمام علي وأبي الدرداء وحذيفة وغيرهم[3].
كما أسقط الحد عن التائب طالما اعترف بذلك قبل القدرة عليه. وفي رواية قال عمر للنبي: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى النبي معللاً ذلك بأنه قد تاب إلى الله. إذ روي أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله (ص) فأخبرته أنه الذي وقع عليها، وأخبر القومُ أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع عليّ، فقال النبي (ص): ‹‹إنطلقوا به فارجموه››، فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله (ص): الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة، فقال: ‹‹أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولاً حسناً، فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى رسول الله (ص) فقال: ‹‹لأنه قد تاب إلى الله››[4]. وفي حادثة إنه قال للرجل الذي قال له: ‹‹يا رسول الله أصبتُ حداً فأقمه عليّ، فقال (ص): هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد غفر لك حدك››[5].
وجاء في سيرة النبي (ص) أنه لم يؤاخذ بعض أصحابه بالعقوبة رغم كبير فعله وشائنته. ومن ذلك إنه برئ مما صنعه خالد بن الوليد ببني جذيمة من قتلهم وأخذ أموالهم دون ان يعاقبه، وقال: ‹‹اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد››. وبنظر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ان النبي (ص) إنما لم يعاقب خالداً على فعله وذلك لحسن بلائه ونصره للإسلام[6].
كما ذكر ابن القيم ان الله نصّ على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى[7].
إذ جاء حول حد المحارب قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، والذين ذهبوا إلى اسقاط الحدود بالتوبة قبل القدرة على المسك بالجاني إنما حملوا هذه الآية على جميع الحدود، كحد السرقة الذي نصّ العديد على سقوطه بالتوبة، كما هو الحال مع عطاء وجماعة غيره، وذهب إليه بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولاً[8]. علماً بأن حد السرقة كثيراً ما كان يعطل لأسباب خاصة، كالحال عند الحروب وفي عام المجاعة[9]. وحد الشرب عليه اختلاف بين ما كان يُعمل به في عهد النبي وأبي بكر وبين ما سار عليه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب باشارة من الإمام علي كما يُنقل. كما ظهر هناك عدد من الاجتهادات التي حددت أحكاماً تتصف بالشدة تبعاً لمراعات الظروف السائدة آنذاك، وتحقيقاً لما يراد من مصلحة عامة، رغم ان هذا كان على خلاف ما عليه السيرة النبوية، تبعاً لما يُروى. ومن ذلك – كما عرفنا - أن الإمام علياً قام باحراق الزنادقة الغلاة، بينما كان الأمر في عهد النبي هو قتل الكافر، لكنه وجد خطورة المسألة فشدد العقوبة لزجر الناس عن ان يفعلوا مثل ذلك[10]. وسبق للإمام علي أيضاً إن نصح الخليفة الصديق في احراق اللوطية بدل قتلهم باعتبار ان العرب لم تكن تبالي بالقتل وهي قد ألفته بخلاف الحرق بالنار حيث لم تألفه بعد[11].
على هذا، لا يجوز إسقاط الحدود على الواقع في ظل كثرة التحولات دون دراسة مفصلة لأوضاعه؛ خصوصًا تلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية، طالما أنها من أحكام الوسيلة التي تتأثر بمجريات الحياة والواقع. بل حتى مع التنفيذ والتطبيق يجب مراعاة جانب الإطلاع على المخلفات والنتائج المترتبة على تلك الأوضاع ومن ثم محاكمتها ومقايستها بالحجم الذي يمكن تحقيقه من المقاصد العامة.
فعلى سبيل المثال، ليس من المتوقع أن يحقق حد السرقة المقاصد المرجوة في البلدان التي تكون أوضاعها الاقتصادية متردية بالفقر والحاجة. بينما قد يحقق هذا الحد غرضه في البلدان التي تتسم بتقدم أوضاعها الاقتصادية، شريطة توافر الظروف الملائمة في باقي المجالات.
علماً بأن بعض ما يُعدّ من الحدود ليس عليه دليل شرعي، كما هو الحال مع حد شرب الخمر، كما إن بعضاً آخر مشكوك فيه؛ مثل حد الرجم.
[1] البقرة/ 179.
[2] جاء في (شرح النيل) ان الإمام إذا ملك بعض المصر فقط فإن عليه ان لا يقيم الحد كجلد وقطع، بل يحبس حتى يملك المصر، وقيل يقيم الحد، وقيل هو مخير حتى تضع الحرب أوزارها، والحكم في ذلك كالحد، وقيل لا يدع الأحكام، وقيل يجوز ترك الحدود لئلا يشغله ذلك عن الفتح، وقيل لزمه ترك الحكم لئلا يشغل (موسوعة الفقه الإسلامي المعروفة بموسوعة جمال عبد الناصر، 1410هـ ـ1989م، ج2، ص214).
[3] جاء في حديث للإمام علي قوله: لا أُقيم لأحد حداً بأرض العدو حتى يخرج منها لئلا تلحقه الحمية فيلحق بالعدو (علل الشرائع، مؤسسة الاعلمي، الطبعة الأولى، 1408هـ ـ 988م، ج2، باب 334، ص264). وقد نصّ أحمد واسحاق بن راهويه والاوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكر ذلك أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد اتى بشر بن ارطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنّة فقال: لولا اني سمعت رسول الله (ص) يقول: ‹‹ لا تُقطع الايدي في الغزو›› لقطعت يدك، وهو ما رواه أبو داود، وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة (الخراج، ص197. وأعلام الموقعين، ج3، ص5ـ6).
[4] أعلام الموقعين، ج3، ص8.
[5] أعلام الموقعين، ج3 ص7.
[6] مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص255. واعلام الموقعين ج3، ص8.
[7] اعلام الموقعين، ج3، ص8.
[8] القرطبي: جامع أحكام القرآن، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، 1405هـ ـ1985م، ج6، ص174. والشوكاني: فتح القدير، طبعة دار احياء التراث العربي، ج2، ص39.
[9] نُقل عن ابن تيمية وابن القيم انهما أجريا تعديلاً فيما يخص الحكم الخاص بتنفيذ حد السرقة حين ثبوتها، فكما قال الشيخ محمد الغزالي: ‹‹حسب ابن تيمية وابن القيم وما أفهمه أنا من السنن؛ استطيع ان اقول بأن القاضي يستطيع وقف التنفيذ في السابقة الاولى. فلو سرق تلميذ أو شاب، وكانت سرقته الأولى أو عثرة قدم زلت بصاحبها، فاذا وجده القاضي متألماً لذلك ونادماً أو شاعراً بالخجل؛ له ان يوقف العقوبة ويستتيبه ويقبل توبته، وله ان يعزره بالكلام أو بالجلد أو السجن، حسبما يرى، ولكن إذا عاد للجريمة مرة أو مرات أخرى تقطع يده›› (محمد الغزالي: تطبيق الشريعة حل لأزمة الاستعمار التشريعي في بلادنا، منبر الحوار، العدد13، 1410هـ ـ1989م، ص15).
[10] الطرق الحكمية، ص22.
[11] ذُكر أن خالد بن الوليد كتب لأبي بكر في خلافته بأنه ‹‹وُجد في بعض نواحي العرب رجل ينكح كما تنكح المرأة››، فاستشار أبو بكر الصحابة، وكان فيهم علي فقال: ‹‹ان هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم الا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم. أرى ان يحرقوا بالنار››، فكتب أبو بكر إلى خالد وأمره بحرقه (الطرق الحكمية، ص18. واعلام الموقعين، ج4، ص378). وجاء عن الإمام الصادق ان خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر عن رجل يؤتى في دبره، فاستشار أبو بكر علياً فقال: احرقه بالنار، فإن العرب لا ترى القتل شيئاً (انظر: رياض المسائل، ج2، ص475. وجامع المدارك، ج7، ص73. ومباني تكملة المنهاج، ج1، ص235. والبرقي: المحاسن، تحقيق جلال الدين الحسيني، نشر دار الكتب الإسلامية، المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص112. وفقه الإمام جعفر الصادق، ج6، ص278).