يحيى محمد
يمكن للفكر الديني أن يجعل من نظرية الاستخلاف قاعدته للتحرك تبعاً للمقاصد، فهي جامعة لأصلين هامين على مستوى الاعتقاد والسلوك، هما الايمان بالله الواحد والعمل الصالح. فهي نظرية تستقطب عدداً من القضايا، هدفها بناء (الإنسان الصالح) وفقاً لمنظومة القيم. فلو رجعنا إلى النص الديني، كما في القرآن الكريم، نجد أنه يهدف إلى تحقيق هذين الأصلين دون قيد أو شرط، وبالتالي فإنه يهدف إلى بناء ذلك الإنسان، كما يدل عليه ما لا يحصى من التعاليم الدينية. فغرض وجود هذه التعاليم واضح، وهو العمل على جعل الإنسان صالحاً، سواء مع نفسه أو مع غيره من افراد المجتمع، وسواء مع الطبيعة أو مع الله تعالى.
ولا يتعلق مفهوم (الإنسان الصالح) هنا بالجانب الفردي للإنسان، كما لا يتعلق بالمجتمع ككل، لا سيما أن الصورة الأخيرة لا تخلو من طوباوية يصعب تحقيقها، ويبقى أن يتعلق المفهوم بالإمكانات الواقعية لعدد كبير من الأفراد والشرائح الاجتماعية التي تتقبل التغيير تبعاً لهذا المنطق الإنساني، كما لها القدرة على التأثير الايجابي وسط المجتمع استناداً إلى ما تحمله من قوة في المنطق والقيم.
وأبرز مقومات هذا الإنسان أنه لا يميز بين عرق وعرق، ولا بين مذهب وآخر، ولا دين وآخر، ولا بين مسلم وغيره، إلا بقدر ما يمتلك من عناصر ومقومات الصلاح، فهي نزعة إنسانية عامة تستهدي بقوله جلّ وعلا: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم﴾[1].
وعلى الصعيد النظري تختلف أبعاد هذا التصور عن تصور الحضارة الغربية، حيث تطالب الأخيرة بأن يكون الإنسان حراً دون قيود ما لم يمس حريات الآخرين، وليس الأمر هكذا في التصور الديني الذي يطالب الإنسان ان يكون صالحاً، وان الحرية - ضمن حدود - لا تعد غاية في هذا الصدد، بل وسيلة حقة دونها يعجز الإنسان عن تحقيق مبتغاه من الصلاح المنشود.
كما يختلف التصور السابق عن الفهم التعبدي الذي يضفي على الوسائل والآليات الدينية صفة التعبد، فيرى العمل بالدين هو ذاته العمل بما هو جاهز من الآليات والوسائل الدينية بكل ما تتضمنه من تشريعات جزئية. وبالتالي وفقاً للتصور الأخير لا يمكن فصل الدين عن آليات النُظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الدينية ومفاهيمها، وعلى رأسها آليات النُظم السياسية والاقتصادية والقانونية، والتي يكون غرضها تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات.
وبحسب الفهم التعبدي للدين هناك مسألتان، إحداهما الآليات كوسائل، والأخرى الجاهزية من التشريعات الجزئية التي تلعب - في الغالب - دور الغاية لتلك الوسائل، والتي تمثل لديه عين الدين ذاته. ومنه يُفهم قول الإمام الغزالي: «الملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع»[2].
وكلا المسألتين معرضتان للنقد الذاتي. فاذا بدأنا بالغاية، فإن مفادها اعتبار الدين هو عين الجاهزية من التشريعات التي يراد تطبيقها عبر تلك الوسائل أو الآليات. فالدين هو الشريعة، والشريعة هي الدين. ومن الممكن ان تأخذ المسألة بعداً آخر، وهو اعتبار تطبيق تلك الجاهزية عين العدل، فكل ما يطرح خلاف تلك الجاهزية ليس من العدل ولا من الدين في شيء. فالشريعة هي العدل، والعدل هو الشريعة. وقد يعني هذا ان من غير الممكن الارتكاز على الوجدانيات العقلية لتقرير ما هو عدل وانصاف، تأثراً بالموقف الأشعري. وبالتالي لا توجد مراعاة لما يمكن ان تفضي إليه النتائج من تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات، وما قد تفضي إليه الأمور خلاف الهدف المنشود، وهو بناء الإنسان الصالح. بل نحن على ثقة بأن التطبيق لا بد من أن يسفر عن نتائج هي خلاف العدل ومقاصد الدين، باعتبارهما ليسا لازمين عن تلك المفاصل الشرعية بالضرورة، بل الأمر يتوقف على طبيعة الواقع والظروف، وحيث ان هذين الأخيرين في حالة تغير مستمر؛ لذا فمن المحال أن تناسب تلك المفاصل طبيعة العدل والمقاصد على الدوام. فقد جاءت المفاصل الشرعية وفق ما كان عليه الواقع من أحوال، وبالتالي لا يعقل أن تكون ثابتة كثبات المقاصد، فهي ذات طبيعة اجرائية جزئية قد تتفق مع المقاصد أحياناً، وقد تتضارب معها أحياناً أخرى، وكل ذلك يعتمد على طبيعة الواقع وتغيراته غير المتناهية.
إذاً، لا يمكن للفهم السابق أن يقيم الدين من دون ان يعرّضه للتشويه والإلغاء. فإما أن يعبّر الدين عن مقاصده بغض النظر عن طبيعة ما تكون عليه التشريعات، أو يعبّر عن جاهزية التشريعات فحسب، أي دون أخذ اعتبار ما عليه المقاصد ذاتها، ومن المحال واقعاً ان يكون الدين جامعاً بين المقاصد وجاهزية التشريعات أو ثباتها، فالاهتمام بأحدهما يلغي الآخر ويهدمه. وبالتالي فإما ان نعمل على مراعاة المقاصد وعلى رأسها مبدأ العدل فنلغي الثبات والجاهزية من التشريعات، أو نعمل على مراعاة هذه الأخيرة فنلغي المقاصد والعدل، ومن ثم سوف يكون نظرنا للدين إما أن يمثل العدل والمقاصد، أو يمثل تلك الجاهزية الثابتة. ومن التعسف اعتبار الأخيرة عين العدل، فيصبح العدل صورياً بلا قيمة، كالذي ترمي إليه نظرية الأشاعرة أو منطق (حق الملكية) بما يخالف العقل والوجدان.
هكذا فالمقاصد هي المعنية بتحديد ما هي التشريعات المناسبة وفق ما عليه الواقع المتغير. أما العكس فغير صحيح، بمعنى أن التشريعات ليست معنية بتحديد المقاصد. والتصور الآنف الذكر قام بقلب هذه المعادلة الوجدانية فأصبحت المطالبة بإقامة الدين هي في حد ذاتها تعني إلغائه وتعطيله أو تشويهه.
وإذا كان هذا الأمر ينطبق على الغايات، فسينطبق على الآليات بالأولوية، فهي الأخرى لا يمكن اعتبارها تعبدية ولا توقيفية، بل تخضع لموجهات المقاصد بمراعاة ظروف الواقع وأحواله. صحيح أن هناك صوراً تمتلك قابلية أكبر للثبات والاتساق مع المقاصد، سواء من حيث الآليات أو التشريعات، لكنها في جميع الأحوال قليلة، وهي لا تتعالى على ظروف الواقع وتقلباته.
وينطبق هذا الحال حتى على الصور التي يغلب عليها الطابع التعبدي، كالصلاة والصيام، كما سيتضح في الفصل الأخير من هذه الحلقة.
أما وفق الفهم المقصدي للدين، فلا توجد وسائل تعبدية ثابتة لتحقيق تلك المهمة السامية من بناء الإنسان الصالح؛ غير العمل بالقيم الوجدانية والاخلاقية وترسيخ الصلة بالله.
ويخطئ من يتصور ان تحقيق ذلك يأتي من خلال النظام السياسي في الإسلام، وهو افتراض ينطوي على التسليم بوجود آليات ثابتة لدى السياسة الدينية. والخطأ في هذا التصور يكمن في أن الدين يخلو من تفاصيل آليات هذا النظام أو غيره من النُظم الأخرى. فمثلاً لا يوجد ما ينص على آليات التنصيب ولوائح الدستور العام وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا صلاحيات الحاكم وشروط استمراريته في الحكم.
فنحن نعلم بأن عملية التنصيب التي جرت مع الخلفاء الراشدين بعضها يختلف عن البعض الآخر، فما جرى من تنصيب للخليفة الأول يختلف عما جرى مع الخليفة الثاني، وهما غير ما حدث مع الثالث، وكذا ان ما جرى مع الثلاثة مختلف عما جرى مع الرابع.
ولم تكن جميع صور التنصيب السابقة قائمة على مبدأ الشورى، كما إن الأخيرة التي حدثت بفعل قرار الخليفة الثاني لم تكن بين جميع المؤمنين، ولا جميع أهل الحل والعقد. والشيء ذاته يقال حول البيعة، حيث لم تحدث على وتيرة واحدة، وبالتالي لا توجد آليات ثابتة ومفصلة للتنصيب.
والحال ذاته ينطبق على ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي تحكم الحاكم بالمحكوم، ونعلم كم الفارق بين الطريقة التي سار عليها الخليفتان الأول والثاني، وبين ما أحدثه الخليفة الثالث من تغيير.
ومن حيث النصوص القطعية، يعترف بعض الفقهاء المعاصرين بأن المبادئ الدستورية في القرآن الكريم قليلة للغاية. فالاستاذ عبد الوهاب خلاف يعتقد بأن نصوص القرآن قد اقتصرت على تقرير مبادئ أساسية ثلاثة عامة، وهي كل من الشورى ﴿والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون﴾ الشورى/ 38، والعدل ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ النساء/ 58، والمساواة ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ الحجرات/ 10[3]. مع ان للمبدئين الأول والأخير دلالة على كل من الشورى والمساواة بين المؤمنين فحسب، وهو أمر لا يتناسب مع الواقع الحديث للدولة.
كما إن نصوص القرآن في القانون الاقتصادي قد اقتصرت على تقرير حق الفقير في مال الغني، وكذا حق الفقراء والمساكين في مال الدولة، حيث لهم سهم من الصدقات والغنائم والفيء. وعلى رأي الاستاذ خلاف لم تُفصَّل أحكام هذا البر بالفقراء؛ لتُفصِّل كل امة ما يناسبها[4].
وفي قانون العقوبات وتحقيق الجنايات اقتصرت نصوص القرآن على تحديد خمس عقوبات لخمس جرائم، هي: القتل والسرقة والسعي في الأرض فساداً، والزنا، وقذف المحصنات، أما غيرها فهو - على رأي الاستاذ خلاف - متروك لولي الأمر[5].
وعلى الصعيد السياسي، نعلم بأن الأنبياء لم يُطلب منهم أن يكونوا قادة سياسيين، مثلما طُلب منهم التبليغ بدواعي النبوة والرسالة. أو أنهم لم يكونوا مكلّفين بهذا الأمر ما لم يبايعهم الناس، لا سيما أن بعض الأنبياء والرسل لم يتولّوا هذه المهمة ولم يسعوا إليها[6].
لذا لو تخيلنا بأن الله بعث نبينا (ص) إلى دولة يحكمها حاكم أسلم على يديه، وليس إلى قبائل عديدة متناثرة كما كان واقع شبه الجزيرة العربية، فهل نتصور أنه سيطالب بخلع الحاكم وتنصيب نفسه بحجة النبوة؟
كل ما يمكن قوله ان قيادة النبي للأمة على المستوى الاداري قد تمت بشكل تلقائي لعدم وجود زعامة مسبقة.
[1] الحجرات/ 13.
[2] الغزالي: احياء علوم الدين، دار احياء التراث العربي، بيروت، ج1، ص17. ومن الجدير بالذكر ان هذا النص وما على شاكلته يُنسب إلى ملك الفرس الساسانيين اردشير خلال القرن الثالث بعد الميلاد، وقد اعتبر أحد المفكرين أنه رغم ما رددته أدبيات الفكر الإسلامي لهذا النص فإن الفكرة المنتزعة عنه فُهمت خلاف ما أراده لها واضع النص (اردشير). وعلى العموم يعتقد هذا المفكر بانه ليس لفكرة ذلك النص وما على شاكلته أصل ديني، بل مردها إلى اردشير الفارسي (محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي، ضمن سلسلة نقد العقل العربي، ج٤، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الاولى، 2001م، ص155). مع ان العلاقة التي تربط الملك بالدين هي علاقة مبررة عقلياً، سواء فهمنا الدين بمعناه التعبدي كما هو سائد، أو فهمناه بالمعنى المقصدي كما ندعو إليه، وقد كانت السيرة منذ عهد النبي والخلفاء الراشدين قائمة على أحد هذين الفهمين، وتبعاً للفهم التعبدي فإن تلك السيرة قد جرت بحسب المعنى الذي يبدو من نص اردشير.
[3] مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص158. ويقترب من هذا الموقف ما ذهب إليه السيد محمد حسين الطباطبائي، فإعتبر أنه لا يوجد اطار معين ثابت للتشريع للسلطة والحكم في الإسلام مراعاة لتغير الظروف، إذا ما استثنينا بعض الاهداف العامة كمصلحة الإسلام والمسلمين، والوحدة العامة، والعقيدة التي توحدهم (الطباطبائي: مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي، تعريب خالد توفيق، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الاولى، 1415هـ).
[4] مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص159.
[5] المصدر السابق، والصفحة ذاتها.
[6] انظر التفاصيل في: مشكلة الحديث.