يحيى محمد
هناك جملة من القضايا الشرعية الخاصة بالمرأة لها علاقة بالواقع. فلا شك أن لهذا الأخير تأثيراً على تحديد الأحكام المتعلقة بها. وسنقتصر على بحث ثلاث منها كما يلي:
أـ الشهادة
لقد نصّ القرآن الكريم على أن شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل في قضايا التداين ضمن التداولات المالية، وفقاً لما جاء في قوله تعالى: ﴿.. فإن لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾[1]. وقد اختلف الفقهاء حول دلالة هذه الآية فيما لو كانت خاصة أو لها عموم. فالكثير منهم منع شهادة النساء في قضايا معينة كالحدود والدماء. وزاد بعضهم كل ما خرج عن التداول المالي، ومن ذلك ما ذكره صاحب (مهذب الاحكام) من ان شهادتها تُمنع في حقوق البشر التي تخرج عن النواحي المالية، كالشهادة على البلوغ والإسلام والولاء والجرح والتعديل والعفو عن القصاص والوكالة والوصاية والرجعة وعيوب النساء الظاهرة والنسب والهلال، وقد نُسب هذا الضابط إلى مشهور الإمامية الإثنى عشرية[2].
وعلى خلاف ما سبق ذهب الكثير من السلف إلى الأخذ بالعموم أو الاطلاق الظاهر من الآية من غير استثناء، وكذلك من التعليل المعتمد على دلالة ‹‹الواقع››، حيث ان ‹‹مبنى الشهادة على الحفظ والضبط والصدق، وهذا المعنى موجود في النساء كما هو موجود في الرجال، وما يقدر من نقصهن مجبور بمضاعفة العدد، خصوصاً إذا كثرن وصرن معروفات بالصدق والحفظ››[3]. وكان ابن حزم من الذين يؤكدون هذا المعنى[4]؛ معتبراً ان رفض شهادة النساء في الحدود والقصاص ليس له أصل في السنة النبوية[5].
كما أن الكثير من الفقهاء ذهبوا إلى الإعتماد على الظاهر الحرفي لمنطوق الآية، فحكموا بعدم جواز قبول شهادة النساء في الأمور المالية مهما كان عددهن ما لم يكن معهن شاهد من الرجال، ومن ذلك ما قاله صاحب (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ): ‹‹لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن، ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما››[6]. فالمناط المعول عليه في المسألة هو الشاهد الذكوري وليس الكشف عن الواقع.
وبناءً على هذا المناط اعتبرالمحقق القمي أنه ‹‹قد يحصل الظن بشاهد واحد أكثر من شاهدين ولا يعتبر ذلك، لأن الشارع جعل الشاهدين من حيث أنهما شاهدان مناطاً للحكم لا من حيث الظن الحاصل بهما››[7]. غير ان هذا التصور يُفرغ مسألة الشهادة من مقصدها الأساسي، وهو الكشف عن الواقع، ويحولها إلى صورة تعبدية بلا معنى. وهو يتناقض مع ما اعتمده الشارع نفسه من تقديم الشاهدين على الواحد مع مراعاة التوثيق، الأمر الذي لا يستقيم ما لم يُقصد بذلك الكشف عن الواقع من خلال هذا الإجراء الذي يتوافق مع أغلب حالات الابتلاء.
وفي المقابل اعتمد كل من ابن تيمية وتلميذه ابن القيم على دلالة الواقع في اقرار التساوي بين شهادة النساء وشهادة الرجال لبعض المواقف. فبحسب هذا الرأي أنه إذا كان سبب النصفية في شهادة المرأة يعود إلى ضعف العقل لا الدين؛ فإن هناك من الشهادات ما لا يخشى منها الضلال والخطأ عادة، لذا يقبل تساويها مع الرجل، وهي عبارة عن الأشياء التي ‹‹تراها بعينها أو تلمسها بيدها أو تسمعها باذنها من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الاقرار بالدَّين وغيره››[8].
طبقاً لهذا التحليل، لا مانع من ان تكون شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل؛ إذا ما ضمنّا في العادة دقتها وعدم وقوعها في الخطأ أو الضلال، حتى في القضايا ذات الاعتبار العقلي والمعنوي. إذ لسنا هنا أمام مسألة تعبدية، فالقصد من التشريع، وفقًا لدلالة النص الديني، لا يخرج عن معنى التثبت في الشهادة.
وهنا يأتي دور الدلالة الواقعية في حسم القضية. فمن خلال دراسة الواقع، يمكننا النظر في احتمالين رئيسيين فيما يتعلق بإدراك المرأة وذاكرتها، على الأقل في سياق موضوع الشهادة.
فإذا أجرينا سلسلة متنوعة من الاختبارات الإحصائية والنفسية على كل من الرجال والنساء لمقارنة دقة شهاداتهم حول أحداث مختلفة شهدوها، فقد نصل إلى إحدى نتيجتين: إما إثبات عدم وجود فرق جوهري بين الجنسين في هذا الجانب. أو الإقرار بوجود نقص طبيعي وفطري في إدراك المرأة مقارنة بالرجل. أما الفرضية الثالثة، التي تفترض وجود نقص في إدراك الرجل دون المرأة، فهي مستبعدة تمامًا.
ففي حال تحقق الاحتمال الأول، فإن ما ورد في القرآن الكريم بشأن نقص إدراك المرأة لا يمكن تفسيره على أنه وصف لطبيعتها المطلقة، بل هو مرتبط بظروفها في ذلك العصر، لقلة التعليم وضآلة الدور الذي كانت تمارسه في الحياة الاجتماعية العامة. ويرى بعض الباحثين أن الحكم القرآني استند إلى ما كانت تعانيه النساء من كثرة الحمل وما يترتب عليه من تأثير على الإدراك والتذكر. ومن ثم، يمكن فهم النص عبر ربطه بواقع التنزيل، مما ينسجم مع مقاصده، وهو ما قد يفضي إلى إعادة النظر في الحكم وفقًا للواقع المتغير.
أما في حال تحقق الاحتمال الثاني، الذي يثبت وجود فرق فطري في الإدراك بين الجنسين، فإن الحكم القرآني يكون معبرًا عن الواقع العام لطبيعة المرأة في ذاتها، وليس مجرد حكم ظرفي مرتبط بواقع التنزيل.
وفي كلتا الحالتين، يتضح مدى أهمية الدلالة الواقعية في فهم النصوص وتحديد الأحكام، سواء على مستوى الدلالة الخاصة منها أو العامة.
لقد اختلف المفسرون في تعليل وصف النساء بالتعرض للضلال والنسيان. فقديماً عللوا هذا الحال استناداً إلى المزاج، حيث يعتري البرد مزاج المرأة فيؤدي إلى النسيان. وهو تعليل مرده إلى الأمر الطبيعي الغريزي، وبالتالي يقتضي الحكم الثبات من دون تغير مهما تبدلت الظروف والأحوال. وبناءً على ذلك، يكون النص القرآني ناظراً إلى طبيعة المرأة بشكل عام، وليس إلى ظروفها الخاصة، كما أشرنا سابقًا.
أما حديثًا، فقد قدم رشيد رضا تفسيرًا مختلفًا، حيث رأى أن المرأة لم تكن معنية بالمعاملات المالية والتداولات الاقتصادية، مما جعل ذاكرتها أضعف في هذا المجال، على عكس الأمور المنزلية التي تمثل مجال انشغالها الرئيسي[9]. ويعتمد هذا التفسير على طبيعة الظروف السائدة، مما يعني أنه لو تغيرت هذه الظروف، لتغير الحكم معها. ومن هذا المنطلق، فإن القرآن الكريم، وفقًا لهذا الرأي، ناظر في الحكم إلى طبيعة الظروف الاجتماعية، وليس إلى طبيعة المرأة في ذاتها.
ب ـ السفر
وصلتنا جملة من الأحاديث التي تحرّم سفر المرأة بغير مَحرَم، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قوله: ‹‹لا تسافر إمرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو مَحرَم››[10]. كما أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس عن النبي (ص) قوله: ‹‹لا تسافر المرأة الا مع ذي مَحرَم ولا يدخل عليها رجل الا ومعها ذو مَحرَم››[11]. وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ان النبي (ص) قال: ‹‹لا تسافر إمرأة مسيرة يوم وليلة الا مع ذي مَحرَم››[12]. كما أخرج الترمذي عن أبي سعيد عن رسول الله (ص) قوله: ‹‹لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً الا ومعها ابوها أو اخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو مَحرَم منها››[13].
وقال ابن حجر العسقلاني: ‹‹قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً، فالمرأة منهية عنه الا بالمَحرَم، وانما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين››[14].
غير أن النظر في هذه النصوص من زاوية علاقتها بواقع التنزيل؛ يكشف عن أن النهي الوارد فيها كان مفهومًا ومناسبًا للظروف السائدة آنذاك، حيث ان انعدام الأمن وبدائية وسائل النقل يجعل سفر المرأة وحدها محفوفًا بالمخاطر. وعليه فإن القصد من هذا التحريم يتضح في ضوء تلك المعطيات الواقعية. لذلك لم يأخذ مالك والشافعي بإطلاق هذا النهي، بل أجازا حج المرأة من غير مَحرَم إذا كانت في رفقة مأمونة، ما يعني أن النهي في هذه النصوص ينصرف إلى حالات اضطراب الأمن وخوف الفتنة، وليس إلى السفر ذاته في جميع الأحوال[15].
مع ذلك هناك احتمالان قد تساهم الدراسات النفسية الحديثة في ترجيح أحدهما على الآخر:
الاحتمال الأول: قد تكون طبيعة المرأة ضعيفة، مما يجعلها أكثر ميلاً إلى ارتكاب المحرمات الجنسية في ظل الأمان الاجتماعي. وفي هذه الحالة يمكن أن يستمر الحكم الوارد في النصوص دون تغيير، حيث يبقى المبرر لعدم سفر المرأة دون مَحرَم قائمًا في سياق الحفاظ على الأمان الاجتماعي وعدم وقوع الفتن. وهذا يعني أن الحكم لا يتغير طالما أن هذا الطبع الغريزي يبقى كما هو في ظل الظروف المستقرة اجتماعيًا.
الاحتمال الثاني: قد لا يكون طبع المرأة ضعيفًا، مما يجعل النهي في النصوص ليس له علاقة بطبيعتها، بل مرتبط بانعدام الأمن في ظروف وسائل السفر البدائية التي كانت سائدة في العصور القديمة. وبالتالي، يكون النهي ناظرًا إلى واقع السفر في تلك الأزمنة، حيث كانت المخاطر كبيرة بسبب ضعف وسائل الأمان. وبناءً على ذلك، فإن الحكم في هذه الحالة لا يمكن أن يُؤخذ بشكل مطلق، بل ينبغي أن يُفهم في إطار الظروف الخاصة التي كانت موجودة آنذاك.
هكذا يتضح أن الحكم المذكور لا يُدرك مقصده بمعزل عن واقع التنزيل، كما لا يمكن تحديد إطلاقه أو نسبيته دون دراسة الواقع العام. فلو أن الدراسات النفسية والاجتماعية قد دلّت على معرفة طبائع المرأة وميولها؛ لأصبح من الممكن تقرير ما إذا كان يوجد مبرر لاستمرار الحكم وبقائه كما هو أم لا. وبالتالي يصبح الحكم قابلًا لإعادة النظر بناءً على ما يكشفه الواقع المعاصر من معطيات علمية.
ج ـ الحجاب
من المعلوم أن الغرض من حجاب المرأة هو سد الذريعة أمام الإثارة والشهوة وربما الاعتداء، استنادًا إلى الواقع وعدد من النصوص، وذلك منعًا للأذى الذي قد يلحق بالرجل والمرأة على حد سواء. غير أن هناك احتمالين فيما يتعلق بكيفية التحجب والكشف غير السافر للجسم: فقد يكون الطبع البشري ميالًا بطبيعته إلى التأثر والشهوة عند أي كشف نهى عنه الشارع المقدس، أو أن النهي المنصوص متعلق بحالات محددة من الواقع. فإذا دلّ الواقع العام على خطأ الفرضية الأولى، فإن التخفيف من النهي بناءً على الفرضية الثانية يصبح أمرًا مقبولًا لا يخرج عن الإطار الشرعي.
ويدعم الاحتمال الأخير ما ورد من سماح بالكشف المحتشم أمام ملك اليمين أو الخدم، وكذلك ما جرى من كشف للإماء وكبار السن من النساء، دفعًا للعسر والتخفيف. كما تؤيده بعض الحالات التي حدث فيها اختلاط ولمس عند تضميد جرحى الحرب وسقيهم ونحو ذلك[16].
وربما مال المقدس الاردبيلي (المتوفى سنة 993هـ) إلى قريب من هذا المعنى، إذ أشار عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ إلى أن معنى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ هو ما جرت العادة على كشفه، موضحًا أن الأصل فيه الظهور، إذ اعتاد الناس على كشف الرقبة والصدر والعضدين والساقين وغير ذلك، لا سيما في حالات العسر التي تعاني منها الفقيرات من النساء، معتبرًا أن الحكم في هذه المسألة محل إشكال[17].
مع هذا لا بد من مراعاة الملاحظات التالية:
1ـ إنه حتى مع افتراض خطأ الفرضية الأولى، وبالتالي جواز الكشف غير السافر في الظروف المناسبة، ينبغي أن يظل هذا الكشف ضمن حدود الحشمة المتعارف عليها، بحيث لا يؤدي إلى تعارض مع المقصد الخاص، أو يترتب عليه أضرار جانبية، وإن بعناوين أخرى مختلفة.
2ـ إنه حتى مع التسليم بعدم صحة تلك الفرضية، قد يكون الحفاظ على الحجاب التقليدي ضرورة وقائية، بهدف سد الذريعة ومنع استغلال الرخصة الشرعية بطرق غير سليمة، خصوصًا في ظل انتشار الأهواء وضعف الوعي التربوي لدى بعض الأفراد.
3ـ وفقًا لمعطيات الواقع، فإن الالتزام بالحجاب بالحدود المتعارف عليها من كشف الوجه والكفين، إلى جنب التحلي بالسلوك المحتشم، يُعَدّ خيارًا أمثل، إذ يحفظ خصوصية العلاقة بين الرجل والمرأة دون أن يشكّل عائقًا أمام تطور الحياة والمشاركة النسوية في المجتمع. لذا فإن الدعوة إلى الالتزام به مبررة من الناحية المبدئية.
[1] البقرة/ 282.
[2] مهذب الأحكام، ج27، ص194. وانظر أيضاً: فقه الإمام جعفر الصادق، مصدر سابق، ج5، ص163.
[3] عبد الرحمن الناصر السعدي: المختارات الجلية من المسائل الفقهية، نشر الرئاسة العامة لادارة البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد، الرياض، الطبعة الثانية، 1405هـ، ص176-177.
[4] الطرق الحكمية، ص183.
[5] عن: محمد الغزالي: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار صحارى، الطبعة الخامسة، 1409هـ ـ1989م، ص59.
[6] الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الاثار، ص11. وانظر أيضاً: جواهر الكلام، ج14، ص400.
[7] أبو القاسم القمي: قوانين الأصول، طبعة حجرية قديمة، ص443.
[8] الطرق الحكمية، ص177. كذلك: اعلام الموقعين، ج1، ص95.
[9] المنار، ج3، ص124.
[10] صحيح البخاري، حديث 1765. وفتح الباري، ج4، ص63.
[11] صحيح البخاري، حديث 1763. وفتح الباري، ج4، ص60-61.
[12] عن: عبد الكريم زيدان: المفصل في أحكام المرأة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الاولى، 1413هـ ـ1993م، ج4، ص202.
[13] المفصل في أحكام المرأة، ج4، ص203.
[14] فتح الباري، ج4، ص60. والمفصل في أحكام المرأة، ج4، 203.
[15] عن: محمد الغزالي: دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، دار القلم، دمشق، الطبعة الاولى، 1407هـ ـ1987م، ص95.
[16] معلوم ان النساء في عصر النبي (ص) كنّ يشاركن في الحروب ويضمدن جروح المجاهدين. وقد اعتقد الفقهاء ان هذه الخلطة في المشاركة النسوية كانت لوجود الحاجة الماسة. وهو تقدير غير صحيح، إذ لو كان صحيحاً لظهر هناك نهي عن المشاركة عند ارتفاع الحاجة اليهن، مع أنه لا يوجد مثل هذا النهي رغم التضخم الملحوظ في تزايد اعداد الجماعة الإسلامية قبل الفتح وبعده. وهناك نصوص متضافرة تبدي المشاركة النسوية بتلقائية، الصغار منهن والكبار، وبعضهن من نساء النبي وبناته، دون ان يظهر ما يثير الشكوك في طبيعة الابتلاءات التي يمكن ان تحدث من جراء هذا التماس. ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت: ‹‹كنا نغزو مع النبي (ص) فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة››. وعن أم عطية الانصارية قالت: ‹‹غزوت مع رسول الله (ص) سبع غروات اخلفهم في رحالهم واصنع لهم الطعام واداوي الجرحى واقوم على الزمنى››. وعن انس قال: كان رسول الله (ص) يغزو وام سليم ونسوة معها من الانصار يسقين الماء ويداوين الجرحى. وقد بوّب البخاري في صحيحه باباً بعنوان (غزو النساء وقتالهن مع الرجال). ومن النساء من قاتلن في الحروب مباشرة، فمنهن أم سليم التي اشتركت في غزوة حنين واتخذت خنجراً لتقتل به من يدنو منها من المشركين، كما اشتركت أم عمارة في حرب الردة ضد مسيلمة الكذاب، حيث جُرحت يومئذ اثنتا عشرة جراحة وقطعت يدها، كما اشتركت صفية بنت عبد المطلب في معركة الخندق وقتلت رجلاً من اليهود آنذاك. وقبل ذلك ان هذه الصحابية جاءت يوم احد وبيدها رمح تضرب به وجوه المشركين. ومن النساء من نُصب لها خيمة في المسجد بعلم النبي واذنه لتداوي فيها الجرحى، كما هو الحال مع رفيدة الانصارية. ومما يذكر في الخلطة مما هو خارج عن الحرب ومداواة الجرحى ما روي ضمن سلسلة الذهب ان ابن عمر قال: كان النساء والرجال يتوضؤون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً (ابن حجر العسقلاني: سلسلة الذهب، مكتبة يعسوب الدين الإلكترونية، ص37). كذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن اسماء بنت أبي بكر أنها قالت: ‹‹تزوجني الزبير وما في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت اعلف فرسه واستقي الماء واخرز غربه واعجن ولم اكن أحسن الخبز فكان يخبزه جارات لي من الانصار، وكن نسوة صدق، وكنت انقل النوى من ارض الزبير التي اقطعه رسول الله على رأسي، فلقيت رسول الله ومعه نفر من الانصار فدعاني ثم قال اخ اخ ليحملني خلفه، فاستحييت ان اسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله اني قد استحييت، فمضى رسول الله، فجئت الزبير فقلت: لقيني النبي ومعه نفر من أصحابه، فاناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النبي كان أشد عليّ من ركوبك معه. قالت: حتى ارسل الي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما اعتقني›› (لاحظ حول ما سبق: صحيح البخاري، حديث 2727، وحديث 1812، وحديث 4926، وصحيح مسلم، حديث 2182. وفتح الباري، ج6، ص59-61. والمفصل في أحكام المرأة، ج4، ص269-272، وص389-392). ومن الروايات التي لها علاقة بهذا الصدد ما ذكره ابن حجر العسقلاني في ترجمته للشفاء بنت عبد الله من أن عمر بن الخطاب كان يقدّم هذه المرأة في الرأي ويرعاها ويفضلها وربما ولاها شيئاً من أمر السوق (ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار الجيل، بيروت، 1412هـ ـ 1992م، عن مكتبة المشكاة الالكترونية، ج7، فقرة 11373، ص727).
[17] أحمد بن محمد الأردبيلي: زبدة البيان في أحكام القرآن، تعليق محمد الباقر البهبودي، نشر المكتبة المرتضوية لاحياء الاثار الجعفرية، تهران، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص544.