يحيى محمد
المصلحة هي إحدى الأصول المرجعية لتحديد الأحكام الاجتهادية لدى عدد من المذاهب الفقهية. والمقصود بها بوجه عام هي كل ما يجلب نفعاً ويدفع ضرراً. وبعض التعريفات قيّدها بالمحافظة على مقاصد الشرع كي تكون مقبولة. فمثلاً عرّفها الغزالي بأنها المحافظة على مقصود الشرع، أو المقاصد الضرورية الخمسة[1]. وعرّفها الطوفي بأنها السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة [2]. كما عرّفها الخوارزمي بأنها ‹‹المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق››[3].
ومع ان العلماء أجمعوا على كون الشارع قد راعى مصالح العباد في معاشهم ومعادهم؛ الا أنهم اختلفوا في تشريع العقل البشري لها، أو على ضوء الاجتهاد الناظر إلى مقاصد الشرع أو حتى القياس. فقد عُرف عن الإمام مالك أنه أبرز من قال بها صراحة وكان يطلق عليها (الإستحسان) مما يشمل الإستحسان المصطلح عليه ومبدأ المصلحة[4]، حيث ان لفظ (الإستحسان) كان مستخدماً لدى أبي حنيفة قبل مالك[5].
ورغم ما اشتهر من انفراد المالكية بالقول بالمصلحة؛ الا ان الزركشي اعترض على ذلك معتبراً ‹‹ان العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة الا ذلك››[6]. وكذا قال القرافي بأنها ‹‹عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة الا ذلك››[7]. كما قال ابن دقيق العيد: ‹‹الذي لا شك فيه ان لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيحاً في الاستعمال لها على غيرهما››[8]. وسميت المصلحة المرسلة أو المطلقة باعتبار ان وظيفتها تتحدد بالقضايا التي لم يرد فيها حكم نص، لا بالاعتبار ولا بالالغاء، أو أنها مما لم يشهد لها شاهد معين من الشريعة بالاعتبار[9]. مع ذلك صرح الفقيه المالكي ابن العربي بقوله: ‹‹لم يفهم الشريعة من لم يحكم بالمصلحة››[10]. واطلق عليها الغزالي في كتابه (المستصفى) الإستصلاح.
وأغلب الظن أن الذي جعل مالكاً يعول على المصلحة هو ما رأى عليه العمل بين الصحابة خلال عهد الخلافة الراشدة، إذ كان سلوكهم لا يخلو من العمل بها عندما يحتاجون إلى شيء من النص. ولعل أول عمل مصلحي قام به هؤلاء بعد وفاة النبي (ص) هو جمع المصحف. لذلك كثيراً ما يشار إلى هذه الحادثة على رأس الأمثلة التي يستدل بها على مصداقية ما نحن بصدده. فقد اعتاد العلماء أن يذكروا نماذج عدة على المصلحة المرسلة كالتالي:
1ـ اتفاق الصحابة على جمع المصحف في عهد أبي بكر[11]، وذلك خشية اندثار القُرّاء أو الحفظة بفعل القتل بالحروب فيذهب بذلك قرآن كثير[12]. كما روي أن عثمان قام بنسخ الصحف في المصاحف خشية الإختلاف كما اختلفت اليهود والنصارى[13].
2ـ اتفق الصحابة على حد شارب الخمر بثمانين جلدة في عهد عمر بن الخطاب الذي استشار الصحابة فأشار عليه الإمام علي بهذا العدد.
وعلى رأي البعض أن مستندهم في ذلك هو الرجوع إلى المصالح والتمسك بالإستدلال المرسل[14]. إذ كان حد الشارب في عهد النبي وأبي بكر أربعين جلدة، لكن عمر شدد في العقوبة في الحد فأوصلها إلى ثمانين جلدة، بعد مشورته للناس. وذكر إبن تيمية بأن الذي دعاه إلى ذلك هو أن الناس في زمنه قد أكثروا من شربها واستخفوا بحدها، لذلك زادها عليهم مع النفي وحلق الرأس، وكل ذلك لم يكن في عهد النبي (ص)[15].
وقد ورد عن الشافعي قوله بأن ما زاده عمر لم يكن حداً وإنما تعزيراً، إذ اعتبر بأن أصل حد الخمر هو أربعون جلدة، وما زاده عمر على الأربعين إنما كان من باب التعزير[16]. كما نُقل بأن النبي لم يحد الشارب وإنما كان يضرب بالنعال ضرباً غير محدود، وأن أبا بكر هو الذي شاور أصحاب الرسول وسألهم: كم بلغ ضرب الرسول لشارب الخمر فقدروه بأربعين. لكن روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ضرب في الخمر بنعلين أربعين، فجعل عمر مكان كل نعل سوطاً[17].
وكذا طرح الغزالي إشكالاً حول ما إذا كان الصحابة رجحوا بالمصلحة تعيين الحد بالثمانين؟ فأجاب بالقول: ‹‹الصحيح أنه لم يكن مقدراً، لكن ضرب الشارب في زمان رسول الله كان بالنعال وأطراف الثياب فقدّر الصحابة ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين، ورأوا المصلحة في الزيادة فزادوا، والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة، فكأنه ثبت بالإجماع أنهم أُمروا بمراعاة المصلحة وقيل لهم اعملوا بما رأيتموه أصوب.. ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تعزير رسول الله (ص) إلا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا الشرب مظنة القذف لأن من سكر هذى ومن هذى افترى، ورأوا الشرع يقيم مظنة الشيء مقام نفس الشيء كما أقام النوم مقام الحدث..››[18].
كذلك فإن الشوكاني هو الآخر عارض كون عمر قام بالزيادة على الحد، فقد نفى وجود مقدار معين في عهد النبي، إذ في بعض الروايات أنه ضرب بنحو الأربعين، وهو على نحو التخمين، وبعضها لم يحدد العدد. واستدل على ذلك بأن عمر ذاته طلب المشورة من الصحابة فأشاروا عليه بآرائهم، ولو كان قد ثبت تقديره عن النبي لما جهله أكابر الصحابة[19].
ويؤيده ما ورد عن الإمام علي في استدلاله بالقياس على تحديد المقدار، ولو كان هناك حد ثابت لما صح الإستدلال. لكن في جميع الأحوال إن ذلك لا يلغي العمل بالمصلحة كما هو واضح.
3ـ ومثل ذلك زواج امرأة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع خبره لترجيح مصلحة الزوجة، حيث أنها من الحوادث البكر التي حدثت في عصر الخليفة عمر، وكذا تدوين الدواوين، ومن ثم ضرب السكة واتخاذ السجن[20].
4ـ ان الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصنّاع عند تلف أو ضياع ما في أيديهم من أمانة، وروي عن الإمام علي قوله بهذا الشأن: ‹‹لا يصلح الناس الا ذاك››[21].
5ـ جواز الضرب للمتهم ليقر بالمسروق[22].
6ـ جواز قتل الجماعة بالواحد[23].
ويلاحظ ان الكثير من الأمثلة المذكورة هي من الإستحسانات بحسب الاصطلاح. وهناك تداخل بين الإستحسان والاسترسال، كما أشار إليه الشاطبي بتعليقه على بعض الشواهد الخاصة بترك الدليل بالمصلحة، فقال: ‹‹فان قيل: هذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الإستحسان، قلنا: نعم، الا أنهم صوروا الإستحسان تصور الاستثناء من القواعد، بخلاف المصالح المرسلة››[24].
كما أن من المعاصرين من ذكر أمثلة أخرى على المصلحة المرسلة ليست منها. فالمرحوم عبد الوهاب خلاف استعرض أمثلة على الإستصلاح معتبراً أنها من الحوادث البكر، مثل: اشتراط الاشهاد الشرعي لصحة الوقف أو التغيير فيه، واشتراط وثيقة الزواج الرسمية لسماع الدعوى به، واشتراط سن معينة للزوجين لتوثيق عقد الزواج بينهما[25]. وهي أمثلة تعد تبريراً للواقع القضائي الحديث. وبغض النظر عن ذلك يلاحظ ان جميع هذه الأمثلة تتضمن عنصراً مشتركاً لا يُبقي الحكم الشرعي على حاله مثلما هو عليه من قبل، سواء ذلك الذي يستمد من النص، أو من الاجماع، أو من القياس، حيث هناك ‹‹شرط›› مضاف على الممارسة الشرعية للأحكام[26]. وبالتالي فإن هذه الأمثلة تعود إلى الإستحسان لا المصلحة؛ باعتبار ان من وظائفه تخصيص العام وتقييد المطلق كما سنعرف.
وليس المالكية وحدهم من انفرد بقبول المصلحة والاقتناع بحجيتها، وإنما وافقهم على ذلك الحنابلة، إلا أنهم لم يجعلوها دليلاً مستقلاً وانما اعتبروها عائدة إلى ضرب من ضروب القياس[27]. بينما منع العمل بها كل من مذهب الشافعي والظاهرية. في حين أجازت الإمامية الاثنى عشرية الاستناد إليها بحدود قطعية العقل لا غير.
أما حول المذهب الحنفي فنجد بعض الالتباس. إذ أُتهم أصحابه بأنهم لا يأخذون بالمصالح المرسلة كالشافعية، وهي تهمة سبق أن قال بها الآمدي[28]، كما كررها الشيخ أبو زهرة بتحفظ، حيث صرح بأن المصلحة المرسلة ليس لها اعتبار عند الأحناف، وإن كان الإستحسان يفتح الباب قليلاً[29]. وأبدى في محل آخر تسليمه بعمل أبي حنيفة بالمصلحة. إذ ذكر بأنه من حيث تأثره بمعاملات الناس لممارسته التجارة فقد اعتمد على أصلين: أولهما العرف الذي هو أصل يترك به القياس، والثاني الإستحسان حيث رأى تطبيق القياس يؤدي إلى ‹‹معاملة لا تتفق مع المصلحة أو مع العرف التجاري، فيترك القياس››[30].
وقد تصدى الدكتور الدواليبي للرد على الاتهام السابق موضحاً بأن الاجتهاد الحنفي قد أسس نظرية الإستحسان الذي هو خروج عن النظائر والقواعد القياسية العامة لوجهة أقوى أو لضرورة تقتضي مصلحة أو تدفع مفسدة، لذا كان الأولى أنه يوجب اعتبار المصلحة المرسلة. أي أن الأحناف إذا كانوا يعولون على المصلحة ويرجحونها على القواعد القياسية كما هو حال ما يسمى الإستحسان فكيف لا يعملون بالمرسلة التي لا تعارضها مثل تلك القواعد المعتبرة[31]؟! وهو ما أيده الشيخ الزرقاء الذي عقد بحثاً عن العلاقة القائمة بين القياس والإستحسان والإستصلاح؛ توصّل فيه إلى ان الفترة بين المذهب الحنفي والمالكي وإن كانت واحدة الا ان تأخر المذهب المالكي عن نظيره الحنفي زماناً جعل الصياغة الفنية الفقهية للمصلحة وشرائطها تتبلور عنده، الأمر الذي اشتهر بها. في حين إنها في المذهب الحنفي ظلت كامنة في صورة الإستحسان الذي يتضمن المخالفة لمقتضى القياس[32]. وكذا ما ذهب إليه عبد الوهاب خلاف[33].
مع هذا فرب قائل يقول إن من الممكن ان لا تأخذ الحنفية بالمصالح رغم تعويلها على الإستحسان الذي يعني عندها على الأقل بانه ترجيح دليل اجتهادي على دليل آخر مثله، كترجيح قياس خفي على ظاهر[34]، أو كترجيح دليل مستمد من العرف على القياس. فليس في ذلك وجود للمصلحة. لذا أقرّ الزرقاء بأن تعريف الإستحسان عند الحنفية هو قياس خفي مرجح على قياس ظاهر، في حين ليس كذلك الحال عند المالكية، فهو ترك القياس الظاهر لأحد أمور ثلاثة، وهي إذا عارضه عرف غالب، أو عارضته مصلحة راجحة، أو أدى إلى حرج ومشقة[35]. كما اعترف بأن الشافعي ـ وكذا الغزالي ـ هو وإن انكر نظرية الإستحسان، الا أنه لم ينكر الإستحسان القياسي عند الحنفية واحكام الضرورات الملجئة، بل أقرّ ذلك وإن رده إلى القياس[36]. وهو أمر شبيه بما لجئت إليه الإمامية من الاعتراف بصحة العمل بالاجتهاد وإن لم تعول على مبادئ القياس والمصلحة والإستحسان الظنية الحكم. فالذي يراها تعمل بالقياس لاعترافها بالاجتهاد لم يكن مصيباً. لذا فالتعويل على الإستحسان هو كالتعويل على الاجتهاد، لا تتبين مبادؤه بمفهومه العام، باعتباره يقبل الانطباق على أكثر من مبدأ ممكن. وهذا يعني أنه ليس هناك تناقض بين الأخذ بالإستحسان ورفض المصلحة المرسلة. وبالتالي فإن ما قدّمه الدواليبي ومن والاه من رد على إتهام الحنفية بعدم أخذها بالمصلحة المرسلة؛ لم يكن موفقاً.
بين المصلحة والإستحسان
للإستحسان عدد مختلف من المبادىء والمفاهيم المستخلصة من تعريفات العلماء له.
فقد عرّفه النسفي الحنفي بانه ‹‹العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو دليل يعارض القياس الجلي››. وعرفه الكرخي الحنفي بأن ‹‹يعدل الإنسان عن ان يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه يقتضي العدول عن الأول››. ومن المالكية عرّفه أبو بكر بن العربي وتابعه الشاطبي بنفس القول: ‹‹الإستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل باقوى الدليلين. فالعموم إذا استمر والقياس إذا اطرد، فإن مالكاً وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم باي دليل كان من ظاهر أو معنى››. كما نُقل عن ابن العربي تعريفه بأنه ‹‹ايثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته››. ومن الحنابلة عرّفه الطوفي بقوله: ‹‹أجود تعريف للإستحسان أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص، وهو مذهب أحمد››[37]. وهناك من عرّف الإستحسان بتعريف لم يُقبل لدى الأصوليين المعروفين، وهو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة على اظهاره ولا يقدر على ابرازه. وقد اعتبر الغزالي هذا التعريف هوساً[38].
والملاحظ من التعريفات السابقة أن الإستحسان هو ترجيح بدليل في قبال دليل آخر أقلّ قوة منه، فيرجح مثلاً القياس الخفي على الظاهر، أو المصلحة أو العرف على القياس. الأمر الذي جعل الشوكاني يذهب إلى عدم جدوى إفراده كأصل مستقل، ذلك ان مآله عند التحقيق هو إما إلى العمل بالقياس أو العرف أو المصلحة، وبالتالي فإن ‹‹ذكر الإستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلاً››[39].
والحقيقة إن ما انتهى إليه هذا الفقيه الزيدي يصدق فيما لو عوّلنا على المفاهيم التي حددت الإستحسان بترجيح دليل اجتهادي على آخر نظير له. والحال ان من ضمن ما يُقصد به هو المقابلة بين الدليل الاجتهادي وحكم النص، أي العمل على تخصيص عموم النص بالأدلة والقواعد الاجتهادية. وبذلك فإن للإستحسان فائدة علمية تجعل منه أمراً مستقلاً. فالقياس بخلاف الإستحسان لم يوضع في قبال النص، بل هو مستمد من روحه ليطبق على ما لا نص فيه، وأن المصلحة مستمدة من روح المقاصد لتطبق على حادثة لم يرد ذكرها بنص ولا أمكن ربطها به على نحو القياس، وكذا العرف ليس مستمداً بدوره من النص ولا القياس. فهذه الأدلة هي أدلة اجتهادية حينما لا يكون هناك نص في الحادثة. وعليه لو كان الإستحسان مجرد ترجيح هذه الأدلة بعضها على البعض الآخر للزم عدم جدوى إفراده مستقلاً، فهو لا يعبّر في هذه الحالة الا عن ترجيح بعض تلك الأدلة على البعض الآخر وفقاً لتقدير قوتها. لكن حيث أنه يتجاوز هذا المعنى من الترجيح في بعض خصوصياته ووظائفه، فيجعل العلاقة ليست فقط بين الأدلة الاجتهادية بعضها مقارنة بالبعض الآخر، بل بين بعض تلك الأدلة وبين النص في عمومه، لذا فنحن هنا إزاء فعل جديد لا يمكن رده إلى مجرد القياس أو المصلحة أو العرف، وهي التي وُضعت أساساً بعيداً عن أن تكون في تماس من التأثير على حكم النص تبعاً لمفاهيمها المعروفة.
وبتعبير آخر، رغم ان الإستحسان قائم فعلاً على تلك المبادئ الاجتهادية لا غيرها، الا ان له وظيفة جديدة لا تتضمن تلك المبادئ، ألا وهي التضييق من المساحة التي يمكن أن يشغلها حكم النص فيما لو ترك وحاله. فعلى الأقل لا يقتصر الإستحسان لدى المالكية على ابراز الاستثناء والترجيح من القواعد العامة للأدلة الاجتهادية فيما لا نص فيه كالقياس، وانما يضاف إليه ما يدخل ضمن الاستثناء الخاص بعموم النص الشرعي. أي ان الدليل الاجتهادي - كالمصلحة مثلاً - يعمل على تخصيص النص، فيدخل هذا ضمن عنوان الإستحسان. وهو أمر سبق أن أكد عليه الشاطبي ونسب هذه الطريقة إلى كل من أبي حنيفة ومالك كما مرّ معنا خلال تعريفه للإستحسان. فمن الأمثلة التي تضرب على هذا النوع من الإستحسان هو ما قام به عمر بن الخطاب في إيقافه لقطع الأيدي عام المجاعة باعتباره تخصيصاً لعموم النص في آية السارق[40].
هكذا فطبقاً للوظيفة الجديدة يصبح للإستحسان أدوار متعددة كما يلي:
1 ـ الإستحسان عبارة عن ترجيح دليل اجتهادي على آخر مثله، كترجيح القياس الخفي على الظاهر.
2 ـ الإستحسان عبارة عن استثناء لقاعدة عامة اجتهادية بدليل اجتهادي آخر، فيعمل على تخصيص هذه القاعدة أو الحاكمية عليها، كتخصيص القياس بالمصلحة أو العرف، أي حاكمية أحد هذين الأخيرين للأول. وهو ما يعرف بالعدول بحكم المسألة عن نظائرها.
3 ـ الإستحسان عبارة عن استثناء لعموم النص بدليل اجتهادي، فيكون الدليل مخصصاً لهذا العموم أو حاكماً ومقدماً عليه[41].
وإذا انتزعنا من هذه الوظائف والخصائص تعريفاً للإستحسان فإنه يكون كالتالي:
الإستحسان هو جعل الدليل الاجتهادي حاكماً على دليل العموم في النص ومقدماً على غيره من الأدلة الاجتهادية الأخرى، سواء بالترجيح أو بالعدول والتحكيم (التخصيص).
شروط المصلحة
إن أول شرط أساس اتفق عليه العلماء هو ان مجال الأخذ بالإستصلاح يجب ان يكون خارج حدود دائرة العبادات، لا سيما تلك التي لا يدرك مغزاها على وجه التحديد. بل إن البعض كالاستاذ عبد الوهاب خلاف اعتبر هذا الشرط لا يقتصر على المصلحة، بل يشمل أيضاً القياس والإستحسان ومختلف ضروب الاجتهاد في القضايا التي لا نص فيها، زاعماً اتفاق كلمة العلماء على أنه لا اجتهاد في العبادات، ومثل ذلك الحدود والكفارات وفروض الارث وشهور العدة بعد الموت والطلاق وكل ما شرع محدداً مقدراً. وأما ما عدا ذلك من أحكام المعاملات والتعزيرات وطرق الاثبات واحكام الاجراءات وسائر أنواع الأحكام فقد اختلف العلماء في الاستنباط فيها بالإستصلاح[42].
لكن مع ما يلاحظ من ان العلماء إتفقوا فعلاً على أن تكون المصلحة المرسلة خارج دائرة العبادات باعتبارها تعني اعطاء حكم جديد لحادثة بكر لم يرد ذكرها بالشرع طبقاً لإدراك العقل للمصلحة والمفسدة، ولا شك ان ذلك يكون بعيداً عن دائرة العبادات باعتبارها موقوفة فكيف يمكن ان يضاف إليها شيء آخر بالمصلحة العقلية؟!.. إلا أن الحال مع القياس والإستحسان مختلف، إذ لا يمكن قبول الدعوى التي تقول بأن العلماء إتفقوا على أن يكون هذان المبدءان جاريين خارج حدود العبادات على إطلاق. فهذا الزعم الذي صرح به الأستاذ خلاف يعارضه المسلك الذي عليه الصحابة والعلماء فيما لو أُخذ على إطلاقه. فهناك شواهد كثيرة تثبت ان هؤلاء أجروا القياس والإستحسان حتى في دائرة العبادات والتقديرات والحدود وما إليها.
فالقياس وإن كان فعلاً يدور على الحوادث التي لا نص فيها؛ إلا أن مرجعه فهم النص، وبالتالي فقد يرد في العبادات وغيرها ما يمكن ان يناط به لتحديد الحكم على الحوادث الجديدة، وذلك عندما تكون هذه العبادات مفهومة المعنى لينشأ منها القياس، وعلى حد قول الشاطبي ان كثيراً من العبادات هي كالعوائد ‹‹لها معنى مفهوم هو ضبط وجوه المصالح››[43].
فمن هذه الناحية ان العلماء أجروا القياس في العبادات وما إليها. ومن ذلك القياس الذي قدرت به عقوبة شارب الخمر، فكما عرفنا أنه لم يرد هناك حد لتلك العقوبة في عهد النبي (ص)، ولما جاء عمر أراد تحديدها فاستشار الصحابة، فأشار عليه الإمام علي بثمانين جلدة مستدلاً بدليل قياسي هو أنه: ‹‹إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى››[44].. وقد نقل العلماء هذا الحد وقبلوه حتى وإن كان نتاج القياس، وعلى رأسهم الإمام مالك في (الموطأ) الذي نقل بأن الذي أشار عليه هو الإمام علي[45]. ونفس الشيء فيما يخص القياسات الخاصة بموارد النجاسات، ومنها القياس الظاهر لنجاسة سؤر سباع الطير على سباع البهائم والذي رجح الحنفية عليه القياس الخفي كما مر علينا. بل ذهب ابن العربي - وهو من المالكية - صراحة إلى صحة القياس في المقدرات خلافاً لأبي حنيفة[46]. ومثل ذلك ما ذهب إليه صفي الدين الحنبلي[47]، وأيضاً جماعة من الشافعية من أمثال القاضي أبي الطيب وسليم وابن السمعاني وأبي منصور[48]، حيث ذهبوا إلى صحة القياس حتى في موارد الحدود والكفارات.
وكذا الحال يقال عن الإستحسان، إذ إن من ضمن ما يعنيه هو تخصيص النص؛ لذا فهو يقبل التأثير على العبادات والحدود وما إليها، وإلا فما معنى تغيير عمر للحد عام المجاعة والذي اعترف الاستاذ خلاف بانه من الإستحسان؟! ومثله نفي الضرر، والعسر عند التعارض مع حكم النص والذي اعتبره العلماء من الإستحسان الذي يقدم فيه على عموم النص سواء في دائرة العبادات أو المعاملات. بل إن عبد الوهاب خلاف ذاته أشار إلى دليلين على الإستحسان؛ أحدهما وهو الأهم، ما ثبت من استقراء النصوص التشريعية بأن الشارع الحكيم عدل في بعض الوقائع عن موجب القياس أو عن تعميم الحكم إلى حكم آخر جلباً للمصلحة أو درءاً للمفسدة، وذكر على ذلك أمثلة بعضها مستمد من العبادات والتعبدات وليس المعاملات، مثل تحريم الله تعالى للميتة والدم وغيرهما، واستثنى من ذلك المضطر، كذلك توعد من كفر به واستثنى من ذلك التقية[49].
إذاً، ان الاجتهاد لدى الصحابة والعلماء في القضايا التي لا نص فيها لا ينحصر كله في دائرة المعاملات، إذا ما استثنينا المصلحة المرسلة باعتبارها عقلية شبه محضة لا علاقة لها بالنص رغم ما لها من علاقة بمقاصد الشرع العامة.
***
مهما يكن فإن مجال المصلحة المرسلة لدى العلماء ينحصر فعلاً في المعاملات ذاتها. لكن مع ذلك اختلف العلماء في سائر الشروط التي حددوا بها حجيتها. فاذا كان الإمامية يوردون شرطاً واحداً هو قطعية العقل بالحكم؛ فإن الغزالي من الشافعية يزيد على ذلك فيرى أنه لا بد من شروط ثلاثة كما يلي:
1ـ أن تكون ضرورية داخلة ضمن مقصود الشرع من الضرورات الخمس دون سواها، والتي هي: الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
2ـ أن تكون كلية لا جزئية.
3ـ أن تكون قطعية أو شبه قطعية لا ظنية[50].
وقد ضرب الغزالي مثلاً على ذلك لايضاح ما قصده من هذه الشروط، وهو ان من المعلوم حرمة قتل المؤمن عمداً، لكن إذا صادف في الحرب أنْ تترس العدو بمؤمن أو أكثر بحيث أن قتل العدو يفضي لا محالة إلى قتل المؤمن معه، ففي هذه الحالة لا يجوز قتل المؤمن الا ضمن الشروط الثلاثة الآنفة الذكر، وهو أنه بدون قتله يُستأصل جميع المسلمين من غير حصر، وهذا هو شرط الكلية في المصلحة. لذا لو قُتل عدد محصور من المسلمين كعشرة أو مائة وما اليه؛ لما جاز قتل ذلك المسلم رغم الفارق في الكثرة والقلة. ومثله لو زاد عدد راكبي سفينة عن حمولتها بحيث لو لم يُرمَ أحدهم لغرقوا جميعاً؛ فإنه لا يباح ذلك الرمي لأن المصلحة هنا جزئية لا كلية. وقد يقال إن العمل في هذه الحالة يمكن أن يعالج بالقرعة، لكن الغزالي منع ذلك ونفى ان يكون لها أصل في الشريعة.
كذلك رأى الغزالي أنه لا بد ان تكون المصلحة ضرورية. فلو تترس أهل قلعة بمسلم أو أكثر فإنه لا يباح قتل الأسير المتترس به لأجل فتح القلعة، باعتبارها ليست ضرورية. وكذا لا بد ان تكون المصلحة قطعية أو شبه قطعية، ذلك أنه إذا لم نقطع بقتل كافة المسلمين لما جاز قتل الترس في الدفع[51].
تلك هي الشروط الثلاثة والأمثلة التي أوردها الغزالي حولها. ويلاحظ ان هذا الإمام يعترف بأن مقصود الشرع هو تقليل القتل وحسم سبيله عند الامكان، بل ويعتبر ان العلم بهذه المصلحة لم يأت بدليل واحد وأصل ونص معينين، وانما بأدلة خارجة عن الحصر؛ تتمثل في تفاريق الأحكام واقتران الدلالات التي لم يبق معها شك في كون حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين. لكن رغم ذلك فإنه لم يقبل الترجيح بالمصلحة طبقاً لأهمية الكثرة في قبال القلة، بل توقف عند حدود الكلية في قبال الجزئية، أو اللامحصور في قبال المحصور، وذكر بأن للعلماء خلافاً في الرأي حول ذلك، لكنه اعتقد بصحة الترجيح انطلاقاً من ترجيح مقصود الشرع الأهم على المقصود الأقل منه أهمية، أي الكلي على الجزئي، لكثرة الدلالات والقرائن من النصوص الدالة على ضرورة حفظ الإسلام ورقاب المسلمين مما هو مقدم على حفظ شخص معين. أما ترجيح الكثير على القليل، كما في السفينة وفي المخمصة أو المجاعة لعدد محصور؛ فلم يجوزه استناداً إلى دعوى الاجماع، حيث أشار إلى ان الأمة أجمعت على أنه لو أُكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله، كما أنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة[52].
ذلك هو رأي الغزالي في شروط المصلحة. وقد نُقد من قبل القرطبي، إذ صرح بأن القيود التي وضعها لا ينبغي ان يُختلف في اعتبارها[53]. أي أن شروط الغزالي ليست شروطاً بقدر ما هي من المسلمات التي ينبغي أن تُقبل كحد أدنى.
لهذا ذهب جماعة من الفقهاء إلى الأخذ بالمصالح حتى مع عدم ضرورتها وكليتها وقطعيتها، طالما أنها مما لم ينص الشرع على إلغائها وكانت مما يلائم مقاصده وانها معقولة في ذاتها بحيث لو عرضت على العقول تلقتها بالقبول[54].
فقد ذكر الشاطبي في (الاعتصام) ان شروط المصلحة عبارة عما يلي:
1ـ أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع دون ان تتنافى مع أصل من أصوله ولا دليل من أدلته.
2ـ أن تكون عقلائية بحيث تتقبلها العقول عند عرضها عليها. لذا لا مدخل لها في التعبدات.
3ـ أن تكون راجعة إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين. فرجوعها إلى حفظ الضروري من باب ما لم يتم الواجب الا به وجب. أما رجوعها إلى رفع الحرج فراجع إلى باب التخفيف في قبال التشديد[55].
فيما اعتبر بعض آخر ان المصلحة مشروطة بأن تثبت بالبحث وإمعان النظر والاستقراء، وانها حقيقية لا وهمية، وان تكون عامة لا شخصية بحيث تجلب لأكثر الناس نفعاً أو تدرأ عنهم المضرة، وان لا تعارض نصاً ولا اجماعاً[56].
وقد يقال إن بعض الشروط المذكورة لا يجعل من المصلحة دليلاً مستقلاً. فشرط رفع الحرج في الدين مثلاً لا يحتاج إلى استقلالية المصلحة، ذلك ان دليل رفع الحرج هو من القواعد الشرعية المقررة التي يتأسس بها الحكم. ونفس الشيء يقال في شرط حفظ الأمر الضروري، حيث يعلم شرعاً ان ذلك واجب.
وربما يجاب على الإشكال بأن حكم المصلحة ليس في حد ذاته داخلاً ضمن حفظ الأمر الضروري أو رفع الحرج وانما هو مقدمة (عقلية) يلزم عنها ذلك، ولو على سبيل الظن لا القطع.
مع هذا لا نرى ان حكم المصلحة مما يتوقف على هذين الأمرين، كما لا نرى لزوم الشرط القائل بأن تكون المصلحة عامة لا شخصية. إذ يكفي لجريان حكمها اعتبارها عقلائية وملائمة لمقاصد الشرع العامة. فبهذا الاعتبار يمكن الأخذ بالمصلحة الشخصية. كما يمكن الأخذ بالمصالح الكمالية مما لا يعود إلى الضرورات المتعارف عليها، ولا إلى رفع الحرج، وذلك بما يتسق مع التطورات التي يمر بها الإنسان في خلافته الأرضية على ما سيأتينا توضيحه فيما بعد.
بذلك فإن شروط المصلحة تكون على النحو التالي:
1ـ أن تكون مبنية على البحث والاستقصاء ليُعرف أنها مصلحة حقيقية. ومن ذلك إنها لو عرضت على العقول لقبلتها.
2ـ أن تكون مصلحة ذات شأن يعتد به قوة أو منفعة.
3ـ أن لا تكون معارضة لمصلحة أخرى أهم منها وأقوى، سواء منصوص عليها أو غير منصوص.
4ـ أن تكون مما يتسق مع مقاصد الشرع والفطرة الإنسانية، بحيث ان العمل بخلافها يقتضي التضارب مع هذه المقاصد أو الفطرة.
فمن هذه النقاط يتبين ان العمل بالمصلحة إنما هو عمل بالمقاصد، أي ان هذه الأخيرة هي المحددة لطبيعة المصلحة اللازمة.
ونلفت النظر إلى ان بدون هذه الشروط لا يعني عدم جواز العمل بالمصلحة، إنما كل ما يعنيه ذلك هو أنها ليست موضع إلزام وإيجاب. إذ بدون تلك الشروط، يمكن ارجاع جواز العمل بها إلى العفو الذي سمح الشرع بممارسته وتركه من غير أمر ونهي فيما لو لم يكن هناك دليل اجتهادي ناهض. وكذا يمكن العمل بها باعتبار الأولوية، من دون ان يلزم ذلك الإيجاب.
شرعية العمل بالمصلحة
بعد ما قدمنا يأتي السؤال كما يلي:
ما هو الدليل على شرعية وجوب العمل بالإستصلاح؟ فمن المعلوم ان بعض المذاهب الإسلامية وعلى رأسها الشافعية رفضت الأخذ بالمصلحة لعدم الدليل الشرعي عليها. فالشافعي ينفيها من حيث أنها إحداث حكم لا على مثال سبق مثلما هو الحال في القياس[57]. وكذا الآمدي من الشافعية منع الأخذ بها تعويلاً على كونها مترددة بين ان تكون معتبرة أو ملغاة، أو أنها ليست معروفة شرعاً من حيث اعتبارها والغائها[58]. وزاد البعض شبهة كون العقل يغلب عليه الهوى وتخفى عليه بعض وجوه الضرر والفساد[59]، الأمر الذي يجعلها غير منضبطة، بخلاف الحال مع القياس - مثلاً - حيث مرده إلى فهم النص لا العقل المستقل. وقد سبق ان عرّض البعضُ أبا حنيفة وأصحابه للطعن لتمسكهم بمبدأ الإستحسان بحجة أنه فاقد للضابط، كما نقل ذلك البزدوي صاحب (كشف الأسرار)[60].
وفعلاً ان هذا المبرر يلقى مصداقية كبيرة في واقع التشريع بسبب التوظيف الذي مارسته السياسة الحاكمة لتوجيه الآراء الفقهية لصالحها. فلعدم وجود الضابط مع كثرة الأهواء، لا سيما هوى السياسة، فإن الكثير أخذوا يستحسنون ويستصلحون لأدنى مبرر ومناسبة. وسبق للقرافي أن كشف عن سبب عزوف العلماء عن استثمار مبدأ المصالح المرسلة وتوظيفها، معطياً للجانب السياسي مركز الصدارة في ابتعاد الفقهاء الورعين عن ممارسة هذا المبدأ الفقهي، وذلك - كما يقول القرافي - بسبب خوفهم ‹‹من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لإتباع أهوائهم وارضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم، فرأوا ان يتقوا ذلك بإرجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية، فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق مسالك العلة في القياس ولم ينوطوها باجتهاد الأمراء والحكام››[61]. وعلى هذه الشاكلة اضطر ابن تيمية إلى ان يبتعد عن العمل بهذا المبدأ لإرتكاز أهل الأهواء عليه[62].
لذا لا يُستبعد ان يكون تهميش المصالح عائداً إلى خوف الفقهاء من الركون إلى العقل وترك النص، لهذا تم التشبث بالقياس دون غيره في النوازل باعتباره ظل النص.
لكن واقع الأمر ان نفس هذا الإشكال ينطبق على القياس أيضاً، حيث ظهرت الكثير من القياسات التي لا تنسجم مع المبدأ المقرر له لمخالفتها للمبادئ الدينية ونصوصها، كتلك التي أشار إليها ابن القيم في (أعلام الموقعين عن رب العالمين) كما مرّعلينا من قبل.
لهذا كان نفاة القياس والإستصلاح والإستحسان يكررون ذات العلة من تلك الشبهة.. فقد كان داود الظاهري من العاملين بالقياس في أول أمره، خاصة وقد تتلمذ على يد الشافعي، الا أنه عدل عن ذلك بعد ان رأى توسعه بغير ضوابط وحدود. وقيل له كيف تبطل القياس وقد أخذ به الشافعي؟ فقال: أخذت أدلة الشافعي في إبطال الإستحسان فوجدتها تبطل القياس. وإن كان أحمد بن كامل بن خلف يعتقد بأن داود رغم أنه رفض القياس الا أنه اضطر إليه فسماه دليلاً، كما نصّ عليه الخطيب البغدادي الذي نقل عنه في ترجمته: ‹‹إنه أول من أظهر انتحال الظاهر، ونفى القياس في الأحكام قولاً، واضطر إليه فعلاً، وسماه دليلاً››[63].
على ان الأدلة التي كانت موضع اهتمام المتقدمين من الفقهاء هي تلك التي تناط بأصول ونصوص معينة محصورة، وهي في الغالب لا تتجاوز حدود الظن لكونها محدودة. وقد انساق سائر الفقهاء التابعين يقلدون أئمتهم في القضايا التي نصوا عليها أصولاً وفروعاً، ومنها أصل المصلحة، مما جعل قضاياهم غير قابلة للحسم. لكن بعض المتأخرين تقدم في صياغة الدليل خطوة، ربما بدأت أول الأمر بالغزالي ثم تكاملت عند الشاطبي. فبخصوص المصلحة نرى الغزالي لا يعود بها إلى دليل معين وانما إلى أدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الامارات، مما جعله يعتبرها حجة قطعية لا تقبل الخلاف[64]، لكنه قيدها بقيود ثلاثة لا وجه لها.
مهما يكن فإن مفاد هذا السلوك مستمد من الدليل الاستقرائي وإن لم يسمه، فضلاً عن أن ينظّر له. وقد استمر هذا الحال إلى أن جاء الشاطبي (المتوفى سنة 790هـ) فأولاه جلّ اهتمامه في كتابه (الموافقات)، حيث استطاع ان يؤسس هذا المنهج الجديد ومن ثم يعيد صياغة القضايا الأصولية بعد عرضها على محك الاستقراء، فكان من نتائج هذا الجهد أن خرج باثبات العديد من القضايا الأصولية على نحو القطع، بينما كان المتقدمون لا يولون أهمية إلا لتتبع النصوص المباشرة المحصورة ذات الأفق غير المتعدد الوجوه، مما يجعل قضاياهم لا تفيد الا الظن. الأمر الذي نبّه عليه الشاطبي في بعض كلماته[65].
هكذا يُعد الشاطبي بحق صاحب منهجة جديدة في التنظير للاستقراء في الشرعيات. فبفضل وعيه الاستقرائي استطاع ان يدلل على العديد من القضايا الأصولية، ومنها المصلحة التي أناطها بمرجعية شرعية راسخة وقاطعة. الأمر الذي جعله يقف على أرض صلبة قوية بعيداً عن الظنون والتكهنات التي مُلئت بها كتب الفقه والأصول. فلم يعد الاهتمام منصباً على نصوص أحادية غالباً ما تبعث على الظن أو ما دونه، سواء من حيث السند أو المتن والدلالة، وانما أصبح الشاغل في الاهتمام هو البحث القائم على تجميع الظنون تجاه معنى محدد لإفادة القطع منها.
ولا شك أن طريقة الشاطبي تتجاوز مبدأ رد المصلحة إلى دليل اجتهادي آخر كالذي فعله الحنابلة في إرجاعها إلى القياس. فعملية الاستقراء تنطوي على تتبع مراعاة الشارع للمصلحة في مختلف المواضع والقضايا، فيتولد من ذلك أصل مستقل مقصود؛ هو ما يُعرف بالمصلحة، والذي يتنافى مع القياس أحياناً فيتقدم عليه. لهذا رأى الشاطبي بأن ‹‹الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم، وعلى ذلك دلت ادلتها عموماً وخصوصاً، دلّ على ذلك الاستقراء››[66]. وهو بهذا اعتبر جميع أحكام الشريعة بحسب الاستقراء لا تخلو من مصلحة ضمن مصالح ثلاث، هي الضرورات والحاجيات والتحسينات، ولكل منها ما يكملها، كما سنعرف لاحقاً.
لكن رغم ذلك علينا ان نعترف بأن ما قام به الشاطبي لم يغير ـ في واقع الأمر ـ حقيقة الخلاف بين الفقهاء، حيث رهنوا أنفسهم في التبعية الفقهية دون النظر إلى أصل الدليل، خاصة وان أبواب الاجتهاد قد أُوصدت، وأخذت فكرة الإنسداد تتغلغل إلى أذهان الفقهاء وتستحوذ على نفوسهم، مما جعل إعادة النظر في الخلاف الفقهي والأصولي بين المذاهب تكاد تنعدم أو تندر قبل العصر الحديث، لا سيما بعد عصر الشاطبي، عصر ما يسمى بالانحطاط.
وما يعنينا هو ما قام به الشاطبي من عرضٍ لأمثلة كثيرة من الأحكام الشرعية، في المعاملات والعبادات والتقديرات، تدخل ضمن عناوين النهي لولا ان الشريعة راعت فيها جوانب المصلحة والتيسير، فاعتبر ذلك مدركاً شرعياً على صحة العمل بمبدأ الإستحسان. ومن الأمثلة التي ذكرها بهذا الخصوص:
‹‹القرض فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى اجل، لكنه ابيح لما فيه من الرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقى على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين. ومثله بيع العَرِيَّة بخرِصِها - أي تقدير ما على النخل من الرطب - تمراً[67]، فإنه بيع الرطب باليابس، لكنه ابيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعرِي والمُعرَى. ولو امتنع مطلقاً لكان وسيلة لمنع الإعراء، كما إن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه. ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر، وجمع المسافر، وقصر الصلاة والفطر في السفر الطويل، وصلاة الخوف، وسائر الترخصات التي على هذا السبيل، فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص، حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك، لأنا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى اقصاه. ومثله الاطلاع على العورات في التداوي، والقراض، والمساقاة، وإن كان الدليل العام يقتضي المنع، وأشياء من هذا القبيل كثيرة››[68].
وهو في محل آخر دلل بواسطة الاستقراء على ان الشارع قصد في أحكامه العادية مصالح العباد ‹‹فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فاذا كان فيه مصلحة جاز؛ كالدرهم بالدرهم إلى اجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض. وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة.. وقال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب﴾، وقال ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وفي الحديث: (لا يقضي القاضي وهو غضبان)، وقال: (لا ضرر ولا ضرار)، وقال: (القاتل لا يرث)، ونهى عن بيع الغرر[69]، وقال: (كل مسكر حرام)، وفي القرآن: ﴿انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾، إلى غير ذلك مما لا يحصى. وجميعه يشير بل يصرح باعتبار المصالح للعباد، وان الإذن دائر معها أينما دارت، حسبما بينته مسالك العلة، فدلّ ذلك على ان العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني››[70].
منهج الشاطبي وترجيح المصلحة على النص
يمكن توظيف طريقة الشاطبي في الاستقراء على نطاق أوسع مما قصد إثباته. فإذا كانت هذه الطريقة دالة على مراعاة الشارع لمصالح الواقع، ويؤيده ما عليه سجية الصحابة من العمل وفق هذا المبدأ دون اعتراض، مما يكشف عن الموافقة الشرعية؛ فإن مآل هذه الطريقة هو الانسياق إلى جعل حجية المصلحة لا تقتصر على القضايا غير المنصوص فيها فقط، بل تمتد أيضًا إلى القضايا التي ورد فيها النص، الأمر الذي يبرر تغيير الحكم، ليس فقط بحدود التغيير الجزئي من تخصيص عام النص، وهو ما يسلّم به الشاطبي تحت عنوان الإستحسان، وإنما أيضاً على نحو التقييد والتغيير الكلي، لإعتبارين مستخلصين من هذه الطريقة، كالذي سبق اليهما الطوفي الحنبلي في تبريره لصحة تخصيص النص بالمصلحة أو حاكمية الأخيرة عليه، كما سنعرف لاحقاً. أما الإعتباران اللذان يبرران تغيير الحكم الكلي وتقييده للنص فهما وفق الطريقة الشاطبية كالتالي:
أحدهما ما دلل عليه الشاطبي من صحة مبدأ الإستحسان، إذ تبعاً للاستقراء لاحظ جملة من القضايا التي عدلت فيها الشريعة عن قواعدها ومقتضياتها نزولاً عند المصلحة، فأدرك أن ذلك دال على صحة تخصيص النص بها. لكن إذا علمنا أن هذه الدلالة تكشف عن أن ملاك التغيير - ولو في حدوده الجزئية - إنما هو المصلحة ذاتها؛ أضحى لا فارق حينها بين ان يكون التغيير جزئياً أو كلياً مادامت المنافاة مع الملاك حاصلة. فلو ثبت أن الحكم لا يتسق مع ما تقتضيه المصلحة؛ لكانت الضرورة قاضية بتغييره، جزئياً كان أم كلياً. وهو أمر يؤكده ما جرى في الشرع من تغييرات كثيرة للأحكام باعتبارات المصلحة وتغيرات الواقع، كما أشار إليها القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة.
أما الاعتبار الثاني المستخلص من طريقة الشاطبي فهو أنه بطريقة الاستقراء اعتبر المصالح مقاصد شرعية مستهدفة من قبل أحكام النصوص بمختلف صنوفها وأنواعها، سواء في العبادات أو المعاملات أو الحدود والتقديرات. الأمر الذي يقضي بضرورة تقديم المقاصد على الوسائل عند التعارض، مما يدل على صحة حاكمية المصلحة على غيرها من الأحكام ذات الصفة الوسيلية، وبالتالي جاز تغييرها بما يتفق مع تلك المقاصد، باعتبار أن الأخيرة هي المقصودة والأهم؛ شرعاً وعقلاً.
هكذا يتبين ان طريقة الشاطبي في التأسيس تجر ولا شك إلى وجوب الأخذ بالمصلحة، ليس في القضايا غير المنصوص فيها فحسب، بل وحتى في غيرها من القضايا المنصوصة. واذا أردنا أن نضع المزيد من الاعتبارات الدالة على صحة هذا المنهج فيمكن ملاحظة النقاط التالية:
1ـ بحسب الاستقراء يلاحظ ان الخطاب الديني قد اتبع منهج تنويع الأحكام وتغييرها استناداً إلى المصالح. الأمر الذي أُعتبر ذلك دليلاً على حجية الإستحسان. وهو ما يكشف عن كون المصلحة هي الملاك المعوّل عليه في التنويع والتغيير، كما عرفنا سابقاً.
2ـ ان ما يبرر ترجيح المصالح على الأحكام الشرعية عند التعارض هو ان الاستقراء دال على ان الأولى هي المقصودة من الأحكام، وان الخطاب كان حريصاً على مراعاتها وتوخّيها. بينما الأحكام ليست - في الغالب - سوى وسائل لتحقيق تلك المصالح. ومن الواضح ان المقاصد تتقدم على الوسائل وتترجح عليها عند المعارضة.
3ـ إن ما يظهره الاستقراء من التنويع والتغيير للأحكام طبقاً للمصالح التي أولاها الخطاب جلّ اهتمامه؛ لا يفسر الا على ضوء حدوث عناصر جديدة في الواقع عملت على تغيير الموضوعات التي تناط بها الأحكام. فقد سبق ان عرفنا بأن الحكم الشرعي لا ينشأ ولا يتغير الا تبعاً لمراعاة الواقع، وان مبرر التغيير لا يحصل الا بحدوث تبدل في عناصر هذا الأخير، كالذي سبق عرضه. فلولا هذا التبدل ما كان لتغيير الحكم من معنى؛ استناداً إلى الحكمة الإلهية بدلالة العقل والشرع. وعليه فإن حدوث المصلحة يكشف عن تجدد عناصر الواقع الخاصة بالموضوع الذي يناط به الحكم الشرعي. الأمر الذي يستدعي تغييره بما يتسق مع هذه المصلحة كمقصد، وبما يتفق مع الموضوع المستحدث ذي العناصر الجديدة.
4ـ كما يلاحظ ان العلاقة بين المصلحة والضرر هي علاقة ضدية، بحيث إذا وجد أحدهما انتفى الآخر وبالعكس، كما ذهب إلى ذلك العديد من الفقهاء، مع الأخذ بعين الاعتبار الشكل النسبي من هذه العلاقة، فقد تكون المصلحة ضعيفة فيكون الضرر الذي يقابلها ضئيلاً لا يلتفت إليه، وكذا العكس، وهو الأمر الغالب في الحياة الإنسانية، حيث تنطوي على مزيج مركب من هذه العلاقة الدائمة.
فعلى هذا الاعتبار ان تفويت المصلحة القوية يفضي إلى الوقوع في الضرر القوي، وحيث ان هذا الضرر منهي عنه شرعاً، لذا كان الموقف من التعارض الحاصل بين الضرر وحكم النص؛ هو إما العمل بنفي الضرر وترك الحكم، أو العمل بالحكم رغم ما يفضي إليه من الضرر، لكن الشرع - على اتفاق - لا يرضى بالضرر كما في الحديث المأثور (لا ضرر ولا ضرار)؛ لذا كان الجمع بين الأمرين هو تقديم هذه القاعدة المصلحية على حكم النص، بمعنى أنه لا يصح العمل بالحكم مادام يسبب الضرر المعتد به، وعند انتفاء الضرر وجب الإلتزام بالحكم كما نبّه عليه الطوفي مثلما سيأتينا لاحقاً.
كذلك فإن تقدير المصلحة والضرر لا ينفصل عن حالة الإنسان ودرجة تطور الحياة. وبالتالي لا غنى عن مراعاة النسبية في الحكم والتقدير، سواء فيما يتعلق بنوع المصلحة أو بمستواها.
فمثلاً إن استخدام أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) وبرامج الانترنيت والذكاء الصناعي وتداولها يحمل من المصلحة ما لا ينكر لمختلف مجالات الحياة. وقد يتراءى للبعض ان مثل هذه المصلحة ليست قوية، إلى الحد الذي يجوز فيه الاستغناء عنها بما لا يفقد الإنسان شيئاً كان يملكه. لكن إذا نظرنا للأمر من زوايا متعددة نجد ان هذه المصلحة بالغة الأهمية، وان فقدها يوقعنا بأضرار كبيرة متباينة يصل بعضها إلى الخطورة. فابتداءً ان الاستغناء عن هذه المصلحة وما شاكلها يتضارب أساساً مع الطبيعة التي جُبل عليها الإنسان؛ وهي تسخير طاقاته الكامنة بما يحقق له المزيد من التطور والكمال. الأمر الذي يفضي إلى إلغاء الفارق النوعي بين الحياة المعدمة الساكنة كحياة البدو، والحياة المدنية المتطورة بكل ما تنعم به من نِعم ومسخّرات. وهذا يعني إنكاراً لأهمية حركة التاريخ وتطور الإنسان.
من ناحية أخرى يمكن لتلك الأجهزة وبرامج الانترنيت وغيرها ان تساهم في سدّ حاجات المجتمع الملحة وغير الملحة، الأمر الذي يؤكد الحاجة إليها واعتبارها مصلحة لا غنى عنها.
ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية مقاييس الحالة والعصر فإن الاستغناء عن أمثال تلك المصلحة لا بد ان يعرّض المجتمع إلى حالة من النقص والتخلف الشديدين مقارنة بغيره من المجتمعات، بل ويمكن ان يرمي به إلى صور خطرة من الأضرار التي قد تنجم عن عدم قابليته للصمود أمام المنافسات التي تبديها القوى الدولية في المجالات المختلفة؛ كالاقتصاد والسياسة والعلم والإعلام والثقافة، فضلاً عن الجوانب العسكرية، مما قد يعرّض البلد للافتراس أو السقوط في مواجهة تلك الضغوط.
وواقع الأمر إن إقرار المصلحة في مثالنا الآنف الذكر يشبه إلى حد كبير الاقرار الخاص بالمصلحة من التعليم الالزامي. فلولا التعليم لظل الإنسان يعاني من الجهل والحرمان من الرشد. وهو وإن لم يفقد شيئاً كان يملكه، إلا أن كماله الطبيعي لا يتم الا بالعلم، فالإستغناء عن الأخير يفضي به إلى ضرر الجهل والنقص والحرمان. وان المجتمع الجاهل يتعرض لا محالة لمشاكل وأضرار جمّة كتلك التي ذكرناها في مثالنا السابق.
على أن الضرر المبني على فوات المصلحة قد يقدر من حيث المآل، وكذا ذات الشيء بخصوص المصلحة. فليس بالضرورة ان يكون التقدير ما يحدث فعلاً وآناً، فأحياناً يكون الضرر أو المصلحة من التداعيات اللاحقة. على هذا فرب ضرر يسير لا يعتد به، الا ان أبعاده تفضي إلى ان يكون عظيماً، وكذا الحال مع المصلحة.
والنتيجة الطبيعية لذلك هي لزوم ممارسة التحديث لمختلف مجالات الحياة بما يتسق ومقاصد الشرع في جعل الإنسان المؤمن يمثل أعلى صور الاستخلاف في الأرض وإعمارها. وبالتالي إذا كانت المصلحة على أقسام ثلاثة ضرورية وحاجية وكمالية؛ فإن الضرر المضاد لها ينقسم أيضاً إلى ما يقابلها.
واذا كان من المسلّم به ان الإستصلاح بحسب القسمين الأولين الآنفي الذكر هو مما يدخل ضمن دائرة الإلزام الشرعي؛ فإن القسم الأخير للإستصلاح كان مورد تحفظ واحتراز لدى الفقهاء، رغم اتساقه مع المقاصد وكونه يحقق فوائد قوية تتناسب مع ما خُلق الإنسان لأجله من الصيرورة في سلّم التكامل.
بل يمكن أن يقال بأن الفاصل بين المصلحة الحاجية والكمالية هو فاصل نسبي. فقد تتدخل اعتبارات كثيرة اجتماعية وزمنية لتحويل ما هو كمالي إلى ما هو حاجي، لا سيما وأن العلاقات الإنسانية أصبحت متشابكة إلى أبعد الحدود، فأي شيء قابل لأن يؤثر في كل شيء؛ طالما أصبح العالم - كما يُعبّر عنه - قرية كونية.
فمثلاً إن التعليم الإلزامي إلى سن محدد كسن الرشد يمكن اعتباره مصلحة كمالية في العصور الخالية، أما في العصر الحديث فيعتبر ضمن الحاجات الملحة لما له من تأثير على مستقبل البلد ومصيره. والأمر ذاته ينطبق على انشاء النوادي الثقافية والترفيهية وفتح المكاتب والمؤسسات وانشاء الدساتير واللوائح التي تنظم سلوكيات الناس وتنجز معاملاتهم وتحل مشاكلهم؛ كلها أو أغلبها من المصالح الكمالية في العصور الخالية، لكنها أصبحت اليوم من المصالح المؤثرة على استقرار البلد.
وكذا ثمة مصالح كانت تُعدّ في السابق من اللهو الذي لا يندرج ضمن المصالح الكمالية، مثل العروض المحافظة للتمثيل والموسيقا والغناء، بينما أصبحت اليوم من الحاجات الهامة التي يمكن من خلالها، ليس فقط التأثير على عقلية المجتمع وتوجيهه الوجهة المطلوبة، بل وتحصينه من الوقوع تحت هيمنة مثيلاتها من الوسائل الإعلامية المضادة، مما يجعل فائدتها مزدوجة. ويكفي أن نتخيل حجم الفارق في التأثير بين إعلام مرئي أو مسموع يحفل بتلك العروض، وآخر يخلو منها.
بناءً على ذلك، لم تعد هناك مصالح كمالية دون ان تتقبل التوظيف المناسب في سد الحاجات الملحة.
وبشكل عام يمكن تقسيم المصالح العقلائية إلى أنواع خمسة، ويقابلها نظائرها من المضار:
أ ـ مصلحة يسيرة غير معتد بها.
ب ـ مصلحة قوية معتد بها، وهي المصلحة الكمالية.
ج ـ مصلحة حاجية، كالمصلحة في الملبس والمسكن.
د ـ مصلحة ضرورية أو قوام حياة، كالمصلحة في الحفاظ على النفس من القتل.
هـ ـ مصلحة غائية ومنها المصلحة الحقوقية. كمصلحة الفرد في استرداد حقه من المعتدي، مثل الغصب والسرقة وما إلى ذلك.
ويلاحظ أنه باستثناء المصلحة الأولى فإن جميع المصالح الأخرى بحاجة إلى التسديد. أما ما عدا ذلك فلا تعد مقبولة، مثل مصلحة المعتدي في اعتدائه، والمجرم في تنصله من العقوبة.
5ـ فيما مضى عرفنا ان هناك شواهد عديدة اضطر فيها الفقهاء إلى تغيير حكم النص، وذلك من خلال لجوئهم إلى المقاصد، واعتبار الأحكام الزائلة أحكام وسيلة ثبت عدم صلاحيتها للبقاء المطلق أو الدائم. والآن نعتبر هذا المبرر كافياً في حدّ ذاته للإقرار بحاكمية المصلحة على حكم النص عند التعارض بينهما، وذلك نظرًا لكونها المقصودة من التشريع. فالاعتبار المأخوذ على هذا النحو لا يقل قدرًا وقيمة عن الاعتبارات التي استند إليها الفقهاء في تجاوزهم لبعض الأحكام الدينية أحيانًا.
6ـ يضاف إلى ما سبق أن قبول الفقهاء لأصل الاستحسان، الذي يتضمن تخصيص عموم النص بالمصلحة، كفيلٌ في حد ذاته بالسماح بتغيير الحكم بكامله. فما فعله الفقهاء في صياغتهم الأصولية لمبدأ الاستحسان في التخصيص هو تضييق للحكم الديني أو للظاهر من النص، والتضييق يُعدّ نوعًا من التغيير الجزئي، وبالتالي لا فرق بينه وبين التغيير الكلي، فكلاهما يعبر عن اجتهاد رغم وجود النص.
ولو قيل إن العمل الإستحساني يعبّر عن فهم لحكم النص وليس تغييراً له؛ لقلنا إن هذا الفهم لم يبنَ على النص ذاته، وانما على عناصر أخرى خارجية؛ عقلية أو واقعية، حددت مجال حكم النص، ولولاها لظل عموم الحكم على حاله من دون تغيير. أي أن التشريع هنا غير قائم على ذات النص، لذلك اعتبرناه نوعاً من التغيير المتعلق بظاهر الحكم. إذ ان تعاملنا لا يتعدى ظاهر النص ما دمنا لا نعلم حقيقته على وجه المطابقة واليقين، والظاهر منه لا يفيد التخصيص، بل يفيد العموم كما هو واضح.
لهذا يصح ان يقال - بنوع من الاعتبار - ان التخصيص في العملية الإستحسانية هو تغيير لحكم الظاهر، بدلالة تأثر هذا الحكم بالعناصر الخارجية، ولولاها لبقي الحكم كما هو. كما يصح أن يقال أيضاً إن الإستحسان هو مجرد فهم للحكم نبّهت عليه تلك العناصر.
وينطبق الأمر ذاته على ما عبّرنا عنه بالتغيير الكلي للحكم، فهو أيضًا عبارة عن فهم لحكم النص، وذلك بإناطته بموضوع محدد خاص، على خلاف الظاهر الذي يفيد الإطلاق والشمول. وتعتبر العناصر الخارجية المرتبطة بالواقع، لا سيما تلك المتعلقة بالمصلحة، هي من نبّهت إلى هذا الفهم.
فالمصلحة التي يفرزها الواقع تكشف عن حدود الموضوع الذي يُناط به الحكم الشرعي. فمن جهة، يمكن اعتبار ذلك تغييرًا للحكم الشرعي تبعًا لتغير الموضوع بعناصره الواقعية، ومن جهة أخرى، يمكن اعتباره فهمًا للنص من خلال تحديد مجال فاعليته إزاء ما يناسبه من موضوع. وهو من هذه الناحية لا يختلف عن تخصيص الحكم بالمصلحة كما في طريقة الإمام مالك، إذ يراد بالتخصيص أحيانًا تغيير الحكم الشرعي لتغير موضوعه جزئيًا، وأحيانًا أخرى يُراد به الفهم من حيث إن النص لم يقصد العموم، وذلك بدلالة الكشف المصلحي. لذلك، لا فرق بين التخصيص بالمصلحة وتغيير الحكم بها.
[1] المستصفى من علم الأصول، ج1، ص287.
[2] رسالة في رعاية المصلحة، مصدر سابق، ص111.
[3] الشوكاني: ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول، دار الفكر، ص242.
[4] تاريخ المذاهب الإسلامية، ص428.
[5] بنظر بعض الاحناف ان لفظ الإستحسان لم يبتدعه أبو حنيفة، إذ كثيراً ما كانت تقرأ آية استماع القول التي تتضمن أحد مشتقات اللفظ، وهي قوله تعالى: ﴿فبشّر عباد الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه﴾ (الزمر/ 17ـ18). كما ورد اللفظ في الحديث أيضاً، وهو ما روي عن النبي (ص) قوله: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن (ابن أبي الوفا: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، شبكة المشكاة الالكترونية، ص620).
[6] البحر المحيط، فقرة 1416. أيضاً: ارشاد الفحول، ص218. ويقصد بالمناسبة عند من لم يعلل أفعال الله بالغرض أنها الملائمة لأفعال العقلاء في العادات، وعند من يعللها أنها ما يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضرراً (البحر المحيط، فقرة 1408).
[7] ارشاد الفحول، ص243.
[8] المنار، ج7، ص193.
[9] البحر المحيط، فقرة 1416.
[10] أحكام القرآن، ج2، ص755.
[11] روى البخاري عن زيد بن ثابت الأنصاري أنه قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت، وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فإجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (ص)؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره.. (صحيح البخاري، حديث 4402).
[12] الاعتصام، ج2، ص115.
[13] المصدر، ص116.
[14] علماً بأن هناك من فسّر الحد المذكور بتفسير آخر لا يمت إلى المصلحة. والحديث مروي في المصادر الشيعية فضلاً عن السنية (انظر: الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج28، ص220). وننبه إلى أنه جاء في (الاعتصام، ج2، ص118) للشاطبي ان الحادثة كانت في عهد عثمان. وهو على ما يبدو خطأ، إذ المعروف لدى مختلف المصادر الإسلامية أنها كانت في عهد عمر.
[15] مجموع فتاوى إبن تيمية، ج33، ص88.
[16] المسوى شرح الموطأ، ج2، ص300.
[17] ابن رشد الحفيد: بداية المجتهد، ج2، ص444.
[18] المستصفى، ج1، ص305ـ306.
[19] نيل الأوطار، ج7، ص320ـ321.
[20] ابن الأزرق: بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق علي سامي النشار، منشورات وزارة الاعلام، بغداد، 1977م، ج1، ص295.
[21] الاعتصام، ج2، ص119.
[22] وإن كان هذا الأمر محل خلاف بين العلماء (الاعتصام، ج2، ص120). لكن لدى البعض ان هذا الضرب كان يمارس في عهد النبي (ص) كأحد سياساته مثلما بيّن ذلك ابن القيم في (الطرق الحكمية، ص19).
[23] الاعتصام، ج2، ص115ـ125. وبدائع السلك في طبائع الملك، ج1، ص295.
[24] الاعتصام، ج2، ص141.
[25] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص68-69.
[26] خصوصاً وان هناك من يرفض اشتراط شيء على حكم النص استناداً إلى ما روي عن النبي (ص) قوله: ‹‹كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل›› (اعلام الموقعين، ج1، ص333).
[27] أبو زهرة: ابن حنبل، دار الفكر العربي، ص303. وإن كان ما يروى عن ابن حنبل شيء آخر مختلف، حيث يعدّ الرأي والقياس من الباطل في الدين، كالذي تحدثنا عنه في حلقة (النظام المعياري).
[28] الإحكام، ج4، ص394.
[29] ابن حنبل، ص303.
[30] تاريخ المذاهب الإسلامية، ص378. ومثل ذلك في: أبو زهرة: أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، 1977م، ص349.
[31] عن: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص130ـ131.
[32] المصدر السابق، ج1، ص124ـ125.
[33] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص90.
[34] مثلاً يرى الأحناف بأن سؤر سباع الطير كالصقر والنسر نجس قياساً بسباع البهائم بجامع كون كل من الجنسين غير مأكول لحمه، لكن من حيث قياسه بالإنسان يكون طاهراً بقياس خفي هو كون الإنسان يجتمع مع تلك الطيور بكونه لا يؤكل وسؤره طاهر، في الحال الذي تكون فيه سباع الطير مختلفة عن سباع البهائم؛ حيث الأولى تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر، بينما الثانية تشرب بلسانها المختلط بلعابها المتولد من لحمها. على ان ترجيح هذا القياس الخفي على ذلك الظاهر هو ما يعرف عند الحنفية بالإستحسان. وقد اعتبره الاستاذ عبد الوهاب خلاف بانه ليس إستحساناً في حقيقته الا تجوزاً، لكونه يمثل معارضة قياس بمثله (انظر: الاعتصام، ج2، ص322. ومصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص75).
[35] الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص94ـ95.
[36] المصدر السابق، ج1، ص125ـ126.
[37] انظر: الإحكام للامدي، ج4، ص391ـ392. وأحكام القرآن، ج2، ص754ـ755. والموافقات، ج4، ص207ـ208. والاعتصام، ج2، ص138ـ139. ومصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص69ـ70.
[38] المستصفى، ج1، ص281. كذلك: الاعتصام، ج2، ص332. والموافقات، ج4، ص206.
[39] ارشاد الفحول، ص241.
[40] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص69.
[41] يبدو من الأنسب أن يكون اصطلاح الحكومة هو المطابق لما نحن فيه لا التخصيص، كما اهتدى بعض المتأخرين إلى هذا المصطلح. إذ إن التخصيص هو مقابلة بين خاص مطلق أو تام مع عام مطلق أو تام، والحال نحن بصدد عامّين؛ بعض أفراد أحدهما يعمل على تخصيص بعض أفراد الآخر، أي أن نسبة عموم أحدهما للآخر هي العموم من وجه، لكن حيث انهما عبارة عن عامين فإن تخصيص أحدهما للآخر لا بد ان يكون بنوع من المرجح الخارجي باعتبارهما من حيث العموم متكافئين، وهنا يدخل دور العقل في اعتبار أحدهما يمثل بياناً للآخر كي يستوي الجمع بينهما. فمثلاً إن لعموم النص أفراده باعتباره عاماً، وكذا فإن للضرر الذي يرجع إلى مبدأ المصلحة أفراده الخاصة، وان علاقة التخصيص بين الطرفين تعبّر عن اتحاد بعض أفراد العام الأول بأفراد من العام الآخر، فيصبح بهذا ان الفرد المتحد يحمل وصفين، فهو من جهة يرجع إلى عام النص، لكنه من جهة أخرى يعود إلى عام الضرر، وحيث أنه يجمع بين الوصفين؛ لذا فإما ان يتقدم وصف عام الضرر على عام النص، فيكون عموم النص فاقداً لبعض أفراده لحساب الضرر، أو يحصل العكس، ولا شك ان النظر إلى العامين من حيث انهما عموميان لا يفيد هذه المغالبة، وانما يعود الأمر إلى إدراك العقل من حيث جعل أحدهما يحكم على الآخر ويتقدم عليه بالكشف الحدسي، وذلك بجعل الأفراد المتحدة غير مقصودة من العموم في النص باعتبارها تتنافى مع مقررات المصلحة، أو باعتبارها أفراداً تجلب الضرر. وكما هو واضح ان هذا التحديد للحكومة يختلف وضعاً عما يطلق عليه التخصيص. وقد عُرف أن أول من حدد هذا المعنى واكتشفه هو مرتضى الانصاري (انظر: فرائد الأصول، ج2، ص535ـ536)، لكن لفظ الحكومة مستخدم قبله على ألسنة بعض الأصوليين بما يعني أنها موضع القبول والرفض، كالذي استخدمه الشاطبي في (الموافقات، ج1، ص33).
[42] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص89ـ90.
[43] الموافقات، ج2، ص308.
[44] علماً بأن النص المنقول عن الإمام علي قد ورد في المصادر الشيعية منقولاً ليس عنه وإنما عن الإمام الرضا ثامن الأئمة الإثنى عشر (علل الشرائع، ج2، باب 335، ص264).
[45] المسوى شرح الموطأ، ج2، ص299. ومجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص336. وابو يوسف: الخراج، ص167. والماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص228. وابن فرج القرطبي: أقضية رسول الله، ص19. ونيل الأوطار، ج7، ص320ـ321.
[46] أحكام القرآن، ج4، ص1761.
[47] صفي الدين الحنبلي: قواعد الأصول ومعاقد الفصول، وهو مختصر كتاب تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل لصفي الدين الحنبلي، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن فقرة (القياس).
[48] البحر المحيط، فقرة 1282.
[49] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص78.
[50] المستصفى، ج1، ص301ـ303. كذلك: الإحكام للامدي، ج4، ص394.
[51] المستصفى، ج1، ص294 وما بعدها.
[52] المصدر السابق، ج1، ص295 و313ـ314.
[53] ارشاد الفحول، ص242.
[54] يعود تعريف المصلحة القائل بأنها (ما لو عرضت على العقول تلقتها بالقبول) إلى أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة 430هـ. لكن قيل إن ذلك يستلزم تعذر اثباتها على الخصم، لأنه ربما يقول: عقلي لا يتلقى هذا بالقبول. لذا قال الدبوسي: هو حجة للناظر لأنه لا يكابر نفسه، دون المناظر. وقال الغزالي: والحق أنه يمكن إثباته على الجاحد بتبيين معنى المناسبة على وجه مضبوط، فإذا أبداه المعلل فلا يلتفت إلى جحده (البحر المحيط، فقرة 1408).
[55] الاعتصام، ج2، ص129ـ133.
[56] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص99ـ100.
[57] معلوم ان الشاطبي يعتبر الشافعي كمالك يقول بالمصالح المرسلة، وهو خلاف ما يعلم عنه في كتبه وما يلزم عن نفيه لكل ما لا يستنتج على مثال سابق، لكن قد يريد الشاطبي بذلك رأيه القديم قبل ان يحلّ بمصر ويختلف مع مذهب مالك (لاحظ: الموافقات، ج1، ص39).
[58] الإحكام، ج4، ص395.
[59] مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص94ـ96.
[60] أبو حنيفة، ص348.
[61] المنار، ج7، ص197ـ198.
[62] قادة الفكر الإسلامي، ص841.
[63] انظر: الخطيب أبو بكر البغدادي: تاريخ بغداد، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1417 ه ـ 1997م، عن مكتبة مشكاة الالكترونية، ج8، ص370. وابو الفرج بن الجوزي: المنتظم في التاريخ، مكتبة نداء الايمان الالكترونية www.al-eman.com، ج12، ضمن فقرة (ثم دخلت سنة سبعين ومائتين). وابو سعد السمعاني: الأنساب، تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي، دار الجنان، عن شبكة هوازن الالكترونية: www.hawazin.net، ج4، ص99. وتاريخ المذاهب الإسلامية، ص545.
[64] المستصفى، ج1، ص313.
[65] يقول الشاطبي في (الموافقات، ج1، ص37ـ38): ‹‹اذا تأملت أدلة كون الاجماع حجة أو خبر الواحد أو القياس حجة فهو راجع إلى هذا المساق، لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوق الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد، الا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه. واذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضاً فصارت مجموعها مفيدة للقطع، فكذلك الأمر في مآخذ الأدلة في هذا الكتاب، وهي مآخذ الأصول. الا ان المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه، فحصل اغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها وبالأحاديث على انفرادها، إذ لم يأخذها مأخذ الاجتماع فكرّ عليها بالاعتراض نصاً نصاً، واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع، وهي إذا اخذت على هذا السبيل غير مشكلة. ولو اخذت أدلة الشريعة على الكليات والجزئيات مأخذ هذا المعترض لم يحصل لنا قطع بحكم شرعي البتة››.
[66] الموافقات، ج4، ص230.
[67] المقصود ببيع العرايا هو ‹‹بيع الرطب في رؤوس النخل بمثل قدره من التمر كيلاً، وابيح طبقاً للحديث النبوي بانه ‹‹نهى رسول الله عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً ورخص في العرايا››، وقيس عليه بيع العنب في الكرم بالزبيب، لأن الكرم كالنخل في بروز ثمرها وامان التخمين القريب في تقديرهما وحاجة الناس إلى هذا النوع من البيع›› (مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص23).
[68] الموافقات، ج4، ص207.
[69] المعلوم لدى الفقهاء أن عقد الغرر يعتبر حراماً ما لم يرج منه فائدة عامة للناس بدونه تصبح المعاملة بينهم عسيرة. لهذا يحكم بحرمة بيع الأجنة والطير في الهواء والسمك في الماء وما إلى ذلك. لكن يحكم بجواز بيع الجبة التي حشوها مغيب عن الأبصار، وكراء الدار مشاهرة مع احتمال ان يكون الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين يوماً، ودخول الحمام مع اختلاف عادة الناس في استعمال الماء وطول اللبث، وغير ذلك (انظر: الموافقات، ج4، ص158. أيضاً: المسوى شرح الموطأ، ج2، ص29-30. وشمس الدين السرخسي: المبسوط، مطبعة السعادة، مصر، 1324هـ، ج2، ص156-158).
[70] الموافقات، ج2، ص305-306.