-
ع
+

مصاديق لأثر الواقع على التشريع

يحيى محمد

في بعض أبحاثنا تعرفنا على مفهوم ‹‹الواقع›› وتقسيماته وعلاقته بالمصادر المعرفية الأخرى، فانتهينا إلى أنه يتقدم على غيره من المصادر، فهو منبع للحقائق الموضوعية ويمتلك نظاماً مفتوحاً يقبل الإضافة والمراجعة والتحقيق، فيكون بذلك أكثر وضوحاً وتبياناً لتلك الحقائق. كما إنه يعمل على اثبات المسألة الدينية ويكشف عن حجية النص، وله تأثير على الخطاب الديني بالجدل والتفاعل. وهو كاشف عن الحقوق والمصالح، وان لتحولاته تأثيراً على تغيرات فهم النص. بل هو مبدأ وأداة لهذا الفهم، وان كافة الدوائر المعرفية تستعين به قبلياً وتوظّفه في هذا الإتجاه، فهو يتيح لها الفهم والتفكير وإن لم تتعقله وتفكّر فيه. يضاف إلى أن له وظائف أخرى مختلفة، ومنها الكشف عن طاقة النص وامكاناته للتطبيق. فكل ذلك يمكن أن يمهد لنا البحث هنا في التعرف على أثره في تغيير الرؤى والأحكام، خلافاً للنهج الماهوي المتبع لدى الدائرة البيانية التي لم تستعن به في الفهم والاستنباط، فلم يكن يعنيها - عادة - غير التركيز على مناطات الأحكام وملاكاتها تبعاً للأشكال الحرفية الظاهرة في النص، مما جعل أفكارها تتضارب أحياناً مع مطالب الخطاب الشرعي ومقاصده. لذا كان من الواجب أن نبرز نماذج عدة لنكشف من خلالها عن أثر المبدأ المشار إليه في تحديد الأحكام وتبيان الفارق بين هذا النهج والنهج السابق.

دلالات الحكم الشرعي

لا يخلو أي حكم من أحكام الشريعة من أن تتحكم به بعض الدلالات المعرفية تحديداً وتغييراً. وهي على أربعة أنواع:

1ـ الدلالة الحرفية للنص.

2ـ دلالة المقاصد، سواء كانت خاصة أو عامة، وكذا إن كانت وسيلة أو غاية أو شرطية ضرورية.

3ـ دلالة العقل أو الوجدان.

4ـ دلالة الواقع، سواء كان الواقع عاماً، أو خاصاً بالتنزيل (واقع التنزيل).

ورغم تعدد هذه الدلالات الكاشفة عن طبيعة الحكم الشرعي، يلاحظ ان بعضها يكشف عن البعض الآخر. أي أن بإمكانها أن تلعب أدواراً مختلفة من الكشف المتبادل. فقد تسبق الدلالة الحرفية فهم الواقع في الكشف عن مداليله، مثلما قد تنبّه أحياناً على الدلالة العقلية، وكذا بخصوص ما تعلن عنه بصدد المقاصد. لكن في القبال ان لدلالة الواقع دوراً هاماً في فهم طبيعة ما يعنيه النص أو الدلالة الحرفية؛ وكذا الكشف عن المقاصد وما يقرره العقل. ونفس الشيء حول الدلالتين المتبقيتين العقلية والمقصدية ولو ضمن حدود، مثل فهمهما لمراد النص.

وللدلالة الواقعية ميزة أخرى، وهي أنها تكشف عما يجري لبعض الأحكام من الضعف وعدم القدرة على الصمود أمام تجددات الواقع. كما بامكانها الكشف عما يصيبها من خلل وتضارب مع المقاصد، الأمر الذي يستدعي تغييرها تبعاً لمصلحة الأخيرة.

أ ـ الدلالة الحرفية للحكم

الدلالة الحرفية للحكم، سواء من حيث المنطوق أو المفهوم، هي دلالة تتكشف من حيث الظهور اللفظي والسياقي للنص، مع الأخذ بنظر الاعتبار الفحص والتفتيش في القرائن المنفصلة لسائر النصوص والتي لها دورها في تأسيس الحكم. فمن المسلّم به - لدى العلماء – أن النص من غير هذه القرائن لا يفي بالغرض، إذ لم يُنشئ الشارع الحكيم مراده من حكم النص جملة واحدة، بل سلك سبيل التفرقة في النصوص الأخرى. لذلك فمن الخطأ التعويل على حجية الظهور دون مراعاة البحث والتفتيش عن القرائن المنفصلة المبثوثة في النصوص؛ كالتخصيص والتقييد وما إليها من الدلالات الأخرى المنافية للظهور. وقد نهى الأصوليون عن الأخذ بالظهور اللفظي ما لم يتم الفحص عن تلك القرائن، وتقررت القاعدة العامة التي تقول: ‹‹إن أصالة الظهور لا تكون حجة إلا بعد الفحص واليأس عن القرينة››[1].

هذه هي الدلالة التي شغلت أذهان الفقهاء والأصوليين للكشف عن الحكم الشرعي. حتى أنك حين تطلع على كتب الفقه والأصول تجد بوضوح حجم الجهد والاهتمام المصروفين لأجلها. فمباحث الظهور والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغيرها كلها معنية بهذا الأمر. في الوقت الذي تجد اهمالاً كبيراً لسائر الدلالات الأخرى، إذا ما استثنينا دلالة المقصد الخاص الذي له حيزه من البحث الأصولي والفقهي ضمن عنوان القياس. بل إن بعضها غاب وعياً عن البحث الأصولي والفقهي، كالدلالة الواقعية. أما الدلالات المتعلقة بالمقاصد العامة والعقل فتكاد تخلو من الوظيفة والفاعلية في التأثير على الأحكام انتاجاً وتغييراً، وكأنها تبحث في الأصول لأجل التقرير لا للتحقيق والبناء، كما سنعرف لاحقاً.

إذاً، كان حرياً بعلم أصول الفقه أن يكون معنياً بأخذ جميع الدلالات السابقة للكشف عن الحكم الشرعي بعين الاعتبار، وذلك لما في بعضها من تأثير في البعض الآخر، وبالتالي تحديد ذلك الحكم.

إن تكريس العلماء جلّ اهتمامهم في بحث الدلالة الحرفية والاستغراق في النص وتشقيق الكلام؛ إنما جاء على خلفية الاعتقاد بقداسة النص بإعتباره كلام الله وما يتضمنه من الحقائق المطلقة، لا سيما عند أولئك الذين اعتبروا هذا الكلام من الصفات الذاتية الأزلية. بل إن القداسة والطابع الإجمالي للنص مع ضغط حاجات الواقع؛ كل ذلك قد ساهم في تكثير فهم النص وتفصيله، إلى درجة نعتبر فيها العلاقة بين العوامل الثلاثة من جهة، وتكثر الفهم والاستغراق فيه من جهة أخرى، علاقة طردية؛ كلما اشتد الأول ازداد الثاني. فهذا ما يفسّر لنا التخوم التي احتواها تراثنا الإسلامي في تعلقه بفهم النص دون أن يجد لذلك حداً ولا نهاية. حتى أن الإهتمام بالجوانب اللغوية والبلاغية والنحوية وتقعييدها ما كان له ذلك الشأن لولا تعلقه بتلك القداسة. وعليه جاءت هذه العلوم المساعدة متأخرة في نشأتها عن علوم النص، كالحديث والفقه والتفسير.

وهذا ما جعل مثل هذه العلوم تميل إلى التعالي والتجريد. فأقربها علاقة بالواقع هو علم الفقه، ومع ذلك فإنه قد خضع لهيمنة الصور الحرفية للنص وفقاً للنهج الماهوي ومسلك ما اطلقنا عليه (حق الطاعة)، بعيداً عن التفكير في الواقع إلا في الضرورة التي فرضتها حاجات الواقع وضغوطاته. وكان الأولى أن تكون الرؤية بعينين: عين للواقع وأخرى للنص، كالذي جرى خلال الدورة الأولى من الحضارة الإسلامية، وهي الدورة التي ساد فيها الجدل بين الخطاب والواقع، كما هو معلوم من ظاهرة النسخ وتدرج الأحكام. وسيأتينا تفصيل هذه الرؤية على ضوء ما أطلقنا عليه الفهم المجمل للنص وعلاقته بكل من الواقع والمقاصد، وذلك في قبال ما تعارف عليه من الفهم المفصل.

ب ـ الدلالة المقصدية للحكم

يتم التعرف على المقاصد، سواء الخاصة منها أو العامة، تارة بإستنباطها من ألفاظ النص صراحة فتكون راجعة للدلالة الحرفية التي سبق الحديث عنها، وأخرى بإنتزاعها عبر الدلالتين العقلية والواقعية. وما يهمنا في هذه الفقرة هو بحث المقاصد التي يستعان بتحديدها عبر الدلالتين الأخيرتين عند غياب التصريح بها من قبل النص.

فللمقاصد سواء الخاصة منها أو العامة مكانتان، إحداهما تتخذ شكل المدلول الذي تدل عليه بعض الدلالات الأخرى انفراداً أو اجتماعاً، فتكون بذلك مثبتة ومحققة. وأخرى تأتي بعد مرحلة الإثبات السابقة كما تدل عليها تلك الدلالات، إذ تصبح مؤهلة للدلالة على الأحكام، انتاجاً وتغييراً، بفضل التنبيه الذي تمارسه بعض الدلالات الآنفة الذكر، لا سيما الواقع.

إذ يتأسس الحكم وفقاً لمعرفة عناصر موضوع الحكم المؤثرة كما يتضمنها الواقع، لكن تحديد هذه العناصر وتمييزها عن غيرها لا يتم إلا من خلال النظر لطبيعة العلاقة التي تربط بينها وبين المقاصد؛ اتفاقاً واختلافاً.

فلو أن العلاقة متفقة لكان الحكم نافذ المفعول لا مبرر لتغييره، طبقاً لثبوت عناصره المؤثرة. أما لو اختلفت العلاقة وتضاربت؛ لكان هناك مبرر لتغيير الحكم، ولإعتبرنا ما حدث من اختلاف وتضارب هو وليد التغير في عناصر الواقع المؤثرة. وعليه فمن الممكن تشخيص هذه العناصر لجعل ما يناسبها من حكم على ضوء المقاصد؛ حتى تتم حالة الوفاق والإتساق.

هكذا فللمقاصد أدوار ثلاثة؛ بعضها يكمل البعض الآخر كما يلي:

1ـ دور الوسيط في التنبيه إلى ما يطرأ على الواقع من تغيرات، اتساقاً أو تضارباً.

2ـ دور المشخص لموضوع الحكم، أو لعناصر الواقع المؤثرة.

3ـ دور التحكم، فبفعل الوساطة وتحديد عناصر الموضوع يمكن للمقاصد أن تتحكم في انتاج الحكم وتغييره. أي كما أنها دالة على عناصر الواقع المؤثرة، كما أشرنا في النقطة السابقة، فإنها دالة أيضاً على مقتضى طبيعة الحكم الواجب امتثاله.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تنقسم المقاصد – كما أشرنا سابقًا – إلى نوعين: خاصة وعامة، وذلك على النحو التالي:

1 ـ الدلالة الخاصة للمقاصد

للمقاصد مكانتين كما عرفنا، إحداهما كمدلول، والأخرى ككاشف أو دال. وما يعنينا من المقاصد الخاصة تلك التي لم تصرح بها الدلالة اللفظية للنص، إنما يمكن استكشافها بمشاركة عدد من الدلالات، كالنص والعقل والواقع، وذلك بنوع من القطع أو الحدس أو الإطمئنان، مثل المقاصد الخاصة بأحكام الحدود، حيث تعلم بدلالة الواقع أنها للردع استناداً إلى شدة العقوبة، لا سيما وأن بعضها منصوص عليه بأن يقام وفق اشهاد طائفة من المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾[2].

2 ـ الدلالة العامة للمقاصد

إن المقاصد العامة هي روح الشرع وجوهر حكمته وغايته الأسمى. لذلك من الأهمية بمكان أن يُعتد بها في الكشف عن الحكم الشرعي. فمن خلالها يمكن التحقق فيما إذا كان الحكم يتفق معها أو يتعارض، وبها يُحدد مسار تغيير الأحكام، بخلاف المقاصد الخاصة، إذ لا يمكن للأخيرة أن تستقيم ما لم تتسق مع الأولى. فمثلاً من المقاصد الخاصة للصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والغرض من ذلك سلامة المجتمع وصونه من الإنحراف والتحلل. غير أن أشكال النهي عن الفحشاء والمنكر لا يمكن حصرها في إطار ثابت ومحدد، بل لها صور متعددة تتغير من حيث اتساقها مع المقاصد العامة وفق تغيرات الواقع.

أيضاً، من الأمثلة على المقاصد الخاصة؛ تلك المتعلقة بالحدود، ويتحدد مقصدها بتحقيق الردع بما ينسجم مع المقاصد العامة في حماية المجتمع وضمان أمنه وسلامته. غير أن للردع صورًا وأشكالًا متعددة، وهي أيضًا تتغير تبعًا لمدى اتساقها مع المقاصد العامة وفق تطورات الواقع.

إذاً، للدلالة المقصدية الخاصة صور وبدائل أخرى غير تلك المتعلقة بثنائية إيجاب الحكم وإلغائه. فالحكم البياني يشكل أحد أوجه تحقيق الدلالة المقصدية الخاصة، لكن تغيرات الواقع تستدعي النظر في أوجه أخرى لهذه الدلالة. وبناءً على حاكمية المقاصد العامة ومراعاة الواقع، يمكن تقدير الأوجه والبدائل المناسبة للدلالة المشار إليها بما يضمن انسجامها مع المقاصد العامة.

ج ـ الدلالة العقلية للحكم

للإدراك العقلي زاويتان من النظر كالذي سبق عرضه، أحدهما قبلي، أي بغض النظر عما يتصف به الموضوع الخارجي، سواء كان نصاً أو واقعاً، والآخر بعدي يتأسس على ما يتزود به من مادة الموضوع المدرك.

وبهذا تتداخل الدلالتان العقلية والموضوعية، فيصبح العقل مستنتجاً ومضيفاً. ففي العملية الاستنتاجية يقوم العقل باستنساخ مفردات الموضوع ليؤلف منها ما يتسق والصورة المنطقية حسب مبادئ قبلية يرتكز عليها من غير أن يبدي أي إضافة إخبارية قبلية كاشفة عن الموضوع الخارجي، باستثناء الإضافة ‹‹الحسابية›› التي تؤكدها الدراسات المنطقية، وذلك بتحويل درجة الاحتمال المتناهية القوة إلى اليقين طبقاً للعملية الاستقرائية، إذ يتم فيها تصفية الحسابات الخاصة للقضية المدركة ضمن ضوابط منطقية، مثل إدراكاتنا التصديقية للقضايا الحسية وما يترتب عليها من نتائج خاصة، وكذا إدراكنا للنصوص الواضحة الصريحة التي لا تحتاج إلى تأمل وحمل عقلي، ولو على نحو الإجمال.

فليس للحساب الاحتمالي القدرة على أن يبلغ اليقين ما لم تتحقق الإضافة العقلية الخاصة. لكن تظل هذه الإضافة التصديقية ضئيلة جداً مقارنة بما يقابلها من قوة احتمالية، لذا فهي غير محسوبة ولا محسوسة إلا عند النظر المنطقي.

هذا فيما يتعلق بظاهرة الإدراك الاستنتاجي. أما ظاهرة الإدراك الاضافي فتشير إلى أن للعقل دوراً في الإضافة الإخبارية عند مداخلته للموضوع المدرك. وتتفاوت هذه الإضافة ضعفاً وقوة، حيث تشترك مع المعطى الموضوعي لتحديد النتاج المعرفي الإخباري. مع هذا ففي جميع الأحوال يكون المعطى الموضوعي صغروياً لا يستغني عن تحكم مبادئ عقلية مطلقة وثابتة هي التي تهيمن على عملية الاستدلال والانتاج المعرفي، وهو أمر يصدق حتى مع القضايا الاستقرائية المستمدة من الموضوع الخارجي، حيث تتحكم فيها مبادئ ومصادرات الاحتمال كقضايا عقلية تفضي إلى ترجيح القضية المستقرأة إلى أكبر قيمة احتمالية ممكنة. لكن هذا التحكم ليس له علاقة بالإضافة العقلية الإخبارية التي تحدثنا عنها. فهو لا يعدو كونه تحكماً منطقياً لا يكشف عما عليه الموضوع الخارجي. ولو انا اعتبرناه ضمن هذه الإضافة لكانت جميع قضايانا قضايا عقلية. لهذا فإن ميزة الإضافة العقلية الإخبارية تتحدد بمدى علاقتها في الكشف عما عليه الموضوع بعيداً عن الضبط المنطقي الذي يستهدف الكشف عما يستنتج من المعطى الموضوعي. فهي بالتالي عبارة عن إضافة حدسية كاشفة بدرجة ما من درجات التصديق، بحيث تزيد على ما عليه المعطى المنطقي. ومن ثم فحينما نواجه قضايا تجمع بين المعطى الموضوعي والإضافة العقلية الإخبارية؛ فإن النتاج المعرفي لهذا الجمع يفضي إلى تكوين حصيلة يمكن النظر إليها بإعتبارين؛ أحدهما يفيد الدلالة العقلية، والآخر يفيد الدلالة الموضوعية؛ نصية كانت أو واقعية.

إذاً، فللدلالة العقلية أهمية خاصة في الكشف عن فهم النص وتحديد الأحكام بما يتسق والمقاصد، كالذي يمارس في بعض القياسات الفقهية ذات المغزى المقصدي.

ومن الأمثلة على هذه الدلالة ما يتعلق بحاكمية بعض العمومات على البعض الآخر، ومن ذلك اعتبار عموم حديث (لا ضرر ولا ضرار) حاكماً على سائر العمومات الأخرى للأحكام عند التعارض، كما عرفنا من قبل. وكذا بخصوص الأحكام الفقهية التي تستند إلى عدد من القواعد الأصولية مثل قاعدة الإستصحاب ومقدمة الواجب واجبة وغيرها.

لكن للقضية المعرفية – عموماً – مراتب متباينة من القيم التصديقية كالتي سبق تحديدها. وينطبق هذا الحال على تلك التي لها علاقة بفهم النص والأحكام، سواء في الدلالة العقلية أو غيرها من الدلالات.

فحول مراتب الفهم والأحكام طبقاً للدلالات الثلاث (العقلية والواقعية والنصية) تتحدد القضية المعرفية بالأشكال التالية:

قد تكون القضية المعرفية ‹‹ضرورية›› لا غنى عنها في الفهم، كالذي يُدرك من الآيات التي تتحدث عن قدرة الله المطلقة، كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾[3]، إذ لا يراد منها القدرة المطلقة التي تشتمل على الممتنعات العقلية؛ كالقدرة على خلق الشريك المماثل وما إليه. وحول التشريع فمثل نفي التكليف بلا بيان اللازم منه الحكم بالبراءة، وكذا نفي تكليف ما لا يطاق، والحكم بتقديم الأهم في مورد التزاحم بين الحكمين، وما إلى ذلك.

كما قد تكون القضية المعرفية ‹‹قطعية›› وإن لم تصل إلى حد الضرورة؛ مثل مختلف الأحكام التكليفية التي نقطع بصحتها كالصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها.

وقد تكون القضية ‹‹حدسية›› بحيث لا تجد احتمالاً معقولاً قبالها، مثل اعتبار قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) حاكمة على غيرها من الأحكام التكليفية.

أو تكون القضية ‹‹عادية إطمئنانية›› كما عليه سيرة العقلاء في معاملاتهم وعلاقاتهم، حيث الاحتمال المقابل ضعيف لا يعتد به، مثل فهم النصوص التي تنهى عن التصوير لذوي الأرواح طبقاً للمقاصد كي لا تتخذ للعبادة، وكذا فهم النصوص الخاصة بتحديد موارد الزكاة في عدد محدد ومحدود من الأشياء طبقاً لظروف الحياة بشبه الجزيرة العربية في عصر النص. ومثل ذلك فهم الكثير من النصوص غير الصريحة وفقاً للمقاصد؛ كالحديث القائل: (لا يقضي القاضي وهو غضبان)، حيث الغرض منه للتثبت من الحكم الذي يقضي به، وحديث: (القاتل لا يرث).

كذلك قد تكون القضية ‹‹ظنية›› يقابلها احتمال ضعيف يعتد به، كالكثير من القياسات القائمة على مجرد الشبه من وجه دون اعتماد على ملاكات الأحكام والمقاصد.

أيضاً قد تكون القضية ‹‹شكية›› أو ‹‹وهمية›› وما دونها.

تلك هي المراتب التصديقية للفهم والأحكام. وتتميز الأربعة الأولى منها بأنها معتبرة ومقبولة، وهي القضايا الضرورية والقطعية والحدسية والعادية. أما المراتب الأخرى فهي بعيدة عن الأخذ والإعتبار.

د ـ الدلالة الواقعية للحكم

للواقع أقسام متعددة في علاقته بالنص، لكن المعتبر منها قسمان: الواقع المطلق العام وواقع التنزيل. وينقسم الواقع المطلق بدوره إلى الواقع الوصفي والواقع الاعتباري. ويختص الأخير بقضايا القيم مثل اعتبارات المصالح والمضار، وهو ما نحن بصدده. أما الأول فيتحدد بالواقع التقريري أو الإخباري، وهو يشتمل على السنن والحقائق الكونية منها أو البشرية، كالذي بيناه في حلقة (علم الطريقة). أما واقع التنزيل فيختص بمرحلة عصر الخطاب الديني، كالذي أشرنا إليه من قبل.

ومثلما أن الإحاطة بواقع التنزيل ضرورية لا غنى عنها لفهم النص ومقصده، فكذلك أن معرفة مضامين الواقع المطلق لا تقل أهمية للفهم عموماً. فبدون هذه المعرفة تختل موازين الفهم، ويصبح النص الإلهي برمته غير معقول ولا مقبول. فكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا يمكن فهمها بشكل معقول دون الإلمام بالواقع العام، كالذي أشرنا إليه من قبل[4].

على أن لهذا الواقع أهمية أخرى في مجال إدراك الأحكام وتجديد النظر فيها أو تغييرها استناداً إلى هدي المقاصد. وبغير أخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار فإنه لا مجال لإضفاء المعقولية أو العقلانية على التشريع والاجتهاد المترتب عليه. فكثيراً ما يكشف الواقع العام، وتبعاً للمقاصد، بأن الأحكام المنصوصة مقيدة بسياقها التاريخي وظروفها الخاصة في عصر التنزيل وما شاكله. لذا فلأهمية هذه الدلالة الكاشفة وعلاقتها بالمقاصد سنستعرض عدداً من النماذج والأمثلة المتنوعة للكشف عن حكمة التشريع وعقلانيته..

نماذج منتخبة

1 ـ المشقة في الصوم والواقع

نصّ الشارع الإسلامي على إباحة الفطر في شهر رمضان لكل من المريض والمسافر بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر﴾. والحكمة من ذلك كما يدل عليها ما جاء بعد هذا النص مباشرة من نفس الآية، وما عليه الواقع الخاص، هي للتيسير ودفع المشقة. إذ ورد التعليل في الآية بقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾[5].

كذلك يدل الواقع الخاص على أن المرض والسفر يبعثان على المشقة في مجتمع لا يمتلك وسائل النقل المريحة كما عليه اليوم. أي ان اجتماع جنسين مختلفين في النص لا يفسرهما غير دفع المشقة بدلالة الواقع. هكذا يكون ملاك الحكم محدداً بدفع المشقة، فحيث هناك مشقة كتلك التي تكون في المرض أو السفر فإن إباحة الفطر في الشهر المبارك تصبح قائمة.

لكن السفر في أيامنا الحاضرة لم يعد يبعث على المشقة في الغالب مثلما هو الحال في السابق. فاذا كانت المشقة هي أهم عناصر موضوع الحكم الخاص بإباحة الفطر تبعاً لتحديد المقصد الشرعي؛ فإن مضمون الحكم سوف يختلف اليوم عما كان عليه سابقاً، بل وسوف يتغير الفهم الخاص بما يُعرف بالمسافة الشرعية. مما يعني ان ‹‹الواقع›› قد كشف عن تغير موضوع الحكم بدلالة المقصد الخاص. وقبل ذلك عرفنا أن من خلاله أمكن الكشف عن طبيعة هذا المقصد، ويؤكد ذلك ما جاء به النص من تعبير عن المقصد الآنف الذكر.

ونلفت النظر إلى أن بعض الفقهاء في عصرنا الحديث اعتبر السفر مبيحاً للفطر على الاطلاق، وعلل ذلك لاختلاف ما روي عن النبي (ص) من حدود السفر المبيح، وأن الروايات حوله من الآحاد، يضاف إلى ان النص القرآني لم يحدد مسافة السفر المبيح.

فقد ذكر الشيخ المراغي يقول: ‹‹قد روى أحمد ومسلم وابو داود عن انس: ان رسول الله (ص) كان يقصر الصلاة مسيرة ثلاثة اميال. وروي عن ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه كان يقصر في الميل الواحد، واذا نظرنا إلى نص القرآن فهو مطلق، وان كل ما رواه في التخصيص اخبار آحاد، وأنهم لم يتفقوا في التخصيص؛ جاز لنا ان نقول: إن السفر مطلقاً مبيح للفطر، وهذا رأي داود وغيره من الأئمة››[6].

ونرى أن ما لجأ إليه الشيخ المراغي يواجه بعض الإشكالات، وهو أنه لم يبدِ اعتداداً للمشقة التي دلّ عليها النص كمناط أو ملاك للحكم، كما لم يربط بين المشقة المذكورة وبين الواقع؛ سواء الحالي منه أو ذلك الخاص بالتنزيل.

لكن رغم ذلك يمكن القول إن نصوص الحديث التي نقلها هذا الشيخ قد تثبت ما سميناه بظاهرة ‹‹التوسعة والإنفتاح›› التي اتصف بها الشرع الإسلامي للعديد من الأحكام والفرائض الدينية، بحيث تتجاوز المنصوص فيه، كالذي سبق بحثه في (علم الطريقة).

كما نلفت النظر - في القبال - إلى ان بعض الاتجاهات الفقهية أنكرت الدلالة المقصدية وبالغت في ممارستها الحرفية من خلال منطق الرواية. ورغم ان مضامين الأخبار التي استندت إليها قد اختلفت في معايير السفر (الشرعي) وتحديد الملاك، إذ بعضها دال على معيار المسافة (ثمانية فراسخ أو بريدين أو أربعة وعشرين ميلاً)، وبعض آخر دال على معيار الزمن (بياض يوم أو مسيرة يوم)، وبعض ثالث دال على اعتبار المعيارين معاً، وهو ما ينسجم مع طبيعة الحياة آنذاك استناداً إلى سير الجمال[7]؛ إلا ان مشهور الفقهاء رجحوا - وما زالوا - الملاك الخاص بمعيار المسافة واعتبروا الزمن مقدراً عليه[8]، رغم ان هذا الأخير هو أقرب للمحافظة على المقصد من الأول.

فقد كان لمقادير المسافة، وكذا الزمن، ما يبررها من تقدير مشقة السفر آنذاك. وهما متعادلان من هذه الناحية، حيث كلاهما دالان على المشقة وان أحدهما يقدر بالآخر[9]، مع وجود فارق بسيط يجعل من المسافة ثابتة والزمن متغيراً قليلاً، مثل اختلافه ببعض الدقائق بين يوم وآخر عادة، أو تغيره بحسب فصول السنة، فبياض يوم من الشتاء يغاير ما يناظره في الصيف. لكن الأمر في أيامنا هذه مختلف! فلا المسافة المقررة تبعث على المشقة، ولا هي تقارب الزمن المقدر في قبالها، إذ أصبحت المسافة متغيرة بشكل كبير في قبال التغير الزمني، فمسيرة بياض يوم في السيارة مثلاً، سواء في الشتاء أو الصيف، تعطينا عدداً كبيراً من الأميال مقارنة بالمسافة المتفق عليها قديماً. مما يعني ان بقاء الحكم مستنداً إلى المسافة يفضي إلى عدم المعنى تبعاً للمقصد الخاص به. بل حتى لو تجاوزنا حساب هذا المقصد بكل ما يملكه من دلالة الواقع ونص الآية المشار إليها سابقاً، واعتبرنا ذلك الحكم أمراً تعبدياً خالصاً؛ فإنّا سنصطدم في ترجيحه على نظيره الزمني المعادل له في السابق، مع شيء من الفارق النسبي لصالح المسافة كما أشرنا[10]، الأمر الذي يبعث على التناقض. فلماذا الاحتكام إلى المسافة دون الزمن، ما لم يؤخذ بالحسبان ما ذكرناه حول ثبات الأولى مقارنة بالأخير؟ ولماذا لا يكون العكس هو الصحيح، لا سيما وأنه أقرب إلى الحفاظ على المقصد، ولأن دلالة النص عليه أقوى بشهادة ما ذكره الشيخ محمد حسن النجفي في (جواهر الكلام)[11]؟!

وعليه إذا استشكل البعض وتساءل: كيف يمكن تقدير مشقة السفر الباعثة على القصر في أيامنا الحالية؟ فسيكون الجواب هو أن من المناسب تقديرها بعدد الساعات المعتمدة لدى القدماء في أسفارهم، أو ما يقارب ذلك نسبياً. والمهم هو أن يستند المسافر إلى قاعدة يمكن التعويل عليها، بحيث تنسجم مع المقصد القرآني دون أن تتجاوزه.

وتأتي أهمية هذه القاعدة في تحقيق الضبط العام بما في ذلك إمكانية إجازة المسافر لاختيار أحد خيارين؛ أدنى وأقصى تبعاً للمسافة أو الزمن، شرط تحقق المشقة المفترضة. وقد يكون أقرب صور الإنسجام مع المقصد القرآني هو ما أشرت إليه من تقدير المشقة بعدد الساعات التي كان يعتمدها القدماء في أسفارهم، ما لم يثبت أن طاقة الإنسان المعاصر على تحمل مشاق السفر أضعف بكثير من طاقة الإنسان القديم، وذلك نظراً لإختلاف البيئة وطبيعة الحياة..

2 ـ قضايا المرأة والواقع

هناك جملة من القضايا الشرعية الخاصة بالمرأة لها علاقة بالواقع. فلا شك أن لهذا الأخير تأثيراً على تحديد الأحكام المتعلقة بها. وسنقتصر على بحث ثلاث منها كما يلي:

أـ الشهادة

لقد نصّ القرآن الكريم على أن شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل في قضايا التداين ضمن التداولات المالية، وفقاً لما جاء في قوله تعالى: ﴿.. فإن لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾[12]. وقد اختلف الفقهاء حول دلالة هذه الآية فيما لو كانت خاصة أو لها عموم. فالكثير منهم منع شهادة النساء في قضايا معينة كالحدود والدماء. وزاد بعضهم كل ما خرج عن التداول المالي، ومن ذلك ما ذكره صاحب (مهذب الاحكام) من ان شهادتها تُمنع في حقوق البشر التي تخرج عن النواحي المالية، كالشهادة على البلوغ والإسلام والولاء والجرح والتعديل والعفو عن القصاص والوكالة والوصاية والرجعة وعيوب النساء الظاهرة والنسب والهلال، وقد نُسب هذا الضابط إلى مشهور الإمامية الإثنى عشرية[13].

وعلى خلاف ما سبق ذهب الكثير من السلف إلى الأخذ بالعموم أو الاطلاق الظاهر من الآية من غير استثناء، وكذلك من التعليل المعتمد على دلالة ‹‹الواقع››، حيث ان ‹‹مبنى الشهادة على الحفظ والضبط والصدق، وهذا المعنى موجود في النساء كما هو موجود في الرجال، وما يقدر من نقصهن مجبور بمضاعفة العدد، خصوصاً إذا كثرن وصرن معروفات بالصدق والحفظ››[14]. وكان ابن حزم من الذين يؤكدون هذا المعنى[15]؛ معتبراً ان رفض شهادة النساء في الحدود والقصاص ليس له أصل في السنة النبوية[16].

كما أن الكثير من الفقهاء ذهبوا إلى الإعتماد على الظاهر الحرفي لمنطوق الآية، فحكموا بعدم جواز قبول شهادة النساء في الأمور المالية مهما كان عددهن ما لم يكن معهن شاهد من الرجال، ومن ذلك ما قاله صاحب (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ): ‹‹لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن، ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما››[17]. فالمناط المعول عليه في المسألة هو الشاهد الذكوري وليس الكشف عن الواقع.

وبناءً على هذا المناط اعتبرالمحقق القمي أنه ‹‹قد يحصل الظن بشاهد واحد أكثر من شاهدين ولا يعتبر ذلك، لأن الشارع جعل الشاهدين من حيث أنهما شاهدان مناطاً للحكم لا من حيث الظن الحاصل بهما››[18]. غير ان هذا التصور يُفرغ مسألة الشهادة من مقصدها الأساسي، وهو الكشف عن الواقع، ويحولها إلى صورة تعبدية بلا معنى. وهو يتناقض مع ما اعتمده الشارع نفسه من تقديم الشاهدين على الواحد مع مراعاة التوثيق، الأمر الذي لا يستقيم ما لم يُقصد بذلك الكشف عن الواقع من خلال هذا الإجراء الذي يتوافق مع أغلب حالات الابتلاء.

وفي المقابل اعتمد كل من ابن تيمية وتلميذه ابن القيم على دلالة الواقع في اقرار التساوي بين شهادة النساء وشهادة الرجال لبعض المواقف. فبحسب هذا الرأي أنه إذا كان سبب النصفية في شهادة المرأة يعود إلى ضعف العقل لا الدين؛ فإن هناك من الشهادات ما لا يخشى منها الضلال والخطأ عادة، لذا يقبل تساويها مع الرجل، وهي عبارة عن الأشياء التي ‹‹تراها بعينها أو تلمسها بيدها أو تسمعها باذنها من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الاقرار بالدَّين وغيره››[19].

طبقاً لهذا التحليل، لا مانع من ان تكون شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل؛ إذا ما ضمنّا في العادة دقتها وعدم وقوعها في الخطأ أو الضلال، حتى في القضايا ذات الاعتبار العقلي والمعنوي. إذ لسنا هنا أمام مسألة تعبدية، فالقصد من التشريع، وفقًا لدلالة النص الديني، لا يخرج عن معنى التثبت في الشهادة.

وهنا يأتي دور الدلالة الواقعية في حسم القضية. فمن خلال دراسة الواقع، يمكننا النظر في احتمالين رئيسيين فيما يتعلق بإدراك المرأة وذاكرتها، على الأقل في سياق موضوع الشهادة.

فإذا أجرينا سلسلة متنوعة من الاختبارات الإحصائية والنفسية على كل من الرجال والنساء لمقارنة دقة شهاداتهم حول أحداث مختلفة شهدوها، فقد نصل إلى إحدى نتيجتين: إما إثبات عدم وجود فرق جوهري بين الجنسين في هذا الجانب. أو الإقرار بوجود نقص طبيعي وفطري في إدراك المرأة مقارنة بالرجل. أما الفرضية الثالثة، التي تفترض وجود نقص في إدراك الرجل دون المرأة، فهي مستبعدة تمامًا.

ففي حال تحقق الاحتمال الأول، فإن ما ورد في القرآن الكريم بشأن نقص إدراك المرأة لا يمكن تفسيره على أنه وصف لطبيعتها المطلقة، بل هو مرتبط بظروفها في ذلك العصر، لقلة التعليم وضآلة الدور الذي كانت تمارسه في الحياة الاجتماعية العامة. ويرى بعض الباحثين أن الحكم القرآني استند إلى ما كانت تعانيه النساء من كثرة الحمل وما يترتب عليه من تأثير على الإدراك والتذكر. ومن ثم، يمكن فهم النص عبر ربطه بواقع التنزيل، مما ينسجم مع مقاصده، وهو ما قد يفضي إلى إعادة النظر في الحكم وفقًا للواقع المتغير.

أما في حال تحقق الاحتمال الثاني، الذي يثبت وجود فرق فطري في الإدراك بين الجنسين، فإن الحكم القرآني يكون معبرًا عن الواقع العام لطبيعة المرأة في ذاتها، وليس مجرد حكم ظرفي مرتبط بواقع التنزيل.

وفي كلتا الحالتين، يتضح مدى أهمية الدلالة الواقعية في فهم النصوص وتحديد الأحكام، سواء على مستوى الدلالة الخاصة منها أو العامة.

لقد اختلف المفسرون في تعليل وصف النساء بالتعرض للضلال والنسيان. فقديماً عللوا هذا الحال استناداً إلى المزاج، حيث يعتري البرد مزاج المرأة فيؤدي إلى النسيان. وهو تعليل مرده إلى الأمر الطبيعي الغريزي، وبالتالي يقتضي الحكم الثبات من دون تغير مهما تبدلت الظروف والأحوال. وبناءً على ذلك، يكون النص القرآني ناظراً إلى طبيعة المرأة بشكل عام، وليس إلى ظروفها الخاصة، كما أشرنا سابقًا.

أما حديثًا، فقد قدم رشيد رضا تفسيرًا مختلفًا، حيث رأى أن المرأة لم تكن معنية بالمعاملات المالية والتداولات الاقتصادية، مما جعل ذاكرتها أضعف في هذا المجال، على عكس الأمور المنزلية التي تمثل مجال انشغالها الرئيسي[20]. ويعتمد هذا التفسير على طبيعة الظروف السائدة، مما يعني أنه لو تغيرت هذه الظروف، لتغير الحكم معها. ومن هذا المنطلق، فإن القرآن الكريم، وفقًا لهذا الرأي، ناظر في الحكم إلى طبيعة الظروف الاجتماعية، وليس إلى طبيعة المرأة في ذاتها.

ب ـ السفر

وصلتنا جملة من الأحاديث التي تحرّم سفر المرأة بغير مَحرَم، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قوله: ‹‹لا تسافر إمرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو مَحرَم››[21]. كما أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس عن النبي (ص) قوله: ‹‹لا تسافر المرأة الا مع ذي مَحرَم ولا يدخل عليها رجل الا ومعها ذو مَحرَم››[22]. وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ان النبي (ص) قال: ‹‹لا تسافر إمرأة مسيرة يوم وليلة الا مع ذي مَحرَم››[23]. كما أخرج الترمذي عن أبي سعيد عن رسول الله (ص) قوله: ‹‹لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً الا ومعها ابوها أو اخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو مَحرَم منها››[24].

وقال ابن حجر العسقلاني: ‹‹قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً، فالمرأة منهية عنه الا بالمَحرَم، وانما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين››[25].

غير أن النظر في هذه النصوص من زاوية علاقتها بواقع التنزيل؛ يكشف عن أن النهي الوارد فيها كان مفهومًا ومناسبًا للظروف السائدة آنذاك، حيث ان انعدام الأمن وبدائية وسائل النقل يجعل سفر المرأة وحدها محفوفًا بالمخاطر. وعليه فإن القصد من هذا التحريم يتضح في ضوء تلك المعطيات الواقعية. لذلك لم يأخذ مالك والشافعي بإطلاق هذا النهي، بل أجازا حج المرأة من غير مَحرَم إذا كانت في رفقة مأمونة، ما يعني أن النهي في هذه النصوص ينصرف إلى حالات اضطراب الأمن وخوف الفتنة، وليس إلى السفر ذاته في جميع الأحوال[26].

مع ذلك هناك احتمالان قد تساهم الدراسات النفسية الحديثة في ترجيح أحدهما على الآخر:

الاحتمال الأول: قد تكون طبيعة المرأة ضعيفة، مما يجعلها أكثر ميلاً إلى ارتكاب المحرمات الجنسية في ظل الأمان الاجتماعي. وفي هذه الحالة يمكن أن يستمر الحكم الوارد في النصوص دون تغيير، حيث يبقى المبرر لعدم سفر المرأة دون مَحرَم قائمًا في سياق الحفاظ على الأمان الاجتماعي وعدم وقوع الفتن. وهذا يعني أن الحكم لا يتغير طالما أن هذا الطبع الغريزي يبقى كما هو في ظل الظروف المستقرة اجتماعيًا.

الاحتمال الثاني: قد لا يكون طبع المرأة ضعيفًا، مما يجعل النهي في النصوص ليس له علاقة بطبيعتها، بل مرتبط بانعدام الأمن في ظروف وسائل السفر البدائية التي كانت سائدة في العصور القديمة. وبالتالي، يكون النهي ناظرًا إلى واقع السفر في تلك الأزمنة، حيث كانت المخاطر كبيرة بسبب ضعف وسائل الأمان. وبناءً على ذلك، فإن الحكم في هذه الحالة لا يمكن أن يُؤخذ بشكل مطلق، بل ينبغي أن يُفهم في إطار الظروف الخاصة التي كانت موجودة آنذاك.

هكذا يتضح أن الحكم المذكور لا يُدرك مقصده بمعزل عن واقع التنزيل، كما لا يمكن تحديد إطلاقه أو نسبيته دون دراسة الواقع العام. فلو أن الدراسات النفسية والاجتماعية قد دلّت على معرفة طبائع المرأة وميولها؛ لأصبح من الممكن تقرير ما إذا كان يوجد مبرر لاستمرار الحكم وبقائه كما هو أم لا. وبالتالي يصبح الحكم قابلًا لإعادة النظر بناءً على ما يكشفه الواقع المعاصر من معطيات علمية.

ج ـ الحجاب

من المعلوم أن الغرض من حجاب المرأة هو سد الذريعة أمام الإثارة والشهوة وربما الاعتداء، استنادًا إلى الواقع وعدد من النصوص، وذلك منعًا للأذى الذي قد يلحق بالرجل والمرأة على حد سواء. غير أن هناك احتمالين فيما يتعلق بكيفية التحجب والكشف غير السافر للجسم: فقد يكون الطبع البشري ميالًا بطبيعته إلى التأثر والشهوة عند أي كشف نهى عنه الشارع المقدس، أو أن النهي المنصوص متعلق بحالات محددة من الواقع. فإذا دلّ الواقع العام على خطأ الفرضية الأولى، فإن التخفيف من النهي بناءً على الفرضية الثانية يصبح أمرًا مقبولًا لا يخرج عن الإطار الشرعي.

ويدعم الاحتمال الأخير ما ورد من سماح بالكشف المحتشم أمام ملك اليمين أو الخدم، وكذلك ما جرى من كشف للإماء وكبار السن من النساء، دفعًا للعسر والتخفيف. كما تؤيده بعض الحالات التي حدث فيها اختلاط ولمس عند تضميد جرحى الحرب وسقيهم ونحو ذلك[27].

 وربما مال المقدس الاردبيلي (المتوفى سنة 993هـ) إلى قريب من هذا المعنى، إذ أشار عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ إلى أن معنى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ هو ما جرت العادة على كشفه، موضحًا أن الأصل فيه الظهور، إذ اعتاد الناس على كشف الرقبة والصدر والعضدين والساقين وغير ذلك، لا سيما في حالات العسر التي تعاني منها الفقيرات من النساء، معتبرًا أن الحكم في هذه المسألة محل إشكال[28].

مع هذا لا بد من مراعاة الملاحظات التالية:

1ـ إنه حتى مع افتراض خطأ الفرضية الأولى، وبالتالي جواز الكشف غير السافر في الظروف المناسبة، ينبغي أن يظل هذا الكشف ضمن حدود الحشمة المتعارف عليها، بحيث لا يؤدي إلى تعارض مع المقصد الخاص، أو يترتب عليه أضرار جانبية، وإن بعناوين أخرى مختلفة.

2ـ إنه حتى مع التسليم بعدم صحة تلك الفرضية، قد يكون الحفاظ على الحجاب التقليدي ضرورة وقائية، بهدف سد الذريعة ومنع استغلال الرخصة الشرعية بطرق غير سليمة، خصوصًا في ظل انتشار الأهواء وضعف الوعي التربوي لدى بعض الأفراد.

3ـ وفقًا لمعطيات الواقع، فإن الالتزام بالحجاب بالحدود المتعارف عليها من كشف الوجه والكفين، إلى جنب التحلي بالسلوك المحتشم، يُعَدّ خيارًا أمثل، إذ يحفظ خصوصية العلاقة بين الرجل والمرأة دون أن يشكّل عائقًا أمام تطور الحياة والمشاركة النسوية في المجتمع. لذا فإن الدعوة إلى الالتزام به مبررة من الناحية المبدئية.

3 ـ فنون الرسم والواقع

يبدو أن أغلب الفقهاء تعاملوا مع النصوص التي حرّمت الرسم والنحت لكل ما فيه روح، سواء من الإنسان أو الحيوان، بطريقة حرفية، دون النظر إلى مقاصد التشريع أو تطورات الواقع. فقد جاء في بعض النصوص قول النبي (ص): ‹‹ان أشد الناس عذاباً عند الله المصورون››[29]. وقوله: ‹‹أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله››[30]. وقوله: ‹‹ان الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم››[31]. وعن ابن عباس قال: ‹‹سمعت محمداً (ص) يقول: من صوّر صورة في الدنيا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيها الروح وليس بنافخ››[32]. وعن ابن عباس أيضاً إن النبي (ص) قال: ‹‹لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير››[33]. وعن أبي زرعة قال: ‹‹دخلت مع أبي هريرة داراً بالمدينة فرأى في اعلاها مصوراً يصور فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: قال الله عز وجل: ومن اظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة››[34]. وروى الطبراني عن صفية بنت شيبة قالت: ‹‹رأيت رسول الله (ص) بلّ ثوباً وهو في الكعبة ثم جعل يضرب التصاوير التي فيها››[35].

وقد استوحى الفقهاء من هذه النصوص أن التصوير يبعث على المضاهاة أو التشبه في الخلق، وهو أمر محظور شرعًا. وكما قال الخطابي: ‹‹انما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل››[36]. وقال أبو بكر بن العربي: ‹‹إن الذي اوجب النهي عن التصوير في شرعنا - والله اعلم - ما كانت العرب عليه من عبادة الاوثان والاصنام، فكانوا يصورون ويعبدون فقطع الله الذريعة وحمى الباب. فإن قيل: فقد قال حين ذم الصور وعملها من الصحيح قول النبي (ص): من صوّر صورة عذّبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ.. قلنا: نهى عن الصورة وذكر علة التشبيه بخلق الله، وفيها زيادة علة عبادتها من دون الله، فنبه على ان نفس عملها معصية فما ظنك بعبادتها››[37].

وحقيقة إن المضاهاة وتوظيف الصور لغرض العبادة من الأمور التي أكدها الواقع التاريخي، كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين، مثل صاحب (أحكام القرآن)[38]. وهذا يوضح أن النهي عن التصوير لم يكن مجرد حكم تعبدي بلا معنى، بل كان مرتبطًا بالسياق الذي نزلت فيه النصوص، حيث كانت الأصنام والتماثيل تُستخدم في الطقوس الوثنية[39]. لكن لمّا تغيّر الواقع فقد زال الغرض، ولم يعد التصوير مرتبطًا بالعبادة والمضاهاة في معظم المجتمعات، بما فيها المجتمعات الإسلامية، بل أصبح يُستخدم لأغراض فنية وعلمية وتحقيقية، كتلك التي يستفاد منها في الطب والكشف الجنائي. وبناءً على ذلك، فإن مراجعة الحكم في ضوء المقاصد الشرعية والتغيرات الواقعية تبدو أمرًا ضروريًا، بدلاً من التمسك بظاهر النصوص فقط.

وبناءً على ذلك، فإن استمرار الحكم كما هو عليه يصبح كالسالبة بانتفاء الموضوع، وفقًا لتعريف المناطقة. ويؤيده ما ورد في القرآن من إقرار الله تعالى لما كان يعمله نبيه سليمان من التماثيل، كما في الآية الكريمة: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾[40]، وهي الآية التي احتج بها قوم على جواز التماثيل[41]. كما ورد استثناء في بعض الأحاديث فيما يتعلق بلعب البنات الذي أُجيز تبعاً لبعض الأحاديث[42]، مما يُعد تبريرًا آخر لعدم التحريم المطلق.

وبذلك، استطعنا فهم مقصد الحكم من خلال دلالة النص وواقع التنزيل، ومن ثم دلالة الواقع العام التي توجب تغيير الحكم بما يتناسب مع القصد الشرعي.

وجدير بالذكر إن الفقهاء المحدثين والمعاصرين وجدوا حرجاً في التحريم المطلق للتصوير، خاصة مع تطور المعاملات الحديثة، لذلك فرقوا بين التصوير اليدوي والفوتوغرافي الشائع الاستخدام، فحملوا أحاديث التحريم على النوع الأول، وأجازوا الثاني بدعوى أنه ليس فيه من الانشاء والخلق الذي يبعث على المضاهاة مثلما هو الحال في الأول، بل هو مجرد حبس لخيال الموضوع المصور، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا. مع أننا لو أخذنا مفهوم المضاهاة بهذا الشكل الساذج لاعتبرنا جميع الرسوم الخاصة بالطبيعة تمثل مضاهاة لخلق الله، ولاعتبرنا جميع الصناعات والتكوينات المستحدثة التي تحاكي طبائع الكائنات هي من المضاهاة أيضاً. وهو أمر غير معقول.

كذلك إن بعض الفقهاء ذهب إلى التفريق بين الرسم والنحت، فأجاز الأول ونهى عن الثاني بنحو من الاحتياط، كما هو الحال مع الفقيه المعاصر السيد علي السيستاني[43].

لكن، في المقابل، نجد أن بعض المحدثين، مثل الشيخ محمد عبده[44]، قد أباحوا التصوير بشكل مطلق. وهو نفس الموقف الذي تبنته الدولة الإسلامية المعاصرة في إيران.

4 ـ الحدود والواقع

تعتبر الحدود وما ورد فيها من كيفيات، معلومة المقاصد من الناحية الخاصة، سواء كان ذلك بدلالة النص أو الواقع. فالنص من قبيل قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾[45]، الأمرالذي يدل عليه الواقع، حيث بالقصاص تزول دوافع الثأر ومسلسل سفك الدماء. كما يُظهر الواقع أن الغرض الأساسي من الحدود هو الردع.

لكن لما كان منشأ اعتبار الحدود يتوقف على ما تحققه من أغراض تتسق مع المقاصد الكلية العامة؛ لذا فإن تجدد الواقع قد يُعيق تحقيق أغراضها الخاصة أو يجعلها تتزاحم مع المقاصد العامة، مما يستدعي تعديلها لتتماشى مع هذه الأخيرة. لذلك هناك من رأى جواز ترك الإمام للحدود في بعض الحالات والطوارئ لأجل ما هو أهم منها[46].

وليس غريباً ان تشهد السيرة النبوية والخلافة الراشدة شطراً من التنويعات التجديدية لقضايا الحدود استناداً إلى تغيرات الواقع والنظر إلى المقاصد. فرغم محدودية الظروف وضيقها الا ان ذلك لم يمنعها من ان تكون حافلة بالكثير من التنويعات والتغييرات تبعاً للمصالح والحاجات.

فقد منع النبي (ص) قطع يد السارق في الغزو خشية أن يترتب عليه مضرة لحوق السارق بالمشركين حمية وغضباً. وهو المنقول أيضاً عن عمر والإمام علي وأبي الدرداء وحذيفة وغيرهم[47].

كما أسقط الحد عن التائب طالما اعترف بذلك قبل القدرة عليه. وفي رواية قال عمر للنبي: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى النبي معللاً ذلك بأنه قد تاب إلى الله. إذ روي أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله (ص) فأخبرته أنه الذي وقع عليها، وأخبر القومُ أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع عليّ، فقال النبي (ص): ‹‹إنطلقوا به فارجموه››، فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله (ص): الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة، فقال: ‹‹أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولاً حسناً، فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى رسول الله (ص) فقال: ‹‹لأنه قد تاب إلى الله››[48]. وفي حادثة إنه قال للرجل الذي قال له: ‹‹يا رسول الله أصبتُ حداً فأقمه عليّ، فقال (ص): هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد غفر لك حدك››[49].

وجاء في سيرة النبي (ص) أنه لم يؤاخذ بعض أصحابه بالعقوبة رغم كبير فعله وشائنته. ومن ذلك إنه برئ مما صنعه خالد بن الوليد ببني جذيمة من قتلهم وأخذ أموالهم دون ان يعاقبه، وقال: ‹‹اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد››. وبنظر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ان النبي (ص) إنما لم يعاقب خالداً على فعله وذلك لحسن بلائه ونصره للإسلام[50].

كما ذكر ابن القيم ان الله نصّ على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى[51].

إذ جاء حول حد المحارب قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، والذين ذهبوا إلى اسقاط الحدود بالتوبة قبل القدرة على المسك بالجاني إنما حملوا هذه الآية على جميع الحدود، كحد السرقة الذي نصّ العديد على سقوطه بالتوبة، كما هو الحال مع عطاء وجماعة غيره، وذهب إليه بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولاً[52]. علماً بأن حد السرقة كثيراً ما كان يعطل لأسباب خاصة، كالحال عند الحروب وفي عام المجاعة[53]. وحد الشرب عليه اختلاف بين ما كان يُعمل به في عهد النبي وأبي بكر وبين ما سار عليه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب باشارة من الإمام علي كما يُنقل. كما ظهر هناك عدد من الاجتهادات التي حددت أحكاماً تتصف بالشدة تبعاً لمراعات الظروف السائدة آنذاك، وتحقيقاً لما يراد من مصلحة عامة، رغم ان هذا كان على خلاف ما عليه السيرة النبوية، تبعاً لما يُروى. ومن ذلك – كما عرفنا - أن الإمام علياً قام باحراق الزنادقة الغلاة، بينما كان الأمر في عهد النبي هو قتل الكافر، لكنه وجد خطورة المسألة فشدد العقوبة لزجر الناس عن ان يفعلوا مثل ذلك[54]. وسبق للإمام علي أيضاً إن نصح الخليفة الصديق في احراق اللوطية بدل قتلهم باعتبار ان العرب لم تكن تبالي بالقتل وهي قد ألفته بخلاف الحرق بالنار حيث لم تألفه بعد[55].

على هذا، لا يجوز إسقاط الحدود على الواقع في ظل كثرة التحولات دون دراسة مفصلة لأوضاعه؛ خصوصًا تلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية، طالما أنها من أحكام الوسيلة التي تتأثر بمجريات الحياة والواقع. بل حتى مع التنفيذ والتطبيق يجب مراعاة جانب الإطلاع على المخلفات والنتائج المترتبة على تلك الأوضاع ومن ثم محاكمتها ومقايستها بالحجم الذي يمكن تحقيقه من المقاصد العامة.

فعلى سبيل المثال، ليس من المتوقع أن يحقق حد السرقة المقاصد المرجوة في البلدان التي تكون أوضاعها الاقتصادية متردية بالفقر والحاجة. بينما قد يحقق هذا الحد غرضه في البلدان التي تتسم بتقدم أوضاعها الاقتصادية، شريطة توافر الظروف الملائمة في باقي المجالات.

علماً بأن بعض ما يُعدّ من الحدود ليس عليه دليل شرعي، كما هو الحال مع حد شرب الخمر، كما إن بعضاً آخر مشكوك فيه؛ مثل حد الرجم.

5 ـ الجهاد والواقع

ليس الجهاد من التعبديات التي لا تفهم أغراضه ومغازيه. فالمقصود منه استنادًا إلى النصوص والواقع التنزيلي، هو دفع الظلم والعدوان. ويقر الفقهاء بشكل عام بمقاصد الجهاد، إلا أنهم يختلفون حول مضمونها في اطروحتين:

الإطروحة الأولى: وترى أن الهدف من الجهاد هو فرض الدين على الآخرين حتى وإن تم ذلك بالقوة، اعتماداً على ظواهر بعض النصوص القرآنية.

الإطروحة الثانية: وترى أن الهدف منه هو رد الظلم والعدوان.

الإطروحة الأولى

بحسب الإطروحة الأولى قام الفقهاء بتقسيم العالم إلى دارين؛ دار إسلام وحرب. وهو تقسيم يجد مبرراته في النهج الماهوي للفهم الديني كما تبناه الفقهاء. فتبعاً لهذا المنطق الثنائي تكون الحرب هي الأصل الحاكم في العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى، وفقاً لعدد من الشروط؛ مثل توفر القوة الكافية وعدم دفع الجزية والصغار. فقد أُعتبر كل كتابي لم يدفع الجزية بأنه محارب وإن لم يشهر السلاح أو يقوم بالعدوان. وبذا جرى التمييز بين الذمي والحربي انطلاقاً من دفعها وعدمه. ونسب البعض هذا الرأي إلى اجماع علماء مذهبه[56].

إذاً، وفقاً للإطروحة الأولى فإن الأصل في علاقة الإسلام بالآخر هو الحرب لا السلم، وأنه دين سيف لا دين محبة وسلام. وتأكيداً على الأصل الحربي لهذه العلاقة؛ ذهب جماعة من الفقهاء إلى ان أقلّ ما يفعل من الجهاد في السنة مرة واحدة، أي يجب أن يقاتل المسلمون الكفار مرة واحدة على الأقل لكل سنة، ما لم يتعذر ذلك لعذر مشروع، مثل قلة عدد المسلمين وضعف عدتهم. كما يجب القتال بأكثر من مرة في السنة إن دعت الحاجة لذلك، باعتباره فرض كفاية فيجب منه ما تدعو الحاجة اليه[57]. وادعى الشيخ الكركي من الإمامية أن على ذلك إجماع المذهب[58]. وبحسب رأي العز بن عبد السلام أنه يجوز الصلح مع الكفار خلال أربعة أشهر، ولا يجوز أكثر من سنة[59].

وأهم ما عولت عليه هذه الإطروحة هو إطلاقات النصوص التي توجب محاربة أهل الكفر، كما في آيتي السيف والجزية من سورة التوبة الآمرتين بقتال المشركين والكافرين ما لم تُدفع الجزية.

ومثل ذلك ما روي عن النبي أنه كان يحث المؤمنين على قتال الكافرين بعد ان يدعوهم إلى الإسلام أو دفع الجزية، وما تشير إليه رسائله الموجهة إلى ملوك البلدان غير الإسلامية[60]. ومثل ذلك ما اتصف به حكم الخلفاء الراشدين.

وقد استدل البعض على المعنى السابق بقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾. فذهب العديد من المفسرين إلى أن معنى الفتنة هو الكفر والشرك[61]، وقال الإمام الجصاص في تفسيره لهذه الآية بأنها توجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع ان الفتنة هنا هي الشرك[62]، وأما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة، والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له، ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾.

واعتبر بعض المعاصرين ان قصد الإمام الجصاص من قوله (حتى يتركوا الكفر) هو ‹‹كفرهم المتعلق بالتشريع واتباع القانون الباطل، لأن التحليل والتحريم وتشريع الأحكام هو من الله وحده لا يجوز لغيره، فمن نازع الله هذا الحق أو ادعاه لنفسه كان ذلك منه كفر في نظر الشريعة الإسلامية››[63].

لكن جاء عن بعض الصحابة ان تفسير تلك الآية مرهون بما كان عليه واقع المسلمين أول الأمر من القلة، حيث كان الرجل يُفتن في دينه ليرده الكفار إلى الكفر بعد ايمانه[64]، أو ليقتلوه أو يوثقوه، حتى كثر الإسلام ولم يعد بامكان الكفار اضطهاد المسلمين أو تعذيبهم، ومن ثم زالت الفتنة، مثلما ذهب إلى ذلك ابن عمر، وهو المتبادر من معنى الآية عند صاحب تفسير (المنار)[65]، لا سيما وأن في ذيل الآية وما قبلها من الآيات المباشرة ما يمنع القتال بمجرد الكفر أو الشرك، إذ قال تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾[66].

وعلى ما نقله ابن القيم وارتضاه عن جماعة من ‹‹إن القتل إنما وجب في مقابلة الحِراب لا في مقابلة الكفر، لذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزَّمنى والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا. وهذه كانت سيرة رسول الله (ص) في أهل الأرض››[67].

الإطروحة الثانية

أما بحسب الإطروحة الثانية فإن الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها هو السلم، وان القتال لا يكون بسبب الكفر ذاته، وانما لدفع الظلم والعدوان. وتظل آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ حاكمة على غيرها من النصوص. فهذا الرأي هو الذي نسبه ابن تيمية إلى جمهور الفقهاء من أمثال أبي حنيفة ومالك وابن حنبل وغيرهم[68]، وعدّ الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والاعتبار تثبته، خلافاً للرأي المعارض وما يترتب عليه من آثار سيئة، وهو المنسوب إلى الشافعي وغيره[69].

إن آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ هي من الأهمية بمكان في ما نحن بصدده من البحث. ذلك أنها تبطل قول من يرى وجوب الإكراه في الدين وقتاله ولو كان موادعاً ومسالماً. وهي على رأي رشيد رضا قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته[70].

وعلى ضوء هذه الآية وآيات الموادعة والسلم ذهب أغلب الباحثين والفقهاء حديثاً إلى اعتبار الأصل في العلاقة مع الدول غير المسلمة هو السلم لا الحرب، محتجين بأن الحرب لم تكن لغرض الاعتقاد، بل لدواعي دفاعية ووقائية لصد الشر والعدوان. ومن ذلك قول عبد الله دراز: ‹‹ومن هذه المبادئ ان الحرب الشرعية لا تقوم الا من اجل دفع العدوان ويجب ان تتوقف بمجرد انتهائه››[71]. كما اعتبر الشيخ أبو زهرة أن الحرب من إغراء الشيطان، وأن من يسير فيها إنما يسير في خطواته، اعتماداً على قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين﴾[72]. وذهب إلى ذلك أيضاً كل من محمد رشيد رضا كما في تفسير (المنار) وكتابه (الوحي المحمدي) والعقاد في كتابه (عبقرية محمد) ووهبة الزحيلي في (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) ومحمد الغزالي في (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين). فقد اعتبر رشيد رضا وغيره أن العلاقة بين دار الإسلام وغيرها هي في الأصل علاقة سلم، وإن ما سماه فقهاؤنا بـ (دار الحرب) إنما ينقسم إلى حربيين إن كان أهلها معادين مقاتلين للمسلمين، وإلى معاهدين إن كان بين الفريقين عهد وميثاق على السلم وحرية المعاملة في التجارة وغيرها[73].

وعموماً لو أننا عولنا على الحرب في أصل العلاقة مع الدول غير الإسلامية استناداً إلى النصوص وفق النهج الماهوي وبغض النظر عما تظهره من تعارضات اطلاقية؛ فستفضي النتيجة – ولا بد - إلى الصدام مع المقاصد. فالحرب بدلالة الواقع ليست علاجاً ناجعاً بشكل دائم، فحتى مع توفر القوة والقدرة قد تخلّف من آثار الضرر والدمار ما لا يحمد عقباه. أما التعارضات الإطلاقية لنصوص الخطاب - حيث يدعو بعضها إلى الحرب فيما يدعو البعض الآخر إلى السلم - فلن تُفسَّر تفسيراً صحيحاً الا عند الإعتراف بأنها محكومة بتأثير التمايزات والتغايرات التي شهدها واقع التنزيل، مع مراعاة حاكمية المقاصد من العدل وعدم العدوان، كما عرفنا من قبل.

وبحسب المقاصد لا ضرورة لتقييد الجهاد بالحرب، سواء كان لأجل فرض الدين كما هو مفاد الإطروحة الأولى، أو لأجل صد الظلم والعدوان كما في الإطروحة الثانية، أو لمكافحة كل ما هو مناف للدين. فحيث أن الجهاد من الوسائل لا الغايات؛ لذا صحّ أن تختلف أساليبه وتقدر طبقاً لما عليه الأحوال والأوضاع.

فبغير هذا المعنى نعود إلى الصيغة التعبدية التي تُفرغ الجهاد من مقصده وفحواه، رغم أنه يفضي إلى ازهاق الأرواح، وربما يكون بلا مبرر معقول؛ مما يتنافى مع المقاصد الدينية. فالجهاد والمجاهدة كما قال الراغب في (مفردات غريب القرآن) هما استفراغ الوسع في مدافعة العدو، سواء بمدافعة أهواء النفس الأمارة بالسوء، أو مدافعة العدو الخارجي باليد واللسان والمال وما إليها، وقد قال تعالى: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾، وجاء عن النبي (ص) قوله: ‹‹جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم››[74]. وبالتالي فمن الخطأ حصر الجهاد في الحرب وإزهاق الأرواح والنفوس، ومن ثم اعتبار الحرب والتصفية الجسدية هي الحالة الثابتة له.

فبدلالة الواقع إن للجهاد وسائل متعددة قد ينفع بعضها في ظرف ما، ويضر في ظرف آخر، أو لا يحقق ما يرجى له من المقاصد. فله أشكال مختلفة تشمل ضروب الصراع والكفاح، كما في الحرب ومن خلال صناديق الاقتراع والكلمة والإعلام والمبادرات السياسية والاقتصادية وصيغ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما إليها. وبدراسة الواقع مع أخذ المقاصد بعين الإعتبار قد يتبين الشكل الأنفع والأنسب من بين هذه الأشكال المختلفة.

وبعبارة أخرى، إن التقيد بمبدأ المقاصد ومراعاة الواقع يجعل التعيينات المطروحة بشأن الجهاد تعيينات غير ثابتة الكيفية. فثمة وسائل مختلفة لصور الجهاد، بعضها قد يتعارض مع المقاصد دون البعض الآخر، اعتماداً على كشف الواقع. فقد لا يتسق الجهاد الحربي معها، وعلى العكس قد يكون الجهاد الحركي غير المسلح مثمراً أكثر من غيره.

فبالجهاد الحركي يمكن تحقيق هدفين معاً: العمل على محاربة المنكر، ومدافعة الطرف الآخر، كالذي يجري في البلد الواحد من المساهمة في المشاركة السياسية مع مختلف الاتجاهات العلمانية وقبول مبدأ الديمقراطية كمنهج حركي عام تتحدد فيه المنافسة بين التيارات المتباينة دون الدخول في صراعات عسكرية. ويتطلب ذلك احتراماً متبادلاً من جميع الأطراف تجاه الرؤية المنتخبة وفق ميل الأغلبية، وذلك ضمن قواعد دستورية محايدة يتفق عليها الجميع. فهذا الشكل من المجاهدة يتيح للرؤية الدينية أن تلعب دورها في العمل البناء لتحقيق المقاصد؛ سواء كانت ضمن السلطة السياسية الحاكمة أو خارجها، وذلك بأقل الخسائر الممكنة مقارنة بالجهاد الحربي.

إذاً، فللجهاد صور متنوعة؛ لا بحسب اعتبارات الواقع وما يكشف عنه من تغايرات تقتضي تنويع الموقف والمعاملة فقط، بل كذلك لاحتمال أن يأتي اليوم الذي يكون فيه الجهاد الحربي هو آخر ما ينبغي التفكير به، خوفاً مما يفضي إليه الحال من فناء المجتمعات وتمزيقها بحرب مدمرة تهلك الحرث والنسل دون أن يُعرف لها آخرة ولا نتيجة.

6 ـ الأمر بالمعروف والواقع

ورد حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدد من الأحاديث أبرزها الحديث المأثور: ‹‹من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان››.

وتبعاً للفهم التقليدي المتداول للفقهاء توجد ثلاث مراتب للنهي: بالقلب والقول والقوة. وهناك اختلاف في التسلسل الذي ينبغي اتخاذه لتحقيق الغرض، أقربها للوجدان ذلك الذي يحملها على التدرج من الأيسر فالأعسر. لكن الشيء الذي يهمنا - هنا - هو ما يتعلق باستخدام القوة للنهي عن المنكر، استناداً إلى لفظ (اليد) التي لها دلالة عرفية ظاهرة على القوة.

والسؤال الذي يحق طرحه بهذا الصدد: لو أننا مارسنا هذه القوة في الحالات التي لا يجدي فيها النهي اللساني والقلبي نفعاً، فهل يا ترى سنصل إلى المطلوب الأمثل؟

لا شك إن للقوة أثراً ايجابياً في بعض الأحيان، لكن في أحيان أخرى - لا تقل مساحة عن الأولى - ليس لها ذلك المفعول، بل قد يكون لها مردود سلبي، خاصة بالنسبة للشعوب التي ألفت الحرية، مع ان من الممكن استخدام وسائل أخرى للنهي غير القوة، لا سيما حينما يكون المنكر متفشياً وسط تيار اجتماعي عام، ففي هذه الحالة ليس من السهل على القوة ان تفعل شيئاً، إنما لا بد من دراسة الواقع الاجتماعي وما يتطلبه من صور للنهي، فقد يصلح ان يكون النهي من خلال انشاء نواد إسلامية أو مكتبات أو دور ثقافية أو اتحادات رياضية أو تسديد حاجات مادية أو اقامة إعلام وفنون هادفة وما إلى ذلك من الصور التي تستهدف محاربة المنكر، بما في ذلك طرق التغيير التي تمس رواسب الأفكار المنحرفة في العقل الباطن، أي تلك التي لا يتحسس بها الفرد أنها عملية غسل وتهذيب بإتجاه المعروف.

ويلاحظ أننا هنا بين تفسيرين للمسألة، أحدهما تفسير النص من خلال الواقع فحسب، والآخر تفسيره من خلال المقاصد وعلاقتها بالواقع.

فمن حيث التفسير الأول تنضوي جميع الطرق التي ذكرناها كوسائل للنهي عن المنكر، بما فيها عامل القوة، تحت عنوان عام نعبّر عنه بالنشاط الإنساني. فليس من التأويل بشيء لو فسرنا (اليد) بهذا العنوان، إذ ينسجم مع سياق الحديث مثلما ينسجم مفهوم القوة، الا أن العنوان الأول قد دلنا عليه الواقع بصورة لا تقبل الشك، فلا يدع مجالاً للنزاع. كما إن التدرج الوارد في الحديث الآنف الذكر من النشاط الإنساني إلى القول فالقلب؛ هو تدرج يحمل انسياقاً طبيعياً لا تكلّف فيه. في حين لو أخذنا بالعنوان الآخر (القوة)، لكان الإنسياق متكلفاً فيما لو تدرجنا من الأيسر إلى الأعسر.

أما التفسير الثاني، فهو قائم على افتراض أن الظهور في لفظ (اليد) واضح بمعنى القوة، لكن مع ذلك فإن الحصر الوارد في النص يمكن أن يوجّه طبقاً للمقاصد وما دلّ عليه الواقع الاجتماعي، وهو أن سبب اقتصار النص على الأساليب الثلاثة المذكورة كان لغلبة تأثيرها وإلفة ممارستها في المجتمع الإسلامي القديم، مقارنة بغيرها من الأساليب[75]، كالذي يصدق مع آية ﴿ومن رباط الخيل﴾، إذ المقصود بها ما هو سائد في المجتمع آنذاك، بشهادة تغير الواقع الحضاري مع مراعاة مقاصد الشريعة، طالما للحكم معنى معقول دون أن يكون من التعبديات.

7 ـ الزكاة والواقع

أ ـ جاء عن موارد الزكاة من المحاصيل ما رُوي عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله (ص) إلى أهل اليمن: ‹‹إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب››.

وقد اعتاد الفقهاء في فتاويهم التوقف عند هذه الأصناف الأربعة من الثمار لتحديد الزكاة، واعتبروا طبقاً للنص أنه لا زكاة في غيرها من الزروع والثمار. مع أنه لا يعقل أن يكون الحكم على تلك الموارد تعبدياً وأن غيرها من المحاصيل ليس عليها زكاة.

لكن رأى بعض الفقهاء مثل أبي حنيفة ‹‹أن هذه الأصناف كانت تمثل المحصولات الرئيسية في جزيرة العرب، وأن ما عداها من ثمر لم يكن مالاً له خطر››. أي أنه استند إلى الواقع في فهمه للنص فاعتبر الزكاة فيما هو رائج من المحاصيل، وبالتالي حكم على الثمار الأخرى بالزكاة، بل كل ما تنبته الأرض من المأكولات من القوت والفاكهة والخضر؛ استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات... كلوا من ثمره إذا اثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾[76]. وبالتالي أوجب الزكاة في كل من ‹‹التفاح والموز وسائر الفواكه، والفول والعدس والارز وسائر الحبوب، والبرتقال واليوسفي وسائر الموالح، والبن والشاي.. الخ››[77]، وهو ما أيده أبو بكر بن العربي[78]. كما ذهب رشيد رضا حديثاً إلى ان الحكمة في الحصر بتلك الزروع هي كونها القوت الغالب في ذلك الوقت[79].

والحال نفسه ينطبق على ما ذُكر من زكاة بحق الأنعام وغيرها من الأشياء. وقد التفت بعض المعاصرين من الإمامية إلى ما تتضمنه الزكاة من معنى مقصدي، كما أشار إلى ذلك الإمام الخميني في بعض خطاباته؛ نافياً ان تندرج ضمن التعبديات. كذلك احتمل البعض أن موارد الزكاة في الأصناف التسعة لم تصدر بعنوان التشريع العام[80]، وإنما بعنوان الحاكمية والولاية تبعاً لما إقتضته الظروف آنذاك من رواج تلك الأصناف، كما وضع في الحسبان احتمال ان يكون الحصر تشريعاً، الا أنه جاء مخصوصاً للظرف السائد بإعتبار أن تلك الأصناف كانت من أشهر البضائع وأهمها[81].

ومعلوم إن التصور الحديث لهذه المسألة قد نشأ بسبب تحولات الواقع، أي أن الأخير هو ما دلّ عليه لا النص، رغم أن البعض، نتيجة لهذه التحولات، حاول ان يرد الإعتبار لبعض النصوص وإنْ على نحو التقريب، مثل استشهاده بما صنعه الإمام علي من جعل الزكاة على الخيل[82]، كذلك بما رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب) عن أبي بصير أنه سأل الإمام الصادق فقال: هل في الأرز شيء من الزكاة؟ قال الإمام: نعم. ثم قال: ان المدينة لم تكن يومئذ أرض أرز فيقال فيه، ولكنه قد جعل فيه، وكيف لا يكون فيه وعامة خراج العراق منه[83]. وهناك عدد من الروايات تفيد هذا المعنى[84]، لكن في قبالها يوجد عدد آخر من الروايات التي تؤكد ضرورة حصر الزكاة بما نصّ عليه النبي (ص)[85]. وكجمع بين النصوص ذهب الحر العاملي بأن الأحاديث التي تفيد عدم الحصر دالة على الإستحباب ونفي الوجوب، وما ظاهره الوجوب في روايات الحبوب يحتمل الحمل على التقية[86].

ب ـ وطبقاً للمقاصد فإنه لا يمكن الوقوف عند حرفية النص حول ما ورد بشأن الزكاة في النقدين من الذهب والفضة، كالذي عليه فقه الإمامية. فالنقد في العصر الحديث تحول إلى عملات ورقية، والوقوف عند حرفية النص يمنع جريان الزكاة فيها. الأمر الذي يفضي إلى خلاف ما قصده الشارع من وضع الزكاة على المال المتداول، حيث لا يعقل أنه جعلها بخصوص الذهب والفضة بما هما كذلك، وإلا لكانت الزكاة لا تنحصر بالنقدين منهما، بل لشملت سائر مواردهما مما لا يعد من النقد[87]. وبذلك نفهم ان الملاك يتحدد بالمالية المتداولة أو النقد. وبغير هذا الاعتبار سنقع في تعبدية ليست مفهومة ولا معقولة، في حين إنها تجري في قضية يُفترض ان يكون لها معنى محصل بشهادة الواقع.

على ذلك صحّ ما لجأ إليه الشيخ محمد جواد مغنية في نقده للفقهاء المعاصرين من الإمامية الذين وقفوا عند حدود القالب الحرفي من النص دون اعتبار للدلالات الأخرى كما يبدو ذلك من المقاصد والواقع، فذكر يقول: ‹‹قال فقهاء هذا العصر كلهم أو جلهم: ان الأموال إذا كانت من نوع الورق، كما هي اليوم، فلا زكاة فيها وقوفاً عند حرفية النص الذي نطق بالنقدين الذهب والفضة، ونحن على خلاف معهم، ونقول بالتعميم لكل ما يصدق عليه اسم المال و(العملة)، وان النقدين في كلام أهل البيت أخذ وسيلة لا غاية، حيث كانا العملة الوحيدة في ذلك العهد، وليس هذا من باب القياس المحرم، لأن القياس مأخوذ في مفهومه وحقيقته ان تكون العلة المستنبطة مظنونة لا معلومة، لأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً، ونحن هنا نعلم علم اليقين ان علة الزكاة في النقدين موجودة بالذات في الورق، لا مظنونة، فتكون كالعلة المنصوصة أو أقوى، لا من باب القياس المظنون المجمع على تحريم العمل به››[88].

8 ـ ربا القروض والواقع

ليس هناك قيمة يقرها وجدان العقل أعظم من العدل. فالعدل على رأس القرارات التي يدين لها العقل بالصحة والصدق. وهو على رأس الأحكام التي تبشر بها جميع الأديان السماوية، وتعترف به كل الأعراف والقوانين الوضعية. كما أنه يقع في قمة هرم المقاصد التي نادت بها الشريعة الإسلامية، واعتبرته هدفاً أعلى للرسالات الإلهية، كما في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾.

ويكفينا من كل ذلك ما تطابق عليه العقل والشرع في ضرورة مراعاته من غير تفريط. فهو الأصل في كل العقود مثلما صرح بذلك ابن القيم في أحد عناوين كتابه (أعلام الموقعين عن رب العالمين)[89]. لكن هل التفتت الطريقة البيانية لهذا المقصد الكلي وهي تتدارس جزئيات الأحكام؟

لعل الأمر البارز في هذه الطريقة هو أنها حصرت نفسها في دائرة الاهتمام بالجزئي من الأحكام فحجبها ذلك عن رؤية الكلي. لذلك نجد الحرفية طغت على نتاجها، وأصبح الدوران في فلك الجزئيات يشكل الغاية من جهودها المضنية. فكانت النتيجة من اهمال النظر في الكليات أن قدّمت لنا في كثير من الأحيان نتائج عكسية حول معالجتها للجزئيات، إذ جاءت مخالفة لمقاصد الشرع، بل ومصادمة للعقل وحكمه الوجداني. فاذا كان للواقع تأثير على الأحكام، وكان من الطبيعي ان تتبدل هذه الأحكام تبعاً لتغير الواقع؛ فإن ما يحفظ بقاء الشريعة ويصونها من التغير والانحراف إنما هو المقاصد الأساسية التي تصرف عقل المسلم باتجاه الوجهة الصحيحة، مهما كانت طبيعة التغيرات التي تصادف الأحكام الجزئية، خاصة إذا ما أيد ذلك وجدان العقل وصدّقه الواقع.

ولعلنا لسنا بحاجة إلى التذكير بأن الأخذ بالجزئي إذا كان على حساب الكلي يفضي ولا شك إلى هدم الشريعة من جذورها. وكما يقول الشاطبي: ان المجتهد ‹‹تكون مخالفته تارة في جزئي، وهو اخف، وتارة في كلي من كليات الشريعة العامة، كانت من أصول الاعتقادات أو الأعمال، فتراه آخذاً ببعض جزئياتها في هدم كلياتها››[90].

هذا هو حال مسألتنا حول إيفاء القروض. إذ شهدت صداماً حاداً بين الموقف الفقهي التقليدي الذي لجأ إلى الحرفية من غير نظر إلى الكليات، وبين مقاصد الشرع وأحكام العقل. فالمنظور الفقهي لقضية القرض بالعملات النقدية يعتمد على مبدأ الوفاء بالمثل من غير اهتمام لما يفرزه الواقع من تغيرات تؤثر على طبيعة الحكم، نظراً لتدخل المقصد الكلي المغيب عن الرؤية. فما يصح من حكم في ظرف ما قد يبطل في ظرف آخر، والعكس بالعكس. لكن الذي يكشف عن صدقه وبطلانه إنما هو المقصد الشرعي ذاته، فكيف إذا ما زاد عليه حكم العقل بالوجدان؟!

من المعلوم ان القوة الشرائية للنقد في المجتمعات القديمة، ومنها مجتمع عصر الرسالة، تتصف بضآلة التغير أو الثبات النسبي مقارنة بما عليه العصر الحديث، والحاضر منه على وجه الخصوص، وهو عصر التشابك والسرعة والمفاجآت. فمما ذكره المؤرخون ان الدينار كان في العصر الإسلامي الأول يساوي عشرة دراهم، لكنه صار في النصف الثاني من العهد الأموي مساوياً لاثني عشر درهماً، ثم ازداد في العصر العباسي وصار يساوي خمسة عشر أو أكثر[91]. وذكر المقريزي أنه في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي (ابو علي المنصور بن العزيز) تزايدت الدراهم وازداد سعر الدينار حتى أصبح يساوي أربعة وثلاثين درهماً[92].

مع هذا فإن ما ذُكر من تغير في العملة وقيمتها الشرائية لا يمكن مقارنته بالتضخم الحاصل في عصرنا الحالي. إذ أخذت الحركة الاقتصادية لبلدان العالم تطرأ عليها تغيرات ضخمة بين فينة واخرى، وأثّر هذا الحال على المستوى المعيشي للفرد، كما أثّر على المستوى الاقتصادي للدولة، إذ أخذ التغير يصيب القوة الشرائية للأوراق المالية أو النقد باضطراد في كثير من الأحيان، مما جعل أغلب البلدان تعاني من التدهور المستمر لهذه القوة.

وما يعنينا من هذا الأمر هو كيف يمكن التعامل مع القروض المالية، إذ ما يعطى من مال لأجل طويل الامد يُسترد بقيمة تختلف في الغالب مع القيمة المعطاة، ففي مثل هذه الحالة نكون قد وقعنا بنوع من المقامرة والغرر، وغالباً ما يكون الدائن هو المصاب بالخسارة. وعليه هل يصح وفاء الدين بالمثل، أي بنفس الكمية النقدية للمال ولو لم تساو شيئاً يذكر، أو يقدر بقيمة ما يحمله من قوة شرائية عند ابتداء العقد؟

لنوجه هذا السؤال إلى طريقة الاجتهاد البيانية لنتعرف على اجابتها ومبرراتها.

ما من شك ان هذه الطريقة تلتزم بالموقف المعتاد في التعامل مع قضايا الأحكام من منطق الحرفية، ومن ذلك قضيتنا المطروحة حول القرض. فهي تعتبر التشريع الخاص به ثابتاً لا يقبل التبديل؛ لتُجنِّب نفسها من السقوط في مستنقع الربا الذي نهى عنه الشرع، حتى جاء عن النبي (ص) قوله: ‹‹كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا››[93]. لذا فإن الدائن لا يأخذ من المدين الا بقدر ما أدانه، وينطبق ذلك على العملات النقدية، رغم دوام ما تتعرض له من الخلخلة والهزات ضعفاً وقوة، ظناً من ان الزيادة الموهومة - أو النفع الموهوم - في الوفاء هي زيادة ربوية.

فقد قال الإمام مالك كما في (المدونة): ‹‹كل شيء أعطيته إلى أجل فردّ إليك مثله وزيادة فهو ربا››. وجاء في (المدونة) أيضاً: ‹‹قلت: أرأيت إن أتيت إلى رجل فقلت له سلفني درهم فلوس ففعل، وفلوس يومئذ مائة فلس بدرهم، ثم حالت الفلوس ورخصت حتى صارت مائتا فلس بدرهم؟ قال - أي مالك -: إنما يردّ مثل ما أخذ السعر فأشبه الحنطة إن رخصت أو غلت››.

وقال الدردير في الشرح الصغير لـ (بلغة السالك): ‹‹وإن بطلت معاملة من دنانير أو دراهم أو فلوس ترتبت لشخص على غيره من قرض أو بيع، وتغير التعامل بها بزيادة أو نقص، فالواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة››. وقال أيضاً: ‹‹وردّ المقترض مثله قدراً وصفة أو ردّ عينه إذا لم يتغير في ذاته عنده››. وقال الصاوي في شرحه لقول الدردير الأخير: ‹‹فالواجب قضاء المثل، أي لو كان مائة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم أو بالعكس، وكذا لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صارت بمائة وسبعين وبالعكس، وكذا إذا كان الحبوب بمائة وعشرين ثم صار بمائتين أو بالعكس وهكذا››.

وقال الإمام الشافعي في كتاب (الأُم): ‹‹ومن سلّف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له الا مثل فلوسه أو دراهمه التي اسلف أو باع بها››.

وقال الشيرازي في (المهذب): ‹‹ويجب على المستقرض ردّ المثل فيما له مثل، لأن مقتضى القرض ردّ المثل››.

وقال النووي في (روضة الطالبين): ‹‹ولو أقرضه نقداً فابطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي اقرضه››.

وقال ابن قدامة في (المغني): ‹‹المستقرض يردّ المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله››.

وقال ابن قدامة أيضاً: ‹‹وإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً فاستقرض عدداً ردّ عدداً، وان استقرض وزناً ردّ وزناً››. وقال أيضاً: ‹‹المستقرض يردّ المثل من المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله.. وأما رخص السعر فلا يمنع ردّها سواء كان كثيراً؛ مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق، أو قليلاً لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر فاشبه الحنطة إن رخصت أو غلت››.

وفي مجلة الأحكام الشرعية في الفقه الحنبلي جاء في المادة (750): ‹‹اذا كان القرض فلوساً أو دراهم مكسرة أو اوراقاً نقدية فغلت أو رخصت أو كسدت ولم تحرم المعاملة بها وجب ردّ مثلها››.

وقال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): ‹‹لا يجب في القرض إلا ردّ المثل بلا زيادة››. وقال: ‹‹وليس له ان يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء، والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته››.

وقال ابن حزم في (المحلى): ‹‹ولا يجوز في القرض إلا ردّ مثل ما اقترض لا من سوى نوعه أصلاً››. وهو قد اعتبر ذلك من الاجماع المقطوع به[94].

كما ذكر صاحب (جواهر الكلام) من الإمامية أنه لو اقترض شخص دراهم ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها، فإن ما يلزم به المقترض إنما هو الدراهم الأولى الساقطة وليس الثانية. وقد خالف في هذا الرأي ما ذكره الصدوق من ان الواجب على المقترض هو ما جاز التعامل به عند الناس[95]. وسبب الخلاف يعود إلى اختلاف الروايات المنقولة بهذا الصدد[96].

هذه جملة من نصوص النهج البياني التي تؤكد مبدأ المثل في الإقتراض، وكان الأولى الإلتزام بمبدأ التساوي في القيمة لا المثل، وفرق بين الأمرين كبير.

ومن حيث الدقة، تارة تكون مادة القرض استعمالية، وأخرى تبادلية سوقية. فإذا كان الغالب في المواد هو الاستعمال لا التبادل، أو ان المُقرِض أقرض مادة كان يتعامل معها معاملة استعمالية؛ فإن وفاء حق الدين يصح بارجاع المثل، سواء رخصت هذه المادة أم غلت، اعتماداً على مقدار القيمة التي تحققها المادة بالنسبة إلى مالكها، وهي قيمة تجد قدرها بما كانت عليه من وضع استعمالي وليس تبادلي. إذ الشيء المستعمل لا ينقص من قدره شيء إذا ما رُدّ مثيله، سواء رخص في السوق أم غلا.

لكن لو كانت المادة المقترضة تبادلية كما هو حال العملات، لا سيما الورقية منها، فإن قيمتها تتحدد بما يكشف عنه السوق باعتبارها تحمل القدرة الشرائية المفترضة، وهنا لا يصح الوفاء بالمثل، إذ لو غلت المادة فإن القيام بردّ المثل سيشكّل ضرراً على المقترِض، أما لو رخصت فإن الضرر سيلحق بالمقرِض. في حين إن الحفاظ على رأس مال كلا الطرفين دون نقص ولا ضرر؛ يفرض علينا تعيين القيمة بما كانت عليه المادة وقت الإقتراض. فهذا هو العدل الذي تشهد له العقول والفطرة الإنسانية السليمة.

وكان يمكن للطريقة البيانية أن تُعذر في دفاعها عن مبدأ الرد بالمثل لو أنها اكتفت بالصياغات العامة دون التطرق إلى قضايا مثل الغلاء والرخص وتغير قيمة العملة وسقوطها. لكن بما أنها كانت صريحة في إدراكها لما يفرضه الزمن من تغيّر في القوة الشرائية للنقد، فإنها لا تُعذر في تجاهلها للمقصد الشرعي من المعاملات القرضية، خاصة وأن ذلك التجاهل نابع من التمسك بالممارسة الحرفية والنهج الماهوي في الفهم والتفكير.

لا شك ان المعاملة بالمثل مبررة تماماً في مجتمع لم يشهد تحولات بارزة في القوة الشرائية للنقد[97]، وكذا القيمة التبادلية للمال، كما هو حال عصر النص. وبالتالي فهي تمثل عين العدل الذي هو الأصل في جميع العقود. لذلك نهى الشرع عن الربا لما فيه من الظلم، والله تعالى يقول: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون﴾[98]، وهي الحكمة التي صرح بها فقهاء الإسلام من أمثال ابن تيمية وغيره[99]، أو كما ورد عن الإمامين الصادقين (الباقر والصادق) أن النهي عن الربا إنما ورد لئلا يذهب المعروف ويتمانع الناس[100]، حيث يزول التعاون وتنعدم الأخوة.

لكن هل ينطبق هذا الأمر على ما يحدث من تحولات لقيمة المال المتعامل به في القرض كما عليه الوضع في أيامنا هذه؟ فهل هناك زيادة وربا يتحقق فيه الظلم ويصدق معه أمثال الحديث النبوي: ‹‹كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا››؟ وذلك إذا ما غضضنا الطرف عن أن التعويل على حرفية هذا الحديث لا يتضارب مع مبدأ عدم المثلية؛ لكونه يشترط في الربا وجود المنفعة الزائدة، والحال أن المبدأ الآنف الذكر لا يفضي بالضرورة إلى هذه المنفعة، بل يصح أن يقال بأن العكس حاصل اليوم عند تطبيق مبدأ المثلية، وغالباً ما يكون النفع الزائد من نصيب المقترِض على حساب المقرِض.

ويلاحظ ان الأمور قد انقلبت رأساً على عقب. فاذا كان النفع والربا يحصل - غالباً - في المجتمعات القديمة، وعلى رأسها مجتمع عصر النص، لمجرد إشراط الزيادة عند استرداد القرض؛ فإن حال اليوم غير ذلك تماماً، حيث ينشأ في كثير من الأحيان نوع من الغرر والمقامرة لدى تطبيق مبدأ المثلية، مما يفضي إلى النفع (الربا) العائد إلى أحد الطرفين المتعاقدين، المقرِض أو المقترِض. فشتان بين اليوم والبارحة!

فالخلخلة والتغير الذي يطرأ على قيمة العملة النقدية، ومنه الهزات الفجائية العنيفة التي تفضي بها إلى الانهيار أو القفز غير المرتقب، يعمل على تحويل موضوع الحكم فيجعل العلاقة القائمة بين الدائن والمدين مما هي علاقة يفترض قيامها على العدل والانصاف إلى علاقة يسودها الظلم والإجحاف، لما فيها من غرر ومقامرة عند تطبيق مبدأ المثلية. أو هي إن صح التعبير عبارة عن نوع من الربا، سواء لصالح الدائن أو المدين. وعلى العكس من ذلك لا يصدق الربا في العدول عن هذا المبدأ بحجة الزيادة المعطاة عند الوفاء وربما النقصان بحسب ما يُقدّر من القيمة الشرائية، إذ الأمر واضح من ان الزيادة والنقيصة المقدرتين لم تؤثرا على حقيقة التعادل والتساوي فيما تحمله من القيمة النفعية التي تشكل ملاك النقد والغرض من المعاملة الاقتصادية، ومنها المعاملة القرضية. فلولا الاستنفاع ما كان للنقد قيمة، ولأصبح حاله حال العملات الساقطة غير المنتفع بها.

على هذا أعجب من الرأي الذي يذهب إلى وجوب استرداد النقد الساقط تبعاً لمبدأ المثلية إذا ما ذهبت منفعته عن الدائن عند السقوط بعد ان استوفى غرضها المدين، فيفضي ذلك إلى أشد حالات الاجحاف بحق الدائن، حيث ان استلامه للنقود الساقطة تعني استلام ما قيمته مهدورة ومنفعته زائلة، أي أنه لم يستلم في حقيقة الأمر شيئاً، وهو بخلاف ما قدمه للمقترض من قيمة نفعية، لهذا كان الاجحاف بليغاً.

ولا يستبعد أن نجد وسط علماء عصرنا الحاضر من يستصحب هذا الرأي، بتقليد ما عليه الفقهاء القدماء، فيكون الأمر أعجب مما سبق، إذ إن سقوط العملة في الماضي لا يؤدي - عادة - إلى اهدار قيمتها كلياً طالما ان العملة الرئيسية كانت من الذهب والفضة، وهما معدنان لا يفقدان كامل قيمتهما، حيث ان لهما موارد الاستعمال مثلما يشكلان مادة للتبادل السوقي، لكن لا ريب في أن اسقاطهما لا بد وأن يؤثر على قيمتهما بالانتقاص، وبالتالي يعود الضرر على المقرِض إذا ما تم ارجاعهما إليه. أما الحال في الوقت الحاضر فإنه يختلف من حيث ان اسقاط العملة يفضي إلى اهدار قيمتها كلياً.

والعبرة من تركيزنا على العملة الساقطة هو للكشف عن ان أصل القرض وحقيقته لا يمت بصلة إلى ذات العملة وما عسى ان تكون عليه، وانما يتعلق بمردودها النفعي المتعارف عليه. فالقرض ليس قرضاً للنقد ذاته، بل للمنفعة التي يستنفع بها تبعاً للعرف أو المرتكز العقلائي. وبذلك تكون المنفعة هي أصل العلاقة القرضية وإن لم تُشترط في العقد، لكونها عرفية عقلائية لا تحتاج إلى مشارطة. فليست العملة في حد ذاتها ميزاناً مطلقاً لتقدير القيمة النفعية مادامت غير ثابتة ومستقرة، بل ميزان ذلك هو تقدير تلك القيمة زمن الاقتراض ومحل تعامل المقرض وتحويلها إلى ما يعادلها من نقد.

وأرى من التناقض السافر لأولئك الذين ميزوا بين الظرف الذي تتغير فيه القوة الشرائية للنقد أو المال، وبين الظرف الذي تسقط فيه العملة من قبل السلطان، فرضوا بمبدأ المثل في الظرف الأول دون الثاني، إذ تعاملوا مع هذا الأخير بردّ ما يعادل القيمة المستحقة تبعاً لسقوط القيمة من النقد كلياً. فالعجب من بعض المعاصرين كيف ذهبوا إلى مثل هذا الرأي رغم أنهم شهدوا الحالات التي تهبط فيها العملة إلى ما يقارب الصفر، فأي فرق في هذه الحالة بين العملة الساقطة وبين الظرف الذي تصل فيه العملة إلى إنهيار قيمتها لما يقارب الزوال التام؟!

افترض أنك اقترضت مائة دينار عراقي قبل التسعينيات من القرن الماضي، على أن تسددها في أواخر ذلك العقد. وعندما حلّ موعد الوفاء بالدين، وجدت أن العملة العراقية قد انهارت بشدة، بحيث إن ما اقترضته كان يكفي في حينه لشراء جهاز تلفاز أو تغطية نفقات المعيشة لأكثر من شهر أو استئجار شقة لمدة شهرين، بينما ما تعيده الآن يكفي لشراء رغيف خبز أو بيضتين فقط[101].

فما الفرق بين هذه القيمة الاستردادية التي تقترب من العدم، وبين الحالة التي يُسقط فيها السلطان العملة تمامًا، بحيث لا يكون لها أي قيمة؟ وأي فرق جوهري يجعل بعض فقهاء عصرنا يميلون إلى وجوب الرد بالمثل في الحالة الأولى الهابطة دون الثانية الساقطة بقرار السلطان؟!

فالعامل الذي يجمع ما بين العملة الساقطة والهابطة هو ان قيمتها الأصلية قد تغيرت، وهو ذات المشترك الذي ينطبق على تغير القيمة؛ كثيراً أو قليلاً، فجأة أو تدريجاً، زيادة أو نقيصة، فكلها تخضع إلى عامل مشترك لا يقبل التفكيك، وهو التغير في القيمة الشرائية أو النفعية.

وقد أخطأ الفقيه كاظم الحائري عندما اعتمد على حرفية الآية الكريمة ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون﴾ ليستنتج منها شرط توفر الأوصاف الذاتية في العملة والمثلية عند الوفاء. وكأنه بهذه الحرفية يضع للعملة قيمة ذاتية يدور عليها التعامل والتعاقد مثلما هو الحال في سائر المواد المنتفع بها، بعيداً عن المقاصد وعدم الالتفات إلى مضمون قوله تعالى في ذات الآية ﴿لا تظلمون ولا تُظلمون﴾. إذ لا يشك ان الظلم والضرر متحقق اليوم لا محالة لدى تطبيق مبدأ المثلية. والغريب ان فقيهنا المعاصر حينما استعرض موضوع الغصب؛ استنتج منه ما هو خلاف استنتاجه في حالة القرض، مع ان المبررات التي وضعها كأدلة في موضوع الغصب هي ذاتها تنطبق على موضوع القرض بلا فرق. فهو يقول: ‹‹إن من غصب ألف دينار وبعد خمسين سنة تاب إلى الله وأراد ارجاع المبلغ بعد أن سقط الدينار سقوطاً فظيعاً خلال خمسين سنة نتيجة للتضخم المتزايد في البلاد، وجب عليه ارجاع ما يناسب هذا التضخم، ولا يكفيه ارجاع نفس المبلغ القديم، وذلك تداركاً للضرر الذي يحكم به الارتكاز العقلائي تمسكاً بقاعدة نفي الضرر››[102].

مع أن نفس هذا المقال يصدق على موضوع القرض، فيصح أن يقال بأن وفاء القرض ينبغي ان يحسب طبقاً لتساوي القيمة النفعية أو الشرائية ‹‹وذلك تداركاً للضرر الذي يحكم به الارتكاز العقلائي تمسكاً بقاعدة نفي الضرر››. وكذلك كي لا يكون عنواناً للغرر كما بينّا.

وحتى لو سلمنا جدلاً بأن الآية المذكورة ليست في سياق واقع التنزيل، الذي لم يشهد تحولات كبيرة في تغير القيم النفعية للأموال كما هو الحال اليوم، إذ من الواضح أن المخاطب الأصلي والمباشر للآية هو ذلك المجتمع بظروفه وملابساته الخاصة كما عرفنا من قبل، بل وحتى لو تجاوزنا حكم العقل الذي يرى أن الوفاء بالمثل قد فقدَ موضوعه في كثير من الحالات اليوم، نظرًا لما قد يترتب عليه من ظلم وإجحاف بحق أحد الطرفين، وكذا لو تجاهلنا ما قد يؤدي إليه تطبيق مبدأ المثلية من مقامرة وغرر منهي عنهما في الشريعة.. فحتى لو ابتعدنا عن كل ذلك واتجهنا إلى ذات الآية الكريمة موضع البحث وقريب من الأدوات الحرفية التي تمارس لفهمها؛ نجد أن آخر الآية يشير بوضوح: ﴿لا تظلمون ولا تُظلمون﴾. ففي هذه الحالة إما ان نعتبر التطبيق الحرفي للآية في ردّ المثلية لا يؤدي إلى الظلم، وهو أمر يشهد الوجدان على بطلانه أحياناً، أو ان الغرض الأساسي من الآية هو تحقيق العدل في استرداد رؤوس الأموال بطريقة لا تؤدي إلى الظلم، لكن دون أن تحدد طبيعة هذه الطريقة وما هو المقصود من رؤوس الأموال، هل هو النقد المتعارف عليه، أم قيمته الشرائية؟ وفي حال وجود هذا التردد، فمن الطبيعي أن يكون فهمنا للآية موجهًا وفق القصد الوارد في ختامها، بحيث يكون تحقيق العدل هو المعيار الأساس في تحديد كيفية ردّ الأموال.

بل يشتد التناقض عندما لا يعول فقيهنا السابق على مبدأ استرداد ما يماثل العملة في حالة اسقاط السلطان لها، بدعوى ان رواج العملة هو أيضاً داخل ضمن الأوصاف الذاتية لها لا النسبية، حاله حال اللون والشكل وما إلى ذلك[103]. لكن الصحيح إنه حتى على فرض اعتبار الرواج من الصفات الذاتية بالمعنى الذي قصده، فلا يعني ذلك كل ما دخل هذه الصفات يصح اعتباره. فلو ان من صفات العملة المتداولة اللون الأبيض، فلا يصح استنتاج أنه إذا تغير هذا اللون إلى لون آخر فإنه يفقد طبيعته التداولية وبالتالي يفقد الطبيعة الاستردادية بالمثل كما في القرض. إذ يتوقف رواج العملة على ما يعتبره العرف أو أصحاب القرار بغض النظر عن طبيعة ما تحمله العملة من صفات.

بل كيف يقال هذا ونحن نعلم ان من الممكن ان تحمل العملة الساقطة صفات ذاتية تحقق مبدأ المثلية أكثر من الجديدة؟ وبالتالي كيف يصح العمل بالجديدة وهي تفتقد للكثير من الصفات التي تحملها العملة الساقطة؟ إذ من الممكن أن تتصف العملة الجديدة بصفات مغايرة تماماً لما كانت عليه العملة الساقطة، فما هو مبرر التعويل إذاً على العملة الجديدة في الاسترداد بالمثل؟!

والأهم من كل ذلك ان قبول التعويض بالعملة الجديدة عوض الساقطة هو ضرب لمبدأ المثلية كلية، رغم أنه موضع النزاع. لهذا لا مبرر للتفكيك بين حالتي تدهور العملة واسقاطها؟ فإن قيل إن بالاسقاط يتحقق الضرر، وهو مبرر التعويض، قلنا كذلك الأمر يحدث في حالة تغير قيمتها الشرائية عند الارتفاع والهبوط.

وعلى العموم يلاحظ أننا بين أمرين: الأول هو ان نحافظ على حرفية الحكم المنصوص في ايفاء الدين، وبه نصطدم مع العدل الذي هو الأصل في العقود والغاية من المعاملات، بل ونعمل على سد باب الخير والمعروف، لأنه يدفع الناس على تجنب إقراض الغير خشية الوقوع في الضرر من النقيصة المستردة. أما الثاني فهو ان نعمل على تغيير الحكم استناداً إلى تغير موضوعه بما يتفق مع أصل العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأنه من أعظم المقاصد التي تتوخاها الشريعة، وان الخدش به يعني خدشاً بالعقل والشريعة على السواء.

ولقد صدق ابن القيم بتحكيم وجدانه في نظرته إلى العدل وطرقه التي لا تتقيد بقيود ولا تتنافى مع شرع، فحيثما تحقق وبأي طريق كان فإن ذلك لا يخرجه عن الدين ومقاصده.

وعلى ما ذكر بأن الله أعدل من ‹‹أنْ يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة. فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها. بل قد بيّن سبحانه بما شرعه من الطرق: ان مقصوده اقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط. فاي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له››[104].

كما قال: ‹‹إن الله ارسل رسوله وانزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فاذا ظهرت امارات الحق، وقامت أدلة العقل، واسفر صبحه باي طريق كان؛ فثم شرع الله ودينه ورضاه وامره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وادلته واماراته في نوع واحد وابطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وادل واظهر، بل بيّن بما شرعه من الطرق ان مقصوده اقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فاي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وانما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على اسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟››[105].

وعلى شاكلته صرح المرحوم مرتضى مطهري قائلاً: ‹‹أصل العدالة أنها من معايير الإسلام، بحيث يجب ان يلحظ ما يتطابق معها وما لا يتطابق. تقع العدالة في سياق سلسلة علل الأحكام، لا في سلسلة المعلولات، فليس ما يقوله الدين هو العدل، بل حيثما يكون العدل ينطق به الدين. وهذا هو معنى كون العدالة معياراً للدين››[106].

هكذا يتضح أنه ليس من العقل ولا الشرع التضحية بمقصد ثابت هو من أعظم المقاصد وأشملها قبال حكم جزئي أقلّ ما يقال فيه إنه من أحكام الوسيلة التي تتغير بحسب الوقائع والظروف.

لذا فمن واجب القوانين المدنية للدولة الإسلامية - وكذا الفقهاء - أن تراعي وضع التقديرات النسبية للقروض وفق معدلات التغير للقوة الشرائية للنقد؛ ضمن مدد مقدرة قابلة للتجديد بين زمن وآخر، كذلك وضع صيغ للحالات الإستثنائية الطارئة التي يصاب بها النقد بالهزّات الفجائية قفزاً وانهياراً، دفعاً للظلم والإجحاف.

9 ـ المقدرات المالية والواقع

ينطبق ما سبق عرضه على جميع المقدرات المالية، كالدية ونصاب الزكاة والكفارات وغيرها من المقدرات الشرعية التي حددها النص، طالما ان قوتها الشرائية تتعرض للتغير تبعاً لتبدل الظروف والواقع، خلافاً للنهج الحرفي الماهوي الذي اعتمدته الطريقة البيانية، إذ حددت المقادير وفقاً للاعتبارات الحرفية الواردة في النصوص الشرعية، سواء كانت بالإبل أو الأبقار أو الشياه أو الحلل - الثياب - أو الدنانير الذهبية أو الدراهم الفضية أو غيرها، دون مراعاة التغيرات التي تؤثر على قيمتها الفعلية بمرور الزمن.

فمثلاً قُدّرت دية القتل بحسب ما جاء عن النبي (ص) بأنها مائة من الإبل أو ألف دينار من الذهب أو عشرة آلاف درهم من الفضة، أو ألف شاة أو مائتا بقرة أو مائتا حلة كل حلة ثوبان. وصرح النجفي من الإمامية أنه لم يجد على هذه المقادير خلافاً بين العلماء، بل عن كتاب (الغنية) ان الاجماع حاصل فيها[107]. كما قُدّر نصاب الزكاة عشرين دينار من الذهب أو مائتي درهم من الفضة أو خمساً من الإبل أو أربعين من الغنم أو خمسة أوسق من الزبيب أو التمر.

وقد اعتبر الاستاذ عبد الوهاب خلاف ان التخيير الوارد في قيم الدية مبني على التقارب في قيمها، ثم قال: ‹‹ولا شك ان تساوي هذه المقادير أو تقاربها أمر زمني مراعى فيه حال البيئة وقت التشريع وخاضع لنظرية العرض والطلب››. وكذا الأمر مع قيم نصاب الزكاة[108].

والملاحظ ان القيم الشرائية لجميع هذه المقادير أصبحت عرضة للتغير والتحول؛ مقارنة بما كانت عليه في عصر النص. لذلك لا يعقل أن تسدَّد هذه المقادير في عصرنا الحالي بنفس ما هو مقدر حرفياً بالنص، طالما أن قيمها النفعية مختلفة بين العصرين.

فلو اتبعنا النهج الحرفي الماهوي كما سلكته الطريقة البيانية، لوجدنا أنفسنا في صدام مع مبادئ العدل والإنصاف، تمامًا كما رأينا في قضية القروض. فعلى سبيل المثال، قامت اللجنة المنتخبة من علماء المذاهب الأربعة، كما ورد في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي اعتمدته وزارة الأوقاف المصرية، بتحديد نصابين للزكاة: أحدهما مقدر بالذهب والآخر بالفضة. غير أن هذا التقدير أدى إلى تفاوت كبير بين النصابين، حيث تجاوز أحدهما الآخر بأكثر من ثلاث عشرة مرة وفقًا للعملة المصرية، إذ تم تحديد الأول بـ (1187 ونصف قرش)، بينما قُدّر الثاني بـ (529 وثلثي قرش)[109]. فهل يعقل أن يكون هناك نصابان متفاوتان إلى هذا الحد، وأيّ منهما يقع تحت دائرة التكليف لدى المكلف؟! فضلًا عن أن هذا التقدير لم يأخذ في الاعتبار التغيرات في القوة الشرائية بين الماضي والحاضر، كما أنه لم يراعِ مبدأ التقارب بين الأنصبة الذي وضعه الشرع لتحقيق العدل والتيسير، خصوصًا في مجتمع لم يشهد تحولات كبيرة في القيم الشرائية كما هو الحال اليوم.

وما زالت هذه المشكلة قائمة لدى الفقهاء المعاصرين، إذ كيف يمكن تحديد معيار متسق تقاس على ضوئه الأنصبة والمقادير الشرعية؟

فالكثير من العلماء المعاصرين يميلون في مجال أنصبة الزكاة إلى الأخذ بنصاب الفضة، لا سيما وهو أنفع للفقراء مقارنة بالذهب، لكن في المقابل ذهب آخرون من أمثال أبي زهرة وعبد الوهاب خلاف إلى ان النصاب يجب ان يسوى بالذهب، باعتبار ما جرى لقيمة الفضة الشرائية من تغيرات كبيرة عبر العصور، خلافاً للذهب الذي ظلت قيمته النقدية - كما يُدّعى - ثابتة إلى حد بعيد. وهو ما استحسنه القرضاوي شرط ثبات قيمة الذهب دون تغيرها[110].

ومن حيث التحقيق، إنه حتى لو سلمنا بأن القيمة الشرائية للذهب لم يطرأ عليها تغيير، رغم ان ذلك غير صحيح كما يلاحظ في عصرنا الحالي، فإن التسوية سوف لا تكون صحيحة وعادلة، وذلك إذا ما أخذنا بالاعتبار أن جعل الأنصبة بحسب الذهب أو غيره من المقادير إنما كان يناسب ما عليه الوضع المعيشي زمن عصر النص، وهو وضع يختلف عن وضعنا الراهن. ناهيك عن ان الوضع المعيشي في بلدان العالم الإسلامي اليوم يشهد تفاوتاً حاداً لا يمكن مقارنته بما كان عليه الحال في السابق.

وقد مال البعض إلى الابتعاد عن التقدير بالنقود باعتبارها معرضة للتغير سواء كانت فضة أم ذهباً، ومن ثم عوّل على قيمة ذاتية ثابتة نصّ عليها الشرع، رغم اختلاف قيمها النقدية من بلد لآخر، ومن عصر لآخر. فمما ذكره الشرع من نصاب هو ذلك المقدر بالإبل أو الغنم، إذ ورد في النص ان النصاب يتحقق في خمس من الإبل أو أربعين من الغنم أو خمسة اوسق من القمح، رغم ان النصاب الأخير يقل عن نصاب الأنعام ربما لبعض المقاصد الشرعية كما أشار إلى ذلك القرضاوي. وذهب هذا الأخير إلى أن من الممكن وضع معيار ثابت ‹‹للنصاب النقدي، يلجأ إليه عند تغير القوة الشرائية للنقود تغيراً فاحشاً، يجحف بأرباب المال أو بالفقراء. وهذا المعيار هو ما يوازي متوسط نصف قيمة خمس من الإبل، أو أربعين من الغنم، في أوسط البلاد وأعدلها. وانما قلنا: أوسط البلاد وأعدلها: لأن بعض البلاد تندر فيها الثروة الحيوانية وتصبح اثمانها غالية جداً، وبعضها تكثر فيه وتصبح رخيصة جداً، فالوسط هو العدل، ولا بد ان يوكل هذا التقدير إلى أهل الرأي والخبرة››[111].

لكن الصحيح هو أن نأخذ بعين الاعتبار القيمة الشرائية للأنصبة وقت صدور التشريع، بحيث تُقدّر قيمتها النفعية أو المعيشية آنذاك، باعتبارها تمثل قيمة حقيقية للناس في ذلك الوقت، ثم نقيس عليها لتحديد ما يعادلها من قيمة تقديرية في الوقت الحاضر.

وبناءً على هذا المنهج، لا يصح الاعتماد على معيار النقد، سواء كان ذهبًا أو فضة، كما لا يصح الاكتفاء بالقيم التي نصّ عليها الشرع دون اعتبار للتغيرات التي تطرأ على قيمتها الشرائية أو النفعية مع مرور الزمن. فالمطلوب هو تحقيق ذات القدر من المنفعة الحقيقية التي كانت الأنصبة تُوفرها لمن طُبق عليهم نص التشريع في ذلك الوقت، إذ لم تُفرض تلك الأنصبة بمعزل عن واقعهم الخاص.

وهذا يعني ضرورة مراعاة ذلك الواقع عند تقدير الأنصبة، من خلال قياسها وفقًا لقدرتها الشرائية أو قيمتها المعيشية آنذاك، ثم إسقاط هذا التقدير على واقع الناس اليوم، مع مراعاة اختلاف البلدان والأزمنة.

والحال ذاته ينطبق على تقدير الديات، حيث يلاحظ أن الشرع قدّرها وفق أحوال المعيشة آنذاك، وبالتالي لا يصح المثول إلى منطق الحرفية، بل العدل ان تراعى قيمة ما تعادله الدية من قوة معيشية في ذلك الوقت لتقدّر على الوضع الحالي. وكذا يقال ذات الشيء في جميع ما ذكره الشرع من تقديرات.

وقريب من هذا المعنى ما سلكه الصحابة من النهج المقاصدي عند الطوارئ، ومنها تلك المتعلقة بتغير القوة الشرائية لبعض الأموال، كالذي حصل في عهد عمر بن الخطاب، إذ روي أنه تعامل مع مثل هذه الظروف بمنطق تحقيق المقصد الشرعي في تقييم المال بقيمته الأصلية أو ما يقرب منها قدر الامكان. فمن ذلك ما رواه أبو داود من أنه كانت قيمة الدية في عهد رسول الله (800) دينار، أو (8000) درهم، حتى استخلف عمر فخطب في الناس وقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها على أهل الذهب، وهم أهل الشام (1000) دينار، وعلى أهل الوَرِق (الفضة)، وهم أهل العراق (12000) درهم[112]. كذلك أنه رفع دية الفضة في زمانه لما رخصت، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة[113]. ومثل ذلك ما أشار إليه الإمام علي في خلافته من لزوم تغيير ما فُرض من زكاة الفطر عندما رخص السعر، فقد كان الصحابة قبله يرون الزكاة في البر أو القمح نصف صاع، أما سائر مواد الزكاة فعليها صاع. لكن لما رخص السعر في خلافته فإنه جعل الزكاة صاعاً على جميع المواد، لذلك قال: ‹‹قد اوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء››. وفي حديث آخر قال علي: ‹‹أما إذا اوسع الله عليكم فاوسعوا، اجعلوه صاعاً من بُرّ وغيره››[114].

هكذا يلاحظ بأن الصحابة كانوا يدركون بأن العبرة ليست بالحرفية والألفاظ، بل بروح التشريع ومقاصده.

10 ـ قضايا أخرى والواقع

هناك الكثير من النصوص الخاصة بالمعاملات الحضارية لا يفهم لها مغزى أو معنى مفيد متى ما فُصلت عن واقع التنزيل. فعند لحاظ هذا الواقع يُعلم ما لها من مقاصد، الأمر الذي يجعل أحكامها قابلة للتجديد والتغيير، كالذي يتضح من الأمثلة التالية:

أـ يلاحظ فيما يتعلق بنص الحديث القائل: ‹‹لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر›› أنه لولا دلالة واقع التنزيل ما أمكن ان يُعرف القصد من ذلك، وهو التشجيع على التمرن للاستعداد الحربي، إذ يستبعد تماماً ان يكون الحكم تعبدياً، وبالتالي فإن تحول الواقع لا بد من أن يغير الحكم بما يناسب المقصد المذكور. وقد التفت إلى هذا الأمر عدد من الفقهاء المعاصرين والمحدثين. وبعضهم طبّق على الحديث قاعدة القياس، فكما رأى السيد رشيد رضا أنه يقاس على رمي السهام بالرمي ببنادق الرصاص وقذائف المدافع[115]. وهو رأي غير صحيح باعتبار ان القياس لا يلغي الأصل وهو السبق في الموارد الثلاثة المنصوصة التي لم يعد لها فائدة تذكر في الحروب والممارسات القتالية. وغير صحيح أيضاً ما ذهب إليه هذا المصلح من قبول قاعدة القياس فيما يتعلق بأحكام المعاملات القضائية والسياسية والادارية التي تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة مادامت النصوص فيها لا تفي بمتطلبات المتغيرات والأحوال[116]، إذ لا يصلح القياس لمثل هذه الأمور إذا ما استثنينا ذلك الذي له علاقة بمقاصد التشريع، وبالتالي فملاك المسألة عائد إلى المقاصد لا القياس.

ب ـ يلاحظ حول آية النبأ في قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة﴾[117]، ان منطوق الآية جاء متسقاً مع دلالة الواقع، فهو يمضي ما يكون عليه هذا الواقع عادة. أما المفهوم فهو أمر آخر، حيث ان الواقع لا يدل عليه مثلما يدل على المنطوق. لكن حيث ان القصد من الآية هو التثبت، لذا فإن مفهومها لا يفضي إلى تحقيق المقصد من غير معرفة حقيقة الواقع ذاته، مثلما ان بيان المنطوق للآية جاء ممضياً لما عليه هذا الأخير. فسكوت الآية عن المفهوم هو اعطاء الصلاحية للأمارات الأخرى التي يكشف عنها الواقع لتحديد الحكم سلباً وايجاباً.

ج ـ ومما يؤكد أهمية مراعاة الواقع في فهم الأحكام ما ورد في آية الاستئذان من سورة النور، حيث يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم، ليس عليكم ولا عليهم جُناح بعدهنّ، طوّافون عليكم بعضكم على بعض، كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم﴾[118].

وتفيد الآية جواز طواف ملك اليمين والصغار غير البالغين إلى غرف أصحابها عدا ثلاثة أوقات لا بد فيها من الاستئذان، باعتبارها فترات استرخاء تتكشف فيها العورة عادة، حيث يضع الناس ثيابهم أو يكونون بثياب النوم الخفيفة طلباً للراحة. وهي قبل صلاة الفجر وعند الظهر وبعد صلاة العشاء. وواضح ان جدوى الحكم وغرضه إنما يعالج وضعاً متعلقاً بواقع التنزيل، حيث كانت الأوقات الثلاثة الآنفة الذكر هي فترات الاسترخاء التي تتكشف فيها العورة، لكنها ليست حالة شاملة لمختلف الظروف، ومنها واقعنا الحالي. والمهم إننا بلحاظ الواقع مع صراحة النص حددنا مقصد الحكم وقيوده. كما تكشّف لنا بهذا اللحاظ ان الأوقات المذكورة ليست ثابتة للمظنة من انكشاف العورة مثلما كانت في عصر التنزيل، وإن كان القصد في الحكم ثابتاً وبه يحدد ما يناسبه من فتوى، سواء خصّ الأمر وقتاً محدداً أو أكثر، وسواء صدق الحال على العبيد أو على غيرهم من الخدم، إذ مناط الحكم واحد يشمل الفئتين.

د ـ يضاف إلى ما سبق ثمة أحكام منصوصة أثبت الواقع ظرفيتها ووجوب تغييرها بعد الكشف عن مقاصدها ولو بالمشاركة مع دلالة النص، مثلما جاء في آية المصابرة وحكم رباط الخيل، وكذا جملة من نصوص الحديث مثل تلك الخاصة بتحديد حريم الأرض وغيرها.


[1]  أصول الفقه، ج1، ص157.[2]  النور/ 2.[3]  البقرة/ 20.[4]  انظر الفصل الثالث من هذه الحلقة.[5]  البقرة/ 185.[6]  محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون، دار الكتب الحديثة، مصر، الطبعة الثانية، 1396هـ ـ1976م، ج2، ص606.[7]  انظر: وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، ابواب صلاة المسافر، ج8، ص451 وما بعدها.[8]  انظر: جواهر الكلام، طبعة مؤسسة المرتضى ودار المؤرخ العربي، ج5، ص330.[9]  جاء في احدى الروايات ان تقدير القصر في السفر قائم على اعتبار الزمان وان المسافة مقاسة عليه، لكن من غير اعتبار للمشقة كما هو مدلول الآية. فقد روي عن الإمام الرضا أنه قال: ‹‹إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، وذلك لأن كل يوم يكون بعد هذا اليوم فانما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما›› (وسائل الشيعة، ج8، ص451).[10]               اعتبر محمد حسن النجفي ان التقدير بحسب الزمن والمسافة هو أمر واحد عند الشارع ‹‹فمسير اليوم عنده عبارة عن قطع بريدين وبالعكس، ومتى تحقق أحدهما تحقق الآخر في نظره›› (جواهر الكلام، ج5، ص330).[11]               نفس المصدر والصفحة.[12]               البقرة/ 282.[13]               مهذب الأحكام، ج27، ص194. وانظر أيضاً: فقه الإمام جعفر الصادق، مصدر سابق، ج5، ص163.[14]               عبد الرحمن الناصر السعدي: المختارات الجلية من المسائل الفقهية، نشر الرئاسة العامة لادارة البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد، الرياض، الطبعة الثانية، 1405هـ، ص176-177.[15]               الطرق الحكمية، ص183.[16]               عن: محمد الغزالي: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار صحارى، الطبعة الخامسة، 1409هـ ـ1989م، ص59.[17]               الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الاثار، ص11. وانظر أيضاً: جواهر الكلام، ج14، ص400.[18]               أبو القاسم القمي: قوانين الأصول، طبعة حجرية قديمة، ص443.[19]               الطرق الحكمية، ص177. كذلك: اعلام الموقعين، ج1، ص95.[20]               المنار، ج3، ص124.[21]               صحيح البخاري، حديث 1765. وفتح الباري، ج4، ص63.[22]               صحيح البخاري، حديث 1763. وفتح الباري، ج4، ص60-61.[23]               عن: عبد الكريم زيدان: المفصل في أحكام المرأة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الاولى، 1413هـ ـ1993م، ج4، ص202.[24]               المفصل في أحكام المرأة، ج4، ص203.[25]               فتح الباري، ج4، ص60. والمفصل في أحكام المرأة، ج4، 203.[26]               عن: محمد الغزالي: دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، دار القلم، دمشق، الطبعة الاولى، 1407هـ ـ1987م، ص95.[27] معلوم ان النساء في عصر النبي (ص) كنّ يشاركن في الحروب ويضمدن جروح المجاهدين. وقد اعتقد الفقهاء ان هذه الخلطة في المشاركة النسوية كانت لوجود الحاجة الماسة. وهو تقدير غير صحيح، إذ لو كان صحيحاً لظهر هناك نهي عن المشاركة عند ارتفاع الحاجة اليهن، مع أنه لا يوجد مثل هذا النهي رغم التضخم الملحوظ في تزايد اعداد الجماعة الإسلامية قبل الفتح وبعده. وهناك نصوص متضافرة تبدي المشاركة النسوية بتلقائية، الصغار منهن والكبار، وبعضهن من نساء النبي وبناته، دون ان يظهر ما يثير الشكوك في طبيعة الابتلاءات التي يمكن ان تحدث من جراء هذا التماس. ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت: ‹‹كنا نغزو مع النبي (ص) فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة››. وعن أم عطية الانصارية قالت: ‹‹غزوت مع رسول الله (ص) سبع غروات اخلفهم في رحالهم واصنع لهم الطعام واداوي الجرحى واقوم على الزمنى››. وعن انس قال: كان رسول الله (ص) يغزو وام سليم ونسوة معها من الانصار يسقين الماء ويداوين الجرحى. وقد بوّب البخاري في صحيحه باباً بعنوان (غزو النساء وقتالهن مع الرجال). ومن النساء من قاتلن في الحروب مباشرة، فمنهن أم سليم التي اشتركت في غزوة حنين واتخذت خنجراً لتقتل به من يدنو منها من المشركين، كما اشتركت أم عمارة في حرب الردة ضد مسيلمة الكذاب، حيث جُرحت يومئذ اثنتا عشرة جراحة وقطعت يدها، كما اشتركت صفية بنت عبد المطلب في معركة الخندق وقتلت رجلاً من اليهود آنذاك. وقبل ذلك ان هذه الصحابية جاءت يوم احد وبيدها رمح تضرب به وجوه المشركين. ومن النساء من نُصب لها خيمة في المسجد بعلم النبي واذنه لتداوي فيها الجرحى، كما هو الحال مع رفيدة الانصارية.   ومما يذكر في الخلطة مما هو خارج عن الحرب ومداواة الجرحى ما روي ضمن سلسلة الذهب ان ابن عمر قال: كان النساء والرجال يتوضؤون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً (ابن حجر العسقلاني: سلسلة الذهب، مكتبة يعسوب الدين الإلكترونية، ص37). كذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن اسماء بنت أبي بكر أنها قالت: ‹‹تزوجني الزبير وما في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت اعلف فرسه واستقي الماء واخرز غربه واعجن ولم اكن أحسن الخبز فكان يخبزه جارات لي من الانصار، وكن نسوة صدق، وكنت انقل النوى من ارض الزبير التي اقطعه رسول الله على رأسي، فلقيت رسول الله ومعه نفر من الانصار فدعاني ثم قال اخ اخ ليحملني خلفه، فاستحييت ان اسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله اني قد استحييت، فمضى رسول الله، فجئت الزبير فقلت: لقيني النبي ومعه نفر من أصحابه، فاناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النبي كان أشد عليّ من ركوبك معه. قالت: حتى ارسل الي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما اعتقني›› (لاحظ حول ما سبق: صحيح البخاري، حديث 2727، وحديث 1812، وحديث 4926، وصحيح مسلم، حديث 2182. وفتح الباري، ج6، ص59-61. والمفصل في أحكام المرأة، ج4، ص269-272، وص389-392). ومن الروايات التي لها علاقة بهذا الصدد ما ذكره ابن حجر العسقلاني في ترجمته للشفاء بنت عبد الله من أن عمر بن الخطاب كان يقدّم هذه المرأة في الرأي ويرعاها ويفضلها وربما ولاها شيئاً من أمر السوق (ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار الجيل، بيروت، 1412هـ ـ 1992م، عن مكتبة المشكاة الالكترونية، ج7، فقرة 11373، ص727).[28]               أحمد بن محمد الأردبيلي: زبدة البيان في أحكام القرآن، تعليق محمد الباقر البهبودي، نشر المكتبة المرتضوية لاحياء الاثار الجعفرية، تهران، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص544.[29]               صحيح البخاري، حديث 5606. وصحيح مسلم، حديث 2109. وفتح الباري، ج10، ص314.[30]               صحيح البخاري، حديث 5610. وصحيح مسلم، حديث 2107. وفتح الباري، ج10، ص318.[31]               صحيح البخاري، حديث 5607. وفتح الباري، ج10، ص316.[32]               صحيح البخاري، حديث 5618. وصحيح مسلم، حديث 2110. وفتح الباري، ج10، ص323. وروي مثل ذلك عن ابن عباس كما في: وسائل الشيعة، ج17، كتاب التجارة، باب تحريم عمل الصور المجسمة والتماثيل، حديث9، ص298. كما ورد ما يماثل ذلك عن الإمام الصادق عن آبائه عن رسول الله (ص) أنه قال: ‹‹من صوّر صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ›› (وسائل الشيعة، حديث6، ص297). وعن الإمام الصادق إنه قال: ‹‹ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها..›› (المصدر السابق، حديث7، ص297).[33]               صحيح البخاري، حديث 5605. وفتح الباري، ج10، ص313. ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مصدر سابق، ج5، باب ما جاء في التماثيل والصور، حديث 8892.[34]               صحيح البخاري، حديث 5609. وفتح الباري، ج10، ص317.[35]               مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نفس الباب السابق، حديث 8894. كذلك: عزت علي عطية: البدعة/ تحديدها وموقف الإسلام منها، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1400هـ ـ1980م، ص402.[36]               البدعة، ص403.[37]               أحكام القرآن، ج4، ص1600.[38]               المصدر السابق، نفس الصفحة.[39]               نشير إلى استبعادنا وجهة النظر التي تركز على الجانب التعبدي من التحريم وتعتبر عمل الصور المجسمة والغناء وما إلى ذلك كلها من المحرمات في نفسها، لذا حُرم بيعها وشرائها، كالذي ذهب إليه المحقق الحلي في (شرائع الإسلام، ج2، ص10).[40]               سبأ/ 13.[41]               القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ ـ1993م، ج14، ص175.[42]               إذ قيل إنه ثبت عن السيدة عائشة كما في الصحيحين ان النبي (ص) تزوجها وهي بنت سبع سنين، وفي رواية ست سنين، وزُفّت إليه وهي بنت تسع ولُعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة (صحيح البخاري، حديث 4840ـ4841. وصحيح مسلم، حديث 1422). وعنها أيضاً قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي (ص) وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله (ص) إذا دخل ينقمعن منه فيُسرِّبُهنّ إلي فيلعبن معي (صحيح البخاري، حديث 5779. وصحيح مسلم، حديث 2440، والجامع للقرطبي، ج14، ص176).[43]               عبد الهادي الحكيم: الفقه للمغتربين، وفق فتاوى السيد علي السيستاني، مؤسسة الإمام علي، لندن، الطبعة الاولى، 1419هـ ـ1998م، ص331.[44]               عن: محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، الطبعة العاشرة، ص116.[45]               البقرة/ 179.[46]               جاء في (شرح النيل) ان الإمام إذا ملك بعض المصر فقط فإن عليه ان لا يقيم الحد كجلد وقطع، بل يحبس حتى يملك المصر، وقيل يقيم الحد، وقيل هو مخير حتى تضع الحرب أوزارها، والحكم في ذلك كالحد، وقيل لا يدع الأحكام، وقيل يجوز ترك الحدود لئلا يشغله ذلك عن الفتح، وقيل لزمه ترك الحكم لئلا يشغل (موسوعة الفقه الإسلامي المعروفة بموسوعة جمال عبد الناصر، 1410هـ ـ1989م، ج2، ص214).[47]               جاء في حديث للإمام علي قوله: لا أُقيم لأحد حداً بأرض العدو حتى يخرج منها لئلا تلحقه الحمية فيلحق بالعدو (علل الشرائع، مؤسسة الاعلمي، الطبعة الأولى، 1408هـ ـ 988م، ج2، باب 334، ص264). وقد نصّ أحمد واسحاق بن راهويه والاوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكر ذلك أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد اتى بشر بن ارطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنّة فقال: لولا اني سمعت رسول الله (ص) يقول: ‹‹ لا تُقطع الايدي في الغزو›› لقطعت يدك، وهو ما رواه أبو داود، وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة (الخراج، ص197. وأعلام الموقعين، ج3، ص5ـ6).[48]               أعلام الموقعين، ج3، ص8.[49]               أعلام الموقعين، ج3 ص7.[50]               مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص255. واعلام الموقعين ج3، ص8.[51]               اعلام الموقعين، ج3، ص8.[52]               القرطبي: جامع أحكام القرآن، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، 1405هـ ـ1985م، ج6، ص174. والشوكاني: فتح القدير، طبعة دار احياء التراث العربي، ج2، ص39.[53]               نُقل عن ابن تيمية وابن القيم انهما أجريا تعديلاً فيما يخص الحكم الخاص بتنفيذ حد السرقة حين ثبوتها، فكما قال الشيخ محمد الغزالي: ‹‹حسب ابن تيمية وابن القيم وما أفهمه أنا من السنن؛ استطيع ان اقول بأن القاضي يستطيع وقف التنفيذ في السابقة الاولى. فلو سرق تلميذ أو شاب، وكانت سرقته الأولى أو عثرة قدم زلت بصاحبها، فاذا وجده القاضي متألماً لذلك ونادماً أو شاعراً بالخجل؛ له ان يوقف العقوبة ويستتيبه ويقبل توبته، وله ان يعزره بالكلام أو بالجلد أو السجن، حسبما يرى، ولكن إذا عاد للجريمة مرة أو مرات أخرى تقطع يده›› (محمد الغزالي: تطبيق الشريعة حل لأزمة الاستعمار التشريعي في بلادنا، منبر الحوار، العدد13، 1410هـ ـ1989م، ص15).[54]               الطرق الحكمية، ص22.[55]               ذُكر أن خالد بن الوليد كتب لأبي بكر في خلافته بأنه ‹‹وُجد في بعض نواحي العرب رجل ينكح كما تنكح المرأة››، فاستشار أبو بكر الصحابة، وكان فيهم علي فقال: ‹‹ان هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم الا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم. أرى ان يحرقوا بالنار››، فكتب أبو بكر إلى خالد وأمره بحرقه (الطرق الحكمية، ص18. واعلام الموقعين، ج4، ص378). وجاء عن الإمام الصادق ان خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر عن رجل يؤتى في دبره، فاستشار أبو بكر علياً فقال: احرقه بالنار، فإن العرب لا ترى القتل شيئاً (انظر: رياض المسائل، ج2، ص475. وجامع المدارك، ج7، ص73. ومباني تكملة المنهاج، ج1، ص235. والبرقي: المحاسن، تحقيق جلال الدين الحسيني، نشر دار الكتب الإسلامية، المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص112. وفقه الإمام جعفر الصادق، ج6، ص278).[56]               مغنية: فقه الإمام جعفر الصادق، ج2، ص269. والفقه على المذاهب الخمسة، دار الجواد، بيروت، الطبعة السابعة، 1982م، ص465.[57]               المفصل في أحكام المرأة، ج4، ص411-412.[58]               جواهر الكلام، ج21، ص10.[59]               الفوائد في اختصار المقاصد، مصدر سابق، فصل في الناجز والمتوقع من المصالح والمفاسد.[60]               ابن طولون الدمشقي: إعلام السائرين عن كتب سيد المرسلين، تحقيق محمود الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1407هـ ـ1987م، ص52 و60.[61]               فتح القدير، ج1، ص191-192.[62]               رغم ما جاء في كثير من الأحاديث من أن معنى الفتنة في الآية هو الشرك؛ فإن المرحوم الطباطبائي اعتبر ذلك من مصاديق الفساد في الأرض، أي ان الفتنة تعني الفساد في الأرض، وأن الشرك من مصاديقه (محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم، ج2، ص72).[63]               عبد الكريم زيدان: مجموعة بحوث فقهية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1396هـ ـ1976م، ص55.[64]               ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار الخير، الطبعة الاولى، 1990، ج1، ص254.[65]               المنار، ج9، ص666.[66]               البقرة/ 190ـ193.[67]               ابن القيم: أحكام أهل الذمة، حققه وعلق حواشيه صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، 1401هـ ـ1981م، ج1، ص17.[68]               على رأي أبي حنيفة أنه إذا امتنع أهل الذمة عن اداء الجزية ونقضوا عهدهم فإن ذلك لا يبيح قتلهم ولا غنم أموالهم ولا سبي ذراريهم ما لم يقاتلوا، إنما يجب اخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك، فإن لم يخرجوا طوعاً أُخرجوا كرهاً (الاحكام السلطانية، ص186).[69]               دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص61.[70]               المنار، ج3، ص39. وعلى رأي ابن تيمية الذي نسبه إلى السلف فإن الآية ليست منسوخة ولا مخصوصة أو يصح نسخها وتخصيصها، وانما على حد قوله: ‹‹النص عام فلا نكره أحداً على الدين، والقتال لمن حاربنا، فإن أسلم عصم ماله ودمه، واذا لم يكن من أهل الكتاب لا نقتله، ولا يقدر أحد قط ان ينقل ان رسول الله (ص) اكره أحداً على الإسلام، لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قُبل منه ظاهر الإسلام›› (عن: وهبه الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ص67). ومثل ذلك اعتبر الشوكاني الآية محكمة غير منسوخة (فتح القدير، ج1، ص275). كما ذهب الطباطبائي من المعاصرين إلى نفس هذه النتيجة من عدم نسخ الآية، فهي ثابتة الحكم لثبات علة الحكم ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾، وردّ على الذين اتهموا الإسلام بأنه دين سيف ودم؛ معتبراً الجهاد والقتال ليس لغاية احراز التقدم وبسط الدين بالقوة، بل لإحياء الحق والدفاع عن فطرة الإنسان (التوحيد). أما ‹‹بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال›› (الميزان، ج2، ص343-344). وواضح من ذلك ان الطباطبائي قد استثنى المشركين من آية الرشد، أو أنه قيدها بأهل التوحيد من الديانات السماوية، خلافاً لرأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.[71]               محمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم، دار القلم، الكويت، 1400هـ ـ1980م، ص112-113.[72]               البقرة/ 208. انظر: أبو زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1384هـ ـ1964م، ص48-49.[73]               المنار، ج10، ص313.[74]               الراغب الاصفهاني: مفردات غريب القرآن، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص101. والمنار، ج10، ص306.[75]               انظر: يحيى محمد: خطوات على طريق المرجعية الرائدة، الفكر الجديد، عدد7، 1993م، ص320-327.[76]               الانعام/ 141.[77]               دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص74.[78]               أحكام القرآن، ج2، ص758-759.[79]               المنار، ج8، ص138.[80]               الأصناف التسعة التي حصر فيها وجوب الزكاة هي: الذهب والفضة، والابل والبقر والغنم، والحنطة والشعير والتمر والزبيب. فمما جاء في ذلك من الروايات ما قاله الإمام الصادق: أُنزلت آية الزكاة ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ في شهر رمضان، فأمر رسول الله (ص) مناديه فنادى في الناس: إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض الله عليكم من الذهب والفضة والابل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا لهم عما سوى ذلك.. (وسائل الشيعة، ج9، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة في تسعة أشياء، حديث1، ص53).[81]               كاظم الحائري: الاوراق المالية الاعتبارية (1)، رسالة الثقلين، عدد8، 1414هـ ـ1994م، ص38-39. وانظر الحوار مع الحائري في: قضايا إسلامية، عدد4، ص32.[82]               انظر وسائل الشيعة، ج9، كتاب الزكاة، باب استحباب الزكاة في الخيل الاناث السائمة، حديث1، ص77.[83]               لاحظ محمد مهدي الاصفي: نظرية الإمام الخميني في دور الزمان والمكان في الاجتهاد، قضايا إسلامية، عدد4، ص299 وما بعدها. كما انظر: وسائل الشيعة، ج9، كتاب الزكاة، باب استحباب الزكاة فيما سوى الغلات الأربع من الحبوب، حديث11، ص64.[84]               فمن ذلك ما روي ان أبا الحسن كتب إلى عبد الله بن محمد: الزكاة على كل ما كيل بالصاع. وكتب عبد الله عن الإمام الصادق أنه سأله عن الحبوب؟ فقال: وما هي؟ قال: السمسم والارز والدخن، وكل هذا غلة كالحنطة والشعير، فقال الإمام الصادق: في الحبوب كلها زكاة. كما روي عن الإمام الصادق أنه قال: كل ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فقال سائل: أخبرني جعلت فداك هل على الارز وما اشبهه من الحبوب الحمص والعدس زكاة؟ فوقع الإمام: صدّقوا الزكاة في كل شيء كِيل (وسائل الشيعة، ج9، ص61). كما روي عن الإمام الصادق أنه سئل عن السمسم والارز وغير ذلك من الحبوب هل تزكى؟ فقال: نعم هي كالحنطة والتمر (مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج7، كتاب الزكاة، باب استحباب الزكاة فيما سوى الغلات الاربع، حديث1، ص39). وعن الإمام الصادق أيضاً إنه قال: كل شيء يدخل فيه القفزان - المكاييل - والميزان ففيه الزكاة (المصدر، ص39).[85]               فمن ذلك ما روي عن الإمام الصادق أنه سُئل عن الزكاة؟ فقال: وضع رسول الله (ص) الزكاة على تسعة وعفا عما سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذهب والفضة، والبقر والغنم والابل، فقال السائل: فالذرة؟ فغضب الصادق ثم قال: كان والله على عهد رسول الله (ص) السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك، فقال السائل: إنهم يقولون أنه لم يكن ذلك على عهد رسول الله (ص) وانما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب الإمام وقال: كذبوا، فهل يكون العفو الا عن شيء قد كان، لا والله ما اعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (وسائل الشيعة، ج9، باب وجوب الزكاة في تسعة أشياء، حديث3، ص54). وعن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن: جعلت فداك، روي عن أبي عبد الله الصادق أنه قال وضع رسول الله (ص) الزكاة على تسعة اشياء... وعفا رسول الله (ص) عما سوى ذلك، فقال له القائل: عندنا شيء كثير يكون باضعاف ذلك، فقال: وما هو؟ فقال له: الارز، فقال أبو عبد الله (ع): اقول لك: ان رسول الله (ص) وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفا عما سوى ذلك، وتقول: عندنا ارز وعندنا ذرة، وقد كانت الذرة على عهد رسول الله (ص)؟! فوقع الإمام: كذلك هو، والزكاة كل ما كيل بالصاع (المصدر، حديث6، ص55-56). وعن محمد بن الطيار قال: سألت أبا عبد الله الصادق عما تجب فيه الزكاة؟ فقال: في تسعة اشياء... وعفا رسول الله (ص) عما سوى ذلك، فقلت: اصلحك الله، فإن عندنا حباً كثيراً، قال: وما هو؟ قلت: الارز، قال: نعم، ما أكثره، فقلت: أفيه الزكاة؟ فزبرني وقال: اقول لك ان رسول الله (ص) عفا عما سوى ذلك وتقول لي ان عندنا حباً كثيراً، أفيه الزكاة؟! (المصدر، حديث12، ومثله حديث13، ص58-59. وانظر على شاكلة ما سبق من الروايات ما جاء في: مستدرك الوسائل، ج7، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة في تسعة أشياء، ص38).[86]               وسائل الشيعة، ج9، ص64.[87]               انظر حول ذلك: وسائل الشيعة، ج9، ص154.[88]               فقه الإمام جعفر الصادق، ص76-77.[89]               اعلام الموقعين، ج2، ص7.[90]               الموافقات،ج4، ص174.[91]               محمد ضياء الدين الريس: الخراج في الدولة الإسلامية، مطبعة النهضة، الطبعة الاولى، 1957م.[92]               أحمد بن علي المقريزي: النقود الإسلامية (شذور العقود في ذكر النقود)، تحقيق واضافات محمد بحر العلوم، دار الزهراء، بيروت، الطبعة السادسة، 1408هـ ـ1988م، ص79.[93]               اعلام الموقعين، ج1، ص333. وفقه الإمام جعفر الصادق، ج3، ص274.[94]               اعتمدنا على ما سبق من نصوص على: علي أحمد السالوس: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، دار الثقافة بقطر ـ دار الاعتصام بمصر، 1990م، ص21-24.[95]               جواهر الكلام، ج25، ص66.[96]        فمن ذلك ما جاء عن يونس أنه قال: كتبت إلى الإمام الرضا بأن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها، أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ فكتب الإمام الي: لك ان تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما اعطيته ما ينفق بين الناس (وسائل الشيعة، ج18، كتاب التجارة، باب حكم من كان له على غيره دراهم فسقطت، حديث1، ص206. وعلى هذه الشاكلة لاحظ: مستدرك الوسائل، ج13، نفس العنوان من الكتاب والباب، حديث1، ص353-354). وفي رواية معارضة عن يونس أيضاً إنه قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا أنه كان لي على رجل دراهم، وان السلطان أسقط تلك الدراهم، وجاءت دراهم أغلى من الدراهم الأولى، وهي اليوم وضيعة، فاي شيء لي عليه الأولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي اجازها السلطان؟ فكتب له الإمام: لك الدراهم الأولى (المصدر، حديث2، ص206). وعن الإمام الرضا سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت، ولا يباع بها شيء: ألصاحب الدراهم الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الأولى (المصدر، حديث4، ص207).   فكما يلاحظ ان هناك شيئاً من التعارض الظاهر في الروايات المتعلقة بمشكل الدراهم الساقطة. حتى ان الشيخ الطوسي حاول علاج مثل هذا التعارض بالقول: إنه متى كان على المقترض دراهم بنقد معروف فليس له إلا ذلك النقد، أما لو كان عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فانما له الدراهم التي تجوز بين الناس (المصدر، ص207).[97] هناك العديد من الروايات والنصوص التي تبدي حالة التغير في أسعار المواد وكيفية التعامل معها منذ القرن الأول للهجرة - وقت الصحابة - وما بعده. ومن ذلك ما حصل في عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب كما سنرى. كما وردت نصوص عن أئمة أهل البيت تصب في هذا المجرى، ومن ذلك ما جاء عن محمد بن الحسن أنه كتب إلى الإمام أبي محمد يقول له: رجل استأجر اجيراً يعمل له بناءاً أو غيره وجعل يعطيه طعاماً وقطناً وغير ذلك، ثم تغير الطعام والقطن من سعره الذي كان اعطاه إلى نقصان أو زيادة، أيحتسب له بسعر يوم اعطاه، أو بسعر يوم حاسبه؟ فوقع الإمام: يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه ان شاء الله. وأجاب حول المال الذي يحل على الرجل فيعطي به طعاماً عند محله ولم يقاطعه ثم تغير السعر، فوقع الإمام: له سعر يوم اعطاه الطعام (وسائل الشيعة، ج18، كتاب التجارة، باب حكم من اشترى طعاماً فتغير سعره، حديث4، ص85). وعن محمد بن الحسن أيضاً إنه قال: كتبت إلى الإمام (ع) في رجل كان له على رجل مال، فلما حل عليه المال اعطاه بها طعاماً أو قطناً أو زعفراناً، ولم يقاطعه على السعر، فلما كان بعد شهرين أو ثلاثة، ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص، بأي السعرين يحسبه؟ قال: لصاحب الدين سعر يومه الذي اعطاه وحلّ ماله عليه، أو السعر الذي بعد شهرين أو ثلاثة يوم حاسبه؟ فوقع (ع): ليس له الا على حسب سعر وقت ما دفع إليه الطعام ان شاء الله (المصدر، حديث5، ص85-86).ويلاحظ ان مثل هذه النصوص تؤكد بأن مورد التعامل كان بحسب السعر المتعارف عليه عند الأداء، ولم يؤخذ باعتبار التغيرات الجزئية للمواد الاستهلاكية، ربما لكونها ليست في مقام المال المتداول.[98]               البقرة/ 279.[99]               ابن تيمية: القياس، ضمن القياس في الشرع الإسلامي، مقدمة محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1375هـ، ص9.[100]             علل الشرائع، ج2، باب235، ص195. وتاريخ المذاهب الإسلامية، ص712.[101]             شبيه بهذا حدثَ لي في السابق، إذ كان لي صديق (رحمه الله) أقرضني مبلغاً قدره خمسمائة وعشرون ديناراً عراقياً سنة 1978م، لكن بسبب ظروف قاهرة لم أتمكن من تسديد المبلغ في حينه. وكما هو معلوم، فقد تعرضت العملة العراقية لانهيار شديد منذ بداية التسعينيات نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، حيث تراجع الدينار بشكل حاد، فأصبح سعر الدولار الواحد يُقدر بألفي دينار أو أكثر، في حين كان الدينار في السابق يعادل أكثر من ثلاثة دولارات. وفي ظل هذا التغير الكبير، هل من العدل أن أسدد للدائن نفس المبلغ كما كان، دون مراعاة انخفاض قيمته الحقيقية؟! وهل يعقل ان تكون المعاملة ربوية فيما لو طالبني الدائن بأن أردّ إليه ما يعادل القيمة الشرائية للمبلغ وقت إجراء القرض؟!.. فأين العدل بين هذين التصورين؟!.[102]             كاظم الحائري: الاوراق المالية الاعتبارية (2)، مجلة رسالة الثقلين، عدد 9، قم، 1415هـ ـ 1994م، ص104.[103]             المصدر، ص105.[104]             الطرق الحكمية، ص16-17.[105]             اعلام الموقعين، ج4، ص373.[106]             عن: مهدي مهريزي: الفقه والزمان، قضايا إسلامية، عدد5، 1418هـ ـ1997م، ص276.[107]             جواهر الكلام، ج42، ص4. وفقه الإمام جعفر الصادق، ج6، ص353. وانظر أيضاً: مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص163.[108]             مصادر التشريع الإسلامي، ص163.[109]             عبد الرحمن الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، مكتبة ايشيق، استانبول، 1397هـ ـ1977م، ج2، ص601. ويوسف القرضاوي: فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1397هـ ـ1977م، ج1، ص262.[110]             فقه الزكاة، ج1، ص263-264.[111]             المصدر السابق، ج1، ص266 و269.[112]             المنار، ج5، ص335. كذلك: السيد سابق: فقه السنة، ج2، ص466. وأحكام القرآن، ج1، ص475.[113]             المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص163.[114]             ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1401هـ ـ 1981م، ج2، ص19-21. كذلك: فتح الباري، ج3، ص374. ونيل الاوطار، ج4، ص253.[115]             المنار، ج7، ص99.[116]             المصدر السابق، ج5، ص219.[117]             الحجرات/ 6.

[118]             النور/ 58.

comments powered by Disqus