-
ع
+

مصادر المعرفة الإسلامية: النص.. الواقع.. العقل

يحيى محمد

النص

عادة ما يُقصد بالنص اللغوي بأنه كلام مكتوب، وبالخطاب بأنه قول مشافه. وقد عرفنا خلال حلقة (علم الطريقة) انه استناداً إلى هذين المعنيين فإن الخطاب هو قول يتصف بسياقين: دلالي وظرفي، الامر الذي يميزه عن النص ذي السياق الدلالي فحسب. فالخطاب ما ان ينتهي ويتحول إلى نص مجرد إلا ويفقد سياقه الظرفي، فوجوده ملازم لهذا السياق، وهو ما يهبه حيوية ودلالة أعظم من تلك التي للنص، فهو الأصل الحامل للحقيقة، خلافاً للأخير الحامل لدلالة التأويل والهرمنوطيقا.

وكثيراً ما نسمي النص الديني بالخطاب لإعتبارين: أحدهما أنه كوثيقة مدوّنة (المصحف القرآني مثلاً) مسبوق بالخطاب الذي يطلق على الكلام المشافه عادة. أما الثاني فهو ان الخطاب يحمل دلالات أقرب للحقيقة مقارنة بنصه المجرد، أي بعد تحوله إلى وثيقة مدونة مع غياب الواقع. وبالتالي فالفهم القائم على النص هو فهم ضعيف مقارنة بذلك القائم على الخطاب، لهذا يتصف الأول بالإنفتاح على التأويل بلا حدود.

إذاً الخطاب هو الأصل، سواء من حيث السبق التاريخي، أو بإعتبار حمله للحقيقة أو ما يقرب منها، أما النص فهو التابع والظل الذي ليس بمقدوره الكشف عن كافة تجليات الحقيقة كما يتمتع بها الأول[1].

لكن بغض النظر عن التفرقة بين النص والخطاب عموماً، إنه من حيث التخصيص نقصد بالنص أو الخطاب الديني هو ذلك التنزيل المتخذ سياقاً لغوياً خاصاً. أو هو لغة تحكي معنى الوحي والتنزيل، وهو ذاته عبارة عن الخطاب عندما كان مشافهاً ضمن سياقه الظرفي. فهو خطاب الله، ومن بعده خطاب النبي (ص) كما لدى أهل السنة، أو بإضافة الأئمة من ذريته كما عند الشيعة. لكن حيث أن خطاب النبي والأئمة ما هو إلا تبيان وتفسير للخطاب الإلهي؛ لذا فالمقصود به أساساً هو القرآن الكريم بإعتباره كلام الله بالذات. فالقرآن خطاب لغوي موحى إلى صدر النبي (ص)، وهو وإن كان منزلاً من صاحب العزة والجلالة، ورغم أنه عبارة عن كلام الله، الأمر الذي يميزه عن سائر كلام البشر، إلا أنه مع ذلك لم يفارق ملابسات الألفاظ والعبارات الدارجة بكل ما تحمله من معاني عرفية وثقافة سائدة في مكان وزمان محددين، وبكل ما تتضمنه من فكر لا يتعالى غالباً عن فهم وإدراك الجماعة التي خوطبت به مباشرة. فالنص بهذا الإعتبار خطاب يتصف بنوع من الإزدواج، ذلك أن مصدره علوي مجرد عن الواقع بما يحمله من معاني الوحي، لكنه من جانب آخر ملابس للواقع كل الملابسة. فهو من حيث كونه تنزيلاً لم يعد مجرد وحي سماوي يحمل صفات التجريد، بل أضحى خطاباً يتذرع بالواقع ليتخذ منه مسلكاً للغاية التي أُنزل لأجلها. لذلك نزل بلغة بشرية لها معانٍ مشخصة في بيئة محددة هي البيئة العربية بكل ما تحمله من ظروف وملابسات خاصة. الأمر الذي أفضى - ولا بد - إلى نوع من الجدل بين الخطاب والواقع، بل وأدى إلى أن يكون النص حاملاً لصور وثقافة الواقع الذي جاراه بالجدل والاحتكاك، وهو الجدل الدال على تأثير كل منهما على الآخر، فإذا كان من المعلوم تأثير الخطاب على الواقع وتغييره، فإن لهذا الأخير تأثيره المقابل كما سنكشف عنه لاحقاً. لكن رغم هذا ظل الهدف الذي ينشده الخطاب هدفاً شاملاً ومطلقاً لم تؤثر عليه إعتبارات التنزيل من اللغة والاحتكاك بالواقع. فالرسالة التي حملها الخطاب هي رسالة تكليف للإنسان بكل ما تحمله هذه اللفظة من معاني الأمانة والمسؤولية، وبكل ما تتضمنه من علاقة بين المكلِّف والمكلَّف وما تستهدفه من استخلاف وحساب. وهي معانٍ عامة ومطلقة لا تتقيد بظروف وأحوال، وإن كانت وسائل تحقيق ذلك عاجزة عن تجاوز ما عليه ظروف الزمان والمكان، أي أنها لا تتجاوز الواقع.

إن ما سبق ايراده يتسق مع بعض النظريات التي شهدها تاريخ الفكر الإسلامي حول طبيعة الخطاب الإلهي، والمسماة بمسألة كلام الله؛ رغم أن هذه المسألة هي من المسائل العقلية المجردة التي ليس لها علاقة بالواقع، وقد عالجها المسلمون معالجات ذات سمة تجريدية عقلية أحياناً ونصية أحياناً أخرى، وقد ظلت دائرة الخلاف مستحكمة بين المسلمين قروناً طويلة لإرتباطها بنمط التفكير العقلي المجرد من غير أن تثمر شيئاً يُذكر على صعيد الواقع.

فقد ذهب البعض إلى أن كلام الله قديم، واعتبره صفة لازمة عن الذات الإلهية، أو أنه معنى نفسي قائم بذاته كما هو رأي الأشاعرة التي وظفته في تصحيح إثبات الرسالة النبوية. وفي قبال ذلك ذهب بعض آخر إلى أن كلام الله مخلوق، كما هو رأي المعتزلة التي لم توافق على مقالة القِدم بإعتبارها تعني إثبات شيء آخر غير الله، مما يستلزم لديها الشرك. فيما لجأ جماعة إلى إعتباره محدثاً، كما هو رأي محمد بن شجاع الثلجي (المتوفى سنة 266هـ)، وهو المنقول عن بعض أئمة أهل البيت[2]. في حين رأى آخرون أنه ليس بمخلوق وإن لم يحددوا هويته، وهو المنقول عن علماء السلف[3].

ومن الواضح أن هذه الآراء لم يكن يعنيها خصوصية النص والواقع، فبعضها كان موظفاً لإثبات الرسالة، وبعض آخر وُظف للدفاع عن التوحيد الخالص بعيداً عما يظن أنه من الشرك. وفي جميع الأحوال لم تكن دائرة الإهتمام معنية بالواقع وتأثيره.

مهما يكن، فالملاحظ أن القول بقِدم كلام الله يتسق مع إعتبار اللغة العربية توقيفية، خلافاً للقول بخلقه الذي يتسق مع إعتبارها وضعية ناشئة بفعل الإنسان. كذلك فإن القول الأول ينسجم مع إعتبار الكلام الإلهي مجرداً تماماً عن الواقع، فهو سابق عليه، وبالتالي إنه لا يتسق مع إعتباره حاملاً لصور مشخصة وضيقة للواقع، كما لا يتسق مع القول بمبدأ تأثير الواقع على هذا الكلام.

في حين إن القول بخلقه يسمح بمثل هذه الإعتبارات، بل ويتسق مع ما يبديه من مجاراة مع طبيعة الواقع المتغير، سواء من حيث الاحتكاك به والتعامل مع صوره المشخصة المحدودة، أو من حيث تأثير الواقع عليه بنوع من الاستجابة لفعله، بدلالة القول بتدرج الأحكام أو القول بالنسخ والنسأ وما إلى ذلك.

لهذا لجأ القائلون بخلق القرآن - في بعض حججهم - إلى ما تدل عليه ظاهرة النسخ، وهو أن القول بقدمه لا يسمح للإعتراف بالنسخ والتغيير، إذ معنى كونه قديماً هو أنه ثابت فكيف يُنسخ ويتغير[4]؟!

ولعل من المفارقة أن نجد أن من يتمسك بالرأي القائل بقِدم كلام الله يتقبل حالات النسخ في جميع صورها حتى تلك التي تعبّر عن نسخ التلاوة، في حين نجد في القبال أن من يتمسك بخلق القرآن أو حدوثه لا يتقبل النسخ كلاً أو بعضاً.

فمن صور هذه المفارقة ما يقوله الغزالي: ‹‹ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ خلافاً للمعتزلة››[5]. فبعض المعتزلة ينكر أن يكون هناك نسخ بالمرة، وبعض آخر لا يتقبل حالة نسخ التلاوة، ويعد الروايات الواردة بشأنها، والتي سلّم بها الإتجاه الأول، خالية من الحجة بإعتبارها أخبار آحاد تفيد الظن لا القطع[6]. مع ما يلاحظ أن هناك صنفاً ثالثاً ظل متسقاً في إعتباراته، فهو يقر بحدوث الكلام، كما أنه يجيز جميع صور النسخ، كالشيخ أبي جعفر الطوسي من الإمامية الذي أجاز نسخ التلاوة وحدها والحكم وحده ونسخهما معاً؛ طبقاً للمصلحة[7].

وعلى العموم فإن علاقة الكلام الإلهي بالواقع تتردد بين عدد من الفرضيات على ما سيتضح كالتالي:

 1ـ أن يقال بأن الكلام الإلهي يعمل على تحديد مسار الواقع والتحكم في مصيره، أو ما يقرب عن هذه الحتمية القبلية بما يتسق ومقالة قِدم الكلام، كما سنفصل ذلك عما قريب.

 2ـ أن يقال بأن الأمر متبادل التأثير، فمثلما أن للكلام أو النص دوراً في تغيير الواقع وتحديد مساره، فإن للواقع أيضاً تأثيره غير المنكر على مسار الكلام، وذلك بعد التسليم بما يمتاز به هذا الكلام من فاعلية واستقلالية نسبية.

فالنص مشكَّل بما يتناسب وطبيعة الخصوصيات التي تمتاز بها حوادث الواقع، ولولا هذه الخصوصيات ما كان للنص أن يتخذ الشكل الذي اتخذه في التعبير. كذلك فإن تغيّر الواقع وتنوّعه قد عملا - ولا شك - على إحداث أشكال متغايرة للصور التي تضمنها النص، كالذي يُعرف بالنسخ والنسأ وكذا التدرج في الأحكام والمفاهيم والتعليمات. الأمر الذي يتسق ومقالة إحداث الكلام.

 3ـ كما قد يقال إنه لا علاقة لأحدهما بالآخر. فالكلام ليس مؤثراً ولا متأثراً بالواقع بأي نحو كان. والعلاقة بينهما هي علاقة اتفاقية يشكل فيها النص القرآني رموزاً ليست معنية بما يجري من أحداث. فالنصوص التي تتناول سيرة الأنبياء وقصص الأمم الغابرة، بالإضافة إلى الأحكام والمفاهيم، لا يُفهم منها أنها تشير إلى الواقع كما يبدو في الظاهر، بل هي محض رموز صادف أن اقترنت بوجود تلك الوقائع أو رُكّبت عليها، مثلما تحاول الإتجاهات الباطنية المغالية التركيز على هذا المعنى؛ موظفة النص للقيام بمثل هذا الدور، غير أن بطلان هذا النهج بيّن ولا يحتاج إلى دليل.

وعليه فالتنافس محصور بين الفرضين الأولين. لكن المشكلة ترتبط بالكيفية التي عليها الفرض الأول عندما يعتبر الكلام حاكماً ومحدداً لمسار الواقع بالإطار الذي نصّ عليه الكلام بالذكر.

فبحسب الفرض الأول يمكن تصوير الكلام القديم، كصفة ذاتية، بايقاع مسجل تتكرر فيه الكلمات النفسية بثبات وتواصل، أزلاً وأبداً.

لكن مع الأخذ بعين الإعتبار أن هذا التكرار المتعاقب لا يتخذ صورة التدافع في الكلمات بحيث تتقلب وجوداً وعدماً، أو حضوراً وزوالاً، كما إن بعضه لا يتقدم على البعض الآخر. وهو من هذه الجهات يساوق العلم الإلهي الثابت. وبالتالي فهو ليس ككلامنا نحن الذي يدفع بعضه البعض الآخر ويتقدم عليه.

وتكمن المشكلة في صعوبة تصور جريان كلام على وتيرة واحدة ثابتة تتصل أزلاً وأبداً لحادث عابر لا يتعدى قطرة ضئيلة من بحر الوجود أو الزمان والمكان؛ كإن نتصور تكرار قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها.. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها.. فلما قضى زيد..) وذلك بثبات واتصال أزلاً وأبداً بلا إنقطاع، رغم ضيق الحادثة من الناحية الوجودية. فكيف يمكن للكلام أن يرتبط بحادثة ضيقة الوجود لم توجد بعد، ثم يظل الحال هكذا أبد الدهر رغم فناء الحادثة وانتهائها؟

ثم كيف نتصور أن يكون في هذا الكلام ناسخ ومنسوخ والحادثة المحكوم عليها بالنسخ لم تقع بعد؟

فمثلاً كيف نتصور أن يتكرر كلام مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾[8]، ثم يتبعه ناسخه أو ناسئه: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾[9]، وهما على هذا الشكل من نسخ الأخير للأول أزلاً وأبداً بلا إنقطاع، مع أنهما مربوطان بحادثة ضيقة الوجود؟ لا سيما وأن أيّاً منهما لا يتقدم على الآخر، وليس لأحدهما من الصلاحية والإعتبار أكثر من نظيره، خلافاً لما ينعكس عليه الأمر حين يعاصران الحادثة ويتجسدان بنص بعضه يتقدم على البعض الآخر، وله من الصلاحية والإعتبار ما يختلف فيه عن قرينه.

لهذا نعتبر أن مقولات، كالنسخ والنسأ والتدرج في الأحكام وكذا الإخبار عن الوقائع الشخصية والأحكام الخصوصية، كلها مما يتسق وإطروحة حدوث الكلام لا قِدمه.

يضاف إلى أن هناك مشكلة أخرى، وهي أن الحوادث - بحسب إطروحة قِدم الكلام - لم تكن سبباً داعياً إلى وجود الكلام، بل العكس هو الصحيح، إذ قد تمّ تحديد هذه الحوادث بكل ما تتضمنه من تفاصيل طبقاً لما عليه مضمون الكلام، فأصبح الكلام سبباً للحوادث لا العكس.

فمثلاً ما حدث للمشركين من الكفر والجحود والمعاداة لله؛ لم يكن سبباً داعياً لأن تصفهم نصوص الآيات بصفاتهم وتتوعدهم، بل إن وجود الكلام القديم الذي تضمن ذكر المشركين وصفاتهم؛ جعل منهم وقائع تطابق ما عليه ذلك الذِكر من الكلام، ولولاه ما كان للمشركين أن يكونوا على ما وصفتهم به الآيات.

كذلك نسمع - كمثال آخر - قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾[10]. إذ لم يرد هذا النص - بحسب تلك الإطروحة - طبقاً لما أجرته المرأة من الحوار والمجادلة بالفعل، بل إن كلمات الله على هذه الصورة أفرزت بالضرورة أن تكون هناك امرأة تجادل النبي (ص) في قضية زوجها حتى توافق ما عليه ذلك الكلام القديم. فالكلام - إذا - هو المحدد للحدث لا العكس.

وقد يلاحظ أن هناك نوعاً من الجبرية، فكل حادث وصفه النص وعلّق عليه كان لا بد من أن يكون محدداً سلفاً بحسب الكلام القديم، وليس هناك ما يمكن أن يؤثر أو يغير من الحدث، بما في ذلك القدرة الإلهية، إذ أي تغيير يعني تغييراً لصفة الله الثابتة القديمة، وهو تناقض. مع هذا فالأمر ينطوي على حتمية لا جبرية. إذ تقتضي الجبرية أن يكون أحد الطرفين حراً ليمارس إرادته في اجبار الآخر، مع أن ما نحن بصدده ليس كذلك؛ طالما لا يمكن لإرادة الخالق أن تؤثر على صفاته سلباً وايجاباً.

كما يلاحظ أن الحتمية التي نتحدث عنها لا تقتضي بالضرورة التأثير والسببية، فقد تكون مجرد كشف سابق محتم من أحد الطرفين للآخر. ففي موضوعنا لا مانع من أن يكون الكلام القديم مجرد ‹‹حكاية إستشرافية›› لما سيحدث، مثلما يقال بشأن العلم الإلهي إنه ليس مؤثراً على الحادث؛ بل يعبّر عن ‹‹رؤية إستشرافية›› لما سيحدث فحسب.

وبذلك يمكن أخذ فرضية الكلام القديم بإعتبار المساوقة مع العلم الإلهي، فيعبّر الكلام عن ‹‹الحكاية›› مثلما يعبّر العلم عن ‹‹الرؤية››. لكنها يمكن أن تؤخذ بإعتبار آخر طبقاً لدلالة التأثير والسببية، وهي أن ما يحدث في الواقع هو تابع ومحكوم بتأثير الكلام. ومع أن النتيجة في الحالتين واحدة، إلا أن فرق التحليل والتعليل يختلف تماماً، إذ في حالة الرؤية والحكاية يمكن أن تكون الإرادة في الحادث البشري ثابتة، في حين تنتفي هذه الإرادة في حالة التأثير والسببية تماماً. فالحدث في الحالة الأولى مسبب بفعل الإرادة البشرية ذاتها، بينما في الثانية يتسبب بفعل العلم والكلام، رغم أن المحصلة في النتيجة واحدة بلا إختلاف.

مع هذا فعندما نقول إن هناك مساوقة بين العلم والكلام لا نغفل كون هذه المساوقة ليست تامة بحسب الفرض المتصور، فهناك فرق بينهما لا بد من إعتباره، إذ لا يوجد في العلم الإلهي استثناء فيما يكشف عنه من حوادث وجودية. في حين ليس الأمر كذلك فيما يرتبط بالكلام الإلهي. فهو كلام يخص حوادث دون أخرى، وأن ما جرى فيه الكلام لا يتعدى حدود قطرة من مياه البحر الواسعة. وهنا نعود إلى ما سبق أن طرحناه من مشكل، وهو أنه كيف يمكن تصور أن يكون الكلام الإلهي مرتبطاً بحوادث عابرة ضيقة الوجود؟ وما قيمة مثل هذه الحوادث حتى يكون الكلام عالقاً بها أزلاً وأبداً؟

وقد يُعتبر هذا المشكل بلا معنى طالما كان التعلق والإرتباط ذاتياً، مثلما لا معنى لأن يقال لِمَ كانت النار حارة، إذ ليس هناك من جواب سوى القول بأن الأمر هكذا وكفى. لكن من حيث التحليل فالإشكال وارد، وهو: لِمَ يرتبط القديم بحيّز ضيّق من الوجود؟ فلماذا نمنع أن يتصف العلم الإلهي بحوادث دون أخرى، ونعتبر هذا العلم إما أن يكون عالقاً بمطلق الحوادث، أو ليس عالقاً بشيء مطلقاً، وبالتالي لماذا نستدل في العلم الإلهي على سعة العلم وإطلاقيته ولا نستدل كذلك فيما يخص الكلام الإلهي؛ كإن نقول إما أن يكون هذا الكلام عالقاً بمطلق الحوادث أو أنه ليس عالقاً بشيء تماماً؟ فهما بحسب الفرض متساوقان، إذ كل منهما عبارة عن صفة قديمة ذاتية وعالقة بالحوادث. فهل هناك فرق بين الحالين؟!

هكذا يجرنا البحث إلى تصحيح إطروحة قِدم الكلام، فهي ليست متسقة إلا عندما تتحدث عن كلام شمولي يستوعب بين جوانحه كافة الحوادث؛ رغم ضيق النماذج التي تمّ الكشف عنها وإنزالها، ومنها القرآن الكريم، في حين بقي أغلبه مكنوناً في علم الغيب. فهل إليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾[11]؟

ورغم إتساق هذا الفرض وقدرته على أن يبرر حالات؛ مثل النسخ وتغيير الأحكام وكل ما يتعلق بتجدد الحوادث والواقع، فكل ذلك يمكن أن يستوعبه كلام الله المطلق الشامل؛ لكن مع هذا ليس بإمكان هذا الفرض أن ينافس الفرض الثاني الذي سبق طرحه، وهو أنه يجعل العلاقة بين الواقع والكلام متبادلة التأثير. فالخلاف بين الفرضين هو خلاف بين الظاهر الوجداني وخلافه.

فالقول بمقالة قِدم الكلام بكافة صورها يخالف إدراكنا لتجاوب النص القرآني وتفاعله مع الواقع تأثراً وتأثيراً. وبالتالي فإن القول بتلك الإطروحة يجعلنا نعتبر مثل هذه العلاقة التبادلية محض وهم وخداع.

فمثل هذا الأمر يفتح لنا الباب على مصراعيه. فقد يأتينا من يقول بأن ما نتصوره من وجود واقع موضوعي خارج الذهن هو محض وهم وخداع، مثلما ذهب إلى ذلك الفيلسوف المعروف (جورج باركلي). مع أنه ليس لنا الرد في كلا هاتين الحالتين سوى العودة إلى الظاهر الوجداني!

***

مهما يكن فالإختلاف في طبيعة الإتساق لكلا الفرضين له إنعكاسات على إدراكنا لقيمة وقداسة الخطاب المنزّل. فلو أننا اعتبرناه قديماً وصفة من صفات الله الذاتية؛ لكان ثابتاً لا يقبل التغيير بفعل الواقع من المحو والنسخ والإزالة وما إليها، خلافاً لما لو اعتبرناه محدثاً ومخلوقاً، إذ يصبح حاله كحال إعتبارات عالم التكوين من الخلق، فيقبل المحو والإزالة بمشيئة الله تعالى، كما ويقبل الجدل مع الواقع تأثراً وتأثيراً.. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تصبح القيمة المعرفية والمعنوية المضفاة على الخطاب في الحالتين مختلفة ولا بد. فالقول بكونه صفة - مثلاً - يجعله متعالياً عن إمكانية اعطاء قيمة مضادة، فإذا اعتبرنا الكلام صادقاً، فإن ذلك يمنع من أن يكون هناك إمكان للكذب والخداع وخلف الوعد والوعيد، وهو أمر قد تمسكت به الأشاعرة لتصحح إثبات المسألة الدينية برمتها. وهو خلاف ما لو قلنا إنه مخلوق، حيث لا يجد العقل في هذه الحالة إستحالة لإعطاء القيم المضادة؛ كإمكانية الكذب والخداع وخلف الوعد والوعيد. ولا شك أن هذا التفاوت المعرفي هو في حد ذاته يعكس تفاوتاً في القيمة المعنوية والقداسة، حيث يبدو في الحالة الأولى وكأنه يتخذ صورة الإله، بينما في الحالة الأخرى لا يكون كذلك. الأمر الذي له إنعكاس على طبيعة تعاملنا معه فهماً وعلاقة.

من هنا برز التفكير في مسألة ما اُصطلح عليه بالصرفة، ومن ثم طبيعة الإعجاز الخاص بالخطاب. فالصرفة بحسب عدد من العلماء هي المقصودة من الإعجاز في الخطاب؛ كالذي ذهب إليه النظّام ومن ثم الجاحظ وكثير من المعتزلة وإبن حزم وأبي اسحق الاسفراييني، ومن الإمامية إبن سنان والشيخ المفيد، وربما تلميذه الشريف المرتضى إذ له كتاب بعنوان (الصرفة في إعجاز القرآن)[12].

والمقصود بالصرفة وعلاقتها بالإعجاز هي كما حددها النظّام بأنها تعني ‹‹أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدوراً لهم، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات››[13]. وكذا ما ذكره الشيخ المفيد تحت عنوان (القول في جهة إعجاز القرآن) من ‹‹أن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن المعارضة للنبي (ص) بمثله في النظام عند تحديه لهم، وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله وإن كان في مقدورهم دليلاً على نبوته (ص)، واللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان، وهذا من أوضح برهان في الإعجاز وأعجب بيان وهو مذهب النظام وخالف فيه جمهور أهل الاعتزال››[14].

وليس هذا المفهوم هو الوحيد عن الصرفة، فقد ذُكر أن من قال بها على قولين: ‹‹أحدهما أنهم صُرفوا عن القدرة عليه، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه. والثاني أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه››[15].

وقد ذهب آخرون في القبال إلى ‹‹أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وبه وقع عجزها››. وردّ السيوطي على هذا الموقف بإعتبار ‹‹أن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به››، ونسب إلى الجمهور إعتبار الإعجاز والتحدي إنما بالألفاظ التي ورد فيها القرآن كما هو[16].

ولا شك أن القول بالصرفة يتسق مع نظرية خلق القرآن، إذ هو شيء محدث قابل بذاته للصياغة المماثلة والتقليد، كما يقبل المحو والإزالة كأي مخلوق آخر في عالم التكوين.

في حين أن الرأي الذي يعتبر الإعجاز والتحدي يكمنان في اللفظ والكلام فقط؛ يتسق تماماً مع مقالة القِدم وصفة الذات للكلام، فهو لا يتيح أي إمكانية لوجود صياغات مماثلة أو تقليد لهذا الكلام. كما إن من إعجازه افتراض عدم قبوله أي شكل من أشكال التغيير والتجديد؛ سواء من حيث الواقع وضغوطه، أو من حيث إعتبارات أخرى غيره. أما القول بالصرفة فرغم أنه لا ينفي الإعجاز في الكلام، إلا أنه يجعل خاصية هذا الإعجاز غير متعلقة بالكلام ذاته، بل بالمشيئة الإلهية، أي أنه من حيث ذاته ليس معجزاً، كما إنه من حيث الذات يكون قابلاً للتغيير مثل أي مخلوق آخر في عالم التكوين.

هكذا إنه مع مقالة إحداث القرآن تصبح العلاقة المستحكمة بين النص والواقع علاقة منطقية يمكن فهمها بما تحمله من صور الجدل والتغيير في الأحكام. فمن جانب إن النص يحمل صوراً منتقاة ومحددة للواقع؛ كثيراً ما تكون محكومة بطابع نسبي من زمان ومكان، أو من ظروف طارئة ليست عامة ولا مطلقة. كما إن النص من جانب آخر كثيراً ما يستجيب لأمر الواقع. الأمر الذي يؤكد حالة التفاعل والجدل بين حمل النص للمعاني والمفاهيم المنزلة والمؤثرة على الواقع، وبين استجابته لهذا الأخير بنوع ما من المحكومية.

تظل هناك ناحية أخرى نشير إليها ونوكل ما يؤكدها إلى ما سيأتي من فصول. ذلك أن النص هو كعالم التكوين؛ كثيراً ما نتوهم تطابق عقولنا مع مداليله بالفهم والمصداقية، مع أن حقيقة الأمر شيء آخر. فتاريخ الفكر البشري غارق - حتى عهد قريب - بالوهم القائل بتطابق عقولنا - كلياً - مع ما ينكشف لها من مضامين الواقع. لكن بفضل الثورة العلمية ثبت أن الإنسان كان مغالياً في هذا التصور إلى حد بعيد.

ولعل من المفيد التذكير كيف أن العقل البشري ظل يتصور - طيلة قرون مديدة - جملة من الأفكار المجانبة للحقيقة حول الواقع، حتى انكشف له الصواب فيما بعد، ومن ذلك توهمه بأن الأرض مسطحة وساكنة، أو أنها مركز الكون، وأن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وأن سرعة الأجسام الساقطة إلى الأرض تتناسب طردياً مع أوزانها، وأن النجوم المرئية موجودة فعلاً... الخ.

ويشبه هذا الأمر من بعض الجوانب ما تقرر لدى الفكر الإسلامي من رسم العلاقة بين العقل والنص، إذ كان الكثير من العلماء يظنون بأن العقل قد حسم الأمر مع النص؛ إما بتطابقه مع ظاهر النص وعدم لحاظ ما يثير التعارض بينهما، أو من حيث ما يقتضيه الأمر من تأويل العقل للنص عند التعارض؛ لتتخذ العلاقة بينهما شكل التوافق والتطابق.

***

والنتيجة التي نخلص إليها، كما ستضفي البحوث القادمة على اجلائها، هي أن النص ليس معزولاً عن الواقع. وإذا كان من المعلوم أن الأول قد أثّر تأثيراً كبيراً على الأخير؛ فإن لهذا الأخير طريقته في التأثير على الأول، بحمله على الإستجابة إليه من غير تعال ولا تجريد.

كما إذا كان للنص قدرة على بيان ما للواقع من صور مختلفة لا تخلو من تنبؤات أحياناً مهما كانت مجملة، فللواقع في المقابل قدرته المتميزة على الكشف عما يحمله النص من حقائق ومضامين، بل وله القدرة على إزالة ما ترسّب في الأذهان من مسلّمات عُدّت واضحة ومطلقة لتعلقها بظاهر النص. فهو يعمل من هذه الناحية على تصحيح الرؤى التي توهم بالكشف عن معنى النص ومطابقة الخطاب. ومنه يتبين بأن الواقع هو مقياس الفهم واستكناه الحقيقة، ومنها الحقيقة الدينية المعبّر عنها بحقيقة النص والخطاب.

كما نخلص إلى أن النص والواقع توأمان محدثان عن الله تعالى، أحدهما يكشف عما في الآخر من حقائق، وقد درج العلماء على أن يطلقوا على الأول سمة الكتاب التدويني، بينما وسموا الآخر بالكتاب التكويني، فكل منهما يكشف عما يحمله الآخر من حقائق. وإذا كان من وظيفة الأول تغيير الواقع إلى حيث الكمال بالتدرج؛ فإن من وظيفة الثاني العمل على تغيير مفاهيمنا عن الأول بما يجعلها أقرب إلى الحقيقة. وهنا يتخذ التكوين دور الأساس لفهم الآخر ومعرفته. وبعبارة أخرى لا يمكن لفهم النص أن يستقل عن الواقع. فالأخير هو مقياس الفهم والتحقيق قبل أي إعتبار آخر.

الواقع

تتضمن الدراسات الفلسفية والإنسانية والطبيعية معالجات مختلفة حول (الواقع). ورغم إختلاف مفهوم الأخير من دراسة لأخرى، إلا أنها جميعاً تتفق على مفهوم عام يعبر عن المعطى الموضوعي للأشياء، رغم ما لدلالة ‹‹المعطى الموضوعي›› من التباس. فجملة من المدارس الأدبية تركز على المعطى الموضوعي للطبيعة والحياة الإجتماعية المعاشة، وهي من هذه الناحية تعد نفسها واقعية بإعتبارها تلجأ إلى (الواقع) بعيداً عن الرومانسية الذاتية. وبعض المدارس الفلسفية ترى أن الواقع أو المعطى الموضوعي محدد بكل ما هو حسي وقابل للتجربة المباشرة. في حين ترى مدارس أخرى أن الواقع أعم من هذه الحدود، فهو ينبسط على إمكانات بعيدة عن الحس والتجربة المباشرة، كعالم الجسيمات الإلكترونية وما شاكلها. وقد يختلط الواقع هنا بعوالم أخرى مفترضة لا يعلم إن كان لها حقيقة موضوعية أم لا؟ فالأبعاد الهندسية للكون، كما يتحدث عنها العلم اليوم، تتجاوز حدود الحس والتجربة لتضفي صوراً أخرى يعدها العلماء مهمة للتقدم العلمي رغم أنها افتراضية ذهنية. ومثل ذلك ما تتحدث عنه نظرية الكوانتم من أن عالم الجسيمات المجهرية يتصف بخاصية الاحتمال وصرف الصدفة كبعد موضوعي يختلف فيه الحال عن عالم الأجسام الكبيرة[17]. ناهيك عن أن هناك مفهوماً آخر للواقع تضيفه الدراسات القيمية والمعيارية، كدراسات الأخلاق والفن والجمال، إذ لا علاقة للواقع الذي تتحدث عنه بالأمور الكونية، بل لها علاقة بالإعتبارات الموضوعية طالما أنها ليست صنيعة الذات البشرية.

على هذا، فرغم شدة وضوح مفهوم الواقع لدى بعض الأبعاد والمعطيات، لكنه يكتنفه الغموض في أبعاد أخرى. ومن وجهة نظرنا أن للواقع أبعاداً واسعة تغطي المعاني الكونية والنفسية والإجتماعية والمقتضيات المعيارية وما تتضمنه من سنن وعلاقات، ويمكن أن نصفها - جميعاً - بعالم الشهود. فأدنى أبعاده مرتبة العالم المادي المحسوس، لكنه يزيد على ذلك فيشمل كل ما هو قابل للكشف المعرفي الموضوعي وإن ابتعد عن الإدراكات الحسية. ومن خصائص الواقع الكوني أنه موجود بغض النظر عن الإدراك العقلي، فسواء أدركته الذات البشرية أم لم تدركه، وسواء كان الإنسان موجوداً أو معدوماً، فإنه يمتلك وجوداً مستقلاً أخص من الوجود العام الذي تتدارسه الفلسفة القديمة عموماً. وهو بهذا المعنى يختلف عن عالم الغيب رغم أنهما موضوعيان يقابلان الذات أو العقل البشري. لكن يضاف إلى ذلك الواقع النفسي، بما يعبر عن مختلف الحالات النفسية للبشر كالتي يدرسها علم النفس وتبنى عليها العلوم الإنسانية الأخرى، وميزته أنه غير مستقل عن الإنسان.

وعموماً ينقسم الواقع إلى قسمين: وصفي وإعتباري. ويختص الأول بالواقع التقريري أو الإخباري، سواء كان محسوساً أو غير محسوس، وهو يشمل كلاً من السنن والحقائق، الكونية منها والبشرية، مثل سنة الحياة والموت، وسنة تفاعل الإرادة البشرية مع القوانين الكونية، وحقيقة كروية الأرض، وجريان الشمس، ومختلف حقائق عالم الحس والفضاء وغيرها. يضاف إليها الحقائق التاريخية، والتقاليد والأعراف العامة وما إليها.

وبالتالي فالواقع الوصفي على أنواع ثلاثة: حقائق خاصة محسوسة وغير محسوسة، وحقائق عامة من السنن والقوانين الحتمية، وسنن إجتماعية وتقاليد وأعراف عامة؛ مما لا يصل مداها إلى الحتم واللزوم، كالذي تحدثنا عنه خلال حلقة (علم الطريقة).

أما الواقع الإعتباري فهو يختص بقضايا القيم مثل إعتبارات المصالح والمضار، إذ يمكن إعتبار القيم الحسنة منشأً للغرض والمصلحة الواقعية، فالقيم من هذه الناحية ترتبط بالواقع إرتباطاً وثيقاً. فللقيم الحسنة آثارها الواقعية من المصلحة الأكيدة، وأن كشف العقل عن قضايا الحسن هو كشف عن المصالح أيضاً، فما من شيء حسن إلا وفيه مصلحة راجحة.

فمثلاً يعتبر مبدأ الصدق حسناً إذ تترتب عليه آثار المصلحة العامة؛ حتى وإن كان مفصولاً عن النية والدافع الأخلاقي، فلو أن الأصل في الحياة هو الكذب لعجز الناس عن معرفة الحقائق إلا ما ندر، ولترتب على ذلك فقدان الثقة التي يتوقف عليها إمكان التواصل في العلاقات الإنسانية. وقد اتضح من خلال الدراسات الحديثة مدى أهمية مبدأ الثقة في العلاقات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعلمية وغيرها[18].

ومن هذا المنطلق لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا واقع، فلكل إنسان واقعه ومحيطه بكل ما يحملانه من مكونات مادية وسنن طبيعية وإجتماعية ومعيارية إعتبارية تؤثر على حياة الفرد وتحدد إطار سلوكه ونشاطه وثقافته وفكره. فالواقع بهذا الإعتبار هو المعطى الموضوعي المقابل للذات البشرية، وهو من أقوى المحددات التي تعمل على صياغة ثقافة الفرد وفكره، ناهيك عن سلوكه ومجمل شخصيته. أما الذات البشرية فتعمل على صقل الخبرات الواقعية وبلورتها، مع ما تضيفه من قوالب ومضامين خاصة تعد من الأهمية بمكان، فمن خلالها يمكن للذات التجرد والتحرر نسبياً من هيمنة الواقع والتخفيف من وطأته. وبهذا التداخل يتحقق الجدل والتفاعل بين الذات والواقع، وهو الجدل الحاصل بين الطموح والأمر المفروض. إذ تقتضي شدة الإحتكاك بالواقع إضعاف الإرادة عن التجرد والتحرر، كما إن الإلفة تسلبها الوعي بالتأثير. والعكس صحيح أيضاً، فكلما ضعف الإرتباط بالواقع؛ كلما إزداد تمكّن الذات من التجرد والتحرر، وهو ما يدفع إلى الوعي بنمط التأثير والتفاعل بينهما، كما قد يتيح للذات الفرصة في التحكم بضبط هذه العلاقة وتوجيهها الوجهة المطلوبة، وعلى الأقل إنه يبعث على الوعي بوسائل التحكم والتوجيه.

ولعل بلوغ الفرد وتقدّمه في العمر ما يقرّب هذا المعنى، حيث التلاحم الشديد للفرد مع الواقع عند الطفولة والصغر يتناسب طرداً مع ضعف الوعي به والتحكم فيه، وذلك على عكس ما يحصل في حالة البلوغ والكبر، فكلما تجرد الفرد عن الواقع كلما ازداد الوعي به، وكذا ازدادت قدرته على التحكم فيه.

من جانب آخر، عادة ما تميل طبيعة الإنسان إلى التفكير المطلق؛ بجعل الحقائق تتجاوز حدود الواقع أو الزمان والمكان. وهو وهم يعود إلى عدم الوعي بالواقع وأثره على خلق هذا النمط من التفكير.

مع ذلك فلسنا ضد التفكير الإطلاقي بإطلاق، بل نعترف بأن من القضايا الثابتة هي وجود حقائق مطلقة، وأن هناك إمكانية لنشأة التفكير من النمط المطلق كالذي يجري في الدراسات الفلسفية والمنطقية. لكن موضع تحفظنا هو عندما يجهل هذا التفكير حقيقة الواقع وطبيعته، أو يغفل عما فيه من سنن وقوانين.

فأغلب ما يُطرح على أنه من الحقائق المطلقة لا يعدو أن يكون وهماً مطلقاً ناتجاً عن تأثير الواقع النسبي، أو ما يُعرف بروح العصر، دون التفات إلى ما يتمتع به الواقع من مجالات أخرى كما تؤكدها سنن الحياة وقوانينها. ففي كل عصر تظهر العديد من صور التفكير الإطلاقي الذي يميل إلى التجريد والتعميم، نتيجةً لتأثير روح العصر الذي يفرض نفسه على العقول، أو بسبب غياب الوعي الكامل بأبعاد الواقع وأشكاله المتنوعة.

فمن المعروف – من الناحية السيسيولوجية - أن لكل عصر روحاً خاصة تؤثر على الناس بما يجعل تفكيرهم يتجاوز حدود الزمان والمكان. وهو أمر ينطبق على تراثنا المعرفي، بل وينطبق على تفكيرنا المعاصر المنشغل بقضايا الإسلام وعلاقته بالإشكاليات الراهنة. إذ أصبح الواقع الخاص هو المحدد لصور الإطلاق وصيغ التفكير الكلية ذات العلاقة بالإسلام وفهمه.

فالذي يطلع على الدراسات التي كتبت حول قضايا الحكم والقومية والديمقراطية وحقوق الإنسان وشؤون المرأة والموقف من أهل الكتاب والرق والغناء والموسيقى، فضلاً عن التفاسير التي تنهج نهج العلوم الطبيعية وغيرها؛ يراها مشحونة بعبوات كبيرة من تأثير الواقع، بوعي أو بغير وعي. فكثيراً ما يتصور الباحث أنه إتخذ طريقه إلى الصواب بمعزل عن تأثير الواقع، أو دون دافع ومحرّك خفي. هذا إن لم يلجأ أساساً - وبشكل مفضوح - إلى الإعتماد على الدوافع الآيديولوجية لأغراض شتى منزوعة عن الواقع ذاته.

ومن ذلك كثيراً ما يفرض الواقع ذاته على فتاوى المجتهدين، فالآلات والصناعات التي يشاع استخدامها تتحول بمرور الزمن إلى عامل ضغط تُلجئ المجتهدين إلى التعاطي معها بإيجابية، ولو عبر تغيير الفتاوى السابقة.

فالمسارح والفنون وآلات الراديو والتلفزة والموسيقى والتصوير وغيرها.. كلها أمستْ ذات أثر واضح على فتاوى الفقهاء ومبانيهم، بعد أن شاع استخدامها وأصبحت قريبة من الناس.

بل حتى الأفكار الغربية الوافدة أو تلك التي يشيعها المثقف وينشرها في الوسط الإجتماعي العام، هي الأخرى كان لها الأثر الكبير على تغيير الكثير من المفاهيم والفتاوى وأحكام المجتهدين.

وبالتالي فكل ما يشيع استخدامه وترويجه يتحول إلى أثر ضاغط يُلجئ الفقيه إلى التعاطي معه بإيجابية وقبول، ولو عِبر إحداث فتوى جديدة تتعارض مع الفتاوى القديمة.

وهنا يصبح الواقع مغيراً للحكم والفتوى بعد أن كان العكس هو الحاصل. أو أن للناس دوراً فاعلاً في التأثير على الفقيه، والعكس صحيح أيضاً.

إن ما سبق يدعونا إلى الوعي بمراقبة مصادر فكرنا وأثر الواقع المعاش عليها. صحيح أننا لا يمكن أن نجرد أنفسنا عن التأثير الواقعي عند إعمال الرأي وتأسيس المعرفة. لكن صحيح أيضاً إن إدراكنا لطبيعة هذا التأثير يجعلنا نفهم نوع العلاقة التي تربطه بالمعرفة التي نؤسسها، وبالتالي قد نتمكن بفعل تجريد الذات - نسبياً - من إحكام هذه العلاقة وضبطها بدلاً من أن تكون مدفوعة بسلطة الواقع المعاش وقيده، بل ولقلب الحال بإخضاع الأخير وتطويعه لما نطمح إليه من تشكيلات جديدة مفضلة نتجاوز فيها مظاهر تبريره أو الصدام معه.

هكذا فنحن إما أن ننقاد تحت هيمنة الواقع، أو نكون على وعي بالأخير لنعمل على توجيهه إلى ما نهدف إليه. فحالنا كحال الحصان والعربة؛ إن شئنا جعلنا الحصان خلف العربة وتركناه يتخبط دون التمكن من الجري وتحديد المسار، أو جعلنا الحصان أمام العربة لنتحكم في جريه ومسيره.

ونُنبّه إلى أن النهضة الغربية لم تكن لتنجح لولا ما شكّله الواقع من حضور في الوعي الاوروبي. ودلّ على هذا الحضور أن الغربيين جعلوا الواقع أساساً للحقائق المستخلصة عبر الاستقراء والتجربة، بعد الإنتفاض على الطريقة الأرسطية ذات التفكير المتعال. فقد كانت هذه الطريقة تعد العقل أساس الواقع؛ وجوداً وحكماً، فمن حيث الوجود اعتبرت الواقع إفرازاً للعقل لا العكس، أما من حيث الحكم فقد اعتبرت العقل مرآةً للواقع، وأن للأول قدرة على كشف الثاني، وكذا فإن قوانين الأول مطابقة للآخر من غير حاجة لإعمال الفحص والتجربة.

وقد أعاد الفكر الغربي تركيب الصياغة بين المحورين لصالح الواقع بنقض المقولتين معاً. فلا العقل أساس الواقع، ولا أنه مرآة مطابقة له بالضرورة، بل الأمر يعود إلى ما يمكن كشفه من حقائق عبر مبدأ الاستقراء والتجربة، ومن ثم منطق الإفتراض العلمي[19].

أما الفكر الإسلامي فهو وإن استحضر ‹‹الواقع›› بين جوانحه بنوع ما من الحضور، إلا أنه مختزل إلى حد بعيد، لذا لم يتشكل عليه وعي كاف يبدي قيمته، بل كان غيابه أقرب للحقيقة من حضوره.

فإذا نظرنا إلى العلوم العقلية نجد أن ما شغلها كان بمعزل عن الواقع، إذ هيمنت إشكالية العقل والنص على هذه العلوم دون إلتفات إلى أهمية الأخير. يضاف إلى أن القضايا المطروحة كانت متعالية على الواقع وإشكالياته.

فمثلاً لم يكن هناك إهتمام بعالم الإنسان وعلاقاته الإجتماعية والحضارية. أما على صعيد العلوم النقلية فنحن وإن وجدنا جملة من الإعتبارات التي تمّ فيها توظيف الواقع بمظاهر متعددة، كما في مبدأ العرف والمصلحة الفقهية، إلا أن ذلك كان يجري ضمن جدول ثانوي مهمش مقارنة بالجداول الرئيسة المعتمد عليها، مثلما هو الحال مع نمط التفكير المستمد من دوائر البيان النصي والقياس. ناهيك عن أن هذه المظاهر كانت مكبّلة بقيود خاصة لا تتلائم مع آلية الإنفتاح على الواقع بكافة أبعاده. وعليه لم يكن للأخير من دور ولا حضور، بل ولم يُلتفت إليه على مستوى الوعي الكافي، باستثناء عدد من الشذرات المنبهة على بعض إعتباراته وخصوصياته، هنا وهناك، لكنها مع هذا لم تستطع أن تتغلب على الحركة العامة التي سارت بإتجاه آخر مختلف.

وبعبارة أخرى إن ما وصفه (فرانسيس بيكون) من أن المنطق الأرسطي لم يعر أهمية للواقع، بل سرعان ما كان يصدر أحكامه وإطلاقاته[20]، هو عينه ينطبق على الفكر الإسلامي وصلته بالواقع. فلم يستعن هذا الفكر بالأخير ولم يحتكم إلى مرجعيته في الأحكام وتمحيص المقدمات، بل كان مقيداً ضمن دائرة العقل والنص دون أن يتعداهما، الأمر الذي جعل مصيره يؤول إلى ‹‹الإفلاس›› والسقوط في خندق التناقض، مثلما انكشف الحال لدى الفخر الرازي وغيره من أصحاب العلوم العقلية[21].

فقد أخذ ‹‹العقل›› يصطدم بذاته ضمن حلقة مفرغة من التناقض دون خلاص، لا سيما أنه لم يُطرح على بساط التحليل لتتحدد إمكاناته وأنماطه وقيمه، إنما عُوّل عليه تعويلاً مطلقاً كمصدر للحقيقة، وكأساس تبنى عليه المعارف الأصولية، رغم ما تضمّنه من مقدمات متناقضة أو غير متفق عليها.

لذلك عجِزَ العقليون عن أن يثبتوا أصول الدين وعدد من القضايا العقائدية الأخرى؛ طالما أظهر ‹‹العقل›› تناقضاته ولم يستعن بالواقع وأدواته لحل ما إعترضه من قضايا، كالحال مع مسألة (القضاء والقدر) التي لم تطرح من زاوية البحث الواقعي، بل عولجت عقلياً، فاختلفت العقول واصطدمت فيما بينها، ووظفت لأجل ذلك النصوص من الآيات، وكانت النتيجة أن جُعل بعضها يضرب البعض الآخر. مع أنه كان من الممكن تفادي كل ذلك فيما لو اُستنطق الواقع واُستلهمت حقائقه. فهو كتاب الله التكويني، مثلما أن النص القرآني كتابه التدويني.

ونفس الحال نجده مع الدائرة البيانية التي راهنت على أن ترى الحقيقة من زواية النص فحسب. فقد شهدت هي الأخرى قصوراً وتناقضاً لعدم إتخاذها الواقع مصدراً معتمداً في التحقيق. وأصبح من الواضح أنه كلما امتد الزمن كلما تحول البيان إلى متشابه، فلم يعد البيان بياناً.

فالذين قيدوا أنفسهم بالبيان وإعتباراته اللفظية وجدوا أنفسهم بعيدين عن حركة الحياة ومسار الأحداث، حتى إعترف بعضهم بمنطق الإنسداد لشدة التشابه مع تقادم الزمن.

فالذي أسقط البيان في القصور هو ذاته الذي أسقط العقل في المآل نفسه، وذلك لعدم الإحتكام إلى منطق الواقع وإعتباراته في التحقيق، ومن ثم رسم العلاقة التي تربط هذه الأبعاد الثلاثة ببعضها.

هكذا نخلص إلى التشديد على ضرورة أخد ‹‹الواقع›› في الإعتبار وإحضاره بوعي على مستوى التأسيس، كنظام ومنهج غرضه دفع الفكر الإسلامي نحو آفاق مفتوحة غير قابلة للإنغلاق، بعد رفع اليد عما ساد من نمط التفكير الذي حدده النظام المعياري، سواء في منهجه العقلي، أو في منهجه البياني وطابعه الماهوي.

العقل

العقل هو تلك الأداة المدركة لذاتها ولغيرها. فالإدراك هو خاصية العقل ووظيفته الجوهرية. وله مراتب وقيم مختلفة بحسب ما تقتضيه العملية العقلية والشروط التي تحققها، فهي أشبه ما تكون بالمرايا التي تعكس صور الأشياء. إذ لا تعتمد عملية الإنعكاس على الوضع الذي عليه الشيء من الهيئة والبعد والقرب فقط، وإنما على طبيعة المرآة ذاتها أيضاً، حيث تختلف المرايا فيما بينها في درجة الصقل والإستواء والتحدب والتقعر والتصغير والتكبير، وكل ذلك يؤثر على طبيعة ما تعكسه من صور، ومدى ما تعبّر فيه عن مطابقتها للشيء الخارجي.

والإدراك على أصناف ثلاثة، فمنه ما يكون لقضايا كلية مجردة لا تحمل صفة الإخبار الخارجي، مثل القضايا الرياضية والمنطقية، كما منه ما يكون لقضايا واقعية شهودية، يضاف إلى أن منه ما يكون لقضايا غيبية ميتافيزيقية.

كذلك فإن سلسلة الإدراك في آلية التوليد والإستنتاج تختلف هي الأخرى من قضايا إلى غيرها، فقد تكون المقدمات المعتمدة في الإدراك قبلية تجريدية ليس مصدرها الموضوع الخارجي ولا تحمل صفة الإخبار عنه، كما قد تكون حاملة لهذه الصفة من الإخبار، يضاف إلى أنها قد تكون واقعية تفيد الإخبار عن غيرها، وهكذا.

ومن حيث الأساس تستعين عملية الإدراك بهذه المقدمات لأجل التحقق في القضايا، مما يجعلها متفاوتة تبعاً لطبيعة هذه الوسائط من المقدمات.

فمن القضايا ما لا تحتاج إلى وسائط أخرى غير ذاتها، فتكون عين الموضوع المدرك، وهي التي تتصف بالأولية والضرورة واليقين، إذ لا تحتاج إلى مقدمات سابقة لإستنتاجها، بل يكفي العقل إدراكها مباشرة ليحدد صدقها وضرورتها. وهي تمتاز بخصائص عدة، فتارة تكون محض منطقية لا إخبارية، كمبدأ عدم التناقض المنطقي ومبادئ الرياضيات، وثانية تكون إخبارية على نحو الإجمال، كمبدأ السببية العامة.

وهناك قضايا أخرى لا تخضع نتائجها للمقدمات الاستدلالية، أو أن من الممتنع معرفتها عبر هذه المقدمات، ومع ذلك فالعقل البشري لا يشك في صدقها، رغم عدم كونها من الضرورات، ما دامت لا تمتنع عقلاً ولا منطقاً عن أن تكون خاطئة وكاذبة، مثل قضية الواقع الإجمالي العام[22]، وقضية الصدق الإلهي، أي صدقه في إخباره ووعده ووعيده، فهي إما أن تكون مفتقرة للمقدمات التي من شأنها إثبات القضية كما في حالة الواقع الموضوعي العام، أو أن المقدمات ليست كافية رغم ما لها من أمارات ودلالات تفيد الإطمئنان، لكنها لا تفضي بذاتها إلى الجزم منطقياً، كالحال مع قضية الصدق الإلهي[23].

هكذا فباستثناء الحالة الأخيرة إن القضايا المذكورة، سواء كانت من صنف الضرورات أو من صنف الوجدانيات الإخبارية - كما في قضية الواقع الإجمالي العام -، لا تحمل وسائط أو مقدمات منتجة.

أما القضايا التي تحتاج إلى وسائط منتجة؛ فتارة تكون الواسطة قبلية والنتيجة قبلية مثلها، وتصبح القضية عقلية تجريدية صرفة، مثلما هو الحال مع المستنتجات الرياضية، حيث تتصف بالقطع والضرورة طالما أن وسائطها كذلك، ولو كانت الوسائط غير قطعية فستكون نتائجها غير قطعية هي الأخرى. كما قد تكون الواسطة قبلية ويراد منها إستنتاج قضية إخبارية، وهي تصح في حالات قليلة معدودة يمكن البت فيها، كما هو الحال مع السببية العامة، بإعتبارها مبدأً قابلاً للإخبار عن الموضوع الخارجي. كذلك قد تكون الواسطة بعدية واقعية ويراد منها الكشف عن قضية إخبارية سواء كانت الأخيرة واقعية أم ميتافيزيقية، ونسميها (القضية البعدية الإخبارية)، وهي قد تمتاز بالصدق عند وفائها ببعض الشروط، أهمها الإستعانة بالاحتمالات المنطقية طبقاً للطريقة الاستقرائية.

لكن هل يمكن تأسيس قضية واقعية طبقاً لقضية أخرى ميتافيزيقية؟ الجواب هو النفي. وكذا هل يمكن بناء قضية لا إخبارية على قضية إخبارية، كإن نبني قضية منطقية استناداً إلى ركائز واقعية أو ميتافيزيقية؟ الجواب هو النفي أيضاً.

والسبب في ذلك هو أن أساس القضية الواقعية مستمد من الحس والتجربة والاستقراء، وهذه القضايا ليست مؤهلة لكي تثبت قضايا كلية، فهي تتعامل مع الجزئيات. فهي وإن كان بإمكانها إثبات كليات منتزعة من الواقع على نحو التعميم، لكن هذا الإثبات للكليات فيه نوع من المسامحة، فمن جانب إن من المحال تبرير تعميم هذه الكليات، كما إنها – من جانب آخر – تعتمد في استدلالها على الكليات القبلية، كمبادئ الاحتمال والسببية العامة وما إليها.

والأهم من ذلك إنه لا علاقة لهذا الإثبات بالقضايا المجردة. أما القضية الميتافيزيقية فمن الواضح أنها ليست مؤهلة لإثبات القضية الواقعية، طالما أن الأولى ليست محلاً للكشف والتجربة والتمحيص، إنما العكس هو الصحيح، حيث يمكن إثبات بعض القضايا الميتافيزيقية عبر الواقع، مهما كانت مجملة ومعدودة.

من ناحية أخرى، إن الضرورات العقلية الإخبارية تارة تكون كاشفة عن الموضوع الخارجي بنحو من التطابق التام، وأخرى كاشفة عنه وإن لم يشترط مثل هذا التطابق، بل المتوقع عدمه، كالذي يلاحظ مع الحسابات الاحتمالية.

إذ يمكن أن نفترض قضية ذات قيمة احتمالية عقلية ثابتة في ظل شروط معينة، لكن هذه القيمة لا تستلزم التطابق مع ما يجري في الواقع من إختبار. وغالباً ما يحدث في الواقع لا يتطابق مع القيمة العقلية، ومع هذا تعد هذه القيمة صحيحة وضرورية رغم عدم التطابق المشار إليه، بإعتبار أن القضايا الاحتمالية تتسم بإمكانات مرنة للظهور تبعاً لما تتأثر به من ظروف الواقع.

***

ويتبين مما سبق أن الإدراك العقلي تارة يكون مبدعاً ينطلق من عنديات ذاته ليكشف عما في ذاته وما خارجها، وأخرى مستنتِجاً، وثالثة يقف وسطاً بين الإبداع والإستنتاج، وذلك كما يلي:

 1ـ الإدراك القبلي البحت، كما في المنطق والرياضيات. حيث مجال الصدق فيه كبير. فهو يعتمد على العقل القبلي ولا ينتهي إلى ما وراءه من الإخبار الخارجي، سواء كان العالم الخارجي من القضايا الواقعية أو الميتافيزيقية.

 2ـ الإدراك القبلي الإخباري، وهو لا يكون صادقاً ومتطابقاً إلا في قضايا محدودة مجملة، كما في مبدأ السببية العامة. كما قد يكون صادقاً من حيث المبدأ القبلي وإن لم يتحتم التطابق مع نتائجه الإخبارية، كالجاري مع الحسابات الاحتمالية. وهناك قضايا أخرى معرّضة للطعن والتشكيك، سواء كان الإخبار فيها عن قضايا واقعية أو ميتافيزيقية، مثل البرهنة على نفي التسلسل، مما لا يعنينا بحثها هنا.

 3ـ الإدراك البعدي الإخباري، وهو ما يقبل الصدق، وقد يكون الموضوع المثبت شهودياً أو غيبياً ميتافيزيقياً، لكن الواسطة تتمثل في الواقع أو ما يرتكز عليه.

ويمكن تقسيم الإدراك الأخير منهجياً إلى إدراك إستنتاجي وآخر إضافي. فالأول يكاد يعتمد كلياً على ما يصوره الموضوع الخارجي - كالواقع - دون أن يضيف العقل إليه شيئاً من عندياته لأجل التصديق، إلا بالقدر اليسير جداً، إذ به يتمّ تحويل التصديق من قوته الاحتمالية المتاخمة إلى التصديق التام، استناداً إلى ما يقدّمه الموضوع من دلالات وقرائن متسقة لصالح هذه القوة الاحتمالية.

لهذا فالإضافة التصديقية التي يقدمها العقل تكاد لا يكون لها حساب، وإن كان من الناحية المنطقية الرياضية تعبّر هذه الإضافة - بنوع من الإعتبار - عن إضافة اللامتناهي إلى المتناهي رغم قيمتها المتناهية الضآلة.

أما الإدراك الإضافي فنقصد به ما يقدّمه العقل من دلالات إخبارية أو تصديقية كاشفة عن الواقع والتشريع، وليست هي من المستنتجات المنطقية ذات الصفة المنضبطة. لذا يتفاوت هذا الإدراك قوة وضعفاً، فالإضافة القوية تجعل الدلالة مصطبغة بالصبغة العقلية، في حين إن ضعف هذه الإضافة يجعل الدلالة موضوعية، سواء كانت واقعية أو نصية.

وبالتالي فنحن نميز بين القضية العقلية وما يقابلها من القضيتين الواقعية والنصية؛ استناداً إلى مقدار الإضافة العقلية قوة وضعفاً، لأن العقل في القضايا البعدية - وفي جميع الأحوال - يداخل غيره من الموضوعات كالنص والواقع، وليس بالإمكان التمييز بين نشاطه الخاص والموضوع المدرَك إلا بنحو ما يفرزه من الإضافة التصديقية.

ففي القضايا الاستقرائية تكون الإضافة العقلية ضعيفة، إذ تتخذ دور الجامع لمقادير الدلالات التي تفرزها هذه القضايا. بينما في القضايا غير الاستقرائية؛ مثل قضايا الاستدلال بالشاهد على الغائب والقياس التمثيلي وما اليهما، تكون الإضافة العقلية قوية، مما يجعل هذه القضايا أقرب إلى العقليات، وإن اعتمدت على نص أو واقع، ما لم تكن هذه الموضوعات ذات قوة احتمالية كبيرة، إذ ستطغى عليها الصبغة الموضوعية أكثر من الصبغة العقلية.

وفي هذا السياق نستنتج أنه لا يمكن للقضية البعدية الإخبارية أن تستغني عن تحكم القضية العقلية القبلية.

 وعلى العموم لا يمكن بناء قضية واقعية دون استناد للضرورات القبلية. فالبعدي يحتاج إلى القبلي بالضرورة، في حين لا يلزم العكس، كالحال مع الحسابات الرياضية، وهي عقلية محضة. وفي جميع الأحوال لا يمكن الإستغناء عن تحكم المبادئ القبلية الضرورية في القضايا البعدية، مباشرة وغير مباشرة.

لكن قد يقال: كيف يصح ذلك ونحن نعلم أن الفرد منا يولد وهو يخلو من مطلق المبادئ القبلية قبل اتصاله بالواقع الخارجي؟ فهل يجوز القول إن القبلي يتوقف تصديقه على صدق البعدي، وبالتالي نقلب ما سبق تقريره؟

لقد سبق لنا معالجة هذا الموضوع، واعتبرنا التصديق بالقضايا القبلية يمر بمرحلتين، أُولاهما واقعية والأخرى منطقية. حيث تبدأ المرحلة الواقعية عند الصغر، فتنشأ لدينا بفعل العادة إنطباعات نفسية لمختلف المعارف العقلية والحسية. وتظل هذه المعارف لا تعبّر في هذه المرحلة عن المدركات المنطقية التي تراعى فيها القضية كما هي.

فالطفل منّا يولد وهو يرى الأشياء على ما هي عليه، وأنها تتغير نتيجة أسباب معينة، وهذا الحال يطبع في ذهنه – بلا شعور - الإعتقاد بأن كل شيء على حاله ما لم يغيره شيء، وأن كل ما يتغير إنما يتغير طبقاً لسبب.. وبهذا ينشأ الإنطباع النفسي لحالة السببية لدى الطفل.

وبذلك يتضح أن المعارف العقلية تنشأ في البداية على شكل إنطباعات نفسية شبيهة بالمصادرات من وجه، فهي ليست قائمة على الدليل، ولا على الوضوح العقلي وضرورته المنطقية، بل حتى الاستدلال في البداية ينشأ على سبيل الإنطباع والعادة دون الأحكام المنطقية.

إذاً تتصف هذه المرحلة بالمواصفات التالية:

1ـ تنشأ المعرفة في بدايتها على شكل إنطباعات نفسية لا شعورية، وهي شبيهة بالمصادرات من وجه.

2ـ يعود سبب هذه الإنطباعات إلى عوامل معينة؛ هي العادة والتأثير الاجتماعي والمؤثرات الخارجية ذات الأثر الحاد على نفس الإنسان.

3ـ ان المعرفة (الإنطباعية) بالمبادئ العقلية تأتي متأخرة عن المعرفة بوجود الأشياء أو الشعور بها.

أما المرحلة الأخرى فتتصف بما للفرد من قدرة على التصور التجريدي والمنطقي للقضايا، فيدرك فكرة الضرورة وارتباط القضايا في توقف بعضها على البعض الآخر. وهنا باستطاعته إدراك ان المعرفة لا تتم لها قائمة من غير التسليم ببعض القضايا الأولية كمبدأ عدم التناقض[24].

على ذلك ليس من الصحيح ما ذهب إليه عالم نفس النمو المعرفي للطفل (جان بياجيه) في إعتبار القضايا المنطقية - كالرياضيات مثلاً - بأنها ليست قبلية ولا تجريبية، وربط تفسيرها بالجذور النفسية والبايولوجية[25].

فكل ما فعله هذا العالم السويسري هو التركيز على الجانب الواقعي لنشأة الفرد ضمن تفسيره البنائي.. لكنه عجز عن أن يوضح لنا كيف تتصف القضايا العقلية بالأحكام الضرورية خلافاً لغيرها من القضايا؟ رغم أن المجموعتين تخضعان إلى الجذور النفسية والبايولوجية، ومنها التأثير الإنطباعي الذي تحدثنا عنه كالذي سبق إليه ديفيد هيوم[26].

هكذا فمن حيث الحاكمية والتمييز بين الدلالتين العقلية القبلية والواقعية؛ يلاحظ أن للعقل نظامه في التحكم، بفعل المبادئ الضرورية القبلية. لكن في غير الضرورات فإن للواقع القدرة على تغيير القناعة العقلية، بحيث أن التعارض بينهما يدفعنا إما إلى تأويل فهم الواقع إن أمكن ذلك، أو تخطئة العقل، ولا معنى للقول بجواز خطأ الواقع. إذ للأخير حقائقه سواء استطعنا إدراكها أم لم نستطع، رغم أن هذا الإدراك لا يكون إلا من خلال العقل ذاته.

مع هذا فإن حالات التفاعل والجدل بين معطيات العقل والواقع تجعلنا نميز بينهما ونكتشف ما يمكن أن يطرأ عليهما من تعارض.

وبهذا نخلص إلى أن كلاً من الإدراكين القبلي والبعدي ينقسم إلى قسمين كما يلي:

 1ـ الإدراك القبلي البحت.

 2ـ الإدراك القبلي الإخباري.

 3ـ الإدراك البعدي الإستنتاجي.

 4ـ الإدراك البعدي الإضافي.

وعلى ضوء هذا التقسيم يكون القسمان الأولان ضمن القضايا العقلية البحتة. بينما يندرج القسم الثالث ضمن قضايا الموضوع الخارجي، كالواقع مثلاً. في حين يتفاوت القسم الرابع بين أن يطغى عليه التأثير العقلي فتكون قضيته عقلية، أو التأثير الموضوعي فتكون قضيته موضوعية. وبالتالي يتصف هذا القسم بالنسبية بإعتباره محل تداخل بين قضيتين أو أكثر.

من جانب آخر، تتفاوت القضية المعرفية في درجة صدقها وقيمتها، بغض النظر عما إذا كانت عقلية أو موضوعية، وذلك بحسب المراتب التالية:

فهي إما أن تكون ضرورية كالبديهيات، أو قطعية وإن لم تصل إلى حد الضرورات كالحسيات، أو حدسية بحيث لا تجد احتمالاً معقولاً في قبالها، أو عادية إطمئنانية كما عليه سيرة العقلاء في معاملاتهم وعلاقاتهم، حيث الاحتمال المقابل ضعيف لا يعتد به، أو ظنية يقابلها احتمال ضعيف يعتد به، أو شكية، أو وهمية لها درجات مختلفة تتقابل مع الظنية والعادية والحدسية، أو منفية تقابل القطعية، أو مستحيلة تقابل الضرورية.

إذاً، فمراتب الإدراك هي كما يلي:

 1ـ الضرورات.. 2ـ القطعيات.. 3ـ الحدسيات.. 4ـ العاديات

 5ـ الظنيات.. 6ـ الشكيات.. 7ـ الوهميات.. 8ـ المنفيات.. 9ـ المستحيلات

***

يتبين مما سبق أن الكشف عن القضايا البعدية يعتمد على معرفة الواقع والإرتكاز عليه. فهو في حد ذاته يمثل مقياس الحقيقة، وبالتالي فالإصطدام به يكشف عن خطأ القضية أو الإدراك.

نعم، يتعذّر على الواقع الإستغناء عن كاشفية العقل، إذ لا سبيل للإطلاع والمعرفة إلا من خلاله. ومع ذلك فمقياس الحقيقة لا يعود إلى العقل أساساً، إذ يمكن التشكيك في قيمه إذا ما استثنينا مبدأ عدم التناقض وسائر الضرورات العقلية الأخرى، كما يمكن التشكيك في قيمة النص الديني أو غيره من المصادر المعرفية، إلا أن الواقع ذاته لا يمكن التشكيك في قيمته الوجودية، لأنه ليس محلاً للصواب والخطأ، بل هو المقياس الذي تُقاس به الحقائق.

فمثلاً تتعارض الإعتبارات العقلية لقضية الجزء أو الجوهر الفرد تبعاً لإختلاف المدارس المعرفية ومواقفها. فقد اتجه الفلاسفة الأرسطيون ومن اتبعهم إلى إعتبار كل جزء يقبل التجزئة بلا نهاية ولا إنقطاع. في حين خالفهم المتكلمون المسلمون - ومن قبلهم ديمقريطس - ورأوا أن نهاية التقسيم تصل إلى جوهر فرد لا يقبل التجزئة، وهو ما أطلقوا عليه (الجزء الذي لا يتجزأ). هذا على الرغم من أن الجدل الدائر بين الطرفين هو جدل من النمط العقلي القبلي الإخباري الذي يتوقف التحقيق فيه على ما يفرزه الواقع من حقيقة، سواء كان لصالح الفلاسفة، أو المتكلمين، أو حتى على خلافهم جميعاً كالذي تفيده تطورات الفيزياء الحديثة. وبالتالي لا يمكن الإعتراض على مفاد الواقع بحجة مخالفة العقل، في حين يمكن الإعتراض على العقل القبلي الإخباري بحجة مخالفته للواقع.

وثمة شبهة كتلك التي تضمنتها فلسفة (عمانوئيل كانت)، إذ اعتبر هذا الفيلسوف بأن الأشياء الخارجية – كظواهر طبيعية - يجب أن تكون موافقة ومحددة بحسب ما عليه كشف عقولنا وطبيعتها من دون عكس.

فبحسب هذه النظرية ليس الكشف العقلي هو ما يجب أن يكون موافقاً ومحدداً تبعاً لما عليه الموضوع الخارجي كظواهر، وذلك لإحتواء العقل قوالب وقضايا قبلية هي التي تضفي على الأشياء مظهرها.

فهذه المسألة هي مثل شخص يولد وعلى عينيه نظارة زرقاء؛ إذ سوف لا يرى العالم إلا بلون أزرق ويتوهم أنه كذلك دون معرفة حقيقة ما عليه العالم. فالتحديد إنما كان بفعل النظارة لا العالم الخارجي. وكذا هو الحال مع علاقة الإدراك بالموضوعات الخارجية كظواهر، فالعقل والحواس مصممان ضمن أُطر محددة هي التي تضفي على الأشياء ما تبدو لنا، وليس بالإمكان معرفة ما عليه العالم الموضوعي في ذاته طالما أن القضايا القبلية والقوالب الإدراكية المحددة، كالسببية والزمان والمكان وغيرها، لا تمتد إليها، فعملها لا يتعدى تحديد العالم المشهود كظواهر فيزيقية دون الشيء في ذاته.

فتلك هي ثورة (كانت) في الفلسفة، وقد شبهها في مقدمة كتابه (نقد العقل المحض) بالثورة الكوبرنيكية على صعيد علم الفلك[27].

فإذا كان من الصحيح أن إدراكاتنا الحسية لكيفيات الأشياء الخارجية متأثرة تماماً بما عليه جهازنا الحسي، وبالتالي جاز أن تظهر بأشكال شتى بحسب طبيعة هذا الجهاز، فإن الأمر لا ينطبق على إدراكنا لعلاقات الأشياء، كالسببية. فما ندركه مثلاً على أنه سبب وسابق لغيره لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه لاحقاً ومسبباً من قبل ذلك الغير. وإذا كان الواقع هو الذي عرّفنا بالإدراكات الممكنة لكيفيات الأشياء طبقاً للأجهزة الحسية المختلفة - ومنه مثال النظارة -؛ فكذلك أنه لا يشير، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أي إدراك ممكن آخر غير ما ندركه لعلاقات الأشياء. وبالتالي فلسنا مضطرين لإفتراض واقع آخر للعلاقات يتضارب في طبيعته وأحكامه النسبوية عن العالم المشهود.

مما يعني أن من الممكن استكشاف بعض الحقائق الموضوعية في الأشياء، كما يمكن إثبات هذه الأشياء - نسبياً –، وهو أمر يختلف عما لدى (كانت).

***

ننتهي مما سبق إلى أن الدلالة العقلية عندما تعبّر عما أطلقنا عليه (العقل القبلي غير الإخباري) فإنها لا تشكل مورداً للنزاع والصدام مع الواقع. إذ لا علاقة لوظيفة هذا العقل بالإخبار عن الواقع الخارجي، وبالتالي فهو ليس محلاً للتعارض والنزاع مع دلالته، فكل منهما يسير في إتجاهه الخاص بلا مقاطعة ولا تعارض.

لكن تتمثل الحالة التي يمكن أن يتولد فيها التعارض والتضاد مع دلالة الواقع بتلك التي تنتمي إلى ما أطلقنا عليه (العقل القبلي الإخباري). فوظيفة الأخير هو الإخبار القبلي عن الموضوع الخارجي، وبالتالي جاز أن يكون إخباره مصادماً لما تدل عليه الدلالة الواقعية البعدية، وفي هذه الحالة لا مجال لترجيح الأولى على الثانية، لأن معيار صحة الدلالة الإخبارية يكمن في تطابقها مع الواقع. وبالتالي جاز إعتبار الواقع الأساس المعتمد عليه لتقييم ما يصادره العقل القبلي الإخباري. وهو بهذا المعنى يكون حاكماً ومقياساً للحقيقة. وهو أحق حقيقة من غيره في الفهم وتأسيس النظر.

على أن ذات ما قدرناه ينطبق على النص الديني عند مقارنته بالواقع، فيجري النص مجرى العقل القبلي، إذ تارة لا يخبر عن الواقع بشيء وبالتالي لا مجال للتعارض معه، وأخرى يخبر عنه فتترجح بذلك دلالة الواقع عند التعارض؛ مما يقتضي العمل على توجيهه الوجهة المتسقة مع الواقع إن أمكن ذلك، أو ايكال علمه إلى الله تعالى، أو يتم طرحه عندما لا يكون قطعي الصدور.

وعلينا أن نميز بهذا الصدد بين الواقع كحاكم وكمحكوم. فهو حاكم على ما سواه عندما يكون مصدراً للحقائق الموضوعية، لا سيما حين التعارض. أما عندما يكون كاشفاً عن الحقوق والمصالح فإنه يصبح محكوماً، إذ يحقق ما تبتغيه المقاصد الكلية العامة من ترجيح هذه القيم على أضدادها عند التعارض.

وعليه تكون المقاصد حاكمة على الواقع، إذ قد تعمل على تغييره عندما يكون حاملاً لصور الضرر والفساد.

لكن للنص إعتباراً آخر حين مقارنته بالعقل، فهو أشبه بالواقع الذي يفرز الدلالة البعدية، وأن للعقل في القبال دلالتين؛ إحداهما قبلية لا إخبارية، وأخرى قبلية إخبارية، أي أنها تخبر عما يفترض أن يحمله النص من محتوى معنوي.

لذلك قد تتوافق الدلالة القبلية الإخبارية مع الدلالة البعدية للنص، كما قد تتعارض معها، مثلما جرى عليه التأويل لدى النزعات العقلية للفكر الإسلامي، وهو ما حفّز النزعات البيانية للتصدي لها ومناهضتها؛ دفاعاً عن الدلالة البعدية قبال الدلالة القبلية، كالذي مارسته المدرستان التيمية والإخبارية[28].

 

الخطاب والحجج الثلاث

كيف نعرف أن النص حجة ملزمة يجب التمسك به والإمتثال له عندما يدل على الأمر والنهي؟

فلو قيل إن حجيته نابعة من الله تعالى؛ لقلنا كيف دلّ ذلك؟ فلو قيل إنه من خلال ما أفاده النص؛ لوقعنا في الدور.

ولو قيل إن حجيته بذاته لا غير، حيث ذاته كاشفة عما فيه، لإقتضى أن يكون كل نص لغوي يتضمن الأمر والنهي دالاً على الإلزام والحجة، وهو غير صحيح.

ولو قيل إن حجيته نابعة عن الدليل العقلي الصرف، لكان غير صحيح أيضاً، فالعقل في حد ذاته - كمصدر قبلي - لا يدرك هذه الحجية للنص.

وبذلك لا يبقى لنا إلا القول بأن حجية النص هي رهينة النظر إلى الواقع، وبالذات واقع النبوة وما تتلبّس به من حالات كاشفة، كتلك التي تُعرف بالمعجزة، استناداً إلى منطق الاحتمالات وقرائن الاستقراء الدالة على صدق الرسالة.

فإثبات الرسالة يثبت حقانية النص، فيكون النص حجة لتوقفه على صدق الرسالة، وأن صدقها متوقف على النظر إلى واقعها وما عسى أن تدل عليه طبقاً للاحتمالات والقرائن الاستقرائية، كأي قضية واقعية أخرى، كالذي كشف عنه المفكر محمد باقر الصدر في كتابه (المرسل/ الرسول/ الرسالة).

مع هذا نجد نصوصاً دينية كثيرة تحث على النظر إلى الواقع والإفادة منه والإعتبار به. ولا يمكن إعتبار ذلك دليل حجية الخطاب على الواقع، لتوقف صدق الأول على الأخير كما عرفنا. فلو قلنا بالمقالتين معاً لوقعنا في الدور ما لم نبنِ ذلك على نوع من الفصل بين القضايا، فنعتبر مثلاً إن حجية الخطاب متأسسة على بعض قضايا الواقع، في حين تتوقف حجية سائر قضايا الأخير على دلالة الخطاب أو النص.

وهي صيغة سبق لإبن تيمية أن طرح مثلها رداً على النزعات التي إتخذت من العقل أساساً لحل القضايا التي إعترضتها بإطلاق[29]، فعيبها وقصورها أنها لم تتفق على طبيعة القضايا العقلية التي عوّلت عليها، ولم يتبين منها الطابع المنطقي أو حتى الوجداني لإتخاذها أساساً لبناء القضايا الإسلامية وتأويل النصوص. لهذا كانت موضع نقد واتهام من قبل الإتجاهات البيانية، سواء في الساحة السنية أو الشيعية.

لكن الأمر يختلف – هنا - كلياً. فمن الممكن أن تصدق الشبهة السابقة فيما لو كان الإعتماد على الواقع منفصلاً عن الأساس المنطقي الكاشف عن حقانيته، وهو القرائن المعتبرة من الاستقراء والتقدير الاحتمالي. فباستثناء القضايا الوجدانية الصرفة؛ ليس للدلالة الواقعية من قيمة إلا بما تستمده من قدر معتبر من القوة المعرفية كما يبينها الكشف الاستقرائي والتقدير الاحتمالي. وينطبق هذا الأمر حتى على فهم النص واستنباط الحجج اللفظية التي يقدمها. إذ يتضح الفرق في الدلالة بين ما يقدمه نص واحد حول قضية معينة، وما تقدمه مجموعة من النصوص حول القضية ذاتها. فلا شك أن فهمنا يصبح أعمق وأشمل عند الاعتماد على نصوص متعددة، مقارنة بفهم نص واحد، شريطة تساوي قوة الدلالة بين النصوص المختلفة.

وبالتالي، فإن رفض الدلالة الواقعية وفق المعنى السابق يفضي بالضرورة إلى رفض دلالة الخطاب، لأن الأساس المعرفي لكليهما واحد، وهو وجود القرائن التي تشير إلى معنى معين دون غيره، كما يوضحه منطق الاستقراء والاحتمالات.

وعليه فإن الإشارات القرآنية الكثيرة الداعية لحثّ العقول على ممارسة التفكير والتأمل في سنن الله وخلقه، ومن ثم اقتناص الحقائق الكبرى منها، لم تأتِ لتثبت حجية الواقع، بل جاءت لتنبيه العقول إلى هذه الحجية التي هي قائمة بذاتها. فمما جاء بهذا الصدد قوله تعالى:

 ﴿أو لم ينظروا فـي ملكـوت الـسماوات والأرض وما خلـق الله من شيء﴾[30].. ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كـيف خُـلـقت، وإلى الـسماء كـيف رُفعت، والى الجبال كيف نصبت، والى الأرض كيف سُطحت﴾[31].. ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض..﴾[32].. ﴿سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم﴾[33].. ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض وإختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين﴾[34].. ﴿ألم ترَ إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً، ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً﴾[35].. ﴿ألم ترَ أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخّر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى﴾[36]... الخ.

وسبق لإبن رشد أن إستند إلى مثل هذه الآيات ليدلل على حجية المنطق والمقاييس البرهانية شرعاً، ومن ثم وجوب قراءة الكتب الإغريقية القديمة[37]، رغم أن هذه الآيات تنبه على حجية ‹‹الواقع›› لا المنطق بشكله الصوري المألوف.

كذلك إستفاد المفكر محمد اقبال من هذه الآيات ليستدل بها على حجية ‹‹الواقع›› الذي عبّر عنه بالتجربة والنظر في فهم ظواهر الكون واستنطاق الأنفس والآفاق والإعتبار من أخبار الأولين وغير ذلك من المصادر الهامة للمعرفة، مما يشكل إعترافاً بقيمة النشاط العقلي المستند إلى الواقع ونظام الخلقة[38].

***

أخيراً يبقى أن نقول بأن الدلالة الواقعية لا تنفصل - كما عرفنا - عن الإعتبارات العقلية من أمثال منطق الاحتمال وما إليه، كذلك فإنه لا معنى للدلالة الواقعية دون الكشف العقلي. فبالعقل تتبين الدلالة الواقعية وتتكشف، وليس لنا من طريق آخر للواقع أو لغيره دون العقل وكشفه.

لكن مع هذا هناك تمايز وتفاوت بين العقلين القبلي والبعدي. وسبق أن عرفنا بأنه لا يصح الإعتماد على العقل القبلي في كشف القضايا الإخبارية إذا ما استثنينا الصور الضرورية والوجدانية مما لا يمكن دحضها عبر العقل البعدي؛ سواء كان الأخير معبّراً عن دلالة الواقع أو غيره.

لذا فالممارسة العقلية مطلوبة ضمن الحدود السابقة، وأن الخطاب يمتدح هذه الممارسة ويراها حقة مفضية إلى الصواب في الكثير من المواقف. كما إن عدداً من النصوص ينضبط فهمها إعتماداً على دلالة العقل، كالذي جاء في قوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾[39].

فمن الواضح بدلالة العقل أنه لا يفهم من الآية الإطلاق فتكون القدرة متعلقة بكل شيء بما في ذلك المستحيلات، كخلق الشريك في الإلوهية، أو خلق التناقض وجعل الواحد المضاف إلى آخر مثله لا يساوي اثنين، وجعل الجزء أعظم من الكل كما تُصوّره بعض الروايات[40]. ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿قل الله خالق كل شيء﴾[41]، فبدلالة العقل لا يمكن أن يكون علمه وقدرته وسائر صفاته الذاتية داخلة في خلق الله، كالذي أشار إليه الإمام أحمد بن حنبل وهو في معرض نفي أن تكون الآية دالة على خلق القرآن أو كلام الله [42].. إلى غير ذلك من النصوص.



[1]  للتفصيل حول المقارنة بين النص والخطاب انظر حلقة (علم الطريقة)..

[2]  جاء عن الإمام جعفر الصادق قوله: ‹‹إن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق وغير أزلي مع الله تعالى.. كان الله عزّ وجل ولا شيء غير الله معروف ولا مجهول، كان عزّ وجل ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل.. فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه.. والقرآن كلام الله غير مخلوق..›› (ابو جعفر الصدوق: التوحيد، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، ص277). وفي حديث آخر وردت لفظة مخلوق بمعنى مكذوب (المصدر، ص225).

[3]  الأشعري، أبو الحسن: الإبانة عن أصول الديانة، دار الكتاب العربي في بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ ـ 1985م، ص40 وما بعدها.

[4]  الرازي: أصول الدين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، 1404هـ ـ 1984م، ص66.

[5]  المستصفى من علم الأصول، المطبعة الأميرية في مصر، الطبعة الأولى، 1322هـ، ج1، ص122.

[6]  هناك عدد كبير من الروايات الكاشفة عن حالة نسخ التلاوة كما نقلها المحدّثون وسلّم بها أهل السنة عموماً، لا سيما وأن بعضها ورد في كتب الصحاح. وقد أُعيد اليوم طرح القضية من جديد بإعتبارها مسألة شائكة ربما يكون الطعن فيها طعناً في الحديث جملة، في حين إن قبولها بنظر جماعة هو قول بالتغيير والتحريف، وهو ما وظفه بعض المحدّثين لأغراض مذهبية (لاحظ بهذا الصدد: مرتضى العسكري: القرآن الكريم وروايات المدرستين، الكتاب الثاني، شركة التوحيد للنشر، الطبعة الأولى،1417هـ ـ 1996م).

[7]  أبو جعفر الطوسي: التبيان في تفسير القرآن، مقدمة المحقق آغا بزرك الطهراني، دار إحياء التراث العربي ببيروت، ج1، ص394 و 398.

[8]  الأنفال/ 65.

[9]  الأنفال/ 66.

[10]               المجادلة/ 1.

[11]               لقمان/ 27.

[12]               محمد باقر الخوانساري: روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، الدار الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ ـ 1991م، ج4، ص291.

[13]               السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص1005.

[14]               أبو عبد الله المفيد: أوائل المقالات، دار المفيد، الطبعة الثانية، 1414هـ ـ 1993م، ص63.

[15]               القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكاتب العربي، مصر، الطبعة الثالثة، 1387هـ ـ 1967م، ج1، ص67.

[16]               الإتقان، ج2، ص1005.

[17]               جرت عدد من المناقشات بين اينشتاين وممثل نظرية الكوانتم (نيلز بور) بمعية الكثير من العلماء المساهمين حول عدد من قضايا هذه النظرية، كان أبرزها صفة الاحتمال في الجسيمات المجهرية إن كان لها خاصية واقعية أم لا؟ وكانت هذه المناقشات على ثلاث مراحل، بدأت منذ سنة 1927 واستمرت حتى سنة 1949 (انظر: ايلاريونوف: جدل اينشتاين ـ بوهر، ضمن كتاب: اينشتاين والقضايا الفلسفية لفيزياء القرن العشرين، لمجموعة من الباحثين، ترجمة ثامر الصفار، الاهالي للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الاولى، 1990م، عن مكتبة المصطفى الالكترونية www.al-mostafa.com ص63ـ66. كما انظر: رولان أومنيس: فلسفة الكوانتم، ترجمة أحمد فؤاد باشا ويمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 350، الكويت، 2008م، ص201ـ202. كذلك: يحيى محمد: منهج العلم والفهم الديني، دار النهى، الجزائر، الطبعة الثانية، 2024م).

[18]               انظر حلقة (النظام المعياري).

[19]               للتفصيل انظر: يحيى محمد: الاستقراء والمنطق الذاتي، دار العارف، بيروت، الطبعة الثالثة، 2022م. كذلك: منهج العلم والفهم الديني.

[20]               فيليب فرانك: فلسفة العلم، ترجمة علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1983م، ص364 وما بعدها.

[21]               انظر القسم الأخير من حلقة (نُظم التراث).

[22]               يلاحظ بهذا الصدد ما قررناه ضمن الفصل الأخير من: الاستقراء والمنطق الذاتي. والأسس المنطقية للاستقراء/ بحث وتعليق، طبعة نمونة، قم، 1985، ص243 وما بعدها.

[23]               فمثلاً قد يقال في إثبات الصدق الإلهي بأنه يمتنع على الله تعالى الكذب بإعتبار أن القضية عائدة إلى كلامه تعالى وهو من الصفات الذاتية كما تقول الأشاعرة. لكن المشكلة هي أنه لا برهان على كونه من الصفات الذاتية، وقد اضطرت الأشاعرة إلى هذا التقرير كي تصحح مسألة إثبات الرسالة والمسألة الدينية كما عرفنا. يُضاف إلى ذلك أنه حتى مع افتراض أن الكلام من الصفات الذاتية، فما الذي يحول دون كونه كاذباً وخالياً من الصدق، أي أنه اخبار بما لا يطابق حقيقة الأمر والواقع؟كما قد يقال في إثبات هذه القضية بأن الله صادق لأن الكذب قبيح، وهو منزه عنه لغناه وعدم حاجته إليه، مثلما ذهب إلى ذلك المعتزلة والزيدية والامامية الإثنا عشرية. وهي قضية يناقش فيها من جانبين: الأول ليس كل كذب يعد من القبائح، بل قد يحسن ويجب في العديد من المواقف. والثاني إنه حتى مع التسليم بقبح الكذب مطلقاً؛ فذلك لا يلزم عنه بالضرورة امتناع ممارسته ممن لا يحتاج إليه. لكن مع هذا تظل أن ممارسة القبيح مستبعدة تماماً من جهة الإله لعدم الحاجة والإضطرار إليه، بحكم الوجدان العقلي وليس بفعل اللزوم والضرورة.

[24]               يحيى محمد: تأملات في اللاشعور، مؤسسة العارف، بيروت، الطبعة الأولى، 2015م.

[25]               محمد وقيدي: الابستمولوجيا التكوينية للعلوم، دار افريقيا الشرق، المغرب، 2010م، ص86ـ88.

[26]               يحيى محمد: الاستقراء والمنطق الذاتي.

[27]               عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، ص34ـ36، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com. كذلك: يحيى محمد: مفارقات نقد العقل المحض، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2014م.

[28]               للتفصيل انظر الحلقة الثانية والرابعة لمشروعنا الحالي.

[29]               المصدر السابق.

[30]               الأعراف/ 185.

[31]               الغاشية/ 17ـ20.

[32]               آل عمران/ 191.

[33]               فصلت/ 53.

[34]               الروم/ 22.

[35]               الفرقان/ 45ـ46.

[36]               لقمان/ 29.

[37]               إبن رشد: فصل المقال، تقديم وتعليق البير نصري نادر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1961م، ص27ـ 29. كذلك: يحيى محمد: نقد العقل العربي في الميزان، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2009م.

[38]               تجديد التفكير الديني في الإسلام، ص144ـ145.

[39]               البقرة/ 148.

[40]               جاء في كتاب (الكافي) للكليني أن هشام بن الحكم سأل الإمام الصادق عن قول الزنادقة له: أيقدر ربك يا هشام على أن يدخل الدنيا في قشر البيضة من غير أن يصغر الدنيا ولا يكبر قشر البيضة؟ فأجاب الصادق بقوله: يا هشام انظر أمامك وفوقك وتحتك واخبرني عما ترى. قال هشام: أرى سماءً وأرضاً وجبالاً وأشجاراً وغير ذلك. فقال الصادق: الذي قدر أن يجعل هذا كله في مقدار العدسة، وهو سواد ناظرك، قادر على ما ذكرت. وقد استشكل الشريف المرتضى هذه الرواية واعتبر مفادها هو تجويز المحال (رسائل الشريف المرتضى، اعداد مهدي رجائي، تقديم واشراف أحمد الحسيني، نشر دار القرآن الكريم في قم، 1405هـ، ج1، ص4).

[41]               الرعد/ 16.

[42]               علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1977م، ج1، ص284.

comments powered by Disqus