-
ع
+

نظرية المقاصد ونقدها

يحيى محمد

لا أعتقد ثمة مسألة أخطر وأهم من المقاصد العامة للشريعة في البحوث الفقهية. ويبدو أن أول الداعين إلى فكرتها هم الأشاعرة. فأول من أطلعنا على بحثها هو الإمام الجويني، ثم تلميذه الغزالي، حتى بلغ البحث غايته عند الشاطبي الذي اقترن اسمه بها لكثرة ما اشبعها بحثاً وتفصيلاً بما لم يسبقه نظير قبله، ولم يأتِ من يضيف إليه شيئاً ذا أهمية بعده.

وتزداد أهمية هذه النظرية وخطورتها عند الأخذ بعين الإعتبار ما لها من جنبة كلامية، وأنها كانت محط مفارقات بين علمي الكلام والفقه. فمن المعلوم ان علم الكلام يتقدم على الفقه بمستويين منطقيين، أحدهما ان تأسيس الفقه يتوقف اساساً على القضايا الأصولية المحررة في علم الكلام، فبغير إثبات هذه القضايا فإنه لا تقوم للفقه قائمة، وبالتالي فإن الفقه بلا كلام كالشجر بلا جذور تمد إليه مستلزمات الحياة. أما الآخر الذي يعنينا فهو ان لعلم الكلام صفة توجيهية مؤثرة على علم الفقه، فمطارح علم الكلام هي مطارح كلية اصولية قد تؤثر بشكل أو بآخر على توجيه القضايا الفقهية. فمن أبرز الأمثلة على ذلك قضايا التحسين والتقبيح التي تُبحث في علم الكلام، الا أنه يستفاد منها في علم الفقه. فمثلاً إن قاعدة البراءة الأصلية تستند لدى عدد من المذاهب إلى مقالة الحسن والقبح العقليين، وذلك تحت عنوان قبح العقاب بلا بيان.

لكن بالرغم من الصفة التوجيهية التي يحملها علم الكلام إزاء الفقه فإنا نجد أحياناً بعض المفارقات التي تنتاب العلاقة بينهما على صعيد المذهب الواحد، ومن ذلك ما يتعلق بقضية المقاصد. فرغم ان الأشاعرة يعولون في علم الكلام على نفي الغرض والتعليل والحكمة في الفعل الإلهي[1]، وبالتالي تنتفي عندهم فكرة المقاصد - على الأقل في مجال الفعل والخلق - باستثناء ما أبداه بعضهم من تردد في كتبه كما لدى الغزالي؛ لكن مع ذلك فإن هذه الفكرة حاضرة لدى المتأخرين منهم على الصعيد الفقهي. وقد كان الأشعري واتباعه ومن لفّ حوله من الفقهاء يعدون علل الشرع مجرد أمارات وعلامات محضة حالها حال سائر أمور الخلق، حيث ارتباط الاقتران بالأشياء إنما هو ارتباط عادي لا ينجم عن سبب ولا علة ولا حكمة ولا تأثير[2]. لذا رأى الغزالي ومن تبعه أن الاستقراء دلّ على أن المأمور به تقترن به مصلحة العباد بحصول ما ينفعهم، وكذا ان المنهي عنه تقترن به المفسدة، وبالتالي فبحسب عادة الشرع إذا حصل الأمر والنهي فإنه سيُعلم قرين ذلك من المصلحة والمفسدة، لا ان الله تعالى استهدف هذه المفسدة وتلك المصلحة، إذ من المحال عند الأشاعرة ان يفعل الله شيئاً لغرض وحكمة[3].

ورغم محاولة هذه النظرية اقامة جسر رابط من الاتساق بين علمي الكلام والفقه، وذلك بتمديد الاعتبارات المعوّل عليها في العلم الأول وسحبها إلى العلم الآخر؛ إلا أنها لا تخلو من مفارقة وتناقض، سواء في علم الكلام أو الفقه. إذ يلاحظ ان نظريتهم في كلا العلمين تستلزم العناصر الغائية التي استبعدوها، فوجود الأمارة والعلامة في علاقات الأشياء هو في حد ذاته لا يمكن ان يُفسَّر الا بالاعتراف بمبدأ القصد والغرضية، طبقاً لمنطق الاستقراء الذي عوّل عليه الغزالي ومن تبعه. فلو أنّا أخلينا الساحة الإلهية من الغرض والحكمة في العالمين التكويني والتشريعي؛ لإستحال علينا إدراك أي أمارة أو علامة بين الأشياء يمكنها ان تهدينا إلى معرفة القوانين العادية في عالم التكوين، وكذا القوانين القياسية في عالم التشريع.

وبعبارة ثانية، إذا توخينا منطق الاحتمالات فإن فرض ‹‹نفي الغرض الإلهي›› لا بد أن يستلزم كماً هائلاً من الامكانات المحتملة للمشيئة الإلهية؛ تكون فيها الأمور غير منظمة ولا متسقة اطلاقاً، عدا امكان واحد - له عدد من الخيارات المحدودة - في عالم التكوين، ومثله في عالم التشريع، وجميع هذه الامكانات متساوية الاحتمال، حيث لا مرجح لبعضها على البعض الآخر اتساقاً مع فرضية نفي الغرضية. لذا فإن قيمة احتمال تحقق الاتساق الكامل في علاقات الأشياء للعالمين الآنفي الذكر هي في غاية الضآلة وسط العدد الهائل من الامكانات المحتملة. وبالتالي إنه طبقاً لمنطق الاحتمالات أن تحقق الامكان ذي العلاقات المتسقة لا يكون معقولاً تبعاً لفرضية ‹‹نفي الغرضية››، بينما هو معقول جداً تبعاً للمبدأ المقابل. أي أن إدراكنا لوجود الاتساق في العالمين هو دليل تام على إثبات مبدأ الغرضية والحكمة. وهو أمر ينطبق على عالم التكوين بلا أدنى شك لقوة ما فيه من نظام وتكامل واتساق، كما ينطبق على عالم التشريع، لكونه الآخر يمتلك الاتساق والنظام الذي يكشف عن الأغراض والمقاصد الواضحة بما لا مزيد عليه، وبالتالي فإن انتظام التشريعات واتساقها دال، بحسب منطق الاحتمالات، على وجود الحكمة في التشريع، حيث يكسب قيمة احتمالية قدرها مجموع احتمالات الامكانات الأخرى المقابلة، وهي قيمة كبيرة جداً تتحول من الناحية العملية إلى قطع ويقين.

وبذا يتضح ان فكرة الأشاعرة تنطوي على التناقض، فهي تستبعد من جانب مبدأ الغرضية، لكن بمقالتها تلك تفضي إلى الأخذ بها لا محالة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر ما ظهر من تناقض لدى متأخري الأشاعرة الذين اعترفوا بوجود مقاصد وعلل محددة في الشرع، في حين إنهم نفوا ذلك على صعيد عالم التكوين. ومن هؤلاء الإمام الجويني، وتلميذه الغزالي في بعض كتبه، والآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام)[4]، والشهرستاني في (نهاية الاقدام)، وفخر الدين الرازي في بعض كتبه. وقد عدّ الشاطبي الفخر الرازي ممن اضطر في كتبه الأصولية إلى أن يدافع عن علل الأحكام مثلما في كتابه (المحصول في أصول الفقه) بما لا يتسق مع كتبه الكلامية، إذ اعتبر تلك العلل بمعنى العلامات المعرّفة للأحكام الشرعية[5].

فالمقاصد والعلل لدى هؤلاء غائبة على صعيد الخلق والايجاد، لكنها حاضرة على صعيد الأمر والتشريع، أو أنها غائبة على نحو الكلام والعقيدة، وحاضرة على نحو الفقه والشريعة. مع ما يلاحظ ان الخلق والتشريع كلاهما من قبل الله تعالى، فذاك عبارة عن خلقه وتكوينه، وهذا عبارة عن أمره ونهيه، وهما عبارة عن كتابين، تكويني وتدويني. فكيف يتسق - إذاً - القول بوجود مقاصد وأغراض لله في التشريع دون ان يكون له مثلها في الخلق والتكوين؟!

ناهيك عن أنه بحسب الاستقراء ومنطق الاحتمالات فإن تشخيص مقاصد الشريعة يبعث على تأكيد صحة ما يستنتجه الوجدان العقلي المستقل حولها. أي ان المصالح المقصدية المدركة بالعقل هي صحيحة لا من حيث إدراك العقل القبلي مستقلاً فحسب، بل حتى من جهة ما يدل عليه الاستقراء وحساب الاحتمالات؛ طبقاً للمقارنة بين النتائج العقلية المستقلة والنتائج الشرعية، وذلك لأن تطابق منتجات التشريع ومنتجات العقل لا يمكن ان يكون صدفة ما لم يكن هناك جامع يجمعهما معاً.

وهو ما غاب على الشاطبي، رغم اعترافه بوجود المقاصد والغايات التي يدل عليها الاستقراء الشرعي من حيث أن الأحكام موضوعة لمصالح العباد[6]. إذ أنكر أن تكون هذه المصالح والمقاصد مما يمكن أن تُدرك بالعقل المستقل، وظلّ مخلصاً - في هذه الناحية - مع الإتجاه الأشعري برفض نظرية الحسن والقبح العقليين، وإن خالفهم في إثبات تلك الغايات والمقاصد[7].

لكن الإشكال الذي يواجهه الشاطبي في هذا الصدد هو ان اعتماده على منهج الاستقراء في اقرار المقاصد الشرعية هو ذاته يمكن توظيفه في توكيد قضايا الوجدان العقلي الخاصة بادراك الحسن والقبح. فالتوافق الحاصل بين الأحكام والأصول الشرعية وبين قرارات العقل لا يمكن ان يكون صدفة طبقاً لمنطق الاستقراء والاحتمالات. لذلك فبنفس المنهج الذي اعتمده الشاطبي يثبت خطأ نظريته في عزل العقل عن التشريع.

على ان المفارقة التي وجدناها بين الفقه والكلام لدى متأخري الأشاعرة؛ نجدها بشكل آخر لدى الإمامية الاثنى عشرية. فهي في علم الكلام تؤمن بمبدأ الغرضية، وان العقل قادر على كشف الغرض والحكمة من الفعل الإلهي، كما وتؤمن تبعاً لذلك بغرض التكليف وحكمة التشريع على النحو الإجمالي[8].. لكنها في علم الفقه ترى العقل عاجزاً عن إدراك مقاصد الأحكام الشرعية وعللها.

فالعقل الذي تؤمن الإمامية بقدرته الكشفية المفتوحة في علم الكلام هو غير العقل الذي تعترف بعجزه عن إدراك مقاصد التشريع وملاكات الأحكام إلا على نحو ما ينص عليه الشارع. وهذا يعني أن المقاصد والعلل المصلحية وإن سلّمت بوجودها في التشريع؛ الا أنها كالمنفاة لعدم إمكان إدراكها ومن ثم توظيفها، خلافاً لما عليه الحال في الكلام. الأمر الذي يفضي إلى نوع من المفارقة، فالعقل قادر على الاثبات في علم الكلام، وعاجز عن ذلك في الفقه.

بذلك يكون الاتجاهان الإمامي والأشعري حاملين لمفارقتين مقلوبتين ومتعاكستين. فالمفروض - والمتوقع - من الناحية المنطقية ان تلجأ الأشاعرة إلى نفي المقاصد من التشريع، ونفي قدرة العقل على استكشاف التعليل من النص ما لم يكن صريحاً بذلك، وكذا نفي العمل بالاجتهاد ومنه القياس ما لم يدل النص على ذلك صراحة فيلزم الوقوف عنده. وحتى في هذه الحالة فمن المفروض ان لا ينبني الاجتهاد على التعليلات والأغراض، باعتبار ان ذلك يعيدها من جديد إلى قبول فكرة المقاصد والأغراض الإلهية التي يقتضي الأمر نكرانها؛ اتساقاً مع اتجاهها الكلامي في نفي مبدأ الغرضية[9].

أيضاً من المفروض - والمتوقع - أن تلجأ الإمامية إلى العكس، وهو أن تؤمن بقدرة العقل الاجتهادية على الكشف عن مقاصد التشريع للنصوص والعمل بالقياس المعلل؛ اتساقاً مع ايمانها الكامل بمبدأ الغرضية وقدرة العقل على الكشف عن الحكمة والغرض في أفعال الله ومبررات التكليف.

لكن تظل المفارقة التي عليها الإمامية مفهومة ومبررة، إذ يستند إبعادها للعقل عن الممارسة الاجتهادية - المتضمنة للتعليل والقياس وكشف المقاصد - إلى نصوص الأخبار الكثيرة المانعة عن ممارسة مثل ذلك الدور، وهي النصوص المروية عن أهل البيت. لهذا صادقت على العمل بالعقل ضمن اطار القضايا الكلامية دون الفقهية.

مع ذلك، يمكن القول إن الفقه لدى الإمامية لم ينحصر في قالب واحد، بل اتخذ أشكالًا متعددة وشهد تطورات مختلفة. فإذا كان أغلب المتقدّمين قد أغلقوا الباب أمام العقل، معتمدين في استنباطهم على الجوانب الحرفية للنصوص دون إفساح المجال للاجتهاد؛ فإن أغلب المتأخّرين خالفوا هذا النهج، حيث أبدوا اهتمامًا متزايدًا بقضايا الاجتهاد وتوظيف العقل، وإن ضمن حدود معينة. بل وأقرّ بعضهم بما توصل إليه الأشاعرة من أن الغرض من الأحكام هو حفظ المقاصد الخمسة في الشريعة (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب)، كما يظهر لدى محمد بن مكي العاملي (المتوفى سنة 786هـ) المعروف بالشهيد الأول، والذي تبعه مقداد السيوري الحلي (المتوفى سنة 826هـ)، ومن بعده ابن أبي جمهور الإحسائي (المتوفى نحو سنة 901هـ) وغيرهم[10].

والأمر المثير هو ما حدث بعد قيام الجمهورية الإسلامية في ايران، حيث النقلة النوعية لصالح الممارسة العقلية وردّ الاعتبار للنظر في المقاصد؛ بعد ما كانت في السابق من القضايا التي يمنع التحرك في اطارها ما لم تُنتزع بشكل صريح من النصوص مباشرة. ففي ايران اليوم نجد بداية مفتوحة لمطالبة الفقه الإمامي للتحدث عن حجية المصالح والمقاصد التي يمكن للعقل إدراكها من الواقع وإن لم تستنبط من النصوص وآلياتها. وهي خطوة أخذت طريقها نحو الممارسة وإن لم تُستحكم بالتنظير لحد الآن، لكنها تظل - على أي حال - مبشّرة بفتح الطريق أمام الإمامية نحو اجتهاد جديد من شأنه العمل على رفع المفارقة وبناء الاتساق؛ بين تمسكها العقلي المفتوح في علم الكلام، وبين اعتباراتها الاجتهادية في علم الفقه. بينما ظل حال الأشاعرة متناقضاً من غير رفع للمفارقة ولا بناء جديد حتى يومنا هذا. فهم ما زالوا متمسكين بذات القالب الكلامي من نفي مبدأ الغرضية، وإن وضعوا إلى جنبه ما ينقض ذلك في مقالاتهم الفقهية.

ما هي مقاصد الشريعة؟

تنقسم المقاصد العامة لدى علماء أصول الفقه إلى عدة مراتب من المصالح. وسبق للجويني أن حدد أصول الشريعة في (البرهان) فصنفها إلى مراتب خمس بحسب قوتها؛ ليس في كل منها ما يتممها، وذلك كالتالي:

1ـ الضرورات.

2ـ الحاجيات.

3ـ المكرمات أو التحسينات؛ لكل ما يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو دفع نقيضها. والجويني يجيز ان يُلحق بهذا الجنس طهارة الحدث وازالة الخبث.

4ـ وهو يشابه القسم الثالث من حيث أنه لا يستند إلى حاجة أو ضرورة، لكن ذلك القسم يعد خروجاً عن قياس كلي، في حين إن هذا القسم مصرح بندبه ابتداءً.

5ـ التعبديات التي لا يلوح فيها للمستنبط معنى، كما في العبادات البدنية المحضة[11].

وجميع هذه المراتب عند الجويني ليس فيها ما يتممها، خلافاً لرأي من جاء بعده من الأصوليين كالغزالي والشاطبي. كذلك ان هذين العَلَمين حصرا المقاصد في ثلاثة فقط، هي الضرورات والحاجيات والتحسينات أو الكماليات، ولكل منها ما يتممها، الأمر الذي استقر عليه علماء المقاصد من الأصوليين.

المقاصد ومراتبها

اعتقد علماء المقاصد من أمثال الشاطبي وجود مراتب ثلاث للمصالح مستنتجة بالاستقراء وشاملة لجميع الأحكام، أي لا يوجد حكم إلا وينطوي ضمن مرتبة من هذه المراتب مع متمماتها. وهي كما يلي:

أ ـ الضرورات

ويقصد بها الحفاظ على ما هو ضروري للناس بدونه تختل مصالحهم وتفسد. لكن العلماء اختلفوا في تحديدها، وأغلبهم حصرها في خمس، وإن اختلفوا حول بعضها. فهي عند الغزالي عبارة عن المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال[12]. وتابعه في ذلك الامدي[13]، وكذا ما ذهب إليه الشاطبي[14]، وابن الأزرق والشوكاني. وزاد بعض المتأخرين عليها حفظ الأعراض، حيث ‹‹أن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم››[15].

وجاء في (تنقيح الفصول) للقرافي ان العلماء اختلفوا في عددها، فبعضهم يقول: الأديان عوض الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض دون الأديان[16]. كذلك أن البعض يُلحق النسل ضمن المحافظة على النفس كالاستاذ عبد الوهاب خلاف، وآخر يستقل بذكر النسل ويضع تحته الأعراض كالشيخ أبي زهرة متبعاً في ذلك الغزالي ومن على شاكلته[17]. في حين ذهب ابن عاشور إلى أن الأعراض من الحاجيات لا الضرورات[18]. كما إن من العلماء من يورد النسب بدل النسل والعِرض، كالذي عليه الفخر الرازي في (المحصول)[19]، ومثله جماعة من الإمامية مثل الشيخ محمد بن مكي العاملي في (القواعد والفوائد) ومقداد السيوري في (نضد القواعد الفقهية) وابن أبي جمهور الإحسائي في (الأقطاب الفقهية)، وهم يوردون نفس الأحكام التي ترد ضمن مقصد الحفاظ على النسل وكذا العِرض، مثل تحريم الزنا وإتيان الذكران والبهائم وتحريم القذف[20].

والأمثلة التي تذكر ضمن الضرورات هي كما يلي:

1ـ الحفاظ على الدين: ويدخل فيه ما شُرع لأجله من أحكام العبادات من الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وغيرها. فالغرض منها اقامة الدين بما يُصلح المكلّف في آخرته، إذ ‹‹لو عدم الدين لعدم ترتب الجزاء المرتجى››[21]. لهذا شُرع لحفظه العديد من الأحكام كالعقوبات الخاصة بالمرتد والمبتدع وما إلى ذلك.

2ـ الحفاظ على النفس: وينضوي تحته كل ما شُرع لأجله من الأحكام التي تحفظ النفس من ايجاب المأكل والمشرب والمسكن والملبس، وكذا القصاص والدية وتحريم الالقاء بها في التهلكة وما إلى ذلك. وأضاف الاستاذ أبو زهرة اليه؛ المحافظة على الكرامة الإنسانية رغم أنه أعاد ذكرها ضمن التحسينات[22].

3ـ الحفاظ على العقل: وأهم ما شُرع لأجله تحريم المسكرات وعقوبة تناولها.

4ـ الحفاظ على العِرض (أو النسب): ويدخل فيه ما شرع لأجله الحدود الخاصة بالزنا والقذف وما إلى ذلك.

5ـ الحفاظ على النسل: حيث أُلحق فيه ما يعود إلى العِرض أو النسب من الأحكام كعقوبة الزنا والقذف وما اليهما[23]. وربما كان الأوْلى ان يكون هذا الأصل داخلاً ضمن قسم الحفاظ على النفس.

6ـ الحفاظ على المال: ولأجله يوجد عدد كبير من التشريعات من الأحكام الاقتصادية؛ كإباحة البيع وسائر العقود المالية والمبادلات التجارية، وحرمت لأجله السرقة والغصب والغش واتلاف المال والربا والغرر وما إليها[24].

 

ب ـ الحاجيات

ويقصد بها تحقيق ما الناس بحاجة إليه من رفع المشقة وتيسير أمور حياتهم، مثل الرخص الشرعية كإفطار المريض والمسافر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية للمسافر، والصلاة قعوداً لمن هو عاجز عن القيام، ولزوم التيمم لمن لم يجد الماء، وعدم المؤاخذة في الخطأ والنسيان والإكراه، وغير ذلك من الرخص لرفع الحرج عنهم، كذلك إباحة السَّـلَم والعرايا والمساقاة والمزارعة وسائر العقود سداً لحاجة الناس[25].

 

ج ـ التحسينات

ويُقصد بها تحقيق ما هو حسن للناس على وفق ما عليه المروءة ومكارم الأخلاق، والتي يدخل فيها أحكام الطهارات وستر العورات وآداب المعاملات والندب والنهي عن المثلة والغدر وقتل الأعزل والنساء والصبيان والرهبان في الجهاد، وكذا حُرم لأجلها الغش والتدليس والتغرير والاسراف والتقتير، كما ونُهي عن التسعير وبيع الإنسان على بيع أخيه[26].

د ـ المتممات

كما وشرع الشارع أحكاماً أخرى تتمم تحقيق المقاصد في المصالح الثلاث الآنفة الذكر. فما يتمم الصلاة - مثلاً - هو اقامتها جماعة واعلانها بطريقة الأذان. كذلك لمّا حرّم الشارع الزنى لحفظ العِرض فإنه تممه بتحريم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة، وأيضاً جعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجباً، ومثله كل ما يؤدي إلى المحظور محظوراً، وغير ذلك من الأحكام المتممة[27].

العلاقة بين المراتب المقصدية

اعتبر الشاطبي ان المقاصد الضرورية في الشريعة هي أصل للمقاصد الحاجية والتحسينية. إذ لو فرض اختلال الضروري مطلقاً لإختل كل من الحاجي والتحسيني، أما العكس فلا يلزم، وإن كان قد يلزم من اختلال التحسيني مطلقاً اختلال الحاجي بوجه ما، وكذا لو اختل الحاجي مطلقاً للزم عنه اختلال الضروري بوجه ما. وعليه لأجل المحافظة على الضروري لا بد من المحافظة على الحاجي، وكذا فلأجل المحافظة على الحاجي ينبغي المحافظة على التحسيني. فالتحسيني يخدم الحاجي، والحاجي يخدم الضروري، وبالتالي فالضروري هو المطلوب. هكذا رتّب الشاطبي مطالب خمسة كالتالي:

1ـ إن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتحسيني.

2ـ إن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين مطلقاً.

3ـ لا يلزم من اختلال الباقيين اختلال الضروري.

4ـ يلزم من اختلال التحسيني مطلقاً، أو الحاجي مطلقاً، اختلال الضروري بوجه ما.

5ـ ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني لأجل الضروري[28].

نقد النظرية

من الواضح ان لنظرية المقاصد أهمية كبرى في التشريع، وهي بصورتها المألوفة تحتاج إلى مراجعة ونقد. لذا سنجعل نقدنا لها على قسمين، أحدهما يتناول المراتب الثلاث وعلاقاتها ببعضها، والآخر يقتصر على المرتبة الأولى لأهميتها، وذلك كالآتي:

1 ـ نقد التقسيم الثلاثي للمقاصد

يمكن تقسيم هذا النقد إلى ملاحظات إشكالية وأخرى تأسيسية كما يلي:

أـ النقد الإشكالي

1ـ يلاحظ أولاً أن الأصوليين - منذ الغزالي - وإن اتفقوا على تصنيف المراتب المصلحية إلى ثلاث؛ إلا أنهم لم يتفقوا على أقسام هذه الأصناف، كما لم يتفقوا على رد الأحكام إليها، وظهر هناك العديد من الاختلاف في التوزيع والإلحاق. ومن ذلك خلافهم حول قسم الأعراض؛ تارة بإبداله عوض الأديان، وأخرى بإضافته مستقلاً، وثالثة بجعله ضمن الحاجيات، ورابعة بإلحاقه ضمن الحفاظ على النسل. وكذا مع هذا الأخير؛ تارة بجعله مستقلاً، وأخرى بادخاله ضمن الحفاظ على النفس. وعلى هذه الشاكلة ما حصل من خلاف حول إلحاق مطلق البيع، فبعضهم يضعه ضمن الضرورات كالذي فعله الإمام الجويني، وآخر يراه ضمن الحاجيات[29].

كما أُبعدت بعض الأحكام عما يناسبها من أقسام أو عناوين. فمثلاً ألحق الشيخ عبد الوهاب خلاف ما شرّعه الإسلام في الزواج للتوالد والتناسل ‹‹وبقاء النوع على أكمل وجوه البقاء›› ضمن المحافظة على النفس، وكان الأوْلى أن يضع ذلك ضمن المحافظة على العِرض الذي جعل له استقلالية خاصة. فبالزنى وليس فقط بالزواج يمكن الحفاظ على التوالد والتناسل وبقاء النوع، وبالتالي فما شُرع بخصوص الزواج هو لأجل الحفاظ على العِرض وكذا النسب. وإن كان هذا لا يمنع من ان يكون تشريع الزواج محافظاً في الوقت ذاته على سلامة الأسرة وبث روح الحنان والطمأنينة بين أفرادها. الأمر الذي يجعل من التشريع سواء لهذا الباب أو لغيره قابلاً للعنونة بأكثر من عنوان واعتبار كما سنعرف.

وأخيرًا نجد أن بعضهم يُدرج بعض الأحكام ضمن أكثر من مرتبة، مما يعكس قدرًا من التردد والتذبذب، كما فعل الشيخ أبو زهرة بشأن المحافظة على الكرامة الإنسانية، إذ صنّفها أولًا ضمن الحفاظ على النفس، ثم عاد فأدرجها ضمن التحسينات، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا.

وكذا ما فعله الاستاذ عبد الوهاب خلاف بشأن كل من الغش واتلاف المال أو الاسراف، حيث أدرجهما ضمن ضرورة الحفاظ على المال، ثم عاد وألحقهما بالتحسينات.

2ـ يلاحظ في التحسينات أنها هجينة في أحكامها بين أن تكون دالة على التجميل والعادات الحسنة، وبين ان تكون اخلاقية حقوقية؛ بعضها يتفوق - قوة - على ما ذكر من الأحكام ضمن الحاجيات، بل وأغلب أحكام الضرورات.

فمثلاً إن النهي في الجهاد عن قتل الصبيان والنساء، وهو موضوع في التحسينات، ليس أقلّ حرمة – إن لم يكن أعظم بكثير - من شرب الخمر المندرجة ضمن أحكام الضرورات.

وعلى العموم فالتحسينات، بما يتصدرها عنوان مكارم الأخلاق، فيها من السعة ما يجعلها جامعة بين الأخلاق الحميدة في العلاقات العادية وبين الحقوق العامة للأخلاق بما يرفعها إلى قمة المصالح، وعلى رأسها العدل.

3ـ كذلك يلاحظ ان الأحكام ضمن الحاجيات تتفاوت بين ان لا يكون فيها معنى الحاجة وإن تضمنت معنى الرخصة، وبين ما هو موضع حاجة فعلاً.

فحكم التيمم عند فقدان الماء – على سبيل المثال – لا يرتبط بالحاجة، ولا تتوقف عليه مصلحة الناس وحاجتهم، رغم أن تشريعه جاء تيسيرًا ورفعًا للحرج التعبدي، لا لتحقيق مصلحة بمعناها القابل للإدراك. وبالتالي، فإنه لا يندرج ضمن هذا القسم، ولا ضمن أي من المراتب الثلاث الأخرى.

كما قد يقال إنه إذا كانت إباحة الفطر للمسافر والمريض هي لرفع المشقة وبالتالي لتسديد ما الناس بحاجة اليه؛ فإن الأمر في قصر الصلاة الرباعية للمسافر يختلف من حيث أنها لو كانت مجرد قضاء حاجة لرفع المشقة لعمّت المريض أيضاً مثلما هو الحال في الصوم، وبالتالي فإن ذلك الحكم لا يدخل ضمن قسم الحاجيات.

لكن الصحيح هو ان هناك فرقاً واضحاً بين ترتيب الصلاة والصوم بالنسبة للمسافر والمريض. فاذا كان المسافر يقصر في كليهما للتيسير ودفع المشقة، فإن المريض وإن احتاج إلى ذلك في الصوم لطول الوقت؛ الا ان حاجته للقصر في الصلاة قد لا تكون بالقدر الذي يحتاج إليه المسافر، وقد يكفيه من ذلك ما باستطاعته القيام به من الصلاة؛ قعوداً أو استلقاءاً أو غير ذلك عند العجز أو المشقة الكبيرة.

ب ـ النقد التأسيسي

1ـ أول ما يلاحظ ان العدد المذكور للمراتب أو المصالح لا يفي بالمطلوب، فمن الواضح ان هناك نوعين من الأحكام لا يدخلان ضمنها: أحدهما ما أشار إليه الجويني من الأحكام التعبدية التي لا يفهم غرضها ومصلحتها، فما دامت غير مفهومة تعذّر وضعها ضمن أي من تلك المقاصد أو المراتب، لأن شرط معرفة المقصد - غير المصرح به - يتحدد بمعرفة نوع المصلحة فيه. فانّى لنا - مثلاً - ان نفهم المصلحة في جعل الصلاة على الهيئة التي أُمرنا بها؛ كأن نفهم علة الالتزام بعدد محدد من الصلاة والركوع والسجود، وكذا علة الاختلاف في عدد الركعات بحسب نوع الصلاة، وما إلى ذلك...؟!

أما النوع الآخر فهو ما نصطلح عليه ‹‹المصالح الحقوقية›› والذي لا تشير إليه تلك المراتب بالذكر على نحو الاستقلال، سواء العامة من هذه المصالح أو الخاصة. فأحكام هذا النوع تتوزع تارة ضمن الضرورات الخمس، وثانية ضمن الحاجيات، وثالثة ضمن التحسينات. لكنها تارة أخرى تستقل بنفسها دون ان تدخل في أي مما سبق، أو أنها تكون أقرب إلى التمايز مما هي إلى الانضمام والتداخل مع غيرها؛ فيصحّ بذلك إفرادها مستقلة، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الحكم الواحد قد تشمل مصلحته أكثر من عنوان كما سنعرف. ولا أقلّ من ان تكون قسماً آخر من أقسام الضرورات، إذ بدونها تضطرب الحياة العامة ولا تستقيم.

فالمصلحة المتعلقة بعزل الحاكم المستبد - مثلاً - هي مصلحة حقوقية مستقلة لا يمكن ردها إلى أي من المصالح السابقة، فهي ليست تحسينية بالمعنى المألوف، ولا هي راجعة إلى حاجات الناس من دفع المشقة وتيسير حياتهم، ولا تعود - كذلك - إلى الضرورات الخمس.. بل هي حق يخص الارادة العامة للأمة في المشاركة بالحكم وتقرير المصير. كذلك ان مصلحة الفرد المتضرر بالسرقة أو الغصب في استرداد حقه؛ هي مصلحة حقوقية مهما كان حجم الجرم ضئيلاً، بغض النظر عن المصلحة المالية المترتبة عن الاسترداد والتي تدخل ضمن أحكام المحافظة على المال. المهم هو ان هناك مصلحة أخرى للحكم هي التي نعبّر عنها بـ ‹‹المصلحة الحقوقية››.

2ـ ليس بالضرورة ان يكون مقصد الحكم ومصلحته مندرجاً تحت عنوان واحد من عناوين تلك المراتب الثلاث. فقد يكون تحت أكثر من عنوان ومرتبة، باعتبارات متعددة. فلا مانع من أن يقع الحكم من جهة ضمن دائرة التحسينات، واخرى ضمن الحاجيات أو الحقوق أو الضرورات. فمثلاً حيث أن الدية في العاقلة موزعة على أقارب القاتل؛ لذا فمصلحة الحكم هي التخفيف ورفع الحرج عن القاتل، فيقع الحكم ضمن الحاجيات، لكن من حيث اعتباره حقاً لا بد من ايفائه بغض النظر عن الجهة التي تقوم بدفعه فإنه يقع ضمن المصالح الحقوقية التي يستفيد منها أولياء المقتول. كذلك فإن جعل الدية على أقارب القاتل يفيد مصلحة أخرى وهي أنه يبعث على التضامن والتكافل فيقع ضمن دائرة التحسينات.

وعلى هذه الشاكلة ان المصلحة اللازمة عن الصلاة هي توثيق الرابطة بين العبد وخالقه، وهي مقصد أساس يقع ضمن دائرة الضرورات، لكنها من جانب آخر تدعو إلى النهي عن الفحشاء والمنكر مثلما جاء في قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾[30]، فتكون بهذا الاعتبار داخلة ضمن التحسينات بحسب التقسيم التقليدي، ولكونها تؤثر على شخصية الإنسان الروحية فانها تقع ضمن التحسينات أيضاً.

كذلك ان تحريم الخمر له مصلحة الحفاظ على العقل، كما له مصلحة الحفاظ على النفس، وكذا على سلامة المجتمع من الاضرار الاجتماعية الناجمة عن السكر، فيدخل ضمن المصالح الحقوقية.

بهذا يتبيّن أن الحكم قد يحقق أكثر من مقصد ومصلحة، بغض النظر عن تفاوت مقدار هذه المقاصد والمصالح في الحكم الواحد. فقد يطغى مقصد معين على غيره، مما يبرر إدراجه منهجيًا ضمن دائرة محددة من مراتب المقاصد وأنواعها، ما لم يكن محلّ التباس لدى الناظرين واختلاف أفهامهم.

لكن في جميع الأحوال إن قابلية الحكم الواحد للإنضمام إلى أكثر من عنوان؛ تثبت نسبية توزيع الأحكام ضمن المقاصد. والمقصود بالنسبية هنا هو أن إلحاق الحكم بمقصد محدد يتم بناءً على اعتبار معين، مع إغفال سائر الاعتبارات المؤهلة لإلحاقه ضمن المقاصد الأخرى المناسبة. ويُعدّ هذا الإجراء منهجيًا، حيث إن إدراج الحكم ضمن مقصد معين دون غيره يعتمد على مرجحات منهجية تُضعِف من قوة العلاقة المصلحية التي تربطه بالمقاصد الأخرى، دون إنكار وجودها. فإنكار هذه المقاصد يجعل التوزيع يتخذ طابعاً إلزامياً ثابتاً. وهو ما توحي به كتابات علماء المقاصد، حيث اعتمدوا توزيع الأحكام ضمن قوالب محددة وجامدة، وكأنهم بذلك ينكرون النسبية والطابع المنهجي القائم عليها، مما يجعل طريقتهم غير دقيقة.

3ـ إن إدراك المقاصد تارة يكون من خلال النص الخاص، وأخرى من خلال الاستقراء الشرعي، وثالثة عن طريق الواقع والعقل من جهة ما يدركه الأخير من المعاني المتفقة مع الأحكام الشرعية. وسواء في النهج الأول أو الثاني يلاحظ ان النتائج المترتبة عن ذلك تتفق مع مقررات الوجدان العقلي، أي أنها عقلائية وممضية لقرارات العقل وليست تعبدية أو تأسيسية إلا على النحو النسبي[31]. فمثلاً يتفق العقل والنقل على قبح السرقة وحرمتها، فمن هذه الناحية تُمضي الشريعة قرار الوجدان العقلي، لكن تحديد العقوبة بقطع اليد هو مما يعجز العقل عن إدراكه، رغم إدراكه بأنه جاء للردع كما يظهره الواقع.

وفي هذه الحالة ان العقل يدرك المقصد وإن لم يفصح عنه النص، كما ويعلم ان ما اختاره الشرع من تحديد خاص للعقوبة هو أفضل اجراء من بين خيارات متعددة، لكنه مع ذلك قد يتوقف في البدء، أو بحسب النظر القبلي، إن كان هذا الخيار يؤتى به دائماً، أو هو نسبي يتوقف على القصد وما يحدده من مطلب وفقاً لما يفرزه الواقع من تنوعات؛ تتسق تارة مع الحكم المشار إليه وتختلف عنه تارة أخرى.

وعليه ننبه إلى أن نظرية المقاصد لا يمكن ان تستقيم إلا باعتبارين:

الأول: التسليم بقدرة العقل - المزود بخبرة الواقع - على إدراك المقاصد والمصالح بغض النظر عن النص. الأمر الذي يفضي إلى قبول قاعدة الحسن والقبح العقلية التي رفضها أغلب فقهاء أهل السنة ومنهم علماء المقاصد تأثراً بالمذهب الأشعري. فنحن لو لم نسلّم بذلك لوقعنا في التناقض، وهو ما لاح علماء المقاصد فعلاً!

فهم من جهة اعتبروا المصالح الحقيقية هي تلك التي تقرها الشريعة لا العقل، أي أنها تكون تأسيسية تعبدية تستوي مع سائر التعبديات كما صرح بذلك الشاطبي[32]. لكنهم من جهة ثانية ميزوا بين الأحكام التعبدية التي لا يُدرك معناها وبين الأحكام المصلحية المدركة بالعقل، وسلّموا لهذا الأخير صلاحية تقدير التفاوت بين المصالح واختلاف رتبها وأنواعها وما يرجع إليها من أحكام على ما سلف ذكره. أفلا يكون هذا تناقضاً؟!

الثاني: التعويل على منهج الاستقراء الشرعي للتوصل إلى تحديد عدد من المقاصد التي قد لا تبدو واضحة في النص الخاص. وهذا ما مارسه علماء المقاصد بلا أدنى شك. لكنهم لم يربطوا بين هذا المنهج وقرارات الوجدان العقلي رغم تطابق النتائج بينهما وفقاً لذات النهج المستند إلى الاستقراء ومنطق الاحتمالات. الأمر الذي يؤكد ما هم عليه من تناقض.

هكذا فبدون هذين الاعتبارين تكون نظرية المقاصد عاجزة عن مقاومة النهج الحرفي الماهوي الذي اعتاد الفقهاء مزاولته بدقة واتقان. فطبيعة النهج الماهوي تبعث على التعبد، خلافاً للنهج الواقعي الذي تبعث طبيعته على توخي المقاصد.

فمثلاً لو حملنا الآيات القرآنية حول أهل الكتاب على الذم والحكم عليهم ببعض الأحكام بحسب النهج الماهوي، لأفضى بنا ذلك إلى التعبد من غير تمييز وتفريق بين المحسن منهم والمسيء، وكذا ينطبق هذا الحال على مدح أهل الإسلام والحكم عليهم ببعض الأحكام.

لكن بحسب النهج الواقعي لا بد من التمييز والتفريق تبعاً لما هم عليه من واقع؛ فإن كانوا محسنين فإنهم يستحقون الثناء، وإن كانوا مسيئين فإنهم يستحقون الذم، سواء كانوا مسلمين أو من أهل الكتاب.

وهذه بعض النصوص القرآنية الدالة على هذا المعنى:

﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾[33].

﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.. بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾[34].

﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾[35].

﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً﴾[36].

4ـ إن الغرض من طرح نظرية المقاصد هو تبرير الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، أي اضفاء صبغة المقصد والحكمة على هذه الأحكام، ولم يكن الغرض من ذلك تأسيس الأحكام وتجديدها.

وبعبارة أخرى، إن هذه النظرية جاءت لتبرير ما هو كائن، وليس لتأسيس ما ينبغي أن يكون، لذلك أضْفَت على الأحكام طابعاً ماهوياً تعبدياً، الأمر الذي جعلها متناقضة، خلافاً للنهج الواقعي الذي يفترض مستلزمات غير تعبدية تتسق مع أصل فكرة المقاصد.

2 ـ نقد نظرية المقاصد الضرورية

لو حصرنا الحديث في المقاصد الضرورية باعتبارها أهم المقاصد على الإطلاق؛ فسنلاحظ ان التقسيم الآنف الذكر يواجه جملة من الإشكالات التي يمكن تصنيفها إلى ملاحظات شكلية وأخرى تأسيسية، كما يلي:

أ ـ الملاحظات الشكلية

1ـ إن اعتبار الدين قسيماً لسائر أقسام الضرورات يفضي إلى الفصل بينه وبين بقية مجالات الحياة التي تعبّر عنها الضرورات الأخرى. في حين ما قصده علماء المقاصد هو الأمور العبادية لا غير، لذا فالأنسب تخصيص اللفظ بالعبادة دون الدين الأعم منها؛ لا بما يحمله من المعارف العقدية فحسب، بل بما يقدمه أيضاً من معارف شاملة لمختلف مجالات الحياة؛ ومنها سائر الضرورات، سواء كان ذلك على نحو التأسيس، أو على نحو الإمضاء لقرارات العقل. ويؤيده أن القرآن الكريم أشار صراحة إلى ذكر العبادة كمقصد أساس للخلق، ومن ثم الشرع، دون ذكر ما يوازيها من الدين، كما في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾[37].

2ـ لقد اقترن ذكر المقاصد الضرورية بلفظ (الحفاظ)، وتوحي هذه اللفظة بأن مقاصد الشريعة معنية بالحفاظ على أمر كامل في الأصل، لا تحقيق الكمال لأمر ناقص أو غير موجود. ويشهد على ذلك ان موضوعات المقاصد على أرض الواقع ليست كاملة حتى يراد الحفاظ عليها، بل هي في جميع الأحوال ينتابها النقص والاحتياج. الأمر الذي يبرر الهدف الذي أتت لأجله الشريعة، وهو السعي لتسديد الواقع وإكماله لا الحفاظ عليه، لا سيما تلك المناطة بالمصالح الحقوقية وعلى رأسها مبدأ العدل. وهذا ما تشير إليه آية القسط وحديث إتمام مكارم الأخلاق، وكذا حديث التخلق بأخلاق الله، وغيرها من الآيات والأحاديث.

ب ـ الملاحظات التأسيسية

1 ـ المقاصد بين الضرورات والغايات

كثير ما يرد في الذهن السؤال المتعلق بنوع العلاقة التي تربط الحاجات المادية للإنسان بحاجاته الروحية. فهل هناك رابطة غائية بين الحقيقتين؟ وهل وجد الإنسان لأجل قضاء حاجاته المادية، أم للتنعم باشباع حاجاته الروحية؟

قبل البت في الموضوع لا بد من الالمام ببعض الحقائق الاولية:

فبداية نحن نعلم أنه لا غنى للإنسان عن النوعين من الحاجات المادية والروحية. كما نعلم أنهما يتبادلان التأثير فيما بينهما سلباً وايجاباً، فاشباع أحدهما يؤثر في الآخر. فالافراط في اشباع الحاجات المادية مثلاً يضعف من الحالة الروحية، والعكس صحيح. ونعلم أيضاً بأن الحياة البشرية يسودها نزاع مستمر بين اشباع النوعين، وغالباً ما لا يكون ظاهراً، وإن بدا في أحيان معينة قد يتردد عندها المرء بأي منهما يأخذ وأيهما يدع. فأصحاب المناصب والمبادئ كثيراً ما يبتلون بهذا النزاع، سواء كانوا مختارين بملئ إرادتهم أو ملجئين إليه تحت التهديد والوعيد.

أما من ناحية أخرى، نعلم بأن اشباع الحاجات المادية مهما بلغ فإنه يظل محدوداً غير قابل للنمو والتطور الا بقدر ضئيل جداً. في حين أن اشباع الحاجات الروحية في تزايد مستمر لا يقبل الانقطاع والتوقف. فإنك مهما تعلمت وازدادت معرفتك تجد نفسك بحاجة إلى المزيد من العلم والتعقل. كذلك فإنك مهما تحررت وتخلقت تجد نفسك بحاجة أكبر إلى التحرر والتخلق. ومهما كانت صلتك بالله قوية، ستظل بحاجة إلى المزيد ما دمت على قيد الحياة.

إذاً، فالحاجات الروحية تعبّر عن كنْه الحياة الإنسانية وجوهرها، إذ إن مصدرها هو ‹‹المطلق›› ونفخته الروحية، وان الإنسان مهما سعى لاشباعها فإنه لا يحقق من ذلك إلا على قدر سعيه، حيث وجود النقص والحاجة أمام الفيض المطلق. وعليه لولا هذه الحركة التطورية المستمرة لإشباع الحاجات الروحية، لما تميز الإنسان عن البهيمة والحيوان. فهي التي تضفي عليه صورته الإنسانية وتجعل منه الكائن الوحيد بين المخلوقات الأرضية يمتلك قابلية مرنة للتحول إلى أطوار متباينة من التكامل دون الوقوف عند حد. إذ تتجلى فيه الأبعاد الإلهية شيئاً فشيئاً حتى يظنه الواهمون إلهاً فيُعبد بأشكال صريحة أو غير صريحة، كما هو الحال مع الأنبياء والأولياء والقديسين.

فهذا هو سر حركة الإنسان وغاية خلقه ووجوده. ومنه يتبين ان الحاجات الروحية هي حاجات مقصدية يسعى الإنسان لتحقيقها في حركته الوجودية بما أنعم الله عليه من النفخة الروحية.

على هذا فإن اشباع الحاجات المادية ليس له غرض في ذاته، بل تنبع ضرورته من كونه شرطاً لتحقيق تلك الغاية من الاشباع الروحي. فلولاه لما استطاع الإنسان العيش، فضلاً عن أن يُشبع ذاته وغاية وجوده.

وعليه، وبناءً على هذه المقدمة الإيضاحية، لم يتطرق علماء المقاصد إلى البحث في الغايات الوجودية لخلق الإنسان، وذلك إما لإعتبارات نفي مبدأ الغرضية، أو لإعتبارات إبعاد العقل عن الممارسة الاستكشافية، أي تلك التي تتضمن التفاعل مع الواقع. وفي كلا الحالين، فاتتهم فرصة توظيف هذا البحث للكشف عن مقاصد التشريع، فتوقفوا عند حدود الحفاظ على الضرورات بما لا يتضمن اللغة التغييرية للواقع ولا يعد غاية تشريعية. فالجمود عند دائرة ‹‹الحفاظ›› لا يتناسب مع غاية خلق الإنسان، في حين يفترض - منطقياً – أن يكون هناك اتساق بين المقاصد وغاية الخلق دون اختلاف. والتشريع الذي لا يستهدف تحقيق هذه الغاية ولا يسترشد بهديها هو عبث بلا معنى.

ومن الواضح ان الضرورات المطروحة في نظرية المقاصد، مثل الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال؛ كلها لا تعبر عن غاية الخلق من الاشباع الروحي غير المنقطع كما عرفنا سابقاً.

يضاف إلى ذلك تحفظنا من القيد الذي أورده الأصوليون حول الجهة المعنية بهذه المقاصد، إذ حصروها بالمسلمين، وكان الأوْلى أن تُطلق على الإنسان بما هو إنسان.

لذا فما ذكره الأصوليون من مقاصد هي ليست مقاصد جوهرية، وإن سُلّم لهم بأنها من الشروط الضرورية لتحقيق المقاصد الحقيقية، لكن مع بعض التحفظ.

فمثلاً إن من ضمن ما ذُكر من المقاصد الضرورية (النسب)، رغم عدم علاقته بهذه المقاصد، فهو لا يحمل معنى مصلحياً قوياً مقارنة بغيره من الضرورات، فله بعض المعاني المصلحية على سبيل الحاجة، مثل توكيد الإنتساب الأبوي والتمييز بين الأشخاص، لا سيما عندما تتطابق الأسماء. وهو ليس من المسائل التعبدية، ولا يكتسب أولوية أكبر من حاجات رفع المشقة وتيسير أمور الحياة، فقد يكون لهذه الأخيرة من الأبعاد المصلحية والمقصدية ما تتفوق عليه بكثير.

هكذا فإن ما ذكره الأصوليون لا يتعدى المقاصد الشرطية، حيث هدفها تحقيق مقاصد حقيقية هي غاية التشريع الذي يستهدف سعادة الإنسان، ونطلق عليها المقاصد الغائية، وهي كالتالي:

المقاصد الغائية:

وهي تشتمل على مجموعة من القيم أبرزها ما يلي: التعبد والتعقل والتحرر والتخلق والتوحد والتكمل، ولكل منها ظاهر وباطن، وذلك كالتالي:

التعبد:

وهو من حيث الظاهر العمل بما أمر الله به من العبادات الظاهرة المعروفة، كالصلاة والصوم والحج وما إليها.

أما من حيث الباطن فهو توثيق صلة النفس بين العبد وربه، بكثرة الذكر في القلب على الدوام، مثلما أشار إليه المولى جل وعلا بقوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة﴾[38]، وقوله أيضاً: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾[39].

التعقل:

وظاهره الممارسة الاستكشافية في اكتساب العلم والمعرفة لفهم الظواهر الوجودية، ومنها طبيعة الإنسان ومنشؤه ومصيره. إذ يمكن توظيف هذه الممارسة لصالح الإنسان بنحو من التثبت والتيقن قدر الامكان، أو على الأقل العمل بالنظر والترجيح من غير هوى ولا تقليد. وفي القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى من التعقل، يكفينا منها ذكراً النصوص التالية:

﴿ولا تقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلٌّ اولئك كان عنه مسئولاً﴾[40].. ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علمٌ فلِمَ تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾[41].. ﴿واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لَو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾[42].. ﴿فبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أُلو الألباب﴾[43].. ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، وإلى الأرض كيف سُطحت﴾[44].

أما باطن التعقل فهو الممارسة الاستكشافية المبنية على النظر الوجداني لمعرفة الحقائق ومعاينتها. وهي عملية تتأسس عليها ظاهرة التعقل الخارجي كأصل معرفي، لكنها تُكمل أيضاً ما يبدأ به هذا التعقل ولا تلغيه، بل تعمقه بالاحساس الباطني والمعاينة المباشرة للمعرفة الالهامية بنوع من التأمل والاستبطان.

وبعضهم أشار إلى هذا المعنى مستشهداً بقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾[45].

التحرر:

وظاهره التجرد عن كل ما يعيق حركة الإنسان الكمالية في الحياة من الاستعباد والاستغلال والكسل والاتكال والخمول واتباع التقاليد والأعراف المنحرفة أو التي لا خير فيها، وما إلى ذلك.

أما باطنه فهو التجرد عن الأحوال النفسية السيئة التي تعمل على استعباد المرء واستنفاد طاقته وتضليله، كالأهواء المضلة والشهوات المميتة وحُجب التقليد المانعة من معرفة الحق والسلوك إليه. ولا يأتي هذا التجرد إلا بقطع الصلة عن هذه الأحوال عبر المجاهدة النفسية، وقد جاء في الأثر إن أعظم الجهاد جهاد النفس.

التخلق:

وظاهره العمل بمكارم الأخلاق من العدل والإحسان والرحمة والتسامح والتواضع والتودد وحسن التعامل مع الطبيعة وتسخير الأشياء وما إليها. وقد جاء في الحديث: ‹‹إنما الدين المعاملة››.

أما باطنه فهو العمل بما اصطلح عليه أهل الكشف والأحوال بالتخلية والتحلية. أي التخلي عن الطباع والصفات النفسية السيئة واحلال محلها ما يقابلها من حسن الطباع وطيب الصفات. وهو ما يشار إليه بالتخلق بأخلاق الله مثلما جاء في الحديث، واليه إشارة بعض تفاسير الآية: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾[46].

التوحد:

وظاهره السعي نحو اقامة ما أمكن من رابطة الأخوة وتعميق العلاقات بين أفراد المجتمع البشري، عبر التعاون والتآلف لما فيه خير وصلاح الجميع. وقد جاء في حده الأدنى ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم﴾[47]. أما في حده الأعلى فقد جاء قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..﴾[48]، ويشار إليه في بعض تفاسير الآية: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم﴾[49].

أما باطنه فهو جعل مصادر الاحساس والشعور والارادة قائمة على ميزان موحد من غير تضارب ولا تناقض. وإليه الإشارة بما جاء عن الإمام علي في (نهج البلاغة): ‹‹يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك››[50]. ومثل ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾[51].

وتجدر الإشارة إلى أن أغلب المذاهب الإسلامية ظلت ـ وللأسف ـ تعمل طوال تاريخها على خلاف هذا المقصد بالفرقة ونفي الإعتراف بشرعية الآخر، توسعة وتضييقاً، سواء في عقائده أو عباداته الخاصة، متجاهلة أنها مذاهب اجتهادية على حد سواء.

هذا من حيث الظاهر، أما من حيث الباطن فقلّ ما تجد في هذه المذاهب من يعمل بميزان التوحيد لمصادر الاحساس والشعور والارادة؛ بجعل حالها موضع الإنصاف مقارنة بما عليه الآخر.

التكمل:

وظاهره إكمال جميع ظواهر الأحوال السابقة، أما باطنه فإكمال بواطنها من غير حد ولا انقطاع. فمصدر التكمل هو اشباع الباطن وتحريكه، ومنه تنبعث حركة إكمال الظاهر. واليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾[52]. ومنه يعلم ان الحركة باتجاه الكمال غير منتهية، واليه يشار في بعض تفاسير الآية: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾[53].

***

يتبين مما سبق النقاط الثلاث التالية:

1ـ تُعتبر علاقة الباطن أهم العلاقات في كل ما مرّ علينا من الأحوال السابقة، وذلك لما لها من تأثير على حركة الظاهر. فمع أن للحركة الأخيرة دورها في التأثير؛ لكن العامل الحاسم في الحركة يبقى عائداً إلى الباطن.

وتنطبق هذه الحقيقة على جميع تلك الأحوال بما فيها حال التعقل، فلولا التعقل الباطني لمصادر المعرفة الأولية لما أمكن تشكيل سائر المعارف المناطة بالتعقل الخارجي. هذا بالإضافة إلى أن الباطن يُكمل ما يبدأ به التعقل الخارجي، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا.

2ـ إن العلاقة بين الأحوال السابقة هي علاقة توظيف وتأثير متبادل، فبعضها يوظف البعض الآخر ويؤثر عليه بفعل الحركة الباطنية.

3ـ إنه بفعل تلك الأحوال تتصف حركة الإنسان بأن لها القابلية على التكامل غير المتناهي؛ باعتبارها تتجه نحو المطلق أو الكمال.

2 ـ المقاصد بين حق الله وحق الإنسان

مثلما رجح الأصوليون رتب المقاصد بعضها على بعض، معتبرين الضرورات أهمها جميعاً؛ فإنهم فعلوا الشيء ذاته مع أصناف الضرورات، فقدموا الدين على ما سواه، ثم أتْبعوه بالنفس فالعقل وهكذا. ومع ان تقديم الدين على النفس لا يعد قضية محسومة لدى كافة الأصوليين، فبعضهم يرى العكس هو الصحيح[54]، إلا أن أغلب العلماء ذهبوا إلى تفضيل الأول على الثاني ومن ثم على سائر المصالح الأخرى قاطبة، مستدلين على ذلك بالجهاد، حيث يضحى بالنفوس من أجل حماية الدين وحفظه[55]. فالجهاد واجب وحق لله ليس للإنسان فيه اختيار، لا سيما وأنه عبادة يلزم عندها تحقق نية القربة، على ما فيه من مصلحة فائقة للمجتمع.

وتستند عملية ترجيح الدين على غيره من المصالح لدى الأصوليون إلى نظرية ‹‹حق الله›› المطلق في قبال ما يُسمى بـ ‹‹حق العبد›› مجازاً، إذ لا حق للعبد عندهم في واقع الأمر. فهم يفرقون شكلياً بين الحقين بناءً على مسألة جواز الاختيار للعبد وعدمه. أما بخصوص حق الله، فيتم التمييز بين حالتين كما يلي:

1 ـ التعبدات الدينية التي هي من حق الله تعالى لعدم جواز اختيار العبد فيها، وذلك بسبب عدم معقولية المعنى. إذ المعنى – هنا - موقوف الاعتبار لا يجوز تجاوزه أو إجراء القياس عليه.

2 ـ المصالح البشرية كما حددها الله تعالى في إلزام الناس على الامتثال لها من غير خيرة لهم في ذلك.

فسواء التعبدات الدينية أو المصالح البشرية التي لا خيرة للناس فيها؛ كلها تعد بنظر الأصوليين راجعة إلى حق الله.

أما حق العبد فينحصر في المصالح التي أُجيز له فيها الاختيار فحسب. فمثلاً إن ديون الأفراد بعضهم لبعض تعد من حقوق العباد، إذ يجوز لهم اسقاطها والتنازل عنها، بينما الجهاد وعقود الربا والغرر هي من حقوق الله ولا اختيار للعباد فيها رغم أنها تتعلق بمصالحهم العامة.

على هذا يصبح تعريف حق الله ـ كما يذكر الشاطبي ـ بأنه عبارة عن كل ‹‹ما فُهم من الشرع أنه لا خيرة فيه للمكلف، كان له معنى معقول أو غير معقول››. أما حق العبد فهو ‹‹ما كان راجعاً إلى مصالحه في الدنيا››[56].

على أن عيب التقسيم الآنف الذكر ليس بما تضمّنه من فصل بين ما يعود إلى أمر الله وما يعود إلى اختيار البشر، وانما إلى المبررات التي غلفته. فالجمع بين التعبدات والحقوق البشرية التي لا خيرة للناس فيها ضمن دائرة حق الله؛ وإن كان صحيحاً بحسب موجبات التقسيم ومبرراته، الا أن خطأه يكمن في شكلية التقسيم، وذلك لنكرانه حقوق البشر في المصالح، سواء كان لهم في ذلك خيرة أو بلا خيرة، مما يتسق مع نظرية الحسن والقبح الشرعيين كما أدلى بها الأشاعرة تبعاً لمنطق (حق الملكية)، إذ لا اعتبار للمصلحة الا بما جعلها الله مصلحة؛ وفقاً لما يملكه من الحق المطلق. الأمر الذي يتساوى فيه التعبد مع المصالح البشرية بلا أدنى فرق، فكلاهما يصبحان من التعبدات المقررة من قبل الله وحقه المطلق، وبه ينتفي التقسيم أساساً، إذ لا يكون أحدهما قسيماً للآخر، بل قسماً له وفرعاً عليه. وقد أكد الشاطبي هذا التصور، إذ أدرك أن الحقين المفترضين في التقسيم هما عبارة عن حق واحد، هو حق الله ‹‹لأن ما هو حق للعبد إنما ثبت كونه حقاً له باثبات الشرع ذلك له، لا بكونه مستحقاً لذلك بحكم الاصل.. فأما ما هو لله صرفاً فلا مقال فيه للعبد، وأما ما هو للعبد فللعبد فيه الاختيار من حيث جعل الله له ذلك، لا من جهة أنه مستقل بالاختيار››[57].

 هكذا طبقاً لهذا النظر تكون المصالح الإنسانية مجرد تعبدات لا دخل للعقل فيها ولا حكم، بل المصلحة مصلحة بفعل اعتبار الشارع لا غير؛ على ما أشار إلى ذلك الشاطبي بنفسه[58].

من هنا كان لا بد من دفع هذا الإشكال كما ورد لدى النظرية السابقة التي تسقط العقل من الاعتبار وتتنكر للحقوق الإنسانية لتردها إلى حقوق إلهية صرفة، وذلك بأنْ نميز بين الحقين الإلهي والإنساني، لا بحسب مبدأ الاختيار كما في الطريقة السابقة، وانما بحسب ما يناسب كل منهما من المرتبة الوجودية. فالحق الإلهي لا يتعدى التعبد الذي طالبنا به الباري تعالى لما منّ علينا من النعم الوافرة. أما الحق الإنساني فينحصر في الطلب الذي يحقق فيه البشر مصالحهم الحقيقية المدركة بالعقل والمعنى، سواء كان مصدر إدراكها الشرع أو العقل أو الواقع. فالتقابل بين الحقين هو تقابل بين تجلي الأثر الحياتي الدنيوي بمعناه الايجابي من جلب المصالح المعتبرة ودرء المفاسد وتقويم الحياة الإنسانية - الفردية منها والاجتماعية - تقويماً صالحاً وسليماً، وبين ظهور الأثر الغيبي الأخروي وحق الطاعة من حيث أنه حق لله باعتباره الإله الخالق المنعم.

لكن يلاحظ حول ما سبق النقاط الأربع التالية:

1ـ إن المقصود بحق الله هو ذاته حق طاعته وعبادته كما شاء ان يختار من غير حق للسؤال والاستشكال: ﴿ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾[59]. أما ما يُقصد بحق العبد فهو نفس تحقيق مصالحه وتسديد حاجاته بما يناسب وجوده التكويني. وبالتالي فالتقابل بين ما يسمى بحق الله وحق الإنسان هو ذاته التقابل المعبر عنه بحق الطاعة والمصلحة. ونقصد بالمصلحة هنا مصلحته في الدنيا، لأن مصلحة الآخرة مقررة وثابتة بفعل الامتثال بالحقين. وبعبارة أخرى، إنه إذا كانت مصلحة الدنيا قسيمة لحق الطاعة كما عرفنا، فإن الحال مع مصلحة الآخرة شيء مختلف، فهي نتاج الإمتثال لكلا القسمين؛ حق الطاعة والمصلحة الدنيوية.

2ـ إن اعتبار المصلحة حقاً عائداً إلى الإنسان؛ لا يعني ان مطلق المصالح التي يتنعم بها هي من حقه في قبال حق الله، فأغلب المصالح الإنسانية هي نِعم تكميلية شاء الله تعالى أن يمنّ بها على الإنسان. لكن لما كانت فائدتها تعود عليه فقد اعتبرناها من حقه بنحو من المجاز تمييزاً لما هو عائد إلى الله تعالى وحده، وهو التعبد أو حق الطاعة.

3ـ إن التقسيم الآنف الذكر منهجي ونسبي، فقد يتضمن الحكم الواحد جوانب تعود إلى حق الطاعة، وجوانب أخرى تعود إلى المصلحة. وقد يطغى حق الطاعة على المصلحة أو العكس، تبعاً للاعتبارات النسبية.

وأكبر شاهد على ذلك الصلاة، فهي عبادة وحق لله، رغم أنها تحقق – في الوقت ذاته – الكثير من المصالح المعتبرة لحياة الإنسان؛ مثل اصلاحها للمجتمع بنهيها عن الفحشاء والمنكر، كما في قوله تعالى: ﴿ان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر﴾[60]، وورد في الحديث قول النبي (ص): ‹‹من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله الا بعداً››. الأمر الذي يجعل من الصلاة ليست عبادة صرفة، وإنما وسيلة أيضاً لتحقيق المصالح التي يتطلع إليها الإنسان. والحال ذاته ينطبق على العبادات الأخرى مثل الزكاة والجهاد والحج والصيام، رغم ان بعضها يتجلى فيه الجانب المصلحي ويطغى عليه مقارنة بالتعبد، كالزكاة والجهاد.

وعليه فالعلاقة بين الحقين ليست علاقة تنافر وتضاد مادام بينهما تداخل نسبي. فمصلحة الإنسان هي أيضاً من الحقوق التي يريدها الله تعالى ويأمر بها، وهي من هذه الناحية تدخل ضمن اعتبار حق الطاعة، وإن كانت في حد ذاتها مطلباً إنسانياً. وكذا حالحال بالنسبة لحق الطاعة الذي تتحقق به فائدة تقويم الإنسان وصلاحه في الدنيا. الأمر الذي يجعل للأحكام الشرعية وجهين:

أحدهما عبادي، حيث أنها دالة على أمر الله ومولويته ووجوب طاعته والامتثال لأوامره.

والآخر حضاري، حيث أن غرضها مصلحة الإنسان وتسديد حاجاته وكمالاته، مما يجعلها تتصف بالطابع الحضاري.

والملاحظ ان النصوص الإسلامية تارة تؤكد على الحيثية الأولى، وأخرى على الثانية، وثالثة تجمع بين الحيثيتين. ففي قول المولى عز وجل: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾[61]؛ دلالة على الحيثية الأولى. أما في قوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾[62]؛ فدلالة على الحيثية الثانية. بينما في قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾[63]، وقوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾[64]؛ نجد الدلالة على الجمع بين الحيثيتين الآنفتي الذكر.

4ـ من الناحية المعرفية إن التقسيم السابق يعكس صورة الاختلاف المنهجي لفهم الإشكاليات الدينية، فقد تصاغ المعرفة بنسغ نازل من أعلى إلى أسفل، أو العكس. والفارق بين المنهجين هو أن الأول يعول على النص في فهمه للواقع وحلّه للإشكاليات الدينية. في حين ينطلق الثاني من الواقع لفهم النص وحل تلك الإشكاليات.

وتعتمد النظرية التقليدية على النهج الاول، حيث تجعل النص هو المحدد المطلق لمجالات حقوق الله والعباد تبعاً لمبدأ جواز الاختيار وعدمه، وهو ما يفرض نهجًا نزوليًا من النص إلى الواقع، أي تنزيل النص على الواقع فهماً وتطبيقاً، مما يتسق مع نظرية الأشاعرة في التحسين والتقبيح كما عرفنا. بينما في التقسيم الذي اخترناه يكون الواقع هو الذي يطلعنا على مصالح الإنسان بغض النظر عن إشارات النص، وبالتالي فهو ركن أساس في المنهجة. فمن حيث المبدأ، تنطلق الحركة الإدراكية من تحت إلى فوق، أي من الواقع إلى النص، وليس العكس. مع ما يلاحظ ان حالات الصعود والنزول كلاهما ضروري دون ان يُتخذ من ذلك قالب مذهبي جامد، لكن الحسم الأساس إنما يعود إلى طبيعة ما يراه كل من المنهجين المتعاكسين. وهما في الحقيقة يفضيان إلى نتائج متخالفة.

ولو غضضنا الطرف عن ترجيحنا لأي من هذين المنهجين وما يفضيان إليه من نتائج متغايرة، نلاحظ أننا إزاء عمليتين متكاملتين، حيث تعبر كل منهما عن مفهوم مختلف يمكن اختزاله في هاتين المقولتين:

تديين الواقع: ويُقصد به إضفاء صبغة الدين على الواقع، أو إنزال طبق الغيب على عالم الشهادة، بحيث يصبح الواقع امتدادًا لمفاهيم الدين وأحكامه.

توقيع الدين: ويعني على العكس إضفاء صبغة الواقع على الدين، أي تصعيد لوح عالم الشهادة إلى فوق، بحيث يتحول الواقع إلى نوع من الديانة، فينشأ لدينا ما يمكن تسميته بـ "ديانة الواقع".

والعمليتان مطلوبتان، إذ إن هدف الأولى هو جعل الدين واقعًا، في حين أن هدف الثانية هو جعل الواقع دينًا. ولا تتحقق المصالحة بينهما إلا عبر جدل التنزيل والتصعيد، أي من خلال تنزيل طبق الغيب والدين على الواقع من جهة، وتصعيد لوح عالم الشهادة والواقع إلى مستوى الدين من جهة أخرى.

وبذلك تتجلى العلاقة الجدلية بين الدين والواقع، فلا يكون أحدهما معزولًا عن الآخر، بل يتحقق التفاعل بينهما ضمن عملية مستمرة من التكييف والتوجيه.

عود على بدء

على ضوء ما سبق يمكن تقسيم مقاصد الشريعة إلى نوعين يتعاكسان منهجاً، لكنهما يؤطران السلوك التكليفي للإنسان بتمامه؛ أحدهما مقاصد الطاعة المعبر عنها بحق الله، والآخر مقاصد المصلحة المعبر عنها بحق العبد أو الإنسان. وتبعاً لما سلف ينبغي أن يتخذ منهج حق الله السلوك النزولي من النص إلى الواقع، إذ لا يدرك هذا الحق الا بوحي من النص. في حين يتخذ المنهج الآخر - وهو منهج المصلحة - السلوك المعاكس بالصعود من الواقع إلى النص، إذ يراعي دراسة الواقع ويقرر على ضوئها ما يتفق وحاجة الإنسان. وقد دلّ الذكر الحكيم باشارات إلى كلا النوعين من المقاصد، ومن ذلك دلالة آيتين هامتين تكشفان عن بعض ما يتضمنه النوعان. فقد جاء في إحداهما قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾، وكذا ما ورد عن النبي (ص) قوله: ‹‹حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً››[65]. وبه يعلم ان الله تعالى استهدف حق الطاعة كمقصد من مقاصد الشرع والخلق معاً. أما في الآية الأخرى فقد جاء قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾[66]، ويسنده ما ورد عن النبي (ص) قوله: ‹‹إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق››، وقوله أيضاً ‹‹إنما الدين المعاملة››. ويعلم من ذلك ان المصالح الحقوقية هي من المقاصد الأساسية التي نصّت عليها الشريعة وراعتها بالاعتبار. وبالتالي فإن حق الطاعة والمصلحة يعتبران مقصدين أساسيين نصّت عليهما الشريعة بالإقرار والتأكيد.

على ان العلاقة بين المقصدين هي علاقة تكاملية لا يستغني فيها الواحد عن الآخر، لا كما كرسته نظرية الأشاعرة في رد المصلحة إلى حق الطاعة، ولا كما آلت إليه نظريات الغربيين بنفي الحق الأخير ونكرانه. إذ لا يتسق إلغاء المصلحة مع ما تقتضيه مجريات الحياة وسنن الوجود، كما إن قطع الصلة عن حق الطاعة يجعل الحياة عبئاً ثقيلاً، لكونه يفضي إلى الانقطاع عن عالم الغيب وامداداته الروحية، مما يشكل خطورة على مصالح الإنسان - وهو الحبل الآخر من المقاصد - وما يترتب على ذلك من حرمان تحقيق المقاصد الغائية الآنفة الذكر. لهذا نجد أن الأحكام الشرعية تجامع وتداخل بين المقصدين، إذا ما استثنينا عدداً قليلاً من الأحكام التعبدية المحضة التي لا يدرك العقل مصلحتها.

ومع أن المقصدين أحدهما يكمل الآخر، الا انهما قد يتزاحمان عند مورد الامتثال للأحكام، فيكون أحدهما معارضاً للآخر. الأمر الذي يتطلب الإجابة عن السؤال التالي:

أيهما أرجح عند التعارض في النظر الشرعي: الحق الإلهي أم الحق الإنساني؟ وهل قدّم الخطاب الديني البعد العبادي على الحضاري، أم العكس؟

مع أن من الصحيح في الوقت نفسه أن يقال بأن التعارض المذكور هو في حد ذاته يعبر عن تعارض أفراد البعد الواحد، سواء كان عبادياً أو حضارياً، طالما ان كل حكم ينطوي على التداخل والجمع بين البعدين. فلو تعارض الحكمان لنشأ التزاحم والمعارضة بين أفراد البعد الواحد فضلاً عن البعدين. مع هذا فإن ما يغلب من البعدين في أحد الحكمين المتزاحمين هو غير الآخر، لذا يظل السؤال وارداً حول أيهما نأخذ وأيهما ندع؟ فهل الأولوية للبعد العبادي أم الحضاري؟

وبدون شك إن الإجابة المبدئية عن السؤال المطروح لا تتحدد الا بمعرفة أي منهما أهم من الآخر؟ لذا يصح ان ينقلب السؤال المذكور إلى صيغة أخرى مباشرة كالتالي:

هل خُلق الإنسان لأجل العبادة بتوفية حق الطاعة، أو شُرعت العبادة لأجل الإنسان؟ وهل البشر في خدمة الوحي، أم العكس هو الصحيح؟ فهنا نلاحظ ان العلاقة بينهما تحولت إلى رابطة الوسيلة بالغاية، ولما كانت الغاية أهم من الوسيلة؛ لذا أنها تتقدم عليها عند تزاحم التعارضات، وطبقاً للقاعدة الأصولية فإنه ‹‹يُغتفر في الوسائل ما لا يُغتفر في المقاصد››[67].

لكن مَن منهما الغاية ومَن الوسيلة، لا سيما أنهما يندكان ببعضهما في أغلب الأحكام؟

للإجابة على ذلك لا بد من مراعاة النقاط التالية:

1ـ يلاحظ ان أغلب الأحكام تصطبغ بالصبغة الحضارية، فيما تنحسر الأحكام العبادية بعدد قليل. فمن ذلك حرمة الاعتداء والكذب والغيبة والنفاق والحاق الضرر بالنفس والآخرين، ومكافحة الظلم وبسط العدل وفرض الزكاة وقمع الاجرام والقصاص وشرط العدل في الحاكم والقاضي والشهادة وسد الذرائع إلى الفساد وضمان الضرر الملحق بالغير وحماية الحقوق ووجوب التراضي في العقود ومسؤولية الإنسان على فعله وتحريم الربا والقمار وبيع الغرر... الخ. وقد جعل الفقهاء - بهذا الصدد - جملة من النصوص الشرعية المنقولة كقواعد فقهية ثابتة، منها: (انما الأعمال بالنيات).. (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).. (الولد للفراش).. (ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).. (المسلمون على شروطهم).. (القاتل لا يرث).. (لا يقضي القاضي وهو غضبان).. (لا ضرر ولا ضرار).. وغير ذلك مما يدخل في سلامة أمر العباد وتحقيق مصالحهم. يضاف إليه وجود قواعد فقهية أخرى استخلصها الفقهاء من وحي الشريعة والتي منها قاعدة: العادة محكّمة، دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه، الحاجة تنزل منزلة الضرورة، المشقة توجب التخفيف، دفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، الشرط خلاف ما يقتضيه العقد مبطل له، الأمور بمقاصدها والتي تتفرع عنها قاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للالفاظ والمباني... الخ [68].

2ـ كما يلاحظ ان أغلب المقاصد العامة للشريعة هي مقاصد حضارية، بما في ذلك المقاصد الضرورية والغائية. فباستثناء التعبد نجد سائر المقاصد الأخرى كلها تتضمن عنوان المصلحة. وهي بحسب المنهجة التي وضعناها - سابقاً - لا تدخل ضمن دائرة مقصد حق الطاعة.

3ـ يتوقف الجانب العبادي من الدين على شروط حضارية أو مصلحية؛ لولاها ما صحّ التعبد ولا قام. فمثلاً إن الصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات تُخفف أو تسقط عندما يحصل منها الحرج والعسر الشديد، وكذلك عند فقدان الاستطاعة. الأمر الذي يجعل من تلك الشروط حاكمة على غيرها من التعبديات، كما يشار إلى ذلك بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) الحاكمة على سائر الأحكام الأخرى. أي أن الضرر لا يجتمع مع العمل بالعبادة فترجح مصلحة دفعه عن الأحكام، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾[69]، واشتهر على الألسن مقولة ‹‹مراعاة الأبدان خير من مراعاة الأديان››[70]. وإذا أضفنا إلى ذلك ما سبق أن توصلنا إليه من شرعية تقديم المصلحة على سائر الأحكام المعارضة كما نبّه عليه الطوفي؛ فلن يبقى شك في اعتبار المصلحة هي الغاية والأهم من حيث النظر الشرعي مقارنة بحق الطاعة[71].

إذاً، إن الشروط المصلحية ليست مجرد عوامل ثانوية، بل هي محدِّدات أساسية لصحة التعبد نفسه، مما يعزز فكرة أن التشريع الإسلامي يراعي المقاصد الواقعية ولا ينفصل عن اعتبارات الإنسان وظروفه الحياتية.

4ـ قد يقال إن حق الطاعة مرجح على المصلحة بدلالة ان الشرع أجاز ان يغفر للعبد كل ذنب كما في قوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً﴾[72]، واستثنى من ذلك الشرك كما في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾[73]. بمعنى أنه ألزم العبد بالإيمان بالتوحيد إلزاماً يفوق غيره من الواجبات والمصالح.

والجواب هو ان الإيمان بالتوحيد لا يدخل ضمن دائرة حق الطاعة، ذلك لأن هذا الحق ليس له من مبرر إلا الإيمان بالتوحيد ذاته، لذا فلو دخل الأول في الثاني لحصل الدور. يضاف إلى ان من غير المعقول أن تتعارض المصلحة مع الإيمان بالتوحيد لينشأ من ذلك الترجيح.

ناهيك عن ان هذا الإيمان هو من العوامل الهامة التي تساهم في تحقيق مصالح الإنسان؛ كتحريره وتخليقه وتوحيده وتعقيله وتكميله[74]. فضلاً عن ان الآيات التي تتوعد مرتكبي جرائم القتل والفساد في الأرض - مما لها علاقة مباشرة بمصلحة الإنسان - لا تقل صرامة عما توعدت به الآية السابقة عن الشرك.

***

بذلك نخلص إلى ان المصلحة تعتبر من زاوية نظر الشرع أهم وأرجح من حق الطاعة. وهي نتيجة تخالف ما استقرت عليه الطريقة البيانية، ما جعلها لا تبدي اهتماماً بدراسة الواقع ومعالجة حاجاته ومتطلباته.

فلا توجد إشكالية صريحة للواقع في الفقه وأصوله، بل إن الأمر يغيب حتى عن علم الكلام الذي نعلم مدى تأثيره على الدراسات الفقهية والأصولية. إذ لم يتجاوز اهتمام العلماء في الغالب دائرة منهج حق الطاعة، لذلك نجدهم غارقين في البحث عن الشكليات الحرفية للنص وما يترتب عليها من اجتهادات لا علاقة لها بمساهمة الواقع؛ الا عند الضرورة وضغط الحاجة.

هذا هو مسلك الفقهاء في دفاعهم عن الصور الحرفية للنص. وكذا هو حال التفكير السلفي طبقاً لمقولة ‹‹إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق››، ومثلها مقالة الأشاعرة الخاصة بالحسن والقبح الشرعيين التي عززت القطيعة مع الواقع، بل الحال ينطبق حتى على الدوائر الأخرى التي عولت على القاعدة العقلية للحسن والقبح، إذ لم تستثمر ذلك في الكشف عن الأبعاد الواقعية للحاجات الإنسانية، بل وظفتها للأغراض الكلامية المعنية باثبات التكليف ووجود الله وصفاته وما إليها.

أما في الفقه فتكاد تكون قاعدة الحسن والقبح العقلية معطلة مقارنة بعمليات الاستثمار اللفظي الموغلة في النص. وهو أمر يكشف عن تعارض الطريقة البيانية مع ما تهدف إليه الشريعة من مراعاة المصلحة وتحقيق مقاصدها وغاياتها.

تقسيمات أخرى للمقاصد

مثلما سبق أن قسمنا المقاصد إلى نوعين يؤطران سلوك التكليف الإنساني، هما مقاصد حق الطاعة والمصلحة، فمن الممكن كذلك اجراء تقسيمات أخرى عليها، فتُقسَّم مثلاً إلى مقاصد وسيلية وأخرى غائية وثالثة شرطية ضرورية، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما يكون بينها من حدود نسبية. فالأولى تمثل من جهة غاية لبعض الأحكام، لكنها تعتبر من جهة ثانية وسيلة لغاية أخرى، وهذه الأخيرة قد تكون بدورها شرطاً ضرورياً لتحقق غرض ثالث يتمثل في ما سبق ان اصطلحنا عليه المقاصد الغائية التي هي غاية التشريع قاطبة.

فالقصد من أحكام الحدود - مثلاً - هو الردع، وهذا الغرض ليس في حد ذاته مقصداً غائياً، بل وسيلة لتحقيق مقصد آخر يشكل الغاية من الحدود، وهو حماية المجتمع وسلامته. لكن المقصد الأخير يشكّل بدوره شرطاً ضرورياً لغاية أخرى بدونه يختل تحقيقها، وهي المقاصد الغائية.

ومن التقسيمات الأخرى للمقاصد هو أنها إما أن تكون خاصة أو عامة. فالأولى تختص بعدد محدود من الأبواب والأحكام بخلاف الثانية التي تتشعب لتطل على عدد كبير منها، كالعدل الذي هو من المقاصد الحقوقية.

لذلك تندرج المقاصد الخاصة ضمن مقاصد الوسيلة لتحقيق الأغراض العامة. فمثلاً إن القصد من وجوب الضعفية في شهادة المرأة مقارنة بالرجل هو التثبت من الشهادة، وهو مقصد خاص غرضه تحقيق المقصد العام المتمثل في الحكم بالعدل.

بين الفهم المقصدي والتعبدي للدين

يمكن للفكر الديني أن يجعل من نظرية الاستخلاف قاعدته للتحرك تبعاً للمقاصد، فهي جامعة لأصلين هامين على مستوى الاعتقاد والسلوك، هما الايمان بالله الواحد والعمل الصالح. فهي نظرية تستقطب عدداً من القضايا، هدفها بناء (الإنسان الصالح) وفقاً لمنظومة القيم. فلو رجعنا إلى النص الديني، كما في القرآن الكريم، نجد أنه يهدف إلى تحقيق هذين الأصلين دون قيد أو شرط، وبالتالي فإنه يهدف إلى بناء ذلك الإنسان، كما يدل عليه ما لا يحصى من التعاليم الدينية. فغرض وجود هذه التعاليم واضح، وهو العمل على جعل الإنسان صالحاً، سواء مع نفسه أو مع غيره من افراد المجتمع، وسواء مع الطبيعة أو مع الله تعالى.

ولا يتعلق مفهوم (الإنسان الصالح) هنا بالجانب الفردي للإنسان، كما لا يتعلق بالمجتمع ككل، لا سيما أن الصورة الأخيرة لا تخلو من طوباوية يصعب تحقيقها، ويبقى أن يتعلق المفهوم بالإمكانات الواقعية لعدد كبير من الأفراد والشرائح الاجتماعية التي تتقبل التغيير تبعاً لهذا المنطق الإنساني، كما لها القدرة على التأثير الايجابي وسط المجتمع استناداً إلى ما تحمله من قوة في المنطق والقيم.

وأبرز مقومات هذا الإنسان أنه لا يميز بين عرق وعرق، ولا بين مذهب وآخر، ولا دين وآخر، ولا بين مسلم وغيره، إلا بقدر ما يمتلك من عناصر ومقومات الصلاح، فهي نزعة إنسانية عامة تستهدي بقوله جلّ وعلا: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم﴾[75].

وعلى الصعيد النظري تختلف أبعاد هذا التصور عن تصور الحضارة الغربية، حيث تطالب الأخيرة بأن يكون الإنسان حراً دون قيود ما لم يمس حريات الآخرين، وليس الأمر هكذا في التصور الديني الذي يطالب الإنسان ان يكون صالحاً، وان الحرية - ضمن حدود - لا تعد غاية في هذا الصدد، بل وسيلة حقة دونها يعجز الإنسان عن تحقيق مبتغاه من الصلاح المنشود.

كما يختلف التصور السابق عن الفهم التعبدي الذي يضفي على الوسائل والآليات الدينية صفة التعبد، فيرى العمل بالدين هو ذاته العمل بما هو جاهز من الآليات والوسائل الدينية بكل ما تتضمنه من تشريعات جزئية. وبالتالي وفقاً للتصور الأخير لا يمكن فصل الدين عن آليات النُظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الدينية ومفاهيمها، وعلى رأسها آليات النُظم السياسية والاقتصادية والقانونية، والتي يكون غرضها تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات.

وبحسب الفهم التعبدي للدين هناك مسألتان، إحداهما الآليات كوسائل، والأخرى الجاهزية من التشريعات الجزئية التي تلعب - في الغالب - دور الغاية لتلك الوسائل، والتي تمثل لديه عين الدين ذاته. ومنه يُفهم قول الإمام الغزالي: «الملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع»[76].

وكلا المسألتين معرضتان للنقد الذاتي. فاذا بدأنا بالغاية، فإن مفادها اعتبار الدين هو عين الجاهزية من التشريعات التي يراد تطبيقها عبر تلك الوسائل أو الآليات. فالدين هو الشريعة، والشريعة هي الدين. ومن الممكن ان تأخذ المسألة بعداً آخر، وهو اعتبار تطبيق تلك الجاهزية عين العدل، فكل ما يطرح خلاف تلك الجاهزية ليس من العدل ولا من الدين في شيء. فالشريعة هي العدل، والعدل هو الشريعة. وقد يعني هذا ان من غير الممكن الارتكاز على الوجدانيات العقلية لتقرير ما هو عدل وانصاف، تأثراً بالموقف الأشعري. وبالتالي لا توجد مراعاة لما يمكن ان تفضي إليه النتائج من تطبيق تلك الجاهزية من التشريعات، وما قد تفضي إليه الأمور خلاف الهدف المنشود، وهو بناء الإنسان الصالح. بل نحن على ثقة بأن التطبيق لا بد من أن يسفر عن نتائج هي خلاف العدل ومقاصد الدين، باعتبارهما ليسا لازمين عن تلك المفاصل الشرعية بالضرورة، بل الأمر يتوقف على طبيعة الواقع والظروف، وحيث ان هذين الأخيرين في حالة تغير مستمر؛ لذا فمن المحال أن تناسب تلك المفاصل طبيعة العدل والمقاصد على الدوام. فقد جاءت المفاصل الشرعية وفق ما كان عليه الواقع من أحوال، وبالتالي لا يعقل أن تكون ثابتة كثبات المقاصد، فهي ذات طبيعة اجرائية جزئية قد تتفق مع المقاصد أحياناً، وقد تتضارب معها أحياناً أخرى، وكل ذلك يعتمد على طبيعة الواقع وتغيراته غير المتناهية.

إذاً، لا يمكن للفهم السابق أن يقيم الدين من دون ان يعرّضه للتشويه والإلغاء. فإما أن يعبّر الدين عن مقاصده بغض النظر عن طبيعة ما تكون عليه التشريعات، أو يعبّر عن جاهزية التشريعات فحسب، أي دون أخذ اعتبار ما عليه المقاصد ذاتها، ومن المحال واقعاً ان يكون الدين جامعاً بين المقاصد وجاهزية التشريعات أو ثباتها، فالاهتمام بأحدهما يلغي الآخر ويهدمه. وبالتالي فإما ان نعمل على مراعاة المقاصد وعلى رأسها مبدأ العدل فنلغي الثبات والجاهزية من التشريعات، أو نعمل على مراعاة هذه الأخيرة فنلغي المقاصد والعدل، ومن ثم سوف يكون نظرنا للدين إما أن يمثل العدل والمقاصد، أو يمثل تلك الجاهزية الثابتة. ومن التعسف اعتبار الأخيرة عين العدل، فيصبح العدل صورياً بلا قيمة، كالذي ترمي إليه نظرية الأشاعرة أو منطق (حق الملكية) بما يخالف العقل والوجدان.

هكذا فالمقاصد هي المعنية بتحديد ما هي التشريعات المناسبة وفق ما عليه الواقع المتغير. أما العكس فغير صحيح، بمعنى أن التشريعات ليست معنية بتحديد المقاصد. والتصور الآنف الذكر قام بقلب هذه المعادلة الوجدانية فأصبحت المطالبة بإقامة الدين هي في حد ذاتها تعني إلغائه وتعطيله أو تشويهه.

وإذا كان هذا الأمر ينطبق على الغايات، فسينطبق على الآليات بالأولوية، فهي الأخرى لا يمكن اعتبارها تعبدية ولا توقيفية، بل تخضع لموجهات المقاصد بمراعاة ظروف الواقع وأحواله. صحيح أن هناك صوراً تمتلك قابلية أكبر للثبات والاتساق مع المقاصد، سواء من حيث الآليات أو التشريعات، لكنها في جميع الأحوال قليلة، وهي لا تتعالى على ظروف الواقع وتقلباته.

وينطبق هذا الحال حتى على الصور التي يغلب عليها الطابع التعبدي، كالصلاة والصيام، كما سيتضح في الفصل الأخير من هذه الحلقة.

أما وفق الفهم المقصدي للدين، فلا توجد وسائل تعبدية ثابتة لتحقيق تلك المهمة السامية من بناء الإنسان الصالح؛ غير العمل بالقيم الوجدانية والاخلاقية وترسيخ الصلة بالله.

ويخطئ من يتصور ان تحقيق ذلك يأتي من خلال النظام السياسي في الإسلام، وهو افتراض ينطوي على التسليم بوجود آليات ثابتة لدى السياسة الدينية. والخطأ في هذا التصور يكمن في أن الدين يخلو من تفاصيل آليات هذا النظام أو غيره من النُظم الأخرى. فمثلاً لا يوجد ما ينص على آليات التنصيب ولوائح الدستور العام وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا صلاحيات الحاكم وشروط استمراريته في الحكم.

فنحن نعلم بأن عملية التنصيب التي جرت مع الخلفاء الراشدين بعضها يختلف عن البعض الآخر، فما جرى من تنصيب للخليفة الأول يختلف عما جرى مع الخليفة الثاني، وهما غير ما حدث مع الثالث، وكذا ان ما جرى مع الثلاثة مختلف عما جرى مع الرابع.

ولم تكن جميع صور التنصيب السابقة قائمة على مبدأ الشورى، كما إن الأخيرة التي حدثت بفعل قرار الخليفة الثاني لم تكن بين جميع المؤمنين، ولا جميع أهل الحل والعقد. والشيء ذاته يقال حول البيعة، حيث لم تحدث على وتيرة واحدة، وبالتالي لا توجد آليات ثابتة ومفصلة للتنصيب.

والحال ذاته ينطبق على ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي تحكم الحاكم بالمحكوم، ونعلم كم الفارق بين الطريقة التي سار عليها الخليفتان الأول والثاني، وبين ما أحدثه الخليفة الثالث من تغيير.

ومن حيث النصوص القطعية، يعترف بعض الفقهاء المعاصرين بأن المبادئ الدستورية في القرآن الكريم قليلة للغاية. فالاستاذ عبد الوهاب خلاف يعتقد بأن نصوص القرآن قد اقتصرت على تقرير مبادئ أساسية ثلاثة عامة، وهي كل من الشورى ﴿والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون﴾ الشورى/ 38، والعدل ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ النساء/ 58، والمساواة ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ الحجرات/ 10[77]. مع ان للمبدئين الأول والأخير دلالة على كل من الشورى والمساواة بين المؤمنين فحسب، وهو أمر لا يتناسب مع الواقع الحديث للدولة.

كما إن نصوص القرآن في القانون الاقتصادي قد اقتصرت على تقرير حق الفقير في مال الغني، وكذا حق الفقراء والمساكين في مال الدولة، حيث لهم سهم من الصدقات والغنائم والفيء. وعلى رأي الاستاذ خلاف لم تُفصَّل أحكام هذا البر بالفقراء؛ لتُفصِّل كل امة ما يناسبها[78].

وفي قانون العقوبات وتحقيق الجنايات اقتصرت نصوص القرآن على تحديد خمس عقوبات لخمس جرائم، هي: القتل والسرقة والسعي في الأرض فساداً، والزنا، وقذف المحصنات، أما غيرها فهو - على رأي الاستاذ خلاف - متروك لولي الأمر[79].

وعلى الصعيد السياسي، نعلم بأن الأنبياء لم يُطلب منهم أن يكونوا قادة سياسيين، مثلما طُلب منهم التبليغ بدواعي النبوة والرسالة. أو أنهم لم يكونوا مكلّفين بهذا الأمر ما لم يبايعهم الناس، لا سيما أن بعض الأنبياء والرسل لم يتولّوا هذه المهمة ولم يسعوا إليها[80].

لذا لو تخيلنا بأن الله بعث نبينا (ص) إلى دولة يحكمها حاكم أسلم على يديه، وليس إلى قبائل عديدة متناثرة كما كان واقع شبه الجزيرة العربية، فهل نتصور أنه سيطالب بخلع الحاكم وتنصيب نفسه بحجة النبوة؟

كل ما يمكن قوله ان قيادة النبي للأمة على المستوى الاداري قد تمت بشكل تلقائي لعدم وجود زعامة مسبقة.

ويخطئ أصحاب الفهم التعبدي حينما يجعلون آليات النظام السياسي، أو غيره من النُظم الاجتماعية، جزءاً متأصلاً في اللحمة الدينية لا تقبل الخلع والانفصال، حالها في ذلك كحال الصلاة والصيام إن لم تكن ابلغ منها، وكأنها الشعيرات النابتة في حجر الرخام (المرمر)، فمن المعروف أنه لا يمكن عزلها عنه بأيّ شكل من الأشكال ما لم يتم تهشيمه كاملاً.

فهذا هو الفهم التعبدي الذي جرى اتخاذه بعناوين مثل عنوان الخلافة، وولاية الفقيه، وقبل ذلك الإمامة. وقد أصبح العنوان الأخير معطلاً لا فائدة ترجى منه سياسياً، والشيء ذاته فيما يخص شروطه الموضوعية، كشرط القرشية لدى الإتجاه السني، وشرط العصمة لدى الإتجاه الشيعي.

هكذا لمّا كان اختيار النظام السياسي ليس مطلوباً في حد ذاته ، بل لِما يمكن ان يحققه من أهداف مرهونة بالحاجات الإنسانية، فإن ذلك يضعنا أمام عدد من الخيارات الممكنة. ونرى ان خيارنا للنظام الذي يخدم إطروحة (الفهم المقصدي) يعتمد على ما يتضمنه هذا النظام من فقرات دستورية، وامكانات فعلية للتنفيذ، مع مراعاة الظروف الواقعية.

وبعبارة أخرى، طالما أنه لا يوجد تصور ثابت ومحدد لآليات النظم الاجتماعية يمكن رصده في طيات النص الديني، فهذا يعني أن هناك أشكالًا متعددة مفتوحة وقابلة للتطبيق.

وبالتالي فآليات هذه النُظم تختلف عما عليه سائر آليات القضايا الدينية التعبدية كالصلاة والصيام والحج وغيرها. ومن ثم فبقدر ما تكون آليات هذه النُظم باعثة على خلق أجواء مناسبة لبناء (الإنسان الصالح) بقدر ما تكون مطلوبة، وبقدر ما تفعل العكس بقدر ما تصبح مستبعدة.

فمن الناحية السياسية – مثلاً - لا يمتنع أن يكون المطلوب نظاماً علمانياً عندما تثبت أفضليته في تهيئة مثل تلك الأجواء مقارنة بالنظام الديني. فالعبرة هنا بصلاح الوسيلة، وذلك لعدم وجود برنامج محدد، سواء من حيث النظر العلماني أو الديني.

ومن الناحية النظرية يمكن أن نتصور نوعاً من الأفضلية لنظام يعتمد على الموجهات الدينية والوجدانية في صور التعامل مع الوقائع والأحداث، مع الأخذ بعين الاعتبار الاجتهاد في الواقع بكل ملابساته، ومن ثم العمل وفقاً لمعطياته تحت حاكمية تلك الموجهات بما فيها المقاصد الدينية. لكن حيث ان الواقع ما زال يفتقر إلى مثل هذه الصورة، فإن الخيار لا يتم بمعزل عن لحاظ طبيعة البرامج المقدمة، والظروف التي تنفذ فيها، مع القدرة على التنفيذ.

وبالتالي فالمطلوب هو كل ما يمكن ان يقربنا نحو بناء ذلك الهدف المنشود؛ سواء تمّ الأمر عبر وسيلة دينية، أو وسائل أخرى قد تكون أنجع منها، لا سيما عندما تسهم في ترسيخ الحريات العامة وتعزيز المساواة بين الناس أمام القانون؛ لا فرق في ذلك بين الحاكم والمحكوم، وكذا عندما تفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كذلك عندما تجعل العمل التربوي والتغييري في المجتمع ممكناً، الأمر الذي يشكل أرضاً خصبة للداعين إلى صنع ذلك الإنسان: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾[81].

على أن علاقة (الإنسان الصالح) بالمقاصد الدينية هي علاقة ضرورية غير قابلة للانفكاك، فلا يمكن تصور أحدهما دون الآخر. فالغرض من الدين لا يحيد عن هذا المطلب النبيل. وليس الأمر كذلك مع آليات النُظم الاجتماعية وعلى رأسها النظام السياسي، حيث لا يمتنع ان يكون الدين محايداً ازاءها إذا ما استثنينا مطالبته بجملة من القيم والموجهات ذات العلاقة المباشرة بالغرض الديني الآنف الذكر. مما يعني أنه لا يوجد نظام محدد تفصيلي؛ سواء استعنّا بالنظريات الشيعية أو السنية. وبالتالي فليس هناك ما نعتبره من التعبديات كما يزعم أصحاب الفهم التعبدي، ولا توجد مؤشرات تشير إلى هذا المعنى من التعبد.

هكذا ليس من الضروري أن يكون هناك تضاد بين البرامج الاجتماعية - السياسية والاقتصادية وغيرها - لدى الفكرين الديني والعلماني. فالفارق بينهما يمكن ان يتحدد في بعض المصادر المعرفية، حيث ان الفكر الديني لا يمانع من الأخذ بجميع ما يعتمد عليه الفكر العلماني، مع إضافة خصوصيته المتعلقة بالنص. وهذا يعني أن الفكر الديني غالبًا ما يميل إلى الجمع دون الطرح، مما قد يؤدي إلى تقارب الرؤيتين في بعض الحالات. فمثلاً قد يتحقق التقارب عند اعتماد الرؤيتين على الاعتبارات العقلية والواقعية وغيرها من الاعتبارات العارضة لدى الفكر الديني. كما قد يتجلى التقارب في النتائج رغم اختلاف الأسس المعرفية لكل منهما، كإن يكون الإعتماد لدى الفكر الديني على الاعتبارات الذاتية (النص)، ولدى الفكر العلماني على العقل والواقع. مع هذا فالفوارق بينهما تظل متوقعة وكثيرة، لكن ذلك يحدث أيضاً بين البرامج المختلفة التي يقدمها ذات الفكر الديني بأطيافه المتنوعة، وكذا يحدث بين البرامج المختلفة التي يقدمها الفكر العلماني.

فمثلاً ينقسم النظام السياسي داخل الفكر الديني إلى نظام ديني استبدادي، والى نظام يعمل بالتعددية. وكذا هو حال ما يحصل داخل الفكر العلماني. وهذا يعني أن الخطأ وارد في البرامج والمشاريع المقترحة، سواء كانت دينية أو علمانية، وان صفة الاجتهاد لدى كل منهما قائمة، وأنه لا قدسية في الاجتهاد الديني، وان الأحكام الواردة فيه ليست أحكاماً إلهية بحتة، وكذا ان السلطة والسيادة ليست إلهية ثيوقراطية، بل لها طبيعة بشرية مصطبغة بالصبغة الدينية، وحصيلتها في النتيجة هي حصيلة بشرية قائمة على الفهم والاجتهاد، ومن ثم فهي قابلة للخطأ. وان الأفضلية بين الفكرين لا تتحدد بمجرد الانتماء، بل لا بد من معرفة طبيعة ما عليه البرامج؛ سواء كانت دينية أو علمانية. فللنزعتين عدد غير محدد من البرامج التطبيقية. وبالتالي قد يتفوق برنامج ديني على علماني، كما قد يحصل العكس، طالما ان المصادر والاعتبارات المعتمدة قد تتفاوت وتختلف فيما بينها، وقد يطغى بعضها على البعض الآخر، مما قد يختلف فيه الأمر من برنامج إلى آخر. فليس كل من يعول على النص يصيب الاجتهاد الصحيح، ومثل ذلك من يعول على العقل والواقع، وان الصواب صواب سواء كان مستمداً من النص أو غيره.

على أن الأنظمة الحديثة لم توفق بعد إلى الصواب في تعاملها مع الشعوب المحكومة، وان الداء فيها متنوع، إذ قد يتمثل في إبتعادها عن الروح الدينية وقيمها السامية، كما قد يتمثل في إهمالها للموجهات الوجدانية المناطة بالممارسة والتطبيق؛ كالإخلال في العدالة والتمييز والاضطهاد، أو لكونها لا تعير أهمية للمقاصد الدينية واعتبارات الحقائق الواقعية. فلا يخلو نظام من أنظمة الحكم الحديثة دون ان يمسّه داء أو أكثر. وبالتالي فهي لا تعبّر عن طموح (الإنسان الصالح) سواء كانت مصطبغة بالصبغة الدينية أو العلمانية. وان المسؤولية الملقاة على عاتق النظام الديني كبيرة، باعتباره يمارس نوعين من الفهم والاجتهاد، أحدهما يتعلق بالنص، والآخر بالواقع، وان اغفال أهمية فهم الأخير هو الداء المزمن الذي رافق التفكير الديني منذ نشأته الى يومنا هذا، وبالتالي فأزمة هذا النظام وفشله يعودان في الغالب إلى عدم الوعي بأهمية الواقع وعلاقته بالنص.

لذلك فعادة ما تتفوق بعض التجارب العلمانية الغربية على مشروعاتنا السياسية. ومع ان لكل نواقصه، إلا أن الفوارق في النقص والخلل بين هذين النوعين من المشاريع والتجارب كبيرة للغاية. وقديماً قال ابن تيمية أيام الحملة المغولية، نقلاً عن بعض العلماء: إن «الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة». ويقال: «الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء››[82]. ومثل ذلك ما أفتى به الفقيه رضي الدين علي بن طاووس بتفضيل الحاكم العادل الكافر على المسلم الجائر، أيام السلطان هولاكو. وهو ما أيده بعض رواد الاصلاح الديني الحديث مثل الكواكبي[83]؛ مفضّلاً أن يحكمنا الملوك الغربيون عن أن يحكمنا الرؤساء المسلمون، معتبراً الأوائل أفضل من الآخرين وأولى منهم حكماً، شرعاً وعقلاً، لكونهم أقرب للعدل وأقدر على إعمار البلاد وترقية العباد ومن ثم تحقيق المصالح العامة. لذا اعتبر التشريع الغربي هو حبل الله لأنه بيد الأمة[84].

يبقى أن الخيار الديمقراطي هو الخيار المطلوب، وأن التيار الديني هو أقوى التيارات التي يمكنها توظيف هذا الخيار في مجتمعاتنا الإسلامية، إلى حدّ قد يفضي التحقيق فيه إلى اعتباره واجباً متعيناً قبال غيره من الخيارات من الناحية الدينية، فهو خيار استراتيجي لا تكتيكي، فالمكسب فيه معلوم، سواء في الفوز أو الفشل، إذ هناك فرص حقيقية لتجنيد الطاقات في التوعية والتغيير الاجتماعي، وأن من الممكن الاستفادة من الحرية المتاحة وقابلية مجتمعاتنا لقبول الخطاب الديني أكثر من غيره[85].

ومن الغريب فعلاً أن يعرض أغلب الكتّاب الإسلاميين والكثير من حركات التيار الديني عن ذلك الخيار، بدل التهافت عليه. وهم إذ يفعلون ذلك فلتمسكهم ببعض ألوان الاستبداد الديني والسياسي، رغم ما يفضي إليه الأمر من تشويه سمعة الدين وفقدان الثقة وحالة الاحباط التي تصيب المجتمع جرّاء التطبيق، كالذي رأيناه في أكثر من مكان وتجربة.

نعلم ان هناك تحسساً للتيار الديني إزاء عدد من القضايا التي تتضمنها فكرة التعددية والخيار الديمقراطي، ومن ذلك الجلوس مع الأحزاب المعارضة في المجالس النيابية. وقد يجاب عليه بأن ذلك لا يكون أعظم من قبول النبي (ص) لصلح الحديبية مع ما فيه من بعض الخسارة المعنوية قبال الكسب الذي تضمنته المعاهدة. فما يحصل في المجالس النيابية من الخسارة المعنوية للطرف الديني، بل وجميع الأطراف، ليس بأعظم من تلك الحالة التفاوضية التي جرت بين النبي وخصومه من المشركين، ولا أعظم مما عاهد به النبي يهود المدينة المنورة وغيرهم، ضمن ما يُعرف بصحيفة المدينة التي لها طابع المواطنة والحقوق المدنية. وفي جميع الأحوال هناك مكسب تناله جميع الأطراف المتعارضة، وهو رفض العنف وتحويل الصراع مما يمكن أن يكون صراعاً دامياً إلى صراع التنافس حول التأثير لكسب المقاعد والأصوات.

كما أن من القضايا التي يتحسس منها التيار الديني هو أنه يرى المشاركة في المجالس النيابية ما هي الا تعبير عن الرضوخ لتقبل (المنكر)؛ لما تحمله أطراف المعارضة من برامج علمانية. مع أنه يمكن الإجابة عن هذه الحساسية بأن تلك المشاركة ليست بأعظم من تقبل الفرد المسلم للمنكر عندما يصعب تغييره فيعمل بأضعف الايمان، وهو الرفض القلبي، تبعاً للحديث النبوي: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ففي الجلوس على طاولة المجالس النيابية حفظ لحياة الجماعة لا الفرد وحده، وان الخسارة المعنوية التي تطال الجميع يستعاض بها في القدرة على تغيير الأوساط الاجتماعية، وذلك لأن الخيار الديمقراطي مشروط بحماية الحريات العامة، ومنها الحرية الدينية والثقافية والاعلامية والسياسية.

تبقى الإشكالات التي توردها الحركات الدينية على التعددية السياسية كثيرة، أهمها أنها مناقضة لأصول الإسلام، فالإسلام يقر بالوحدة لا التعددية، وأنه لا يقر الا بحزب الله كجماعة دون غيره، وان الحرية في الإسلام مقيدة لا كما هو الحال في التعددية، وان المجالس النيابية وما تتضمنه من المعارضة لا تنسجم مع الفكرة الإسلامية الموحدة، وان الإسلام يعمل طبقاً للحق وليس بحسب الأكثرية، وان العمل بتعيين مدة الحكم يعد شرطاً ليس للإسلام فيه أصل، وان الإسلام يدعو إلى بيعة أهل الحل والعقد بعد التعيين، وعلى الأقل بين المؤمنين كافة، في حين إن الإنتخاب يكون من قبل الناس جميعاً دون تمايز... الخ.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك؛ ما كان يجمع عليه الفقهاء من عدم شرعية التعددية في الدولة الإسلامية، وتقييد المنصب الرئاسي بالشرط القرشي تارة وبالعصمة تارة أخرى. لكن الملاحظ بأن هذه الشروط والقيود أخذت تتراجع ولم يعد لها ذلك الصيت والأثر لعدم امكانية تحقيق بعضها، وصعوبة تحقيق البعض الآخر.

وتذكرنا الإشكالات السابقة بما كان يُطرح من إشكالات على التعددية العقائدية، تبعاً لمقالة الفرقة الناجية وسط فرق الضلال، حيث ان الحق المختلف فيه واحد. لذا تعني التعددية المعرفية بأن جميع الفرق المختلفة باستثناء واحدة منها هي فرق ضالة إن لم تكن كافرة، وبالتالي فإن الإسلام لا يقر الا بواحدة، هي فرقة حزب الله، أو الجماعة التي تدعيها كل فرقة لنفسها، وكذا ان الحرية الفكرية في المجال العقائدي غير مقبولة، وكثيراً ما يمنعها العلماء بأساليب مختلفة، كاسلوب الفتوى التي تأمر بحرق كتب أهل الضلال... الخ.

ومثلما أن الإشكالات في المجال العقائدي تفترض وجود عقائد ثابتة يمكن التحقق منها دون التباس، فكذا أن الإشكالات في المجال السياسي تفترض وجود برنامج ديني مثالي ناجح للتطبيق، وهو أصل الخلاف، إذ لا يوجد برنامج موحد يتفق عليه جميع أصحاب الحركات الإسلامية، فكل برنامج يقتضي الممارسة الاجتهادية مع النص، كالذي يجري في المجال العقائدي، يضاف إلى أنه حتى مع سلامة الاجتهاد وفق متطلباته الدينية، فذلك لا يفي بحل المشكل السياسي؛ للإلتباس الحاصل في الواقع المتغير، إذ لهذا الأخير أثره البالغ في نجاح المشروع السياسي أو فشله.

وبالتالي فإننا نتعامل مع أطياف مختلفة، سواء في الحالة الدينية أو العلمانية.

ومن حيث التقارب في مواقف الفكر الديني إزاء القضايا العقدية والسياسية، يلاحظ ان الفِرق الدينية كان لها طابعها الاجتهادي، رغم أنها تتنكر - في الغالب - لهذا الاجتهاد ولا تعترف به[86]. وهي وإن كانت تعددية من حيث الواقع إلا أنها أحادية التصور؛ لا تجيز التعدد ولا تقبل للآخر الإختلاف، وبعضها يتهم البعض الآخر بالضلال والكفر. هذا على الرغم من أن دوائرها المذهبية الكبيرة ليست فقط تعددية من حيث الواقع ، بل ومتداخلة فيما بينها أيضاً، سواء على صعيد المضمون الفكري، أو على نحو المنهج والطريقة[87].

كذلك فإن الحركات السياسية الدينية وإن كانت حركات اجتهادية وتعددية يتداخل بعضها مع البعض الآخر، الا أنها تتنكر لطابعها الاجتهادي وتنظر للأمور بعين واحدة دون أن تعترف بتعدديتها وتداخلها، لا سيما تلك التي تقسّمها الاعتبارات المذهبية. وهو الأمر الذي شهدناه في الفكر الديني على المستوى العقدي كالذي أشرنا إليه قبل قليل. ناهيك عن أنها تقتبس - أحياناً - الفكر الآخر عند الحاجة وتصبغ عليه ما تراه مناسباً من مرجعيتها الدينية، ومن ذلك قضية الديمقراطية التي قد تعني عندها مفهوم الشورى دون اختلاف.

هكذا ينبغي ان لا نربط مصير الدين بالقضية السياسية أو غيرها من النُظم الاجتماعية بقدر ربطه بالغاية التي استهدفها الدين ذاته. وبعبارة أخرى إن العبرة بالغايات لا الوسائل والآليات، الأمر الذي يجعل التصدي إلى جوانب التربية والفكر والتثقيف من الأولويات للعقل المسلم، أما التصدي للمسألة السياسية فهي من الأمور التابعة لتلك الجوانب، والعمل معها ينبغي ان يتخذ الكثير من الحيطة للخطورة التي تترتب عليها، سواء من الناحية الدينية أو الواقع الاجتماعي.

***

يبقى أن نشير إلى الشبهة التي تقول بأن الاعتماد على المقاصد لتأسيس الأحكام يعني الإرتكاز على كليات مبهمة؛ فكيف يمكن تنزيلها إلى الواقع؟ فالعدالة مثلاً هي من المفاهيم الكلية، ويمكن أن يدعيها الشارد والوارد، والموافق والمخالف.

كذلك ما هي ضمانات العمل بتغيير الأحكام وفقاً للشريعة الإسلامية، ومن له الحق بفعل ذلك؟

والجواب على الشبهة الأولى هو أن المقاصد وإن كانت كليات عامة عاجزة عن التطبيق بحسب ذاتها، الا أن ذلك لا يمنع من التعامل مع مصاديقها، مع لحاظ أن هذه المصاديق تارة تدخل ضمن دائرة الأمور الواضحة، بحيث لا يختلف حولها الوجدان العقلي بما هو وجدان نوعي، وأخرى ضمن المتشابهات، وبالتالي تخضع للنقاش والأخذ والرد. ومن الناحية المبدئية إن الإعتماد على دائرة الواضحات يكفي لتبرير العمل بتلك الكليات، فهذه الدائرة هي من جملة ما أنعم الله علينا الإستناد إليها وتمييزها عن غيرها، وهي تغطي جزءاً كبيراً مما نحتاج إليه في حياتنا.

أما ضمانات العمل بتغيير الأحكام بما تنسجم مع الخطاب الديني، فهي تعتمد على أمرين: نظري وتقني، فمن الناحية النظرية ان الضامن في ذلك هو الاستظلال بالمقاصد ذاتها، أما الأمر التقني في كيفية الاستظلال بالمقاصد فأقرب الصور التي تحقق ذلك هو العمل وفق الاجتهاد الجماعي المشترك بحسب الشروط والضوابط؛ كالتي أشرنا إليها من قبل.


[1]  الفخر الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، الطبعة الاولى، 1404هـ ـ1984م، ص296 وما بعدها. ونصير الدين الطوسي: تلخيص المحصل، انتشارات مؤسسة مطالعات إسلامي، ص343 وما بعدها. وبعضهم اعترف بالحكمة في بعض كتبه كما هو حال الغزالي في كتابه (الحكمة في مخلوقات الله). كما إن الشهرستاني حصر الحكمة الإلهية بمعنى اتقان الخلق من حيث التكوين فحسب (الشهرستاني: نهاية الاقدام، مكتبة المثنى، بغداد، ص401-402).

[2]  ابن القيم: أعلام الموقعين عن رب العالمين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف، دار الجيل، بيروت، 1973م، ج1، ص335-336.

[3]  ابن تيمية: كتاب النبوات، دار القلم، بيروت، ص142.

[4]  سيف الدين علي الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، كتب هوامشه إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1405هـ ـ1958م، ج3، ص251 وما بعدها. لكن نقل ابن تيمية ان الآمدي يعد الغرض الإلهي جائزاً ليس بواجب كما عليه المعتزلة، ولا بممتنع كما عليه سائر الأشاعرة (كتاب النبوات، ص142)، وهو خلاف المذكور في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام).

[5]  الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، مع حواشي وتعليقات عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1395هـ ـ1975م، ج2، ص6.

[6]  الموافقات، ج2، ص6.

[7]  المصدر، ج2، ص513.

[8]  انظر مثلاً: أبو جعفر الطوسي: تمهيد الأصول في علم الكلام، انتشارات دانشگاه طهران، 1362هـ.ش، ص161. ومقداد بن عبد الله السيوري: ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1405هـ، ص273ـ274.

[9]  يقول ابن القيم بهذا الصدد: هل يمكن لفقيه على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ حيث جناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحكم والمصالح والعلل الغائية. فإذا رأوا ان الشرائع تنكر الأسباب والحكم والاغراض فإن ذلك يدعوهم إلى تركها وراء ظهورهم وبذلك يسيئوا الظن بها (ابن القيم الجوزية: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص205، شبكة المشكاة الالكترونية: www.almeshkat.net).

[10]               انظر: محمد بن مكي العاملي: القواعد والفوائد، تحقيق عبد الهادي الحكيم، مكتبة المفيد، قم، عن المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص38. ومقداد السيوري الحلي: نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، تحقيق عبد اللطيف الكوهكمري، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1403هـ، ص7. وابن أبي جمهور الاحسائي: الاقطاب الفقهية على مذهب الإمامية، تحقيق محمد الحسون، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1410هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ص44.

[11]               الجويني: البرهان في أصول الفقه، حققه وقدم له ووضع فهارسه عبد العظيم الديب، مطابع الدوحة الحديثة، الطبعة الاولى، 1399هـ، ج2، ص923 وما بعدها.

[12]               المستصفى، ج1ص287.

[13]               الإحكام، ج3، ص240.

[14]               الموافقات، ج1، ص83، وج2، ص16.

[15]               ارشاد الفحول، ص216. وبدائع السلك في طبائع الملك، ج1، ص194-195. والقرافي: الذخيرة، المقدمة الثانية، الفصل الثالث، ضمن عنوان (في الدال على العلة)، شبكة المشكاة الالكترونية، لم تذكر ارقام صفحاته.

[16]               يوسف حامد العالم: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، اميريكا، الطبعة الاولى، 1412هـ ـ 1991م، ص161.

[17]               تاريخ المذاهب الإسلامية، ص309.

[18]               محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص305.

[19]               الفخر الرازي: المحصول في أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج5، ص160.

[20]               انظر: القواعد والفوائد، ج1، ص38. ونضد القواعد الفقهية، ص7. والأقطاب الفقهية، ص44.

[21]               تاريخ المذاهب الإسلامية، ص309.

[22]               المصدر السابق، ص308 و312.

[23]               المصدر نفسه، ص309.

[24]               عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه، مصدر سابق، ص200-201. كذلك: المستصفى، ج1، ص287.

[25]               الموافقات، ج2، ص17-18. وعلم أصول الفقه، ص203.

[26]               الموافقات، ج2، ص11-12. وعلم أصول الفقه، ص202-204. ومصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص57-59.

[27]               علم أصول الفقه، ص204-205.

[28]               الموافقات، ج2، ص16-17.

[29]               حاشية الموافقات، ج2، ص9.

[30]               العنكبوت/ 45.

[31]               لهذا نرى المحقق القمي من الإمامية يعتبر المقاصد الخمسة للضرورات هي من أحكام العقل الخالية من المفسدة لذلك صانها الشارع الإسلامي (عن: الأصول العامة للفقه المقارن، ص403).

[32]               الموافقات، ج2، ص315.

[33]               الحجرات/ 13.

[34]               آل عمران/ 75ـ76.

[35]               الحديد/ 16.

[36]               النساء/ 123.

[37]               الذاريات/ 56.

[38]               الاعراف/ 205.

[39]               الحشر/ 19.

[40]               الاسراء/ 36.

[41]               آل عمران/ 66.

[42]               البقرة/ 170.

[43]               الزمر/ 17ـ18.

[44]               الغاشية/ 17ـ20.

[45]               البقرة/ 282.

[46]               الاعراف/ 180.

[47]               الحجرات/ 13.

[48]               آل عمران/ 103.

[49]               هود/ 118ـ119.

[50]               نهج البلاغة، شرح محمد عبده، دار المعرفة، بيروت، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج3، ص45.

[51]               الاحزاب/ 4.

[52]               الرعد/ 11.

[53]               الانشقاق/ 6.

[54]               حاشية الموافقات، ج2، ص10.

[55]               الموافقات، ج2، ص299.

[56]               انظر: الموافقات، ج2، ص318-319. كذلك: ابن الحسين المكي: تهذيب الفروق، وهو مطبوع في هامش كتاب الفروق للقرافي، نشر عالم الكتب، بيروت، ج1، ص157. وعلم أصول الفقه، ص210 وما بعدها. ومحمد جواد مغنية: حق الله وحق العبد، رسالة الإسلام، نشر الاستانة الرضوية، مشهد، 1411هـ ـ1991م، ج8، ص353-355.

[57]               الموافقات، ج2، ص377-378.

[58]               المصدر، ج2، ص315.

[59]               الانبياء/ 23.

[60]               العنكبوت/ 45.

[61]               يوسف/ 40.

[62]               النحل/ 97.

[63]               الشورى/ 13.

[64]               الكهف/ 11.

[65]               تهذيب الفروق، ج1، ص157

[66]               الحديد/ 25.

[67]               السيوطي: الاشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار احياء الكتب العربية، ص175.

[68]               الموافقات، ج2، ص305-306. والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص163-165، وج2، ص960 وما بعدها. ونضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، ص74 و115 وما بعدها.

[69]               الحج/ 78.

[70]               حق الله وحق العبد، مصدر سابق، ص354

[71]               يؤيد هذا المعنى بعض ما روي عن النبي (ص)، منها قوله: ‹‹هل أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصوم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: اصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين›› (ابو عيسى الترمذي: سنن الترمذي، المعجم الفقهي الالكتروني، ج4، ص73).

[72]               الزمر/ 53.

[73]               النساء/ 48 و116.

[74]               ربط بعض المفكرين الغربيين بين الشرك والتخلف الذي ساد زمناً طويلاً دون استغلال الطبيعة علمياً؛ مما جعل طريقة القضاء على الشرك منطقية بهذا الاعتبار. فقد قال المؤرخ ارنولد توينبي بأن طاقات الطبيعة رغم أنها كانت موجودة دائماً على سطح الأرض، الا أنه لم يتم تسخيرها إلا في الفترة الأخيرة. وهو يعد عقيدة الشرك - التي سادت زمناً طويلاً - عقبة كبرى وقفت أمام تسخير هذه الطاقات وحولتها إلى آلهة، حيث كان المشركون يقدسونها ويعبدونها بدلاً من تسخيرها. أما عقيدة التوحيد فهي التي جعلت الإنسان ينظر إلى الطاقات المذكورة بأنها مخلوقات مثله ومن ثم بدأ يفكر في تسخيرها (عن: وحيد الدين خان: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، ضمن القسم الثامن من كتاب: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية والشبهات التي تثار حول تطبيقها، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1404هـ ـ1984م، ص301).

[75]               الحجرات/ 13.

[76]               الغزالي: احياء علوم الدين، دار احياء التراث العربي، بيروت، ج1، ص17. ومن الجدير بالذكر ان هذا النص وما على شاكلته يُنسب إلى ملك الفرس الساسانيين اردشير خلال القرن الثالث بعد الميلاد، وقد اعتبر أحد المفكرين أنه رغم ما رددته أدبيات الفكر الإسلامي لهذا النص فإن الفكرة المنتزعة عنه فُهمت خلاف ما أراده لها واضع النص (اردشير). وعلى العموم يعتقد هذا المفكر بانه ليس لفكرة ذلك النص وما على شاكلته أصل ديني، بل مردها إلى اردشير الفارسي (محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي، ضمن سلسلة نقد العقل العربي، ج٤، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الاولى، 2001م، ص155). مع ان العلاقة التي تربط الملك بالدين هي علاقة مبررة عقلياً، سواء فهمنا الدين بمعناه التعبدي كما هو سائد، أو فهمناه بالمعنى المقصدي كما ندعو إليه، وقد كانت السيرة منذ عهد النبي والخلفاء الراشدين قائمة على أحد هذين الفهمين، وتبعاً للفهم التعبدي فإن تلك السيرة قد جرت بحسب المعنى الذي يبدو من نص اردشير.

[77]               مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص158. ويقترب من هذا الموقف ما ذهب إليه السيد محمد حسين الطباطبائي، فإعتبر أنه لا يوجد اطار معين ثابت للتشريع للسلطة والحكم في الإسلام مراعاة لتغير الظروف، إذا ما استثنينا بعض الاهداف العامة كمصلحة الإسلام والمسلمين، والوحدة العامة، والعقيدة التي توحدهم (الطباطبائي: مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي، تعريب خالد توفيق، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الاولى، 1415هـ).

[78]               مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص159.

[79]               المصدر السابق، والصفحة ذاتها.

[80]               انظر التفاصيل في: مشكلة الحديث.

[81]               النحل/ 125.

[82]               مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص146.

[83]               عبد الرحمن الكواكبي: أم القرى، الأعمال الكاملة للكواكبي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى، 1995م، ص293ـ295.

[84]               الكواكبي: طبائع الاستبداد، المصدر السابق، ص523. كما لاحظ: القطيعة بين المثقف والفقيه، القسم الاول.

[85]               انظر مثلاً ما ترتب على ما آلت إليه حركة الاخوان المسلمين في مصر منذ اواسط الثمانينات بقبولها التعددية، وقد سبقتها حركة الإتجاه الإسلامي في تونس منذ 1981م والتي تغيّر اسمها إلى حركة النهضة سنة 1988م (لاحظ: راشد الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى، 1993م، ص257 وما بعدها).

[86]               انظر: الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، الفصل الأخير.

[87]               للتفصيل انظر حلقة (علم الطريقة). كذلك: الفكر الإسلامي والفهم المقصدي والتعبدي للدين، مجلة الحياة الطيبة، العدد 15، 2004م.

comments powered by Disqus