-
ع
+

تصورات خاطئة (36) هل للفلاسفة تفسير نمطي آخر للنص الديني غير نظرية التمثيل؟

يتصور الكثير خطأً أن نظرية التمثيل (المثال والممثول) هي التفسير النمطي الوحيد للنص الديني لدى الفلاسفة المسلمين..

والحال ان لدى الفلاسفة المتأخرين نظرية ثانية تختلف في طريقتها ونتائجها عن الاولى، دون ان تكون معروفة لدى الباحثين المحدثين والمعاصرين. وسبق أن صككنا لها – في بعض الدراسات - مصطلح (نظرية المشاكلة). يضاف إلى وجود نظرية ثالثة تعود إلى ابن عربي وإن لم تحظ بالتنظير مقارنة بالنظريتين الأُوليين.

وأول من طرح نظرية التمثيل (المثال والممثول) هم الاسماعيلية، ثم عمّق مبانيها الفارابي، ومن بعده درج الفلاسفة على تبنيها منذ ابن سينا فلاحقاً. ومفادها انها تعتبر النصوص الدينية مجرد مثالاث ورموز مجازية دون ان تتضمن الحقيقة الموضوعية. فهي مصدر الظن والاقناع وظلاً محاكياً للفلسفة، وبالتالي كان لا بد من تأويلها لتتفق مع الأخيرة التي هي منبع البرهنة واليقين.

أما نظرية المشاكلة فتتميز بأنها تسلّم بالحقيقة اللفظية للنصوص الدينية من دون مجاز، وبالتالي فهي لا تمارس عملية التأويل. لذلك انها تسعى الى التوفيق بين المنظومة الفلسفية وتلك النصوص، حيث يمثلان لديها الحقيقة الموضوعية. ويعتبر الغزالي أبرز الداعين اليها، ومن بعده صدر المتألهين الذي نسبها الى العرفاء.

وكمثال على التمييز بين النظريتين الآنفتي الذكر، كان الفلاسفة التقليديون مضطرين لتأويل الصفات الإلهية التشبيهية كصفتي السمع والبصر، مثلما جاء في قوله تعالى: ((إن الله سميع بصير))، فإعتبروا ذلك مما يعود إلى العلم الصوري تبعاً لنظرية التمثيل. فابن سينا مثلاً فسّر سمعه وبصره بأنه عالم بالمسموعات وعالم بالمبصرات، وكونه خبيراً انه عالم ببواطن الأشياء، وكونه شهيداً انه عالم بظواهر الأشياء، وكونه محصياً انه عالم بالمعدودات، وكونه لطيفاً انه عالم بدقائق الأشياء، وفي جميع الأحوال يظل علمه واحداً لا يتعدد وإن اختلفت أسماؤه. ورأى إبن رشد ان علة تأويل الفلاسفة للسمع والبصر إلى العلم؛ هي كي لا يلزم عن وصفه بهما ان يكون ذا نفس، وإعتبر ان الله وصف نفسه بهما لينبه على ان لا يفوته نوع من أنواع العلوم والمعارف.

في حين انه بحسب نظرية المشاكلة فإن تلك الصفات تؤخذ على معانيها الحقيقية، ومن ذلك ان صدر المتألهين خالف من سبقه من الفلاسفة المشائين ومن على شاكلتهم، كالفارابيين والطوسي وإبن رشد وغيرهم، إذ إعتبر ان لله سمعاً وبصراً هما غير العلم، حيث انهما عبارة عن شهود المسموعات والمبصرات، فهذا الشهود هو السمع والبصر. وهو الرأي الذي يتوسط بين المأولين لصفتي السمع والبصر إلى العلم كالذي عليه المشاؤون، واولئك الذين عكسوا القضية فأولوا العلم إلى البصر كما هو الحال مع السهروردي، فصدر المتألهين يثبت الأمرين معاً، وهو ما يتفق مع نظرية المشاكلة.

وعليه انه إذا كان من مقتضيات نظرية التمثيل رفض ظاهر النص والاخذ بالباطن من خلال التأويل؛ فإن الأمر مع نظرية المشاكلة مختلف، إذ لا يوجد فصل بين الظاهر والباطن. كما انه إذا كانت نظرية التمثيل تعتبر النصوص الدينية اقناعية خطابية جاءت لتراعي مدارك الجمهور وأذهان الناس الضعيفة، فإن الأمر مع نظرية المشاكلة مختلف، إذ لا يوجد مجاز ولا خداع كالذي تفضي إليه النظرية الأولى.

كذلك انه إذا كان أصحاب نظرية التمثيل لا يفهمون من المعنى الظاهر غير تلك الدلالة الحسية الطبيعية، فإن غيرهم من أصحاب نظرية المشاكلة يعتبرون هذا المعنى ينطبق أيضاً على ما هو أعمق من تلك الدلالة، فهناك دلالة عقلية ومثالية وإلهية هي أعمق من الدلالة الحسية، وان كانت جميع الدلالات تعبّر عن ظاهر النص بمعناه العام غير القابل للتحديد من حيث الأصل، أي ان الظاهر لا يكشف إلا عن ذلك الذي يعبّر عن روح المعنى المشترك، وهو المعنى المجمل الذي لا يتحدد بأيٍّ من تلك الدلالات. وبالتالي كان لزاماً على نظرية التمثيل ان تقوم بتأويل الظاهر بإعتبارها تتوقف عند دلالته الحسية الخاصة دون التعويل على المعنى المشترك غير المتقيد بحس وعقل وخيال أو مثال. في حين بحسب نظرية المشاكلة ان كلاً من هذه المعاني يمكن ان يعبّر عن هذا الظاهر، أما تعيين حقيقة الأخير فذلك يعتمد على الباطن. فالباطن يعين الظاهر دون ان يلغيه، والفارق بينهما، بحسب نظرية المشاكلة، هو رغم ان الظاهر يمثل المعنى الحقيقي للممثول، إلا انه لا يعبّر عنه تعبيره التام غير المنقوص، أو انه لا يكشف عن هويته الوجودية، بل يظل محتفظاً بروح ماهيته العامة أو الأصلية، ويبقى ان تعيين طبيعة هذا الظاهر والكشف عن هويته الوجودية انما يتم بحسب ما عليه الباطن، وبالتالي كان الظاهر قنطرة للعبور إلى الباطن، وكان الباطن هو الذي يعطي الحقيقة بتمامها وتفصيلها، أو انه هو الذي يحدد مكانة الحقيقة من حيث الوجود، مثلما ان الظاهر يحددها بحسب الماهية.

أيضاً إنه إذا كانت نظرية التمثيل قد اضطرت إلى نفي صفات اليقين والبرهان والحقيقة عن النصوص الدينية، وإعتبرتها اقناعية غرضها مخاطبة العوام، فإن نظرية المشاكلة لم تضطر إلى ذلك، بل على العكس انها رأت تطابقاً بين مضامين العينتين الوجودية والدينية من دون اختلاف.

على ان هذه النتيجة لنظرية المشاكلة جاءت على غرار تلك التي توصل إليها المحدّثون وأهل السلف ومن والاهم رغم بعض جوانب الاختلاف، كما هو الحال مع الإمام احمد بن حنبل وابي الحسن الأشعري وإبن تيمية وإبن القيم الجوزية وغيرهم. فقد توافق الطرفان في اثبات الصفات الإلهية من الوجه والصورة والعينين واليدين والقدمين والساقين والإستواء والاستهزاء والتعجب والتردد والضحك والفرح والمجيء والذهاب وما إلى ذلك، رغم أنها غير معلومة الكيف تبعاً لقوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)).

وكما ذكرنا أن نظرية المشاكلة ليست معروفة لدى الباحثين الذين تناولوا علاقة الفلسفة بالدين. فكل ما وجدوه هو نظرية المثال والممثول كتفسير نمطي للنص الديني. مع أن هناك تفسيراً نمطياً ثالثاً قد غاب عن أذهان هؤلاء، وهو ما يعود إلى نهج محي الدين بن عربي وأتباعه. وعلى الرغم من غياب التنظير لهذا النمط من التفسير بخلاف النمطين السالفي الذكر، إلا أن ذلك لا يمنع من أن نصادف الكثير من الشواهد التطبيقية الدالة عليه، وسبق لنا أن نحتنا له وسام (نظرية المعاينة). وبحسبها فإن للنص مرجعيته المعرفية المؤكدة، وان كل ما يظهر على الألفاظ في تصوير الوجود هو حق مطابق لا اختلاف فيه. فالنص عندما يضفي على الصفات الإلهية صفات حسية فانما يعني هذا الجانب الحسي لا غير، وكذا عندما يبدي نفيه لهذا الأمر انما يعني هذا النفي، بل وعندما يبدي الجمع بين المتضادين فإنه يعني التضاد، وهو بالتالي يحكي ما هو الوجود ويصوره على ما هو عليه من غير زيادة ولا نقصان. وهذه هي المطابقة بين الألفاظ والوجود، كما هذه هي المحاكاة العينية بينهما. فالنص بحسب هذه النظرية يتحدث عن المعنى الخاص الذي يصور فيه ما عليه الوجود إن كان حسياً أو غير حسي. فاللفظ بدلالته الحرفية الخاصة يعبر تعبيراً عينياً ومطابقاً للوجود الموضوعي.

وهناك الكثير من الشواهد التي توضح هذه الطريقة من الفهم بحسب الجمع بين الظاهر وما عليه القبليات الفلسفية والعرفانية، خاصة فيما يرتبط بالاشارات التي لها علاقة بوحدة الوجود والأعيان الثابتة، ومن ذلك ما قام به إبن عربي في (الفتوحات المكية) من تفسير قوله تعالى: ((يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله))، إذ إعتبر الفقراء هم الذين يفتقرون إلى صور الأسباب التي هي عين الله، أو انه المتجلي فيها. فهم - إذاً - يفتقرون إلى الله في كل شيء، وليس إلى غيره حيث لا وجود للغير، طالما ان الله ظاهر في كل شيء. أو يمكن القول طالما ان الناس يفتقرون إلى صور الأسباب ومنها الأسباب الطبيعية، وكذا طالما ان النص القرآني صريح بأن الناس يفتقرون إلى الله، فعليه تكون النتيجة ان الناس في كل ما يفتقرون إليه هو مسمى الله.

كذلك إعتبر إبن عربي في (فصوص الحكم) ان معنى قوله تعالى: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))؛ له دلالة على ان الله رمى بصورة محمدية. فهذه الصورة هي عين الله في أحد تجلياته. وهذا الإستظهار يثبت الرمية لله وللنبي كما هو ظاهر في النص، لكن حيث ان صاحب الرمية بالحس هو النبي لا غير، لذا فأمامنا ثلاثة فروض، وهي ان الرمية إما أن تكون معلقة بكليهما على سبيل التفكيك والاستقلالية؛ كإن يكون الرامي من حيث الحس هو النبي ومن حيث الغيب غيره أو الله، أو انها تكون عائدة إلى واحد منهما مع إبطال الآخر، أي إما ان الحس صادق فتعود الرمية إلى النبي فحسب، أو انه كاذب فتعود إلى الله فقط. أما الفرض الأخير فهو ان الرمية تتعلق بهما سوية بالتوحيد من غير تفكيك واستقلالية، وهو الفرض الذي تركز عليه القبليات العرفانية، إذ من حيث الباطن يكون الله هو الذي رمى بصورة محمد بإعتباره أحد التجليات الإلهية، وذلك استناداً إلى وحدة الوجود.

ولا يختلف الأمر مع نصوص قرآنية أخرى تربط بين علاقة الشيء بالنبي وعلاقته بالله، ومن ذلك قوله تعالى: ((ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله))، وقوله: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله))، حيث المآل واحد وهو ان الله متعين بحسب الصورة المحمدية.

comments powered by Disqus