يحيى محمد
إن حلّ التعارضات الإطلاقية لا ينحصر في الأحكام التكليفية التي نطق بها الخطاب الديني، بل يشمل أيضاً الأوصاف والأحكام الغيبية التي تتصل بالمشخصات الخارجية. ولعل أبرز مثال على ذلك ما جاء في سورة (آل عمران/ 85)، حيث قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. ففي الآية مستويان من الإطلاق، أحدهما ما جاء في الشطر الأول من الآية، وهو قوله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾، والآخر قوله تعالى: ﴿فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. ويمكن معالجة المستويين من الإطلاق، من خلال البحث في محورين، ترد في كل منهما بعض الاحتمالات التي تقابل الإطلاق المناط به كالتالي:
المحور الموضوعي: إذ يمكن أن نتساءل: هل يجوز التمسك بالإطلاق الوارد في الآية وتطبيقه على كل من لم يدخل الإسلام بأي نحو كان، أو لا يصح التمسك بهذا الإطلاق، مما يجعل المصاديق ليست عامة وكلية وإنما عبارة عن جماعات لم تعينهم الآية على وجه التشخيص؟ وبعبارة أخرى، هل أن الحكم بالخسران وعدم القبول يشمل كل من لم يدخل الإسلام، أم أنه يقتصر على بعضهم وفقاً لظروف ومعايير محددة؟
المحور الحُكمي: إذ قد يقال: سواء أكانت الآية ناظرة إلى جماعات محددة أم إلى كل من لم يدخل الإسلام قاطبة، فهل يصح التمسك بالإطلاق الحُكمي للخسارة وعدم القبول؟ أم هناك دلالة أخرى تجعل من هذين الحُكمين نسبيين، بحيث يصدقان في سياقات معينة دون غيرها؟
المحور الموضوعي
ثمة عدد من الآيات التي تعارض الإطلاق الوارد في آية (آل عمران/ 85) الآنفة الذكر، فبعض الآيات تشير إلى أن الله يتقبل الأعمال الصالحة بإطلاق، وأخرى تشير إلى قبولها من غير المسلمين أيضاً، مما يدل على أن معيار القبول لا يرتبط حصراً بالهوية الدينية، بل يمتد ليشمل جوهر العمل الصالح وقيمته الذاتية.
دعنا في البداية نذكر مستويات من التصوير الخطابي لغير المسلمين، وذلك كالتالي:
1ـ هناك آيات تصرح بمدح بعضٍ من أهل الكتاب لما يتحلون به من صفات، أهمها تقبل الحق والتصديق به عند سماعه. وهذا المدح، وإن جاء في سياق إيمان بعضهم بالدين الجديد، إلا أنه في جوهره يتناول الصفات ذاتها، بغض النظر عن كونها متحققة في فئة معينة أو في أفراد آخرين عبر الزمن. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين﴾[1]، وقوله أيضاً: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. ضُربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا.. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله إناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾[2]، وكذا قوله : ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أُنزل اليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾[3].
والملفت للنظر في مثل هذه الآيات، هو أن الخطاب الديني أولى خصوصية لذكر التمايزات الحاصلة بين أهل الكتاب أنفسهم، فبعضهم يتصف بالصدق والإيمان والمودة والخشوع.. فمع أن الثناء قد يشمل أولئك الذين آمنوا بالدعوة الجديدة، إلا أن تصنيفهم ضمن انتمائهم السابق يوحي وكأنهم لم يخرجوا تمامًا عن دينهم، وأنهم لا يزالون مكرّمين في نظر الدين الجديد. فهذه الخصوصية لا نجد لها ذكراً لسواهم من المشركين أو عبدة الأوثان.
وعليه هل يُفهم من ذلك أن الخطاب يريد الكشف عن وجود جماعات آمنت بالرسالة الجديدة إلا أنها لم تنخرط ضمنها فبقيت على ما عليه من التعامل المزدوج، حيث الإيمان بالرسالة الجديدة والعمل وفق ما عليه الدين السابق؟ أي أنها حظيت بالتقدير والثناء ونُسبت إلى ما هي عليه من الدين الأول رغم عدم انضمامها ضمن الجماعة المؤمنة، كما هو الحال مع النجاشي الذي قيل إنه أسلم عن بعد، ومثل ذلك فرقة النصارى الموحدين (الآريوسيين)، الذين قد ينطبق عليهم ما جاء في قوله تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أُنزل اليكم وما أُنزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب﴾[4].
وقد يكون الثناء والمدح لأولئك الذين بقوا على دينهم، لإخلاصهم واتباعهم التعاليم الصحيحة التي يجدونها في كتبهم، فهم يتلون ما عندهم من مناجاة الله ودعائه، ويقيمون صلاتهم التي عهدوها أو يتذللون لله تعالى بما عبّرت عنه الآية: ﴿وهم يسجدون﴾. وهذا ما اختاره الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا[5].
كما قد يفسّر الحال استناداً إلى أن الرسالة الجديدة كانت تستهدف في الأساس عبدة الأوثان من المشركين العرب لأنهم يشكلون أغلب سكان الجزيرة العربية، في حين إن غيرهم لم يكن مستهدفاً بمثل ما عليه أولئك، لقلتهم ولكونهم ينطلقون مع المؤمنين من منطلق المنافسة بإعتبارهم ذوي أساس وهدف مشتركين، مما يجعل الداخل في الإسلام منهم يحظى بذلك الإمتياز من الثناء وذكر ما ينتسب إليه.
2ـ ثمة نمط آخر من الآيات تبدي بإطلاقها قبول ما يصدر عن أهل الكتاب من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح دون قيد ما تستلزمه الرسالة الجديدة وما تقتضيه. ومن ذلك ما جاء في سورة (البقرة/ 62) كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وعلى شاكلتها قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾[6].
فالآية بحسب ذاتها مطلقة وعامة غير مخصوصة بجماعة دون أخرى، لذلك اعتبرها البعض منسوخة بآية (آل عمران/ 85)؛ تقديراً للتعارض الوارد فيهما كما هو ظاهر، رغم أن القضية ليست من قضايا التكليف أو الأمر والنهي، بل من موارد الوعد والإخبار[7]. لكنها برأي الكثير من المفسرين تخص الأزمنة القديمة قبل مجيء الرسالة الجديدة، كل جماعة بحسب ما كُلّفوا به من دين. مما ينفي التعارض.
على أن الإطلاق الوارد في الموضعين هو اطلاق متعارض ليس من الممكن حلّه دون الإستعانة بدلالة أخرى مستقلة. وبالتالي هل من ضرورة تلجئنا إلى ما أشار إليه المفسرون من أن آية الوعد بالثواب لأهل الكتاب إنما كانت بصدد الأزمنة السابقة على الإسلام دون غيرها من الأزمنة الأخرى؟
فعلى هذا الفرض كيف نفسّر أمثال قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾[8]؟
فالآية الأخيرة تتجاوز خصوصيات الزمان والمكان، وتبدي ذلك المعنى من المعارضة الإطلاقية مع آية (آل عمران/ 85) التي تتوعد الخارجين عن الإسلام بالخسران وعدم القبول.
وعلى هذه الشاكلة قوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنّة إلا مَن كان هوداً أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إنْ كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه للّه وهو محسن فله أجره عند ربّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقالت اليهود ليست النّصارى على شيء وقالت النّصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الّذين لا يعلمون مثل قولهم فاللّه يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ [9]. كذلك قوله: ﴿إِذ قالَ اللَّهُ يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِليَّ ومطَهِّرُكَ منَ الذين كَفَرُوا وجاعِلُ الذين اتَّبَعوكَ فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثُمَّ إِليَّ مرجِعُكم فَأَحكُمُ بينَكم فيما كنتم فيه تختلفون، فأَما الذين كفروا فَأُعَذِّبُهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين، وأَما الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات فيوفِّيهِم أُجورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظالمين، ذلك نتلوه عليك من الآيات والذِّكْرِ الحكيم﴾ [10].
وفي قبال ما سبق هل يمكن حل الإطلاق الوارد في آية (آل عمران/ 85) تبعاً للمعنى الوارد في النص الذي يليها مباشرة؟ حيث جاء سياق الآيات بالشكل التالي: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾[11]؛ فيكون قصد الآية هو أولئك الذين خرجوا عن الإسلام وطلبوا غيره، دون علاقة بمن كان في الأصل خارج دائرة الإنتماء الإسلامي؟
ويعتبر هذا التوجيه في قصد الآية قوياً جداً للسياق المتصل بين الآيات، وهو ينسجم تماماً مع المنهج الوقائعي. فالنص يظل حاملاً لإنعكاسات واقع التنزيل وتأثيره، ومن ثم يمكن التعرف على معنى النص وفقاً لسياقه الدلالي.
وقد يقال إن الإسلام شامل لبقية الديانات السماوية بدلالة قوله تعالى: ﴿إنّ الدّين عند اللّه الإسلام﴾[12]. لكن يُضعِف هذا الرأي ما جاء بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وقل لّلّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وّإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ واللّه بصير بالعباد﴾[13].
3ـ لم تُحل المشكلة بعد، فهناك نصوص أخرى تؤيد الإطلاق الظاهر في آية (آل عمران/ 85) التي توعدت غير المسلمين بالخسران وعدم القبول. وبالتالي نتساءل: هل من الممكن حل مشكلة الإطلاقات المتعارضة بدلالة أخرى تستمد هذه المرة لا من النص فقط؛ وإنما من الواقع وإعتبارات المقاصد والوجدان العقلي أيضاً؟
ابتداءاً دعنا نسلم جدلاً بأن فك الإطلاق وحلّه إنما يأتي من طرف آية (البقرة/ 62) القائلة: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وذلك فيما لو خصصناها بما قبل رسالة الإسلام. بل ودعنا نطرح سائر ما ورد من آيات تدعم آية (آل عمران/ 85) وتؤيدها، فلعلنا نجد فيها حلاً للمشكل. فهناك الكثير من الآيات التي تتوعد بالعذاب لأهل الكتاب والمشركين والكافرين، كما هو حال الآيات التالية:
﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾[14].. ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح إبن مريم، وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإنْ لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾[15].. ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به، أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين﴾[16].. ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون﴾[17].
فهذه الآيات تدعم وتؤيد بوضوح الإطلاق الوارد في آية (آل عمران/ 85). لكن في مقابل ذلك ثمة دلالات من نصوص أخرى تبدي القيود التي تحدد مثل تلك الأحكام أو المآلات في الآخرة. فالكثير من نصوص الخطاب الديني تشير إلى عدد من المواصفات والملازمات التي تبرر حكم الذم والوعيد. فهي تصف أهل الكفر بأوصاف ذميمة كالجحود والعناد والمحاربة والتكذيب والصد عن سبيل الله، إذ كذّبوا النبي وناصبوه العداء والبغضاء من غير حق ولا حجة، رغم علمهم وشهادتهم بصدق الرسالة الجديدة لما أُلقي عليهم من الحجج والبيانات التامة، كيف وقد قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾[18]؟! وهو أمر يتفق مع الوجدان والمقاصد، مما يدل على أن الخطاب استهدف بالوعيد أولئك الذين اتصفوا بتلك الصفات والملازمات المرتبطة بالقيم الأخلاقية دون تجاوزها، مثلما يشير إلى ذلك عدد كبير من الآيات الكريمة، نذكر منها ما يلي:
﴿يا أهل الكتاب لِم تكفرون بآيات الله وانتم تشهدون. يا أهل الكتاب لِم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون﴾[19].. ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أُوفِ بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾[20].. ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾[21].. ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾[22].. ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون.. قل للذين كفروا إنْ ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف وإنْ يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾[23].. ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم.. إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾[24].. ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدفعوا به الحق واتخذوا آياتي وما أُنذروا هزواً﴾[25].. ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تقلبهم في البلاد. كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب. وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾[26].. ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً. الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً. أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، إنا اعتدنا جهنم للكافرين نُزلاً. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً﴾[27].. ﴿لُعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى إبن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾[28].
***
يتبين من الآيات السابقة أن الكفر لا ينفصل عن ملازمات العدوان والجحود والتكذيب. ولعل أبرز هذه الملازمات هو الجحود والإنكار في مواجهة ما أُنزل من حجج وبينات، مع تحقق العلم وشهود الحق. الأمر الذي يبرر العقاب والوعيد.
لكن، هل يمكن اعتبار هذه الصفة شاملة لكل من لم ينتمِ إلى الإسلام، قديماً وحديثاً؟ وإذا كان هذا الأمر قد يصدق غالباً في عصر التنزيل، فهل يصح تعميمه ليشمل حاضرنا ومستقبلنا أيضاً؛ رغم إختلاف المقاييس والإهتمامات والمتبنيات وإعتبارات الحجة والبيان؟ وبالتالي، هل يمكن اعتبار الوعيد بالعذاب شاملاً لكل من لم يختر الإسلام ديناً على الإطلاق، سواء كان غير المسلم جاحداً معانداً مع علمه وشهادته، أو كان جاهلاً قاصراً أو حتى مقصراً وإن لم يكن من أهل الجحود والعناد.. وسواء كان معاصراً لرسول الله (ص) وشاهداً للحقائق العلوية وما جاء في الكتب السماوية المتداولة آنذاك من البشارة للرسول الجديد، أو أنه ممن جاء بعده دون أن يعرف من الحقيقة شيئاً، خاصة إذا ما جهل اللغة العربية والثقافة الإسلامية عموماً.. وسواء كان ينصب للإسلام العداوة والبغضاء، أم كان ممن يتودد إلى المسلمين وإن لم ينخرط في الإسلام لأسباب وظروف مختلفة.. وكذا سواء كان يمقت النبي (ص)، أو كان ممن يكنّ له التقدير والإحترام دون أن ينفي نبوته وإنْ بقي على دينه.. وسواء كان ممن يوصف بالفساد والإجرام والفجور، أم كان متحلياً بالزهد والأمانة والطيبة وحسن النية والعشرة والمعاملة..؟ فهل يُعقل أن تخضع كل هذه الأطياف المتنوعة التي يفرزها الواقع لحكمٍ مطلق واحد؟ رغم أن تجاوز الإطلاق الظاهر في الآية له ما يبرّره، نظرًا لما اعتاده الخطاب من استخدام الإطلاقات اللفظية، بما في ذلك الإطلاقات المتعارضة، مع أن المعاني المستخلصة منها لا يمكن أن تكون مطلقة.
وبعبارة أخرى، قد يحق لنا أن نتساءل عن مصير ذلك الشخص الذي لا يتصف بالجحود والعناد ولا بالشر والفساد، بل هو من أهل الصلاح وحسن النية وإنْ ضلّ السبيل بجهله، اجتهاداً أو تقليداً كما هو حال غالبية الناس، وسواء نتج ذلك عن قصور أو تقصير، فكيف يُعقل أن يُساوى بمصير أهل الطغيان والفساد، ويُحكم عليه بالسقوط ذاته[29]؟!
وكيف يمكن المواءمة بين هذه الحالة وبين ما تتصدره مقاصد الخلق والتشريع من ضرورة العدل؟ أليس من مقتضيات العدل الإلهي التفريق بين من جحد الحق عناداً واستكباراً، وبين من ضلّ عن السبيل دون تعمّد أو إصرار؟
وإذا كان الحساب قائماً على العلم والنية والمسؤولية الفردية، فكيف يُسوَّى بين من قامت عليه الحجة فأنكرها، ومن لم تبلغه الحجة أو التبس عليه أمرها؟
ثم أليس من المنطقي أن يكون للآيات الأخرى ذات الإطلاقات المعارضة دور في تحديد الحساب بما يتفق مع مقاصد الشريعة وتمايزات الواقع؟ وإذا كانت النصوص الشرعية تتضمن إطلاقات ظاهرة متباينة، أفلا يستدعي ذلك النظر في السياق والقرائن التي تحدد معانيها على نحو أكثر دقة، بحيث تتماشى مع العدل الإلهي وواقع التنوع الإنساني؟
وكذا كيف يصح التمسك بالإطلاق السالف الذكر من غير إعتبار للشروط المناطة بضرورة إلقاء الحجة والعلم والبيان الوافي، مثلما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾؟ فالآية تؤكد أن العذاب والوعيد يتعلق أولاً وأساساً بمن جحدوا الحق بعد أن بلغهم، وأصروا على إنكار ما جاءت به الرسل من هداية وبيان. وهو ما يعني أن الوعيد لا يشمل كل من لم يدخل الإسلام، بل يخص أولئك الذين أصروا على رفض الحق مع العلم به.
بل قد يُستفاد من ذكر الملازمات أن مصطلح (الكفر) كمفهوم لا يمكن فصله عن تضمنه لتلك الملازمات، وخاصة الجحود بإعتباره أحد أبرز معاني الكفر وأقربها. فالكفر في اللغة يعني ستر الشيء أو تغطيته[30]، وبالتالي فهو يشير إلى ستر الحق والإعتراف به قلباً ونكرانه لساناً. ويشمل ذلك جحود النعمة وغيرها من الحقائق التي يجب الإقرار بها[31]، وأن ما يقابله هو التسليم والخضوع للحق عند معرفته، وبه يتحقق معنى الإسلام. فالكفر قائم على الجحود مثلما أن الإسلام قائم على التسليم. وأن الكفر بهذا المعنى مدعاة لسائر الصفات السلبية الأخرى مثل التكذيب والصدّ والعدوان وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾[32]. فالكفر بهذا المعنى يصد عن القيم الأخلاقية والعمل الصالح، وكما جاء في الآية الكريمة: ﴿من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون﴾[33].
بل إن بعض الآيات الكريمة تشير إلى أن الغاية المنشودة في الدنيا ليست مجرد الإيمان بحد ذاته، وإنما العمل الصالح هو المبتغى والهدف الأسمى، مثل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور، وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾[34]، وقوله: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾[35].
فهذه الآيات وأمثالها تجعل من القيم الأخلاقية الصالحة سبباً للنجاة من العذاب، بحيث تصبح في منزلة الإيمان الذي يقابل الكفر. وبذلك، يكون الجزاء مرتبطاً بهذه القيم أساساً، والعقاب مترتباً عليها ذاتاً، وليس الاعتقاد المحض. فالميزان في الحكم الأخروي ينشد إلى جوهر السلوك والعمل، مما يعكس العدل الإلهي في اعتبار الفعل القيمي معياراً للثواب والعقاب.
وبناءاً على ما سبق يتقرر وجود دائرة غير محددة بالكفر والإسلام، فلا هي من دائرة الكفر، ولا هي من دائرة الإسلام. وبالتالي ليس بالضرورة أن يتصف كل من لم ينتم إلى الإسلام بالكفر، أو أن يكون كافراً[36]، لا سيما إذا عرفنا بأن للمفهوم استخدامات مرنة دون التقيد بحدود الدائرة غير الإسلامية، أو بحدود الإعتقاد البحت. فقد أطلق المفهوم على تارك الصلاة رغم الإعتراف بإسلامه، كالذي جاء في بعض الروايات. كما أطلق المفهوم على من لم يحكم بما أنزل الله وفقاً لبعض الآيات الكريمة، مع أن الحاكم قد يكون مسلماً.
هكذا، فبقدر ما يُفسح المجال لمفهوم الكفر أن يُستخدم بمرونة في سياقات قد تشمل بعض من ينتمون إلى الدائرة الإسلامية، بقدر ما يمكن رفعه عن بعض المواضع التي تقع خارج هذه الدائرة.
وقد وصف القرآن الكريم أقواماً غير مسلمين بوصف لا يمكن ادراجه ضمن الكفر، كالذي مرّ علينا في بعض النصوص، مثل آية (المائدة/ 66) و(آل عمران/ 75ـ76) وغيرها من الآيات.
إذاً ليس من الممتنع وجود نوع من التداخل بين دائرتي الإنتماء وعدم الإنتماء، فقد يظهر الكفر داخل دائرة الانتماء الإسلامي، تماماً كما قد ينتفي عن الدائرة الأخرى، وذلك على شاكلة ما هو مقرر حول مفهوم الفسق الذي شاع استخدامه ضمن دائرة الإنتماء الإسلامي، رغم أنه استخدم أيضاً خارج هذه الدائرة، فعلم أن دائرة غير الإنتماء هي كدائرة الإنتماء تشتمل على مصاديق جزئية للفسق وإن لم يشمل جميع أفراد الدائرة، مثلما جاء في قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلا أن آمنا بالله وما أُنزل الينا وما أُنزل من قبل وأن أكثرهم فاسقون﴾[37]، وقوله: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾[38].
لذلك انتقد رشيد رضا جمهور المفسرين بما اقتضته تفاسيرهم من نفي أن يكون من أهل الكتاب ‹‹أحد متمسك بدينه مخلصاً فيه، عاملاً بأوامره ونواهيه››، معتبراً ذلك غير معقول ولا موافق لطبيعة البشر من ميل بعض الناس للمغالاة في الدين وبعضهم للإعتدال وبعض ثالث للفسوق والعصيان. ويزداد الأخير بعد طول الأمد كما أشارت إليه الآية السابقة الأخيرة. لهذا لم يحكم القرآن على أمة بالضلال والفسق بنص عام يستغرق كافة الأفراد. ويعزو رشيد رضا السبب في عدم إدراك المفسر لإيمان وإخلاص وتقوى أولئك الذين لا ينتمون إلى دينه أو ملته؛ إلى الإلفة وعدم العلم بطبائع الملل وحقائق الإجتماع البشري[39].
وقد صادفنا أناساً من ذوي العلم الديني ينكرون حصول الإيمان والإخلاص والتقوى لدى من هم خارج طائفتهم، خلافاً لما استهدفه القرآن الكريم من مقاصد تتعلق بقيم الأفراد وصفاتهم دون إنتماءاتهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم إنّ اللّه عليم خبير﴾[40].
***
نخلص مما سبق إلى أن النهج الماهوي عاجز عن حل مشكلة التعارضات الإطلاقية كتلك التي أشرنا إليها. فافتراض وجود ما يخصص بعض النصوص كما في آية (البقرة/ 62) دون الإشارة إلى دليل منفصل سوى ما يعارضها من نصوص إطلاقية أخرى؛ ليس حلاً للمشكل، إنما هو إضطرار لجعل المخصص من غير دليل. مع أن هذه الآلية من التخصيص لا تعالج نصوصاً أخرى معارضة كتلك التي أشرنا إليها في آيتي (آل عمران/ 75ـ76)، وتلك التي تؤكد جزاء الإحسان بالإحسان، وأن الله تعالى لا يضيع عمل عامل من ذكر وأُنثى، وأن الله يُطلع الخلق على كل ما يعملونه من خير وشر، وغيرها..
يضاف إلى أنه مهما جرت محاولات التوجيه والتخصيص، واستخدام الآليات البيانية المقننة لفهم الخطاب، فإن ذلك لا يجعله نسقاً قادراً على التكيف مع ما يفرزه الواقع من تنوع الأطياف وتلوّنها، حيث يستعصي هذا الواقع على الانضواء تحت مظلة حكم ماهوي واحد. إذ إن الإصرار على هذا النسق يؤدي في النهاية إلى الاصطدام بمبدأ العدل، الذي يعدّ الركيزة الأساسية لمقاصد الخلق والتشريع.
أما لو اتبعنا النهج الوقائعي فالأمر مختلف، إذ يمكن في هذه الحالة استخلاص معنى النص وتفسيره بدلالة الواقع وتلوناته تحت مظلة التوجيه المستمد من المقاصد والوجدان العقلي.
فالتعارضات الإطلاقية للنصوص الدينية، وما يشهد به الوجدان العقلي، وما يفرزه الواقع من أطياف وتلونات، فضلاً عن المقاصد التي ينبغي مراعاتها، كلها عوامل تؤكد استحالة إخضاع الخطاب الديني لهيمنة النهج الماهوي. وبالتالي، لا بد من تبني فهم نسبوي يستعين بدلالات أخرى تكشف عن حقيقة ما يستهدفه الخطاب من معنى، أو ما يقترب منه على الأقل.
المحور الحُكمي
أما فيما يخص المحور الحُكمي للآية موضع البحث، وهو المتعلق بالإطلاق الذي يقضي بخسارة وعدم قبول من هو خارج دائرة الإسلام، فيُلاحظ أنه يتعارض مع إطلاقات أخرى، وأن هذه التعارضات لا تُحلّ إلا بدلالة الوجدان العقلي والمقاصد مع مراعاة تمايزات الواقع. فمن النصوص الإطلاقية المعارضة قوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾[41]، وقوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾[42].
ولأجل التوفيق بين هذه الإطلاقات المتعارضة يمكن افتراض أن يكون بعضها حاكماً على البعض الآخر ومخصصاً له فيما هو خارج عن دائرته، كإن تكون آية الخسران هي الحاكمة بحيث تخصص جزاء الإحسان بالمسلمين فقط، أو تكون الآيات المقابلة هي الحاكمة فتخصص الخسران وعدم القبول بما هو خارج دائرة الإحسان وعمل الخير.
فلو أن التردد وارد بهذا الشكل من التعارض؛ لكان الوجدان العقلي شاهداً على أن آية الخسران ليس بوسعها أن تخصص جزاء الإحسان بالمسلمين وحدهم، وبالتالي ليست هي الحاكمة على ما يقابلها من الآيات المشار إليها. في حين إن العكس هو ما يشهد به الوجدان ويتفق مع مقاصد الخلق والتشريع. أي أن الآيات الأخيرة هي التي ينبغي أن تكون حاكمة على ما قبلها.
لكن لو قيل إن الأمر محسوم بآيات الإحباط التي تصرح بأن الله تعالى يحبط أعمال الكافرين جزاءً لما كفروا وأشركوا، والتي تتسق مع آية الخسران.. لقلنا إن ذلك ليس مستقلاً عن الملازمات التي ذُكرت بشأن الكفر والشرك. أي أنه لا يمكن فصل الإحباط عن الصفات الملازمة للكفر، والتي أشارت إليها الآيات الكريمة في مواطن عديدة، كالجحود والعناد والعداوة والصد عن سبيل الله وغيرها، كالذي جاء في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم﴾[43].. ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً﴾[44].. ﴿والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾[45].. ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم. أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾[46].
***
مع هذا لا يمتنع أن يكون المقصود من آية الخسران وعدم القبول هو اقتضاء الوقوع في الخسارة بفعل دواعي الشر وعدم الانضباط بموازين العدل والتقوى عند إتباع غير الإسلام، دون أن يكون ذلك أمراً محتوماً، مثلما قرره المنطق الأرسطي كما عبّر عنه ابن سينا بشأن تأثير نبات السقمونيا، إذ قال إن من شأنه تسهيل الصفراء، لكنه لا يحتم ذلك بالضرورة، فقد توجد موانع تمنع حدوث الإسهال، ناهيك عن أن الحكم خاص بما لوحظ بحسب الظروف المحسوسة وليس على سبيل الإطلاق[47].
ويؤيد هذا المعنى ما دلت عليه العديد من الآيات ذات الظهور الإطلاقي، التي رغم مظهرها العام إلا أنها لا تفيد الشمول والاستغراق بشهادة الواقع، بل تشير إلى وجود ميل طبيعي واقتضاء للنتيجة دون أن يكون ذلك حتمياً. ومن أمثلة ذلك الآيات التي تفيد بأن الله لا يهدي الظالمين والكافرين، والتي لا تعني انتفاء الهداية عنهم على نحو مطلق، مثل ما جاء في قوله تعالى على لسان نوح (ع): ﴿إنك إنْ تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾[48].
كما قد يكون القصد من الخسارة وعدم القبول مناطاً بموارد العبادات بالخصوص، باعتبارها من حق الله تعالى من جهة، ولكونها من الخصائص التي تميز كل دين عن غيره من جهة أخرى. وبناءً على ذلك، فإن آية الخسران لا تتناول بالضرورة المعاملات والسلوكيات التي تقوم على المبادئ الأخلاقية العامة، والتي يدركها العقل ابتداءً وتأسيساً، باعتبارها مشتركات إنسانية تتجاوز الخصوصيات الدينية.
ولا شك أن هذا التمييز مبرر، إذ إن نسخ شريعة لأخرى لا يمكن أن يكون على إطلاقه، وإنما يقتصر على مجالات التعبد والعبادات التي تتصل مباشرة بالتشريع الإلهي، مع مراعاة تجددات الواقع ومتغيراته. فالمعاملات والقيم الأخلاقية العامة تبقى محكومة بالعقل والفطرة، ولا يلزم أن تكون مشمولة بنفس الإطلاق الذي تتصف به الأحكام التعبدية.
وبالتالي، فمن المعقول أن لا يتقبل الله تعالى العبادات المنسوخة، وكذلك المعاملات التي تقتضي التغيير وفقاً لمقتضيات الواقع المتجدد. أما غيرها من موارد السلوك والمعاملات المبنية على الفهم العقلي العام، مثل موارد القبح كالسرقة والقتل بدون حق والظلم والعدوان والغصب والاستلاب وغيرها، وكذا موارد الحسن كالصدق والأمانة والمروءة والإخلاص وحسن المعاملة وغيرها، فإنها جميعاً ليست مؤسسة من حيث الأصل بحسب البيان الشرعي، بل إنها مدركة بالعقل والفطرة، بما أودعه الله في نفس الإنسان من وعي وإدراك أخلاقي، وقد أمضاها الشارع الحكيم لصدقها وسلامتها. فهي بالتالي تُعد حجة باطنة وشرعاً من الداخل، وبها يُعبد الرحمن، ويُكتسب بها رضا الله والجنان[49].
لكن يبقى هذا التخصيص والتوجيه لقصد الآية هو مجرد احتمال ضعيف. فالمعنى الذي ذكرناه وإن كان في حد ذاته صحيحاً إلا أن انطباقه على فهم الآية يفتقر إلى الدليل.
وطبقاً للنهج الوقائعي فإن الدليل الأقوى يتعلق بالمخاطب الأصلي، أي الشاهد الحاضر الذي شافهه الخطاب الديني وقصده بالمعنى، كما سبق بيانه. ومن ثم ننتهي إلى طرح التساؤل التالي:
هل يصح أن نطلق أحكاماً ونصف أفراداً وجماعات محددة بمثل ما فعله الخطاب الديني؟
وبعبارة ثانية، إذا كان الخطاب الديني لم يعتمد منهج التمنطق كما تبنّاه أصحاب المسلك الماهوي، فهل يحق لنا أن نصدر ذات الأحكام وفقاً لهذا المسلك، رغم الاختلاف الجوهري بين النهجين؟!
ما يمكن قوله في هذا السياق هو أن قضايا الواقع تتسم بتنوعات وتباينات كبيرة، فتبدأ بشكل حاد وواضح عند الطرفين المتعارضين، ثم تتضاءل هذه الحدة شيئاً فشيئاً، حتى يلتبس الأمر عند الوسط وما يقاربه. وبناءً على ذلك، فإن إدراكنا لهذه القضايا يكون واضحاً تماماً عند الطرفين وما يقاربهما وإنْ إختلفت النتيجة فيهما سلباً وإيجاباً، في حين يتلاشى هذا الوضوح والبيان عند الإقتراب من الوسط.
فالوسط هو الحد الذي يستعصي فيه إتخاذ ما في إزائه من حكم وإتصاف، بإعتباره موضع المتضادات وملتقى التقابلات، فيقتضي الأمر مراعاة الحيطة خلافاً للطرفين.