يحيى محمد
لقد أكدنا في إحدى دراساتنا على ضرورة المعالجة المنهجية للكشف عن طبيعة تعامل الخطاب الديني مع قضايا الواقع، كالموقف من المشركين وأهل الكتاب. فمن الناحية المنهجية، حددنا مسلكين للتعامل: أحدهما هو المسلك الماهوي الذي يقوم على التعامل الكلي والثابت مع قضايا الواقع من خلال جزئيات النص الديني، دون مراعاة السياق الظرفي أو التغيرات الحاصلة في الوقائع الخارجية، وهو تعامل إسقاطي أحادي التأثير. أما الآخر فهو المسلك الوقائعي الذي يأخذ بعين الاعتبار السياق الظرفي وتجدد الواقع وطبيعة الأحوال، مع التركيز على المقاصد الكلية للتشريع. ويتميز هذا المسلك بتعدد التأثير، حيث يعتمد على النص والمقاصد والواقع، بالإضافة إلى الاعتبارات الوجدانية.
كما طرحنا هذه الدراسة سؤالاً مفاده كالتالي:
هل تعامل الخطاب الديني مع قضايا الواقع، ومنها قضايا الشرك والكفر، من منطق المسلك الماهوي الذي يكون فيه النص هو الحاكم والمؤثر بإطلاق، أم أنه تعامل معها وفقاً لتغايرات الواقع وتجدداته؟
وأجبنا بأن الخطاب الديني اتخذ مسلكاً مغايراً لما تبنّته طريقة الاجتهاد البيانية. فقد اعتمدت الأخيرة على النهج الماهوي في جعل النص مؤثراً يكاد يكون الوحيد في تعامله مع مجريات الواقع، ومنه واقع المشركين وأهل الكتاب. في حين تعامل الخطاب الديني مع هذه المجريات تعاملاً قائماً على المسلك الوقائعي لا النهج الماهوي.
فثمة فارق جوهري بين طريقة الاجتهاد البيانية وبين تلك التي انتهجها الخطاب الديني. إذ أن الأخير تعامل مع الوقائع الخارجية وفقاً للواقع المتغير، لا وفقاً للماهيات الثابتة. في حين حولت الطريقة البيانية هذا التعامل إلى شكل ماهوي ثابت؛ استناداً إلى الظهور الإطلاقي الذي اعتمده الخطاب. الأمر الذي ساقت بإتجاهه مقولتها التي تنص ‹‹العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب››.
ومع ذلك، لا تمتلك الطريقة البيانية أي مؤشر واضح يدعم هذا المسعى سوى "الظهور الإطلاقي" للنص. في حين أن النهج الوقائعي يحظى بنوعين من المؤشرات المؤيدة والكاشفة عن فحوى تعامل الخطاب:
أحدهما ان الظهورات الاطلاقية لأحكام النص تتضمن التعارض أحياناً، وهو ما لا ينسجم مع التعامل الماهوي، لأنه يؤدي إلى التناقض، إذ كيف يمكن أن تكون الماهية الواحدة عرضة لحكمين متضادين؟! لذلك لا يمكن حل هذا التعارض إلا بتحويل الظهورات الإطلاقية للأحكام إلى موارد نسبية، تتغير تبعاً للعلاقة مع الواقع، وهو ما يستند إليه النهج الوقائعي.
أما النوع الآخر من المؤشرات الداعمة فهو أن الخطاب قد تعامل مع الواقع بالملامسة والتفاعل وليس الاستعلاء والتجريد. فهو لم يُنزّل إسقاطياً، بل تنزّل سياقياً بمراعاته لظروف الواقع وملابساته. الأمر الذي ينسجم مع التعامل الوقائعي دون الماهوي.
وعموماً ندرك أن الخطاب الديني لا يميل إلى العمل بالنهج الماهوي باستثناء دائرة الكليات العامة من الثوابت والمقاصد، وهي التي تتخذ صفة توجيه الأحكام بما يناسب الواقع المتغير دون التأثر به.
لذا فالمهمة التي نسعى إليها في هذا البحث تكمن في تعرية المنهج البياني للنظام المعياري وإبطال نهجه الماهوي الذي أسقطه على الخطاب الديني طبقاً للإطلاقات التي أبداها الأخير. وسنعرض في هذا السياق ثلاثة نماذج تفي بصيغة الظهور الإطلاقي، لكنها تحمل عدداً من الإشكاليات التي لم تتمكن الطريقة البيانية من معالجتها.
ويتضمن أول هذه النماذج الظهور الإطلاقي بما يستبطن التعارض، حيث سيتبين من خلاله حجم ما واجهته الطريقة البيانية من اضطراب لدى معالجتها له وفقاً للنهج الماهوي، الأمر الذي كشف عن ضعفها وقوة ما يقابلها من النهج الوقائعي.
كما سنكشف في النموذج الثاني عن تناقضات الطريقة البيانية، بل وصدامها مع مقاصد التشريع نتيجة اعتمادها على النهج الماهوي. وسيتضح لنا، في المقابل، كيف أن هناك حالات من خرق الظهور الإطلاقي وعدم الالتزام به، حتى من قبل المشرع الإسلامي ذاته، وهو ما يؤكد الطبيعة المرنة للخطاب الديني وانفتاحه على الواقع، وتأثره الإيجابي بالمستجدات التي فرضها هذا الواقع.
في حين سنعرض في النموذج الثالث مسألة غير فقهية تتعلق بالتوصيفات والأحكام الغيبية التي تلوح بعض المشخصات الخارجية. وسنرى أنها تستبطن تعارض الإطلاقات أيضاً؛ مما يستعصي حلّه على النهج الماهوي.
وبالتالي فهذه ثلاثة نماذج سنستعرضها حول موقف الخطاب الديني من غير المسلمين (المشركين وأهل الكتاب) وفق الفهمين الماهوي والوقائعي، وذلك بحسب الفقرات التالية..
موقف الخطاب الديني من المشركين
في سورة الأنفال تقدّم آية السلم التي تتحدث عن الصلح مع المشركين ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها..﴾[1]؛ شكلاً من الظهور الإطلاقي الداعي إلى قبول السلم عند ميل المشركين إليه. لكن نجد في قبالها آية أخرى تأمر بقتل المشركين من غير شرط، وهي المسماة بآية السيف، حيث جاء في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد..﴾[2]. فهذه الآية تتحدث بنفس المعيار من الظهور الإطلاقي، لكنها تعارض الأولى.
وقد فتح هذا الحال على الطريقة البيانية باباً من الإضطراب والتشويش تبعاً لتبني النهج الماهوي. إذ وقف المفسرون القدماء موقفاً يشوبه الإختلاف الشديد للتوفيق بين النصين دون مراعاة لظرفية كل منهما غالباً، كما يتضح من الآراء المضطربة التالية:
1ـ قال بعضهم إن آية السيف نسخت آية السلم، ومنهم إبن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة والربيع والجبائي. وقال عنها الضحاك بن مزاحم: أنها نسخت كل عهد بين النبي وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة. ونقل العوفي عن إبن عباس قوله: فيها لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت سورة براءة (التوبة). كما ونقل علي بن أبي طلحة عن إبن عباس قوله أيضاً: أمره الله أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق[3].
2ـ جاء عن طائفة من المفسرين ما أفزع بعض المفكرين المعاصرين المهتمين ببحث التراث[4]، حيث ذكروا أن آية السيف قد نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية من الآيات التي تأمر بالإعراض عن المشركين والصفح عنهم، كما هو المنقول عن أبي بكر بن العربي[5]، وما نقله إبن الجوزي عن بعض ناقلي التفسير[6]، بل ذكر إبن حزم بأن آية السيف نسخت مائة وأربع عشرة آية موزعة في ثمان وأربعين سورة[7]، خاصة وأن هناك روايات معتبرة ترى أن سورة التوبة هي آخر ما نزل من سور القرآن.
3ـ ثمة من رأى أن آية السلم ليست منسوخة بآية السيف، فلكل مجالها، إذ الأولى في الموادعة لأهل الكتاب خاصة، بينما تعلقت الثانية بعبدة الأوثان. ومن الذين نُقل عنهم قولهم أنها غير منسوخة عمر بن عبد العزيز، كما نُقل عن إبن عباس ومجاهد مثل ذلك؛ خلافاً لروايات أخرى نُقلت عنهما كما رأينا[8].
ومال الشيخ أبو جعفر الطوسي إلى عدم النسخ كما في كتابه (التبيان في تفسير القرآن)، ورأى أن آية السيف نزلت في سنة تسع، وبعث بها رسول الله (ص) إلى مكة ثم صالح أهل نجران بعد ذلك على ألفي حلة: ألف في صفر وألف في رجب. وهو بهذا يفرّق بين أهل الكتاب من الكفار وبين المشركين منهم. وكما صرح في كتاب (النهاية) أنه لا يجوز أن يُقبل من الكفار إلا الإسلام أو القتل، لكنه استثنى من ذلك أهل الكتاب ومن على حكمهم كالمجوس، استناداً إلى ما روي عن النبي أنه قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب[9]. ومع هذا فهو لا يرى في آية السلم ما يدل على أن الكفار إذا مالوا إلى الهدنة وجب إجابتهم إليها مطلقاً، لإختلاف الأحوال، فتارة تقتضي الإجابة، وأخرى لا تقتضيها، كما إذا وتروا المسلمين بأمر يقتضي الغلظة مع حصول العدة والقوة[10].
وهناك جماعة أشكلوا على القائلين بالنسخ، ومنهم الزركشي وإبن كثير الذي يرى أن تلك الآية دالة على الأمر بقتال المشركين إذا أمكن ذلك، أما لو كان العدو كثيراً فإن من الجائز مهادنتهم طبقاً لآية السلم، وكما فعل النبي يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص[11].
4ـ رأى البعض أن المقصود بآية السيف - تخصيصاً - كل من حارب أو كان مستعداً للحرابة والإذاية، وكأن الآية تقول: اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم، كما هو رأي أبي بكر بن العربي[12]، رغم ما نُقل عنه خلاف ذلك كما عرفنا.
5ـ كما هناك من رأى بأن آية السيف ذاتها قد نُسخت بآية المن والفداء: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها﴾[13]، وهو القول المنسوب إلى الضحاك والسدي، أي على عكس ما قاله قتادة وغيره بأن هذه الآية منسوخة من قبل الأولى.
6ـ يضاف إلى تلك الخلافات القائمة بصدد إعتبار آية السلم؛ إن كانت تخص أهل الكتاب أم تعم المشركين، وإن كانت قد نُسخت بآية السيف أم لم تنسخ، وإن كانت الأخيرة بدورها نُسخت أم لا؟.. فهناك خلاف آخر يتعلق بدائرة المشركين الواجب قتلهم، فهل كل مشرك واجب قتله باستثناء ما نصّ عليه النبي كأهل الكتاب ومن على شاكلتهم كالمجوس، أو أن المشركين الواجب قتلهم لا يتعدون دائرة العرب من عبدة الأوثان فحسب؟ فهناك خلاف بين أئمة المذاهب الفقهية حيث انقسموا إلى من يجوّز معاملتهم كمعاملة أهل الذمة، والى من يمنع ذلك ويحرمه.
***
هكذا يتضح مدى الإضطراب في مواقف الطريقة البيانية بحكم نهجها الماهوي. مع أن وجود تعارض إطلاقي، هو في حد ذاته، كاشف عن المسار النسبي للأحكام المتخذة في هذا الشأن، وذلك بضرب الإطلاقات بعضها بالبعض الآخر. فآية السلم تعكس حالة الإنشداد إلى ظرف بصيغة المطلق، وكذا الحال في ما يعارضها من آية السيف، وأن الذي يتحكم في هذين المطلقين المتعارضين هو حد ‹‹المفصلية››، ففيه يتبدل جدل المطلقين إلى لون من النسبية. وعليه جاءت الآيات الكريمة التي تلت آية السيف كاشفة عن ذلك الحد لما تبينه من الظرف والعلة في القتل، وهي قوله تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين. كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون﴾[14].
مهما يكن فالفهم الذي يرى أن بعض الآيات السابقة قد أبطل حكم ما قبلها إبطال المطلق للمطلق؛ سيفضي إلى تعارض مطبق مع نفس المبادئ الثابتة التي حملها الإسلام؛ بذات الدلالات التي تتخلل نفس الآيات التي تقع معها موقع المعارضة بشكل مباشر أو غير مباشر، والتي منها العدل وعدم الإعتداء أو القتال من غير ضرورة، وكذا عدم الإكراه في الدين، وغير ذلك من المؤشرات التي تؤكدها الآيات القرآنية كموازين تدخل في صميم المثل والمبادئ التي حملها الإسلام، من أمثال قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإنْ قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين. فإنْ انتهوا فإنّ الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإنْ انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾[15].. ﴿وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾[16].. ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾[17].. ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾[18]... الخ.
فالذي يرى جميع تلك الآيات منسوخة بآية السيف، يصطدم مع ما فيها من دلالات ثبوتية تلوح هدف الشريعة وما تقوم عليه من مبدأ، وهي دلالات تفوق حد الحكم ذاته. فالمقصد على خلاف الحكم ليس قابلاً للنسخ، إذ تتكشف به علة الحكم ومبرر وجوده، وبالتالي فإن الحكم مقيد بهذه العلة وجوداً وعدماً. وهو أمر ينطبق على ما نحن بصدده من آية السيف، حيث تمتلك الدلالة الواضحة لعلة الحكم، وعليه لا بد من تخصيص حكمها بموارد العلة رغم عموم اللفظ. وبعبارة الأصوليين أن العلة يمكن أن تخصص مورد المعلول وإن كان عاماً بحسب اللفظ، كما في قول القائل: ‹‹لا تأكل الرمان لأنه حامض››، فيخصصه بالأفراد الحامضة[19].
هكذا فبقدر ما تتصف به الأحكام من نسبية وإنشداد إلى الواقع الخاص وظروفه، بقدر ما يعكس هذا الأمر من وجود مقاصد مطلقة ثابتة تعمل على تغيير تلك الأحكام وتوجيهها بالشكل الذي لا يتناقض معها.
[1] الأنفال/ 61.
[2] التوبة/ 5.
[3] تفسير إبن كثير، ج2، ص291ـ 292. والجامع للقرطبي، ج8، ص37. والتبيان، ج2، ص143.
[4] انظر: محمد أركون: الفكر الإسلامي/ نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1990م، ص183ـ184.
[5] الإتقان، ج2، ص174.
[6] إبن الجوزي: نواسخ القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت.
[7] إبن حزم: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ ـ 1986م، ص12ـ18.
[8] التبيان، ج2، ص143.
[9] أبو جعفر الطوسي: النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، تقديم آغا بزرك طهراني، انتشارات قدس محمدي في قم، ص193، ج2، ص36.
[10] التبيان، ج5، ص150.
[11] الزركشي: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ج2، ص42. وتفسير إبن كثير، ج2، ص292 و280. والجامع للقرطبي، ج8، ص37.
[12] أحكام القرآن لابن العربي، ج2، ص901ـ 902.
[13] محمد/ 4.
[14] التوبة/ 7ـ10.
[15] البقرة/ 190ـ194.
[16] الكهف/ 29.
[17] يونس/ 99.
[18] البقرة/ 256. قيل في الآية الأخيرة عدة وجوه: أولها ما قاله الحسن وقتادة والضحاك بأنها خاصة في أهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية. وثانيها ما قاله السدي وإبن زيد بأنها في جميع الكفار لكنها منسوخة بآيات القتال، كآية النساء/ 88، وآية محمد/ 4. وثالثها ما قاله إبن عباس وسعيد بن جبير بأنها نزلت في بعض أبناء الأنصار، حيث كانوا يهوداً فاريد إكراههم على الإسلام. ورابعها بمعنى أن لا تقولوا لمن دخل في الإسلام بعد حرب أنه دخل مكرهاً (التبيان، ج2، ص311). وخامسها بأن المراد هو ليس في الدين إكراه من الله، بل العبد فيه مخير (مجمع البيان، ج3، ص163). وهناك وجوه أخرى كالتي ذكرها الشوكاني (فتح القدير، ج1، ص257). ونقل إبن تيمية رأياً نسبه إلى جمهور السلف، لا يرضى فيه إعتبار آية الرشد منسوخة أو يصح نسخها. وكذا ما نقله إبن القيم وارتضاه عن جماعة من ‹‹ان القتل إنما وجب في مقابلة الحِراب لا في مقابلة الكفر، لذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزَّمنى والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا. وهذه كانت سيرة رسول الله (ص) في أهل الأرض›› (ابن القيم: أحكام أهل الذمة، حققه وعلق حواشيه صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، 1401هـ ـ 1981م، ج1، ص17). لذا فبرأي إبن القيم أن الجزية تؤخذ من كل كافر ومشرك بعد إسلام من في الجزيرة العربية من غير فرق بين أن يكون الكافر منتمياً إلى دين سماوي كالنصارى واليهود أو يكون من عبّاد الأوثان أو النار أو غيرهم (أحكام أهل الذمة، ج1، ص6). وقد علل عدم أخذ النبي (ص) الجزية من مشركي العرب ‹‹لأنهم اسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية، فإنها نزلت بعد تبوك، وكان رسول الله (ص) قد فرغ من قتال العرب واستوثقت كلها له بالإسلام، ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه، لأنها لم تكن نزلت بعد... ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران...›› (زاد المعاد، ج5، ص91).
[19] فرائد الأصول، ص119.