-
ع
+

العقل والإجتهاد

يحيى محمد

تواجه طريقة الاجتهاد التقليدية تهمة بارزة حول معالجتها للقضايا الفقهية وفق المنهج البياني ومسلكه الماهوي. فبحكم اعتمادها - في الأساس - على النصوص، لا سيما نصوص الحديث؛ وباعتبار ان هذه النصوص تعالج - في الغالب - قضايا جزئية تظهر بمظهر المطلق الشامل؛ فقد تشكَّل من ذلك قالب ذهني تجزيئي منفصل عن كليات مقاصد الشرع، ومجرد عن اعتبارات الواقع وما ينطوي عليه من حقائق تساعد على الفهم العقلائي، ومتصادم أحياناً مع العقل والمنطق.

هكذا فبفعل المبالغة في التفكير في الجزئيات تولدت ظاهرة الغبش عن الكليات، وبفعل الانغماس الكلي في النصوص تولدت حالة الاغتراب عن الواقع وحقائقه، وعن العقل وما يفرضه من نتائج منطقية. مع ان الممارسة الفقهية لا تدعي لنفسها تحصيل القطع واليقين، فهي تقر - في الغالب - بظنية الحديث سنداً ودلالة، لكنها مع ذلك تتعامل معه تعامل الصحيح الثابت من غير نظر قاصد إلى مقصد أو واقع أو عقل.

وهنا ينشأ الصدام بين الطريقة المتبعة والحقائق المشار إليها قبل قليل، مع الأخذ بنظر الاعتبار التفاوت في المستويات بين فقيه وآخر، أو بين مذهب وآخر.

وفي هذا الفصل سنتعرف على مجمل التناقضات والمفارقات التي لحقت بالطريقة البيانية جرّاء موقفها السلبي من الاستكشافات العقلية في مجال الأحكام، ومنها تلك التي لها علاقة بالقيم الأخلاقية والمقاصد.

المدارس الفقهية وتغييب العقل

ليس بين المذاهب الفقهية من اطلق العقل كمصدر من مصادر الكشف عن التشريع صراحة غير مذهب الإمامية الاثنى عشرية، وكذا ما ينسب إلى بعض المعتزلة والفقهاء.

فبحسب استقراء نجم الدين الطوفي ان أدلة الشرع بين العلماء تنحصر بتسعة عشر باباً القليل منها متفق عليه، واغلبها موضع اختلاف بين الأخذ والرد، وليس بين هذه الأدلة المطروحة عنوان خاص باسم العقل.

فهي عبارة عن: الكتاب، السنة، إجماع الأُمة، إجماع أهل المدينة، القياس، قول الصحابي، المصلحة المرسلة، الإستصحاب، البراءة الأصلية، العوائد - العادات -، الاستقراء، سد الذرائع، الإستدلال، الإستحسان، الأخذ بالأخف، العصمة، إجماع أهل الكوفة، إجماع العترة، وإجماع الخلفاء الأربعة[1].

قد يقال إن عنوان العقل ورد ضمن أنواع الأدلة التي توصل إلى الحق. فمن الناحية التاريخية نجد ان مؤسس المذهب الاعتزالي واصل بن عطاء هو أول من حدد المصادر العامة لطريقة الانتاج المعرفي لكل من علم الكلام والفقه معاً. إذ يقول الجاحظ في حقه: ‹‹وكل أصل نجده في أيدي العلماء في الكلام وفي الأحكام فانما هو منه››. فالجاحظ يعتبر واصل بن عطاء ‹‹هو أول من قال: الحق يعرف من وجوه أربعة؛ كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، واجماع من الأمة››.

وقد تصور الاستاذ علي سامي النشار ان الوجوه الأربعة التي أدلى بها واصل؛ تساوي حتماً أصول الفقه الأربعة: القرآن والسنة والقياس والاجماع[2].

 ومن حيث التحقيق يلاحظ ان حجة العقل لا تساوي القياس الفقهي. فمن جهة ان تلك الحجة أعم من اعتبار الجانب العقلي أو الاجتهادي للقياس الفقهي. كما من جهة أخرى ان القياس يحمل دلالة الارتباط بالنص خلافاً لما هو الحال في حجة العقل الذي له دلالة الاستقلال، فأحدهما لا يعني الآخر. ومنه نفهم لماذا لم يرادف العلماء بينهما، حيث وضعوا العقل كمصدر أساس للعقيدة والكلام ولم يضعوا القياس، ووضعوا القياس كمصدر للفقه ولم يضعوا العقل. وبعضهم ميّز، وهو ينص على سبر أصول الأدلة، بين القياس والعقل، كما هو الحال مع الباقلاني الذي عدد أصول الأدلة وحصرها بخمسة، وكان منها أصل العقل، وكذا أصل القياس والاجتهاد، فضلاً عن الكتاب والسنة والاجماع[3].

مع هذا لا ينكر ان المعتزلة أقروا بمبدأ تشريع العقل في القضايا الرئيسة لتصحيح العقيدة ضمن علم الكلام، كوجوب النظر والشك وشكر المنعم ودفع الضرر عن النفس وما اليها[4]. علاوة على ما نُسب إلى بعضهم من إقرار التعويل على العقل في الأحكام بدلاً عن الأخذ بأخبار الآحاد، لأنها لا تفيد علماً ولا توجب عملاً، كالذي نقله ابن السمعاني، معتبراً ان بعض الفقهاء قد تلقف هذا القول من القدرية والمعتزلة الذين أنكروا أخبار الآحاد، وعولوا على القرآن والحديث المتواتر ودليل العقل[5]. وسبق للشافعي في كتابه (الأم) ورسالة (جماع العلم) أنْ حكى مقالة جماعة من المعتزلة ينكرون الأخذ بأخبار الآحاد باعتبارها لا تفيد علماً أو يقيناً، مما جعله يرد عليهم[6]

العقل عند الإتجاه السني

في الوسط السني، بعيداً عن أجواء المعتزلة، من الواضح أن رجاله يحصرون التشريع في النصوص دون افساح مجال للعقل. وعلى رأيهم ان هذا الأخير لا يمكنه إدراك أدلة الأحكام بذاته[7]. فهذا هو الموقف العام لأهل السنة، حيث لا نجد من يعترف بدور العقل المستقل في التشريع الا من شذّ منهم، كالعز بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) الذي رأى في (قواعد الأحكام) بأن مصالح الدنيا كلها تُعرف بالعقل من خلال الضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة، خلافاً لمصالح الآخرة التي لا تدرك الا بالشرع، فعلى حد قوله: ‹‹من أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله، بتقدير ان الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك الا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته››[8]. مع أنه صرح قبل ذلك بسطر أو سطرين ما يبدو أنه مناقض للتقرير الذي نقلناه، حيث قال: ‹‹أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع››[9].

ويتسق الرأي السابق مع اعتبار الأحكام الشرعية الدنيوية لم تصدر عن الشرع بعنوان التأسيس كما هو الحال في التعبديات، وانما صدرت عنه بعنوان الإمضاء والتبعية.

كما نقل الشاطبي ما ذهب إليه جماعة اعتقدوا باكتفاء ما يرد في النفس من إطمئنان يخص جملة من الأحكام، ونقد ذلك من حيث ان التعويل عليه لا يستقيم مع الأخذ بما أمر به الله من العمل بالكتاب والسنة. وعلى رأيه ان أحكامه تعالى لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته[10]، اتساقاً مع ما ذهب إليه الأشاعرة من نفي الدلالة العقلية للحسن والقبح. كذلك نقل عن جماعة أنهم عوّلوا على إدراك مصالح العباد طبقاً لمقاصد الشرع الكلية المستخلصة بالاستقراء، حيث جردوا المعاني وطرحوا خصوصيات الألفاظ، بل وردّوا كل خاص يخالف العام المستخلص بالاستقراء، وقد عرفوا بأصحاب الرأي[11]. إلا أن ذلك ليس له علاقة بالعقل، إذ الاستقراء المحكي عنه إنما هو الخاص بالشرع لا غير.

نعم جعل الغزالي عنوان العقل ضمن أصول الأدلة الفقهية، كما في (المستصفى من علم الأصول)، وهي عنده عبارة عن الكتاب والسنة والاجماع، مضافاً إلى دليل العقل والإستصحاب الدالين على براءة الذمة في الأفعال قبل ورود السمع[12]. لكن كما هو واضح أنه يعد هذا الدليل مقيداً بالحال قبل ورود الشريعة، وهو ما يُعرف بالبراءة الأصلية، أما مع وجودها وورودها فليس للعقل شأن يمكن ان يستكشف به الحكم مستقلاً. لهذا فمن الناحية المبدئية ان الإتجاه السني لا يعترف بدور العقل في استكشاف موارد التشريع والأحكام، وهو أمر يتسق مع نظرية الحسن والقبح الشرعيين التي يميل إليها أغلب أهل السنة، كما عليه التفكير الأشعري، سواء لدى المتقدمين منهم أو المتأخرين.

وإذا كنا نعتقد بأن قسطاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق الأشاعرة في إبطالهم لدور العقل في التشريع أو الكشف عن الأحكام، بسبب التنظير الذي آلوا إليه في قاعدة الحسن والقبح الشرعيين؛ فإن القسط الآخر من المسؤولية يتحمله - قبلهم - الشافعي، باعتباره المنظر الأول لأصول الفقه. فبحسب المعطيات المتوفرة لدينا اليوم هو ان تنظير الأدلة الشرعية وتقعيدها لم ينشغل بهما فقيه مسلم قبل هذا الإمام القرشي، أو على الأقل إنه لم يصلنا شيء واضح ومقطوع به قبله[13]. والعديد من العلماء يعتقدون أنه أول من صنف في ذلك العلم، كالذي نصّ عليه ابن خلدون وابن تيمية والزركشي ومن قبلهم الإمام الجويني[14]. وكان أحمد بن حنبل يقول: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي[15]. مع ذلك فإن هذا الإمام الذي مارس التنظير والتقعيد لم يعط أي دور مميز للعقل في التشريع والاستكشاف. فغياب العقل هو الظاهرة البارزة في مشروعه. فهو يلتزم بالبيان التام لنص الخطاب فلا يدع مجالاً لمشاركة غيره في التشريع؛ باستثناء القياس للضرورة والاضطرار، كما نصّ على ذلك مرات عديدة، فهو يعدد جهات العلم ويراها لا تتعدى أربعة مصادر، هي: الكتاب والسنة والاجماع والقياس. والأخيران مستندان إلى الكتاب والسنة. فالمصادر الأساسية بالنتيجة هي الكتاب والسنة فحسب[16].

هكذا نرى غياب العقل من مشروع الشافعي، مثلما نشهد موته لدى الأشاعرة، وكل ذلك له انعكاساته الخاصة التي مازلنا نعاني منها حتى يومنا هذا.

ويلاحظ أنه حتى لو أوّلْنا مبادئ الاجتهاد التي تقول بها بعض المذاهب الإسلامية واعتبرناها مبادئ عقلية تتباين في الاستقلالية من حيث علاقتها بالنص، كالقياس أو المصالح المرسلة أو الإستحسان أو الإستصحاب أو البراءة الأصلية أو غيرها، فانها مع ذلك تظل مهملة غير فاعلة إلا عند غياب النص، بل غالباً ما يكون العمل بها على نحو الاضطرار أو تبعاً لضغط الحاجات الزمنية. فعلى الأقل إن رؤساء المذاهب الإسلامية قد صوروا الأمر على هذا النحو من الاضطرار، مثلما يعترف بذلك أصحاب المذاهب الأربعة، حتى من عُرف منهم بشدة العمل بالاجتهاد - لا سيما القياس منه - كأبي حنيفة النعمان[17]. فهم يرجحون العمل بالنص رغم أنه لا يرقى - في الغالب - إلى درجة أقوى من الظن، سواء من حيث الصدور أو الدلالة. على هذا يظل العمل بمبادئ الاجتهاد متأخراً رتبة عن العمل بالنص.

وهو أمر ينطبق حتى على من يعترف صراحة بمبدأ العقل في استكشاف الحكم الشرعي، إذ لا يرى له مرجعية تتقدم على مرجعية النص، رغم ما يعتري النص من مشكلة عدم افادته العلم والقطع في الغالب، خاصة الحديث منه، حيث يشهد مشاكل اضافية تتعلق بالسند والتقطيع واحتمالات الزيادة والنقصان، فضلاً عن مشاكل أخرى تلوح المتن ذاته.. كالذي يلاحظ عند مذهب الإمامية الاثنى عشرية التي تعتبر العقل مصدراً أخيراً لمصادرها التشريعية الأربعة (الكتاب والسنة والاجماع والعقل)، فقد اعترفت به منذ بداية عصر التنظير الشيعي، كما ينص عليه الشريف المرتضى، ومن ثم جاء الآخرون يؤكدون مقالته في حجية العقل بعد النص والاجماع.

والامامية وإن اختلف علماؤها حول ما يريدونه من المعنى الخاص بالعقل كمصدر استكشاف وتشريع، الا ان ما استقر عليه المتأخرون هو أنه ينحصر مستقلاً في دائرة التحسين والتقبيح العقليين.

من هنا يتضح اختلاف مكانة العقل في علم الفقه - أو الرأي والاجتهاد تسامحاً - عما هو عليه في علم الكلام، فكثيراً ما يُحتج به في القضايا العقائدية قبال ظواهر النصوص للكتاب والسنة، فينتهي الأمر بهذه النصوص إلى التأويل والتوجيه، أو الترك والإبطال. مما يعني ان العقل في علم الكلام له اعتبار تأسيسي، أو ان له جعلاً على نحو التأسيس لا التبعية، سواء كان التأسيس خارجياً لاثبات الخطاب الديني من حيث الاصل، أو داخلياً يراد منه توجيه معاني نصوص الخطاب بما يتفق ومداليله الخاصة. لهذا كان متهماً من قبل النزعات البيانية بانه يقوم بدور مناهض لنصوص الخطاب وبيانها، مثلما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ممن ابتعدوا عن الطريقة العقلية الكلامية[18].

أما في الفقه فالأمر يختلف تماماً، ذلك ان هذا العلم لا يحتاج إلى العقل للتأسيس من الخارج، فتأسيس الخطاب الديني بالعقل هو في حد ذاته يصحح عمل البناء الفقهي.

والاهم من هذا هو ان علم الفقه لم يجعل العقل مطرحاً للتعارض مع النص كما يفعل علم الكلام، إنما الإعتماد على بيانية النصوص هي الحالة الراكزة والمستقرة، رغم المفارقة في الامر!.

فقد كان العقل الكلامي يمارس دور التوجيه والتأويل بتأسيس الخطاب من الداخل في النصوص القطعية الصدور (الآيات القرآنية)، في حين تم اهمال العقل في الفقه ولم يُسمح له بممارسة توجيه النصوص وتأويلها؛ بما فيها نصوص الحديث رغم أنها ظنية الصدور والدلالة. ولو انّا طبقنا عليها منطق الاحتمالات لكانت الأحكام المنتزعة منها في غاية الضعف لما ينتابها من مشاكل متنوعة على صعيد السند والمتن، كالذي التفت إليه أصحاب دليل الإنسداد في الإتجاه الشيعي.

هذا هو حال الفقه، ليس له زاد ولا معين يُطمأن إليه وهو في صورته التقليدية أو البيانية. الأمر الذي يحتاج إلى نوع من التعويض المسدد، بالتعويل على الاعتبارات الموثوقة لتشييد الأحكام واستكشافها، كاستخدام مبدأ العقل ومبدأ الواقع ونظام الخلقة، وكذا مقاصد الشرع وكلياته العامة.

إن إهمال العقل في الفقه جعل الممارسة الاجتهادية تصطدم أحياناً بالنتائج العقلية القطعية دون ان تشعر، أو أنها تجاهلت ذلك طبقاً لمسلكها الاستصحابي في إبعاد العقل عن الاستكشاف والنفي والإثبات. وهنا بيت القصيد !

فحتى الإتجاه الشيعي رغم اعترافه بمرجعية العقل للكشف عن التشريع ورغم ما صرح به بعضهم كالشيخ النائيني من أنه ‹‹لو عزل العقل عن الحكم لهدم أساس الشريعة››[19]؛ الا أنه من الناحية العملية ظل هذا الإتجاه يتعامل مع العقل تعاملاً سلبياً كما سنعرف.

العقل عند الإتجاه الشيعي

يعتبر الدليل العقلي القطعي كاشفاً عن الحكم الشرعي، ويعبر عنه بقضية التلازم بين العقل والشرع طبقاً لقاعدة (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع). لكن خضع هذا الدليل لتفسيرات عديدة بين الأصوليين الشيعة.

فقد فسّره بعضهم بالبراءة الأصلية والإستصحاب، وقصره بعضهم على الثاني، فيما ذهب بعض آخر لتفسيره بلحن الخطاب وفحواه ودليله، مضافاً إلى وجوه الحسن والقبح[20].

وأضاف آخرون كلاً من مقدمة الواجب واجبة، ومسألة الضد[21]، وأصل الإباحة في المنافع والحرمة في المضار، وكذلك البراءة الأصلية والاستصحاب، وما لا دليل عليه، ولزوم دفع الضرر المحتمل، وقاعدة شغل الذمة اليقيني يستدعي فراغاً يقينياً، والأخذ بالأقل عند الترديد بينه وبين الأكثر[22]. وقدّر البعض بأن من ضمن الأحكام العقلية اعتبار الضرورات تبيح المحظورات، وان الضرورة تقدر بقدرها، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ولزوم اختيار أهون الشرين اللذين لا مناص من أحدهما، والعلم بوجود التكليف يستدعي العلم بطاعته وامتثاله، وأصل المشروط عدم شرطه، والاذن بالشيء اذن بلوازمه[23].

لكن هناك من قصد بالدليل العقلي بأنه حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعاً أو عقلاً وبين حكم شرعي آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء ومقدمة الواجب ونحوهما[24]، وكحكمه باستحالة التكليف بلا بيان اللازم منه حكم الشارع بالبراءة، وكحكمه بتقديم الأهم في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعلية حكم الأهم عند الله، وكحكمه بوجوب مطابقة حكم الله لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة.

أما المستقلات العقلية فقد حصرها البعض في مسألة واحدة هي التحسين والتقبيح العقليين باعتبار ان الشرع لا يشارك حكم العقل العملي إلا فيها[25]. وتنص هذه القضية كما يقول أبو القاسم القمي: ‹‹ان كل ما يدرك العقل قبحه فلا بد ان يكون من جملة ما نهى الله عنه، وما يدرك حسنه فلا بد ان يكون مما أمر به، فاذا استقل العقل بادراك الحسن والقبح.. فيحكم بأن الشرع أيضاً حكم به كذلك، لأنه تعالى لا يأمر بالقبيح ولا ينهى عن الحسن››[26].

ويُفترض في قضية المستقلات العقلية ان يكون للعقل العملي حكم إزاء ما يدركه بغض النظر عن الشرع، كالحكم بقبح قتل الأبرياء. كما يُفترض ان تكون هناك ملازمة نظرية بين الحكمين العقلي والشرعي، وهي ما يدركها العقل النظري، والتي تقول إن كل ما حكم به العقل يحكم به الشرع، فاذا كان العقل يحكم بقبح قتل الأبرياء؛ فإن الشرع يحكم بذلك أيضاً، كما هو واضح من صيغة التحريم[27].

واعتبر البعض ان من وظائف العقل إدراك المصالح والمفاسد، وان الأحكام تابعة لها، مما يعني صحة استكشاف العقل لهذه الأحكام تبعاً لإدراك تلك المصالح والمفاسد، فكما يقول صاحب (فوائد الأصول) من ‹‹انه لا سبيل إلى انكار تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات، وان في الأفعال في حد ذاتها مصالح ومفاسد كامنة مع قطع النظر عن أمر الشارع ونهيه وانها تكون عللاً للأحكام ومناطاتها، كما إنه لا سبيل إلى انكار إدراك العقل لتلك المناطات››[28]. وكذا قول بعض المعاصرين: ‹‹ان المصالح والمفاسد علل للأحكام، فاذا ادرك العقل المصلحة أو المفسدة في فعل من الأفعال فلا بد من ان يكون للشارع حكم في ذلك الفعل لوجود علته، فيكون العقل كاشفاً عن الحكم الشرعي››[29].

والبعض جعل اطباق العقلاء على مصلحة الشيء أو فساده هو الضابط الوحيد المعول عليه في اقرار الملازمة بين العقل والشرع. فالشيخ محمد رضا المظفر يقول: ‹‹اذا ادرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر، ولم يكن إدراكه مستنداً إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكها جميع العقلاء؛ فإنه لا سبيل للعقل ان يحكم بأن هذا المدرك يجب ان يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل ان هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما ادركه العقل، أو ان هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما ادركه العقل وإن كان ما ادركه مقتضياً لحكم الشارع››[30].

لكن هذا التقرير هو في حد ذاته يبرر حالة الفصل بين الحكمين العقلي والشرعي. فحتى لو حصل الضابط الذي ذكره المظفر واجمع العقلاء على حكم من الأحكام العقلية؛ فإن ذلك لا يمنع - تبعاً لما افاده الشيخ – من احتمال وجود ‹‹ما هو مناط لحكم الشارع غير ما ادركه العقل، أو ان هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما ادركه العقل وإن كان ما ادركه مقتضياً لحكم الشارع››. فهذه هي حالة الفصل بين الحكمين العقلي والشرعي، والتي نجدها شائعة لدى الفقهاء الأصوليين من الشيعة.

ويلاحظ من كل ما ذكرنا ان الدليل العقلي وُضع - في الغالب - بصورة غير مستقلة عن النص، فهو يعتمد عليه وموظف لخدمته.

فالاتجاه الشيعي يقر بأن العقل في الفروع بخلاف الأصول يعجز عن الكشف عن الحكم الشرعي بشكل مستقل، باستثناء حالات خاصة وقليلة كتلك المتعلقة بالحسن والقبح. لكن حتى في هذه القضية الواضحة نجد بعض الشيعة المتأخرين قد انفرد ونفى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع؛ رغم قوله بنظرية الحسن والقبح العقليين، كما هو الحال مع صاحب كتاب (الفصول الغروية في الأصول الفقهية)، حيث يقول: ‹‹الحق عندي - في المقام الأول - أن لا ملازمة عقلاً بين حسن الفعل وقبحه وبين وقوع التكليف على حسبه ومقتضاه››[31].

وقد صوّر الشيخ محمد علي الكاظمي - في تحريره لافادات استاذه النائيني - هذا الرأي من انكار الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بقوله: ‹‹ان العقل وان كان مدركاً للمصالح والمفاسد والجهات المحسنة والمقبحة الا أنه من الممكن ان تكون لتلك الجهات موانع ومزاحمات في الواقع وفي نظر الشارع ولم يصل العقل إلى تلك الموانع والمزاحمات، إذ ليس من شأن العقل الاحاطة بالواقعيات على ما هي عليها، بل غاية ما يدركه العقل هو ان الظلم مثلاً له جهة مفسدة فيقبح، والاحسان له جهة مصلحة فيحسن، ولكن من المحتمل ان لا تكون تلك المفسدة والمصلحة مناطاً للحكم الشرعي››[32].

وأيّد الشيخ ضياء الدين العراقي هذا الرأي الذي ذهب إليه صاحب (الفصول)[33].

لكن ذلك لا يتسق مع ما يكاد يتفق عليه علماء المدرسة الأصولية من الشيعة في صحة العلم الوجداني القطعي من حيث أنه حجة ذاتية غير قابلة للجعل الشرعي[34]. فهو والعلم التعبدي يعدان – عندهم - كامل حجية المجتهد[35]. وقد زاد بعضهم على ذلك بأن اعتبر العلم العادي (الإطمئناني) مما لا تشمله الأدلة الناهية عن العمل بالظن لخروجه عن موضوع الأدلة في نظر العقلاء[36].

بل رغم هذا الاعتراف نلاحظ ان هناك تضييقاً لحدود هذين العلمين. ففي العبادات يعول المجتهد على الأخبار لكثرتها رغم مشاكل الحديث المعترف بها. أما في المعاملات فالمجتهد يعول على القواعد الأصولية والكبريات الواردة فيها[37]. وفي كلتا الحالتين لا نجد مساحة يعتد بها للعمل بالوجدان العقلي المستقل، ومنه ذلك المزود بخبرة الواقع.

نعود مرة أخرى لنقول: إن ما صوّره الشيخ الكاظمي من انكار الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي؛ هو ذاته قد هيمن على السلوك الشيعي من الناحية العملية، بل وعلى السلوك الإسلامي قاطبة. فالإتجاه الشيعي يعتبر العقل غير قادر على الإدراك القطعي للمصالح والمفاسد الحقيقية في الواقع. ويندرج تحت هذا التعامل جميع القضايا الفقهية تقريباً، سواء كانت بسيطة عادية، أو عظيمة خطيرة، ومنها ما يتعلق بنظام السلطة والحكم واعتبارات الحرية الفردية والاجتماعية والتعامل مع الحقوق العامة للإنسان. فهذه القضايا وغيرها لا تبحث ضمن إطار المصالح والمفاسد العقلية المندرجة تحت عنوان الحسن والقبح، وإنما تبحث بحسب ما يؤدي إليه النظر المنبثق من التفكير البياني، رغم ان هذا النظر لا يفضي في الغالب إلى ما هو أقوى من الظن، وهو الظن المعبّر عنه بالمعتبر، تمييزاً له عن الظن العقلي المبعد.

فبنظر الفقهاء تكون الأحكام تابعة للمصالح الخفية والشرع كاشف عنها، كما نصّ عليه العلامة الحلي في (النهاية)[38]، وان العقلاء قد يتوهمون ما هو أقرب إلى واقع الشرع على أنه أبعد، وما هو أبعد عن هذا الواقع على أنه أقرب، وبالتالي فلا مجال لكشف الحقائق إلا عن طريق الشرع؛ لكونه محيطاً بكل الجهات وعالماً بكثير مما لم تصل إليه العقول. فمع ان المعول عليه عندهم كون المقياس في باب الحجج هو الأقربية إلى واقع الشرع، الا ان معرفة هذه الأقربية لا يمكنها ان تكون بالنظر العقلي المنفصل عن الشرع ولو على نحو السلب، وذلك من حيث العلم بعدم ردع الشارع عن الأخذ بما يعتقد أنه أقرب إلى ذلك الواقع[39].

لكن بحسب هذا المنظور تصبح الأحكام تعبدية لا تُعلم مصالحها بالنظر العقلي، وأنه لا معنى للاستدلال على ظرفية بعض الأحكام أو تخصيصها بوقائع محددة أو اعتبارها مما تقع تحت دائرة الأحكام المولوية القابلة للتغيير، إذا ما كانت ظواهر النصوص الدالة على مثل هذه الأحكام تتصف بالاطلاق والعموم دون وجود ما يخصصها ويقيدها بحسب القرينة اللفظية، حيث أنها يمكن ان تُبرر بنفس تلك الحجة، فيُفترض وجود مصالح خفية تجعل العقل عاجزاً عن الكشف عن ظرفية الأحكام أو تقييدها وتخصيصها. الأمر الذي يجعل من الأحكام أحكاماً تعبدية لا تقبل التوجيه والتفسير بغير ما يفيده الظاهر الاطلاقي للنص. مما يعني بالتالي وجود التعارض بين ما يدركه العقل المستقل من فهم واضح معلل، وبين ما ينطق به النص من حكم ظاهر مخالف.

والمسألة لا تتوقف عند حدود القضايا المعيارية من الأحكام الشرعية، وانما يمكن ان تنسحب وتطال الأحكام التقريرية التي لها علاقة بالكشف عن الواقع الموضوعي، ذلك أنه بنفس تلك الحجة من احتمال وجود مصالح حقيقية خافية على العقل البشري، يمكن ان يدّعى وجود حقائق خفية يعجز العقل عن إدراكها وراء ما ينطق به النص الذي ظاهره يخالف ما يدركه العقل من القضايا الموضوعية والخارجية.

فمثلاً إن بعض النصوص تنهانا عن التعامل مع بعض الاجناس البشرية بحجة أنهم من الجن. لكن عقلنا وادراكنا الواقعي يكذّب ذلك، إذ ليس فيهم ما يختلفون به عن غيرهم من البشر. وقد يحتج صاحب فكرة الحقائق الخفية بأنه حتى لو لم يظهر أي تمايز بين هؤلاء الاجناس وبين غيرهم فإن ذلك لا يمنع من كون العقل لم يدرك بعض التمايزات الخفية التي تجعل من مثل هؤلاء من الجن. لذا يصبح من الصعب أو المحال الرد على مثل هذه الحجة التشكيكية.

لكن كل ما يقال هنا يمكن ان ينسحب على قدرة العقل على الإدراك الموضوعي برمته. فبحسب هذا المنطق يمكن ان يقال أيضاً بأن كل ما يُقرر من إثبات للقضايا الدينية، وعلى رأسها القضايا الأصولية، يواجه أيضاً نفس المصير. فاحتمال وجود حقائق مخالفة تخفى على العقل وتجعل معرفة الحقيقة الدينية من المحالات أمر وارد[40]؛ مثلما لا سبيل لمعرفة القضايا التقريرية التي تخالف ما تنطق به النصوص، وكذا لا سبيل لمعرفة المصالح الحقيقية التي يتوخاها العقل في القضايا المعيارية من الأحكام وغيرها.

إذاً لا داعي لجر القضايا بمثل هذا المنطق الخطير، بل لا بد من الثقة العقلائية الوجدانية في الكشف عن الحقائق والتسليم بها ما لم تُعارض بما هو أقوى منها حجة واعتباراً.

شواهد الصدام مع العقل

لقد أدت طريقة الاجتهاد البيانية إلى الصدام مع العقل ومقاصد التشريع عبر حالتين من التعارض، إحداهما تتعلق بالنص الروائي، والاخرى بتقنية الاجتهاد النظري خارج حدود منطوق النصوص. ولكل منهما شواهد عديدة، كالذي يتبين أدناه..

1 ـ تعارض العقل مع النص

من أبرز الشواهد التي تتعلق بتعارض العقل مع النص؛ ما ورد حول دية أصابع المرأة بما يعرف بصحيحة ابان بن تغلب، حيث روى عن الإمام الصادق قوله بأن دية قطع اصبع واحد من أصابع المرأة هي عشر من الإبل، وقطع اصبعين منها هي عشرون من الإبل، وقطع ثلاث أصابع منها فديته تكون ثلاثين، أما قطع أربع أصابع فديته عشرون من الإبل. وبحسب الرواية ان ابان الذي كان حاضراً عند الإمام الصادق تعجب وقال: يا سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؛ ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان. فأجابه الصادق بالقول: مهلاً يا ابان ان هذا حكم رسول الله، ان المرأة تقابل - وفي رواية تعاقل - الرجل إلى ثلث الدية، فاذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا ابان انك اخذتني بالقياس.. والسنة إذا قيست محق الدين[41]. ومع أن في هذا الحديث مفارقة، إذ يتضمن تخفيف الدية رغم تضاعف حجم الجرم دون سبب معقول، إلا أن فقهاء الإمامية أوردوه بما يتضمن من حكم دون تشكيك[42]، وذلك إذا ما استثنينا السيد الخوئي في (مصباح الأصول) حيث قدّم عدداً من المناقشات حوله، كان أهمها أنه اعتبره ضعيف السند ولا يمكن الإعتماد عليه[43]. لكن تلميذه محمد تقي الحكيم استدرك وقال: ‹‹بلغنا ان الاستاذ عدل عن تضعيف الرواية لثبوت صحتها لديه، ولم تسعني مراجعته للتأكد من ذلك››[44].

وعلّق المرحوم محمد جواد مغنية على هذا الحديث بالقول: إنه ‹‹صريح في أن عقولنا لا تدرك لهذا الحكم سراً وأنه تعبدي محض››[45]. وكذا اعتبره الشيخ محمد رضا المظفر من الشرعيات المحضة أو التعبديات[46]، وقال في تبريره: ‹‹إنما الذي وقع من ابان قياس مجرد لم يكن مستنده فيه الا جهة الأولوية، إذ تصور - بمقتضى القاعدة العقلية الحسابية - أن الدية تتضاعف بالنسبة بتضاعف قطع الأصابع، فإذا كان في قطع الثلاث ثلاثون من الإبل فلا بد أن يكون في قطع الأربع أربعون، لأن قطع الأربع قطع شرعاً فيما يبلغ ثلث الدية فما زاد، وهي مائة من الابل››[47].

كما سبق ان علّق عليه الشيخ مرتضى الأنصاري (المتوفى سنة 1281هـ) بقوله: إن الرواية ‹‹وان كانت ظاهرة في توبيخ ابان على رد الرواية الظنية التي سمعها في العراق بمجرد استقلال عقله بخلافه أو على تعجبه مما حكم به الإمام عليه السلام، من جهة مخالفته لمقتضى القياس، الا ان مرجع الكل إلى التوبيخ على مراجعة العقل في استنباط الأحكام. فهو توبيخ على المقدمات المفضية إلى مخالفة الواقع. وقد اشرنا، هنا وفي أول المسألة، إلى عدم جواز الخوض لاستكشاف الأحكام الدينية في المطالب العقلية والاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم والانتقال منه إليه على طريق اللمّ، لأن انس الذهن بها يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل إليه من الأحكام التوقيفية، فقد يصير منشأً لطرح الامارات النقلية الظنية، لعدم حصول الظن له منها بالحكم. وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق بأصول الدين، فإنه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد››[48].

وورد ما يماثل الحديث المذكور في المصادر السنية، حيث التزم به جماعة من فقهاء التابعين وبعض ائمة المذاهب الأربعة ونسبوه إلى الرسول (ص). إذ جاء ان المالكية والحنابلة يرون ان دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما دون ثلث الدية الكاملة، فإن بلغت الثلث أو زادت عليها رجعت إلى نصف دية الرجل. حتى روى النسائي بهذا الصدد عن النبي قوله: ‹‹عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها››[49]. وأورد الإمام مالك في موطئه حواراً بين سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، إذ سأل ربيعة سعيداً عن مقدار الدية فيما لو قطع رجل ثلاثاً من أصابع المرأة؟ فأجابه سعيد ان فيها ثلاثين من الإبل، وسأله عن مقدار الدية فيما لو قطع أربعاً، فأجاب أن فيها عشرين، فقال له ربيعة حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فرد عليه ابن المسيب: أعراقي انت؟ فقال: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، فقال له سعيد: إنها السنة يا ابن أخي[50].

مع هذا فإن هذا الحكم لم يستسغه الحنفية والشافعية الذين رأوا ان الجناية على ما دون النفس في المرأة تقدر بحسب ديتها، لذلك تكون الدية نصفاً[51].

وعلّق الشافعي على محاورة ربيعة وابن المسيب الآنفة الذكر بقوله: ‹‹كنا نقول به ثم وقفت عنه وانا اسأل الله الخيرة لأنا نجد من يقول السنة ثم لا نجد نفاذاً بها عن النبي (ص) والقياس أولى بنا فيها››[52].

ويلاحظ من كل ما سبق ان الفقهاء، سواء في الساحة الشيعية أو السنية، لم يحتكموا إلى الوجدان العقلي إزاء مضمون الرواية الآنفة الذكر رغم أنها من الآحاد التي لا تفيد علماً، وانها تتعارض تعارضاً قطعياً مع مبادئ الحقوق الطبيعية والعدالة التي هي على رأس الثوابت العقلية ومقاصد التشريع.

فالمنهج الفقهي معزول عن القيم الاخلاقية والروح القرآنية العامة لخضوعه تحت هيمنة منطق الرواية.

ونورد بهذا الصدد شواهد كثيرة دالة على هذا المطلب، منها وجود عدد من الفتاوى العنصرية التي تتعارض مع القيم الوجدانية، كفتوى الكثير من الفقهاء بكراهة التعامل مع بعض الأقوام والأجناس؛ كما في البيع والشراء والتزويج، وأنهم من الجن، مثل الأكراد، والتي أطبق عليها فقهاء الشيعة المتقدمون منهم والمتأخرون[53]؛ استناداً إلى عدد قليل من الروايات التي لا تتفق مع منطق العقل والواقع ولا مع مبادئ التشريع ومقاصده[54]. إذ لم يكترث الفقهاء بمشكلة اعتبار الأكراد من الجن، بل أخذوا ما في الرواية وسلموا بها، باستثناء الشيخ محمد باقر المجلسي الذي قال في (مرآة العقول) بأنه ربما يأول أنهم من الجن لسوء أخلاقهم وجبلتهم أشباه الجن، فكأنهم منهم كشف الغطاء عنهم[55].

كما أن كراهة التعامل معهم أُخذت على اطلاقها من دون توجيه باستثناء ما ذكره ابن ادريس الحلي في (السرائر)، معللاً هذه المعاملة السلبية بأنها ترجع ‹‹إلى كراهية معاملة من لا بصيرة له فيما يشتريه ولا فيما يبيعه لأن الغالب على هذا الجيل والقبيل قلة البصيرة لتركهم مخالطة الناس وأصحاب البصائر››[56].

وما زالت هذه الفتوى سارية حتى يومنا هذا، ومن ذلك ما جاء في (جامع المدارك) للسيد أحمد الخوانساري (المتوفى عام 1985م)[57]. وقبله عدد من المراجع أبرزهم السيد أبو الحسن الأصفهاني (المتوفى عام 1946م)، وكما قال في وسيلة النجاة: ‹‹لا ينبغي للمرأة أن تختار زوجاً سيء الخلق والمخنث والفاسق وشارب الخمر ومن كان من الزنج أو الأكراد أو الخوزي – أي أهالي خوزستان أو عربستان - أو الخزر››[58].

في حين ان بعض المعاصرين أخذ يوجه ما جاء في معنى الأكراد بأن ‹‹المراد بهم ليس هو من يتكلم بلغة الاكراد، بل الظاهر ان المراد بهم، كما عن الخوزي هو الجيل المعهود منهم في صدر الإسلام، وان شئت قلت: ان المراد بالاكراد القوم المطاردون الراحلون من مكان إلى مكان، وعلة الكراهة حينئذ لعلها التعرب والبعد عن الفقه والمسائل والأحكام››[59].

ونرى ان هذا التوجيه جاء متأثر بضغط واقعنا المعاصر، وهو خلاف الاطلاق الحاصل لدى الفقهاء القدماء، باستثناء ابن ادريس الحلي، بل وحتى الكثير من المحدثين والمعاصرين. لذلك رأى المفكر محمد باقر الصدر أن حديث الأكراد وما شاكله يخالف القرآن الكريم الذي يصرح بوحدة البشرية جنساً وحسباً ومساواة؛ مهما اختلفت أصنافهم وألوانهم، بل وأكّد على عدم حجية كل ما يخالف الروح العامة للقرآن الكريم، أو كل ما لا ينسجم مع طبيعة تشريعاته ومزاج أحكامه العام[60].

علماً بأن حديث الأكراد ورد أيضاً في بعض المصادر السنية، كما في (محاضرات الأدباء) للراغب الاصفهاني، حيث روي عن النبي (ص) قوله: الأكراد جيل الجن كشف عنهم الغطاء! وإنما سموا الأكراد لأن سليمان عليه السلام لما غزا الهند، سبى منهم ثمانين جارية وأسكنهم جزيرة، فخرجت الجن من البحر فواقعوهن، فحمل منهم أربعون جارية، فأخبر سليمان بذلك فأمر بأن يخرجن من الجزيرة إلى أرض فارس، فولدن أربعين غلاماً، فلما كثروا أخذوا في الفساد وقطع الطرق، فشكوا ذلك إلى سليمان فقال: أكردوهم إلى الجبال! فسموا بذلك أكراداً[61].

كما من الفتاوى المعارضة للقيم الأخلاقية والروح القرآنية الفتوى التي تقول إن ولد الزنا كافر، والتي صرح بها جماعة من الفقهاء. وقديماً قال ابن ادريس الحلي في (السرائر): لا خلاف بين أصحابنا في أن ولد الزنا كافر[62]. واتبعه في هذا القول العلامة الحلي في (مختلف الشيعة)[63]. لكن الفاضل الآبي صرح في (كشف الرموز) بأن المسألة على قولين، إذ قال أكثر الفقهاء بأن ولد الزنا كافر[64]. وكذا جاء عن الفقهاء بأن ولد الزنا لا خير فيه وأنه شر الثلاثة[65]، وأنه لا تقبل شهادته ولا تجوز امامته، تبعاً لعدد من الروايات.

وجاء في أحد كتب ابن القيم الجوزية فصل بعنوان (لا يدخل الجنة ولد زنا وتأويل ذلك)، حيث ذهب فيه مذهباً جبرياً لا يتسق مع العدالة التي طالما دعا إليها هذا الفقيه، إذ اعترض على كلام ابن الجوزي عندما اعتبر الاحاديث حول هذه المسألة تتنافى مع قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾[66]، فنفى وجود المنافاة والتعارض إن صحت الاحاديث حولها، معللاً المسألة بأن ابن الزنا ‹‹لم يحرم الجنة بفعل والديه، بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة، فإن كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص. وقد ورد في ذمه أنه شر الثلاثة وهو حديث حسن ومعناه صحيح بهذا الاعتبار، فإن شر الأبوين عارض، وهذا نطفة خبيثة وشره من أصله، وشر الأبوين من فعلهما››[67].

كما قال أكثر فقهاء الإمامية بأن ولد الكافر نجس تبعاً لأبويه باعتبارهما نجسين بسبب الكفر[68]، وكذا القول إنه كافر أيضاً[69]. وقال محمد بحر العلوم في (بلغة الفقيه): ‹‹ولد الكافر يتبع ابويه في الكفر والنجاسة؛ اجماعاً مصرحاً به في كلام جماعة، وهو الحجة››، واستشهد على ذلك ببعض الروايات عن أئمة أهل البيت[70].

ولا شك أن هذا الحكم لا يُقبل عقلاً ووجداناً، إذ لا ذنب للولد في كفر أبويه أو نجاستهما، وهو يتصادم مع المقاييس الشرعية، مثل قاعدة عدم الوزر: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فضلاً عن أن الكافر الكتابي طاهر بلا أدنى شك، بدلالة ان الله تعالى أجاز الزواج من الكتابيات كما في قوله تعالى: ﴿اليوم أُحلّ لكم الطيبات وطعام الذين أُوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حِلٌّ لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم﴾[71]، ولا ينسجم التنجيس مع المعاشرة الزوجية بكل ما تحمله من حيثيات معنوية وحسية[72]. رغم أن من الفقهاء من لا يرى في ذلك حرجاً، كالحال مع السيد أبي القاسم الخوئي الذي أجاب في إحدى فتاويه: ‹‹أما الازدواج مع الكتابية فجائز حتى دائمياً، وأما ما يرتبط بالطهارة والنجاسة فالأحوط وجوباً الاجتناب مما تمسه برطوبة مسرية كسائر النجاسات››[73]!. وهي فتوى خاضعة لهيمنة منطق الرواية، وتعد من مفارقات الأحكام التي تأتي خلافًا لمقتضى النص القرآني.

ومن المعاصرين من ناقش الحكم السابق، كما هو الحال مع المحقق الخوئي وتلميذه الصدر، فمثلاً ناقش الخوئي الروايات المتعلقة بالحكم مثل صحيحة عبد الله بن سنان - وغيرها - التي تتضمن بأن أولاد الكفار يدخلون النار مثل آبائهم، فقال: ‹‹لا يخفى ان هذه الأخبار مخالفة للقواعد المسلمة عند العدلية، حيث أن مجرد علمه تعالى بإيمان أحد أو كفره لو كان يكفي في صحة عقابه أو ترتب الثواب عليه لم تكن حاجة إلى خلقه بوجه، بل كان يدخله في النار أو في الجنان من غير ان يخلقه.. الا أنه سبحانه خلق الخلق ليتم عليهم الحجة ويتميز المطيع من العاصي، ولئلا يكون للناس على الله حجة، وعليه كيف يمكن تعذيب ولد الكافر مادام لم يعص الله خارجاً. فهذه الأخبار غير قابلة للاستدلال في المقال، ولا مناص من تأويلها.. وعليه فلا دليل على نجاسة ولد الكافر سوى الاجماع والتسالم القطعيين المنقولين عن أصحابنا..››.

ثم إنه تحفّظ من تمامية هذا الاجماع، واعتبر ان التوقف والمناقشة في نجاسة ولد الكافر له مجال واسع[74].

كما إن المفكر الصدر اعتبر روايات عقاب أولاد الكفار تتنافى بظاهرها مع العدل الإلهي[75].

ومثل ذلك الفتوى التي تجيز استباق مقاتلة المشركين والكافرين لأجل العقيدة وفق الجهاد الابتدائي، وليس الدفاعي. وكذا اشتراط العصمة عند البعض، والنسب القرشي في الحكم السياسي لدى البعض الآخر، كما سيأتينا تفصيل ذلك فيما بعد.

وعلى هذا النحو هناك عدد من الفتاوى التي تقلل من شأن النساء، مثل النهي عن تعليمهن الكتابة وسورة يوسف وتركهن بلّهاً[76]، وأنه يقطع الصلاة كل من المرأة والحمار والكلب الاسود[77]. وأنه لا يجوز قبول شهادة النساء في الأمور المالية مهما كان عددهن ما لم يكن معهن شاهد من الرجال، كالذي ذهب إليه أبو بكر الهمذاني وغيره[78]. وأنه ليس من حق المرأة فسخ عقد الزواج عند انكشاف البرص والجذام لدى الرجل، خلافاً للأخير الذي من حقه هذا الفسخ، كما تراه الإمامية[79]. وأنه ليس للزوجة حق - على الزوج - في تلبية رغبتها الجنسية إلا مرة واحدة كل أربعة أشهر كما لدى الفقه الشيعي[80]، وأحياناً أكثر من ذلك أو أقلّ كما لدى المذاهب السنية، حتى أن الشافعي لا يوجب على الرجل شيئاً طيلة العمر[81]. وجاء عن الفخر الرازي أن الأصل في غرض تكليف النساء هو أن تنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، فهي على رأيه مخلوقة كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع التي يستمتع بها الرجال[82].

ومثلها ما جاء حول بيع أمهات الأولاد، حيث ذهبت الظاهرية، خلافاً لجمهور الفقهاء وأكثر التابعين، إلى جواز بيعهن، واحتجوا على ذلك بما روي عن جابر أنه قال: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر عن بيعهن.

وقال ابن رشد الحفيد: ان من الثابت عن عمر أنه قضى بأن لا تباع أم الولد، وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا مات. وروي عنه قوله في الاحتجاج عن عدم بيع أمهات الاولاد: ‹‹خالطت لحومنا لحومهن، ودماؤنا دماءهن››. وقد احتج ابن رشد على هذا الرأي بقول النبي: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وليس من مكارم الأخلاق أن يبيع المرء أم ولده[83].

كما اعتاد الفقهاء أن يُدرجوا في كتبهم الفقهية مسألة بيع العبيد ضمن باب عنونوه (بيع الحيوان)[84].

وعلى هذه الشاكلة فتاوى مثل رضاع الكبير كما في صحيح البخاري ومسلم، وأسوء منها فتوى التفخيذ والاستمتاع بالرضيعة كما لدى كل من السنة والشيعة.

وأخيراً الفتاوى التي تجمد على إمضاء الكثير من الأحكام الشرعية دون مراعاة للمقاصد والوجدان العقلي، مثل الأحكام المتعلقة بتحريم الرسم والنحت لكل ما فيه روح من الحيوان والإنسان، وتحريم سفر المرأة بغير محرم مطلقاً. ومثلها الأحكام المناطة بفرض الجزية والصغار على أهل الكتاب، وأحكام الرق وتقسيم الغنائم على المجاهدين، ووجوب الضعفية في القتال، وإعداد رباط الخيل، وحصر موارد الزكاة في المحاصيل الأربعة أو الأشياء التسعة، والمراهنة في السبق للصور الثلاث المعروفة، وحريم الأرض، والفتوى الخاصة بالعورات الثلاث... الخ.

2 ـ تعارض العقل مع الاجتهاد النظري

من الشواهد التي يتعارض فيها الاجتهاد النظري للفقهاء مع حكم الوجدان العقلي ومقاصد التشريع ما ذكره محمد جواد مغنية من وجود عدد لا يحصى في كتب الفقهاء مما لا يتفق مع المبادئ الإسلامية، منها بعض الاجماعات التي اتفق عليها فقهاء الشيعة رغم أنها تتعارض مع عدالة الإسلام ومبادئه الإنسانية[85].

فمثلاً أجمع الفقهاء الشيعة بأنه إذا كانت عين في يد إنسان فأقر بها لآخر، ثم أقرّ بها لغيره، كما لو قال: هي لزيد، بل هي لعمر، وجب على المقر ان يدفع العين للأول، وثمنها بكامله للثاني، لأنه ساوى بينهما في الاقرار. يعطي العين للأول لتقدم الاقرار له، وثمنها للثاني، لأنه أحال بينه وبين حقه. وهذه (الحيلولة) بمنزلة التلف. ومن الواضح ان مثل هذا الحكم ضرر فاحش ومبالغ به على المقر، حيث حكم عليه بأكثر مما ثبت في الواقع، وأن أحد المحكوم لهما أخذ منه ما لا يستحقه ظلماً بحكم القضاء.

فهنا يلاحظ وجود تعارض بين الوجدان العقلي في العدل والاستحقاق، وبين ما عليه الصنعة الفقهية من اعتبارات وضعية لا دليل عليها شرعاً ولا عقلاً، حيث أصبح لتعدد الاقرار والتساوي من التأثير في الحقوق أكثر مما يستوجبه واقع الأمر.

ومثل ذلك ما أجمع عليه فقهاء الشيعة من أنه إذا ظلم قوي عاملاً فحبسه حائلاً بينه وبين عمله الذي يدرّ عليه وعلى عياله القوت؛ قالوا: ان القوي آثم يستحق الذم والعقاب، ولكن لا يجوز الحكم عليه بالمبلغ الذي فوّته على العامل، وبالتالي لا يحكم عليه بالعطل والضرر. في حين لو غصب دابة ضَمن منافعها سواء استوفاها الغاصب أم لا. وقد استند الفقهاء في ذلك إلى التمييز والتفريق بين الحالتين وفق ما أملت عليهم الصنعة من اعتبارات وضعية، فقالوا بأن العامل هو إنسان حر لا يتقوم بمال، فمنافعه كذلك، بخلاف الدابة فانها تتقوم هي ومنافعها بالمال. مع ان هذا الحكم، كما يرى الشيخ مغنية، يتنافى مع مبدأ الحرية واحترام الأنفس والأموال. والعرف لا يرى أدنى تفاوت بين حبس عامل لو ترك حراً لحصل على المال، وبين التعدي على ماله الحاصل. وبالتالي فإن الحكم السابق يتعارض مع الوجدان العقلي ومقاصد الشرع التي تقتضي ضرورة التعويض عن الحقوق المضيعة بسبب الاعتداء.

ومن ذلك ما ذكره صاحب (جواهر الكلام) بأن من الغريب ما صدر عن عدد من الفقهاء المعاصرين، ومنهم بعض مشايخه، من فتوى توجب على المحبوس في المكان المغصوب الصلاة على الكيفية التي كان عليها أول الدخول إلى هذا المكان؛ فإن كان قائماً فقائم، وإن كان جالساً فجالس، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضاً، وذلك باعتبار ان أي حركة إنما هي تصرف في مال الغير بغير اذنه، ومن هؤلاء من يقول إنه ليس له ان يحرك أجفان عيونه أكثر مما يحتاج إليه، ولا يديه ولا سائر أعضائه، وان الحاجة تقدر بما تتوقف عليه حياته ونحوها. وهي فتوى ادعى أصحابها ان الفقهاء عليها.

لكن النجفي اعتبرها من الخرافات غير اللائقة، خاصة وانها تفضي إلى ظلم المحبوس بأعظم من ظلم الظالم الذي الجأه إلى هذا الحبس المغصوب[86].

وعلى هذه الشاكلة ما ظهر من فتاوى أفضت إلى هدر الأموال وتبديدها، مثل تلك المتعلقة بصرف الخمس؛ كفتوى دفنه كله أو نصفه، أو القائه في البحر، أو الوصية عليه من واحد إلى آخر حتى ظهور الإمام المهدي.

وقد استمر العمل ببعض هذه الفتاوى إلى ما يقارب تسعة قرون، ثم هجرها الفقهاء - مؤخراً - لإدراكهم أنها تخالف الوجدان بتضييعها الأموال وهدرها، كما سنعرف.

ومن ذلك أيضاً ما ذكره الشيخ زين الدين العاملي في (المسالك) من الحيل المحرمة، وكذا الشيخ النجفي والبحراني، وهو أنه إذا كرهت المرأة زوجها، وأرادت انفساخ عقد الزواج، فارتدت عن الإسلام انفسخ العقد وبانت منه.. فإذا رجعت بعد ذلك إلى الإسلام قُبل منها وتمت الحيلة[87].

ومثل هذا الاحتيال الذي يتنافى مع العقل والمقاصد فتح بعض الفقهاء الباب أمام الذين لا يريدون دفع الزكاة، وذلك ان بامكان الشخص ان يهب ماله إلى زوجته مثلاً قبل انقضاء الحول بيوم أو اكثر، ولو مع الاشتراط عليها ان تعيده له بعد اتمام الحول بيوم أو اكثر، وبهذا يتصور أنه لا يشمله هذا الفرض العظيم[88].

وكذا هو الحال فيما جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) من أنه إذا أراد رجل ان يقول لزوجته: أنتِ طاهر، فسبق لسانه وقال: أنتِ طالق، يحكم القاضي بصحة الطلاق[89]. فبحكم الصنعة الفقهية اعتاد الفقهاء أن يتعبدوا باللفظ، وكأنه علة لا بد من ان يأتي معلوله على سنخه وشاكلته. فعندهم كما يقول قاسم أمين: ‹‹متى ذُكر اللفظ تم الأثر الشرعي››[90].

كما جاء في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) أنه إذا أتت الزوجة بالولد لدون أربع سنين ولو بساعة من حين طلقها الزوج، بعد انقضاء عدتها بالأقراء، فإن الولد يلحق بالزوج. رغم ان ذلك في غاية البعد وخلاف السنن الطبيعية[91].

ومثل ذلك ما نُقل عن أبي حنيفة قوله إنه إذا قال رجل لإمرأة بحضرة الحاكم إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، ثم قبِل نكاحها من الحاكم بإذنها، فإن الطلاق يقع عقيب النكاح، وعلى رأيه أنه لو أتت بولد لستة أشهر فإنه يلحقه، مع أنه غير معقول ويعد خروجاً عن السنن الطبيعية[92].

وكذا ما نُقل عن الشافعي بأنه إذا تعاشر الزوجان على الدوام مدة عشرين سنة فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئاً ولم يكسها شيئاً، فعلى رأيه ان القول قولها، رغم ان ذلك خلاف العادة[93].

ومثله ما رآه الشافعي بأنه لو وطئ رجل أمته ثم استبرأها بقرء ثم أتت بتسعة أشهر من حين الوطء فإن ذلك لا يكفي إلحاق الولد بالرجل. مع ان هذه المدة تعد كافية وغالبة في الالحاق. وهو يقر بإلالحاق بأقل من هذه المدة في حالة الزوجة. لذلك خالفه بعض أصحابه[94].

وأيضاً ما رآه الشافعي من أنه لو ادعى السوقة على الخليفة أو على ملك عظيم أنه استأجره لكنس داره وسياسة دوابه، فإن هذه الدعوى تقبل، رغم أنها غير معقولة، وقد خالفه بعض أصحابه لهذه العلة[95].

وهناك آراء ساقطة ما لا تحتاج إلى تعليق؛ كالذي رآه البعض ان من بين الترجيحات الخاصة بالأحق بالامامة هو ان يكون الإمام أحسن زوجة، وكذا أكبر رأساً وأصغر عضواً!. فقد جاء في (الدر المختار) للحصفكي ان الأحق بالإمامة تقديماً بل نصباً: الأعلم بأحكام الصلاة، ثم الأحسن تلاوة، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، وبعضهم زاد الأحسن صوتاً، ثم الأحسن زوجة، ثم الأكثر مالاً، ثم الأكثر جاهاً، ثم الأنظف ثوباً، ثم الأكبر رأساً والأصغر عضواً، ثم المقيم على المسافر، ثم الحر الأصلي على العتيق، ثم المتيمم عن حدث على المتيمم عن جنابة...[96].

وعلق ابن عابدين على هذا النص، وقال فيما قال: قوله (ثم الأحسن زوجة) لأنه غالباً يكون أحب لها وأعف لعدم تعلقه بغيرها، وهذا مما يعلم بين الأصحاب أو الأرحام أو الجيران، إذ ليس المراد ان يذكر كل منهم أوصاف زوجته حتى يعلم من هو أحسن زوجة... (ثم الأكبر رأساً) لأنه يدل على كبر العقل مع مناسبة الأعضاء له، والا فلو فحش الرأس كبراً والأعضاء صغراً كان دلالة على اختلال تركيب مزاجه المستلزم لعدم اعتلال عقله. وفي حاشية أبي السعود: وقد نقل عن بعضهم في هذا المقام ما لا يليق أن يذكر فضلاً عن أن يكتب. وكأنه يشير إلى ما قيل إن المراد بالعضو الذكر[97].

وأحياناً ترد لدى الفقهاء فتاوى متشددة واضحة البطلان، تصل إلى حد التكفير والقتل لأتفه الأسباب، منها ما قاله أبو جعفر الطوسي في (النهاية) ضمن كتاب الحدود: إن من استحل أكل الجري والمارماهي وجب قتله، وهو قد زاد في هذا الحكم على الإجماع على تحريم أكلهما، مع أنه في كتاب الأطعمة من (النهاية) بعينه جعلهما مكروهين[98].

بل هناك من زعم بأن جميع ما يذكر في كتب الفقه هو من شرع الله المنزل على رسوله (ص)، وبعضهم رتب على ذلك بأن ‹‹من أنكر شيئاً منه أو اعترض عليه يكون مرتداً عن الإسلام، وفي بعض هذه الكتب أن من عمل عملاً يعد في العرف إهانة لشيء من هذه الكتب أو لورقة فتوى عالم يحكم بردته، ويقتل إذا لم يتب، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أولاده؛ لأنه أهان شرع الله، ويلزم منه كذا وكذا! بل قال: إن إهانة العالم كفر؛ لأنها إهانة للشرع.. إلخ››.

واعتبر السيد محمد رشيد رضا ان هذه التشديدات قد ردها المحققون[99].

كما يُنقل عن الفقهاء قولهم: إن الكافر لو قال أمهلوني لأنظر فأبحث فإنه لا يمهل، ولا ينظر، بل يقال له: أسلم في الحال، وإلا فأنت معروض على السيف. وقال إبن السمعاني في (القواطع) إنه لا يُعرف في ذلك خلاف بين الفقهاء، ونصّ عليه إبن سريج[100].

أخيراً ثمة ممارسات اجتهادية لا يستسيغها الوجدان، إذ بعضها يتناقض مع البعض الآخر ضمن المذهب الواحد، كتلك التي عرضها ابن القيم في (أعلام الموقعين عن رب العالمين) عن أتباع المذاهب الأربعة[101].

وأعظم من ذلك تكريس منطق الفرقة الناجية وسط ما يُعرف بفِرق الضلال، ومن ثم إبطال عبادات أهلها، وعدم الاعتراف لهم بالايمان، مما ينافي كلاً من مقاصد الشرع ووجدان العقل الفطري.

***

هكذا تتبين حاجة الفقه إلى إعادة النظر في موقفه من العقل وايجاد الضوابط التي تخرجه عن أحكام الهوى. وكذا تتبين الحاجة إلى إعادة النظر في الموقف من الروايات التي غالباً ما تحوم حولها الشكوك من كل جانب، إذ تصطدم تارة بالعقل، وأخرى بالواقع ونظام الخلقة، وثالثة بالمقاصد، ناهيك عما ينتابها من كثرة التعارض ومشاكل أخرى كثيرة، كالتي فصلنا الحديث عنها في (مشكلة الحديث).

وبالتالي كان لا بد من إخضاع الممارسة الإستنباطية للفقه تحت حكم المبادئ الأساسية الثلاثة (العقل والواقع والمقاصد). فهي مقدمة على كل ما يعارضها من الأحكام الظنية.

مكانة العقل والإشكالات المثارة ضدّه

تأتي الإشكالات المتعلقة بالممارسة العقلية على شاكلة ما سبق عرضه حول مخاطر القول بمبدأ تغيير الأحكام.

فقد يتصور الكثير بأن الإعتماد على الأحكام العقلية يفضي إلى إبطال الشريعة أو تعطيلها، ناهيك عن أن ذلك يثير في حد ذاته الاختلاف لارتفاع الضوابط.

وقديماً كان السلف يمتعضون من ابداء الرأي الذي فيه رائحة العقل والبعد عن النص[102]، بل ويتحفظون أحياناً حتى من الرأي الذي يضطرون إليه في ابداء الفتوى، رغم أنه لا يستقل عادة عن النص، كالقياس مثلاً. وكان الإكثار في الرأي مدعاة لإحجام الآخرين عن صاحبه، كما هو معروف من موقف العلماء من أبي حنيفة الذي اشتهر أنه يكثر العمل بالرأي وترك الأحاديث[103].

لكن أول محاولة مبدئية للتنظير في مبادئ الاجتهاد والرأي نجدها لدى الشافعي. فقد كان هذا الإمام القرشي أول من استدل على المنع من التدخل العقلي، جاعلاً حدود الرأي لا تتعدى القياس باعتباره ظل النص وتابعه. وسبق معرفة أن داود الاصبهاني قد وظّف الأدلة التي طرحها الشافعي في المنع من القياس ضدّه، حيث وجدها تنطبق لا في منع المصلحة والإستحسان فحسب؛ وانما في مختلف ضروب الرأي التي منها القياس. ومثل ذلك ما فعله إبن حزم وغيره.

وكثيراً ما يقال إنه لا ضابط للمصالح، وهي تتردد بين اعتبار الشارع لها وبين الغائه؛ كالذي صرح به الآمدي من الشافعية[104]. ويضيف البعض إلى أنه مثلما قد يغلب على العقل الهوى؛ فقد يخفى عليه وجوه الضرر والفساد[105].

كما ان الشاطبي الذي أقام تنظيراً واسعاً لمقاصد الشرع طبقاً للمصالح المعتبرة وجد نفسه - في الوقت ذاته - مضطراً إلى وصد الباب بوجه الممارسة العقلية، فعمد إلى نقد العقل بصورته المستقلة. فعلى رأيه ان العقل عاجز عن إدراك مصالح الدنيا من غير شرع، لإعتبارين:

أحدهما أنه بالشرع لا العقل قد تبين ما كان عليه أهل الفترة (الجاهلية) من انحراف الأحوال عن الإستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام. والثاني أنه لو كان للعقل قدرة تامة على إدراك جميع تلك المصالح لما كان الشرع بحاجة إلى ذكرها، ولاكتفى بذكر مصالح الآخرة فحسب. وبالتالي انتهى إلى الإقرار بأن ‹‹العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بادراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل››. لكنه مع ذلك تقبّلها ‹‹بعد وضع الشرع أصولها››[106]. بالإضافة إلى أنه اعتبر التعويل على العقل يقتضي ان يكون على حساب ما أمر به الله من العمل بالكتاب والسنة، فعلى رأيه أن أحكامه تعالى لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته[107]، اتساقاً مع ما ذهب إليه الأشاعرة من نفي الدلالة العقلية للحسن والقبح.

ولا شك ان الرأي الأخير قابل لأن يكون موضع احتجاج - بغض النظر عن الدلالة العقلية للحسن والقبح - وذلك في حال وجود وضوح كاف في تفاصيل الكتاب والحديث. أما مع غياب الوضوح فالأمر يختلف، حيث ان التمسك بإطمئنان النفس لم يعد في قبال ما نجده في القرآن والحديث، بل في قبال ما ينقله الناقل وما يفتي به المفتي من حيث فهمه واستنباطه، وان هذا النقل وكذا الفهم لا يتجاوز في الغالب درجة الظن، ولا يرقى إلى حالة الإطمئنان، فضلاً عن ان يكون مضاهياً للقطع الوجداني.

كذلك اعتبر الشاطبي ان الإعتماد على العقول في تحديد المصالح يفضي إلى التضارب والاختلاف لعدم توفر الضابط، فعلى حد قوله إنه ‹‹لو ترك الناس والنظر لانتشر ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي. والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل. فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة واسباباً معلومة لا تتعدى، كالثمانين في القذف، والمائة وتغريب العام في الزنا على غير احصان.. الخ.››[108].

مع ذلك ان ما ذكره الشاطبي في بيانه الأخير لا يتسق مع معرفتنا بكثرة الاجتهادات والتغييرات التي ظهرت في عصر الخلفاء الراشدين، كتلك التي مارسها عمر بن الخطاب قبال العديد من النصوص والسيرة النبوية، وكان على رأسها اجتهاده في مقدار عقوبة شارب الخمر وكيفية تنفيذها، وكذا حكم المؤلفة قلوبهم؛ مما اعتبره الفقهاء مقبولاً لاعتبارات معينة أبرزها مراعاة المصلحة وتغير بعض الظروف. وهو ما يعني ان من الممكن للضابط في حالة الاجتهاد العقلي ان يتحقق إذا ما روعيت فيه اعتبارات التوافق العقلائي، أو خضع لالزام الشورى أو الاجماع.

وفي الوسط الشيعي سبق للشيخ الطوسي أن أثار شبهة الإعتماد على العقل وأبطلها وهو بصدد الاعتراف بفقدان القرائن التي تصحح الأحاديث الموجودة، معتبراً أنه يلزم من ذلك ترك أكثر الأخبار والأحكام بحيث ‹‹لا يحكم فيها بشيء ورد الشرع به، وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته لأنه يكون معولاً على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه››[109]. وتابعه في هذا الأمر رجال الإمامية بلا خلاف.

وذكر الأنصاري ان السبب في منع التعويل على الأحكام العقلية، هو ‹‹ان الركون إلى العقل فيما يتعلق بادراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيراً في نفس الامر، وان لم يحتمل ذلك عند المدرك، كما تدل عليه الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون: (ان دين الله لا يصاب بالعقول)، و(انه لا شيء أبعد عن دين الله من عقول الناس)››[110].

هذا في الوقت الذي عدّ قطعيات العقل المخالفة للدليل النقلي هي في غاية الندرة إن لم تكن غير موجودة بالمرة، وكما صرح بأن ‹‹ادراك العقل القطعي للحكم المخالف للدليل النقلي على وجه لا يمكن الجمع بينهما في غاية الندرة، بل لا نعرف وجوده، فلا ينبغي الاهتمام به في هذه الأخبار الكثيرة[111]، مع ان ظاهرها ينفي حكومة العقل ولو مع عدم المعارض، وعلى ما ذكرنا يحمل ما ورد من (ان دين الله لا يصاب بالعقول)››[112].

على ذلك شاع القول بأن ما موجود من بيان أو نصوص يكفي لسد وتغطية جميع ما يستحدث من واقع وقضايا، حتى بغير حاجة إلى الأحكام العقلية.

وكان الشيخ أبو جعفر الطوسي قد أكد بأن ما موجود من وفرة خبرية هي كافية لتغطية مسائل الأحكام كافة. وحديثاً رأى السيد الصدر ان البيان كاف في الشمول لتناول مختلف قضايا الأحكام حتى مع عدم الأخذ بالدليل العقلي النظري الذي يستند إليه الأصوليون ويخالفهم عليه الإخباريون[113].

كذلك صرح السيد محمد تقي الحكيم بأن الإمامية تعتبر أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقتصر عن حاجاتهم، بل هي مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة، حيث حصر تأثير الزمان والمكان والأحوال في تبدل مصاديق مفاهيم النصوص لا غير[114]، كما عرفنا سابقاً. الأمر الذي يعني عدم الحاجة إلى الأحكام العقلية.

وإلى هذا اليوم مازالت نزعة الاحجام والخوف من الممارسة العقلية في التشريع سارية، حتى أُعتبرت خطرة على الشرائع السماوية، كالذي صوره الاستاذ عبد الوهاب خلاف وهو في معرض رده على الطوفي بقوله: إن ‹‹تعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء وتقدير العقول خطر على الشرائع الإلهية وعلى كل القوانين››[115].

***

إذاً، يمكن تلخيص الإشكالات المطروحة ضد الممارسة العقلية في تأسيس الأحكام أو استكشافها بحسب النقاط التالية:

1ـ إن الممارسة العقلية المستقلة تبعث على طرح الأحكام الشرعية وإلغائها كلية.

2ـ إنها عاجزة عن إدراك المصالح الدنيوية، بدلالة ان الشرع لم يكتف بذكر المصالح الأخروية وانما جاء أيضاً بتعليم المصالح الدنيوية، وأنه بالشرع لا العقل قد تبين ما كان عليه أهل الفترة (الجاهلية) من انحراف الأحوال عن الإستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام.

3ـ إنها غير قابلة للضبط والإنضباط، وتتأثر بالأهواء والمصالح الخاصة.

4ـ إنها توقع في الأخطاء الكثيرة وإن لم يدركها المدرك.

5ـ إنها لا تتفق مع مقالة كمال الشريعة وبيانها وتمامها، ولا مع منطق (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة).

6ـ وجود الأحاديث الناهية عن العمل بها في إدراك الأحكام ومناطاتها.

الرد على الإشكالات

1ـ الرد بالمثل

تلك هي الإشكالات التي تُطرح عادة ضد الممارسة العقلية. لكن لو سلّمنا بمصداقيتها لكان بعضها على الأقل يصدق على جميع المذاهب التي تعول على الاجتهاد والرأي. فهذه الاجتهادات تضطر أحياناً إلى تغيير الأحكام تبعاً لمراعاة المقاصد أو المصالح أو غير ذلك من الاعتبارات، ومع ذلك لا يصح ان يقال إنها تُبطِل الشريعة أو تلغي أحكامها. وفعلاً أنها تُتهم بمثل هذه التهمة من قبل تلك المذاهب التي لا ترى مجالاً لممارسة الرأي والاجتهاد. بل إن الشاهد التاريخي يكشف عن توارد الاتهامات بين المذاهب في هذا الخصوص، تبعاً لمنطق التوسع في الأخذ بأصول الاجتهاد كما مرّ علينا سابقاً. فكلما زادت أصول الاجتهاد؛ كلما زادت الشبهة بحق المذهب. فلو غضضنا الطرف عن عدد الأصول المستخدمة؛ لوجدنا ان القائل بالقياس والإستحسان والمصالح متهم بدرجة أكبر من القائل بالقياس والإستحسان، والأخير متهم أكثر مقارنة بمن يعتمد على القياس وحده. مع ذلك فنحن نعلم ان التهمة في حق الجميع غير صحيحة.

أما الإشكال المتعلق بعجز العقل عن إدراك المصالح الدنيوية، كما جاء في النقطة الثانية من الإشكالات المطروحة سابقاً، فلو كان صحيحًا لانسحب أيضًا على جميع المذاهب التي تعتمد على المصالح والاستحسان، ومن بينها مذهب الشاطبي الذي أثار مثل هذا الإشكال.

وكما سنرى، فإن الممارسة العقلية وخبرتها المرتبطة بالواقع، إلى جانب الاسترشاد بمقاصد الشرع، تُمكّننا من إدراك المصالح بوصفها مصالح واقعية ذات آثار واضحة؛ سواء أكانت مفيدة معتبرة أم ضارة ملغاة. وتكمن فائدة الشرع - هنا - في كونه سبّاقًا إلى تحديد المصالح لإحاطته الكلية بها، في حين يحتاج الكشف العقلي إلى مزيد من الخبرة والجدل مع الواقع. كما لا بد من تبنّي المقاصد الشرعية لإدراك ما قد يخفى عن العقل من هذه المصالح.

كذلك يمكن تطبيق النقض العكسي، أو الرد بالمثل، على ما ورد في النقطتين الثالثة والرابعة من الإشكالات، إذ يمكن القول إن الاجتهادات البيانية في الفقه لا تختلف عن الممارسة العقلية من حيث عدم قابليتها للضبط والانضباط، نظرًا لاعتمادها على الفهم، والفهم متباين في أصوله وفروعه، الأمر الذي يجعلها عرضة للوقوع في أخطاء جسيمة، بدلالة تعدد الآراء الفقهية حول المسألة الواحدة. وقد أدى ذلك إلى نشوء علم خاص أُطلق عليه (الخلافيات)، مما ليس معنوناً في أي علم من العلوم الإسلامية الأخرى.

وأكثر من هذا، فقد ضُرب المثل بالفقه في ضعف النتائج التي يولّدها، نظرًا لكثرة الشكوك التي تحيط بمسائله. ومن ذلك إن الفقيه الفيلسوف ابن رشد لم يجد وصفًا أبلغ في تسخيف نظرية الفيض الفارابية السينوية - من حيث أنها مدعاة للظنون والخيالات - غير مقارنتها بعلم الفقه، كما في قوله: ‹‹وبحق صارت العلوم الإلهية لما حُشيت بهذه الأقاويل أكثر ظنية من صناعة الفقه››[116].

فأين هي إسعافات الضوابط الفقهية؟ وكيف يمكن تجنّب الكم الهائل من الأخطاء التي تكشف عنها كثرة الخلاف الفقهي؟! فهي من الناحية المنطقية إما ان تكون خاطئة كلها بلا استثناء، أو ان الصحيح منها لا يتجاوز الرأي الواحد في كل مسألة. وفي كلا الحالين ندرك أننا ما زلنا بعيدين عن بلوغ الحد الذي يمكن الاعتماد عليه في علاج المشكلات الفقهية وحلها. فهل يُعقل أن تكون أخطاء الوجدان العقلي أكثر من ذلك؟!

وكذا يجوز ان يقال - كرد بالمثل على ما جاء في النقطة الثالثة من الإشكالات - بأن تلك الاجتهادات لا تختلف عن الممارسة العقلية في أنها عرضة للأهواء، نظراً لما تحمله من مرونة يصعب ضبطها. الأمر الذي تشهد عليه فتاوى ما يُعرفون بـ (وعاظ السلاطين)، وهم الذين لا يخلو منهم عصر أو زمان. فهم يستخدمون نفس الأساليب الاستدلالية المعتمدة، فيصبح من الصعب ما تنطوي عليه دوافعهم من مؤثرات دخيلة، لا سيما ونحن نعلم أن الإنسان، مهما بلغ من التجرد، يبقى عاجزاً عن الخروج تمامًا من الطوق الذي تفرضه عليه ثقافة بيئته وروح عصره، وهو ما يؤثر بالضرورة على تشكيل آرائه ونتاجه الاجتهادي.

وكرد بالمثل على ما ورد في النقطة الخامسة من الإشكالات، يمكن القول إن الاجتهادات الفقهية تتنافى مع مبدأ بيان الشريعة وكمالها. إذ مع هذا البيان والكمال ليس ثمة حاجة إلى الاجتهاد الذي يُعدّ منبعًا للاختلاف، وموطنًا للأخطاء، وسببًا في زلات الأقدام. وكل ذلك لا ينسجم مع ما تتصف به الشريعة من الكمال والبيان.

أيضاً كرد بالمثل على ما جاء في النقطة السادسة من الإشكالات، حيث يجوز ان يقال بأن وجود عدد من الأحاديث الناهية عن الممارسة العقلية قابل لأن ينسحب على جميع صور الاجتهاد الأخرى. فلسان هذه الأحاديث واضح في الحث على تجنب الوقوع في الأخطاء الناجمة عن الظنون الاجتهادية لإدراك الأحكام، وهو أمر ينطبق على جميع صور الاجتهاد التي مارسها الفقهاء على مر العصور[117]. وفي المقابل نجد أحاديث أخرى معارضة تشيد بالعقل ومكانته، وتحث على ممارسته في إدراك القضايا المعروضة. الأمر الذي يؤيد صدق الدعوة إلى الإحتكام إلى العقل في القضايا القابلة للإدراك العقلائي المعتبر، بعيداً عن الهوى والمصالح الشخصية.

2ـ الرد بالجواب

أما من حيث الجواب عن الإشكالات السابقة فهو كما يلي:

إن حجية الوجدان العقلي هي حجية ذاتية تستغني عن جعل الشارع، وأي مساس بها يعدّ في حد ذاته مساساً بالشرع، إذ لا يثبت الشرع إلا من خلالها.

لقد أكد الخطاب الديني على حجية الوجدان، ليس فقط من حيث التصريح بمكانة العقل وقيمته والحث على ممارسته كما نجد في العديد من نصوص القرآن والحديث، بل أيضًا من حيث ما يزودنا به منهج الاستقراء ومنطق الاحتمالات من نتيجة مؤكدة تفيد بصدق قضاياه، مما يجعل العمل به مشروعًا وفق ضوابط لا غنى عنها. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الوجدان العقلي يسترشد بهدي مقاصد الشرع وتوجيهاته، كأحد أبرز الضوابط المناطة به في علاج مزاحمات الواقع وما يفرضه من تشابك في قضايا المصالح والمفاسد؛ ندرك حجم الضرورة وجسامة المسؤولية الملقاة على عاتق مثل هذه الممارسة الاجتهادية.

إن طريقة الاجتهاد البيانية بضوابطها المعروفة لا تثمر في كثير من قراراتها الا نتائج ضعيفة. إذ إن الوسيلة التي تتبعها ترتكز على مقدمات ضعيفة؛ فكيف يمكن توثيق النتائج التي تفرزها واعتبارها نتاجاً شرعياً خالصاً؟ إذ تتقوم ممارستها - في أحسن الأحوال - بجمع من المقدمات الظنية، وحيث ان صدق النتيجة متوقف على صحة هذه المقدمات جميعاً، لذلك فبحسب منطق الاحتمالات لا بد من ضرب احتمالات صدق تلك المقدمات ببعضها البعض كي تكون النتيجة صحيحة ثابتة. لكن بضرب الاحتمالات تضعف القيمة الاحتمالية، فتندرج النتيجة تحت مراتب الأحكام الضعيفة لا الظنية، لذلك كيف يمكن قبول مثل هذه الأحكام الضعيفة، في الوقت الذي يُفوت فيه العمل بالوجدان العقلي للمسائل التي تقبل الإدراك وتحديد النتائج؟!

إذاً، كيف تجوز المقارنة والموازاة بين الحكمين الوجداني والاجتهادي التقليدي، فيوضع الحكم الأول جنب الثاني، أو يُدرج الأول تحت الثاني من حيث ترتيب الأخذ والإعتبار، مع ان حكم الاجتهاد غالباً ما لا يرقى إلى مستوى معتمد من الظنون العقلائية النوعية؟! والأنكى من ذلك كيف يرجح العمل بمثل هذه الطريقة وتقديمها على الحكم الوجداني للعقل؟ كما كيف يصح اتهام هذا الوجدان بالهوى والتضارب مع أنه قابل للضبط العقلائي والمشاركة النوعية؟!

وكما ذكرنا فإن حجم ما نراه من الاختلاف بين الفقهاء حول القضية الفقهية الواحدة؛ يُضعف من مصداقية طريقة الاجتهاد البيانية، حيث ان الآراء المختلفة إما ان تكون كلها خاطئة، أو باستثناء واحد منها صحيح. وهذا يختلف تماماً عن ممارسة الوجدان العقلي، فحتى وإن لم تكن أحكامه قطعية؛ فإنها متاخمة للعلم، أو على الأقل يكون الظن فيها قويًا لا يُقارن بما تعكسه مرآة الاجتهاد البيانية، لا سيما حينما تسترشد بمبادئ الشورى وتوظف دراسة الواقع ومعارف العلوم الإنسانية الكفيلة بالبحث الميداني.

إذاً نحن بصدد بيان كيف يثبت الاستقراء الشرعي صحة التعويل على الوجدان العقلي، ومن ثم توضيح أن المقاصد هي المرشدة لهذا السلوك، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج مخالفة لما عليه الطريقة البيانية، كما سنعرف.

مع منهج الاستقراء

ليس هناك طريقة أهم من منهج الاستقراء في الكشف عن الحقائق وفهم القضايا، بما فيها قضايا الدين والإسلام المعرفي. ويعد الشاطبي من القلة الذين عزوا للاستقراء دوراً هاماً في الكشف عن الموارد الكلية للشريعة، وسعى لأن يجعل منها منبعاً للقطع واليقين. لهذا كان من المفيد ان نوظف هذه الطريقة للبحث عن مدى التوافق بين الأحكام العقلية والأحكام الدينية، وذلك في المسائل التي يمكن للعقل إدراكها، كما في قضايا الحسن والقبح وقضايا المصالح والمضار وما على شاكلتها.

وسبق ان طرقنا هذا الباب الجديد، وبيّنا أن التوافق في الأحكام بين التشريعين العقلي والديني يكاد يكون تاماً. وطبقاً لمنطق الاحتمالات يُستبعد أن يكون هذا التوافق صدفة واعتباطاً، وبالتالي كان لا بد من ردّ أحد التشريعين للآخر، أو أن الشيء لا يُفسر الا وفقاً لمحور مشترك بحيث لا يمكن عزل أحدهما عن الآخر، الأمر الذي يفسره كون الأحكام الدينية هي امضاءات للأحكام العقلية، فالشرع لم يأت بهذه الأحكام على نحو التأسيس، بل على نحو الإمضاء والتبعية. والأهم من ذلك ان احتمالية صحة الحكم العقلي أو الوجداني في قضية جديدة لم يطرقها الشرع، أو لم نستكشفها نحن منه، تساوي تبعاً للحساب الاحتمالي قدر ما يكسبه العقل من قيمة معرفية في موافقته للقضايا الدينية[118].

هكذا تتأيد بالاستقراء قاعدة الإمامية القائلة: ‹‹كل ما يحسن فعله عقلاً يحسن فعله شرعاً››[119]. وصدق من قال بأن الشرع سيد العقلاء. فكيف يجوز - إذاً - عزل العقل عن ممارسته الوجدانية في استكشاف الأحكام إذا ما كان الشرع سيداً فيها؟!

بعد هذا التقديم المجمل يمكن الرد على مختلف الإشكالات الدائرة ضد الممارسة العقلية الوجدانية وبيان بطلانها وزيفها كما يلي:

العقل وإشكال نسخ الشريعة

يصدق هذا الإشكال في حالة واحدة، وهي فيما لو افترضنا ان العقل يحيد النظر عن مقاصد الشرع. أما مع أخذ هذه المقاصد بعين الاعتبار فالأمر يختلف، رغم ان التعويل على المقاصد قد يفضي إلى تغيير الأحكام الجزئية، وذلك عندما تتغير الظروف وتصبح هذه الأحكام معارضة لما تقتضيه المقاصد. إذ لا يعقل الجمود على الأحكام الجزئية باعتباره يؤدي إلى خرق المقاصد، ومن ثم إلى هدم الدين الذي جاء لأجلها.

فعلى هذا المبنى لا يصح الإشكال السابق، حتى مع إفتراض القطع بوجود الحكم الشرعي. أما مع عدم القطع بالحكم فإن الموازنة هي الحاكمة، إذ لا بد من التعويل على العمل بالقضية التي تحظى بدرجة احتمالية أعظم مقارنة بغيرها. وهو المبنى الذي اضطر إليه جماعة من الفقهاء المتأخرين في الساحة الشيعية، إذ أدركوا ضعف القيمة المعرفية لركام الأخبار في كتب الحديث، فعملوا بما اطلقوا عليه (دليل الإنسداد) وانقادوا إلى الأخذ بأي ظن كان يقربهم من الحكم الشرعي. وكان الشيخ جعفر الكبير الملقب بكاشف الغطاء (المتوفى سنة 1228هـ) يوصي الفقهاء بعدم الأخذ بخبر الآحاد إلا عند الضرورة والاضطرار، وأنه لا بد من الإعتماد على القرآن الكريم والحديث المتواتر والسيرة القطعية[120]. لكن هذه الوصية لم تحقق هدفها، فقد استمر الفقهاء يدورون في فلك الرواية وما يقرب منها من اعتبارات؛ كالأخذ بدليل الشهرة وعمل الأصحاب. وللأسف لم يعتمد أتباع دليل الإنسداد على الوجدان العقلي مقروناً بالنظر إلى الواقع ومقاصد الشرع.

إذاً، فالعمل بالعقل لا يفضي إلى نسخ الشريعة، لا سيما إذا أُحسن توظيفه وفق ضوابط محددة؛ وعلى رأسها النظر إلى كليات الشريعة ومقاصدها، حيث يمكن أن يرتقي العمل بالحكم العقلي إلى درجة العلم أو الاطمئنان. وعلى العكس من ذلك، فإن إهمال الممارسة العقلية قد يفضي إلى نسخ الشريعة فعليًا، أو حتى إلى تحنيطها ضمن قوالب جامدة فارغة، تقف على الضد من المقاصد والكليات التي تحفظ أصالة التشريع وروح الديانة.

العقل وإشكال العجز عن إدراك المصالح

أعجب ممن يدعي أن العقل عاجز عن إدراك المصالح الدنيوية، إذ هل للعقل وظيفة أخرى أهم من إدراك مثل هذه المصالح؟! وهل يعقل ان تكون هذه الهبة الإلهية موضوعة فقط لقراءة الخطاب الديني والبحث عن مصالح الآخرة؟!

لقد سبقت الإشارة إلى أن ما جاء به الشرع حول المصالح الدنيوية لا يفسر إلا على نحو الإمضاء والتبعية للوجدان العقلي، كالذي يدل عليه المنهج الاستقرائي. ولا شك أن الفائدة من ذكر الشرع لهذه المصالح ليست فقط للتوكيد والتنبيه والتذكير، بل الأهم من ذلك ما في الشرع من توعد بالعقاب لغرض الردع عن الانحراف. ففي الغالب تخاف النفوس مما يتوعده الشرع، ولا تخاف مما تستهجنه العقول؛ فترتدع بسبب الأول دون الثاني. وبهذا تتبين حكمة الشرع في ذكر المصالح الدنيوية رغم ان العقل قادر على إدراكها. الأمر الذي يحل الاشكال الذي طرحه الشاطبي في وجه العقل، وهو أنه لو كان قادراً على إدراك المصالح لما كانت هناك فائدة من ذكر الشرع لها.

فقد أمضى الشرع جملة من المصالح كانت معهودة في الجاهلية باعتبارها محمودة تتقبلها العقول، وكان منها: الدية والقسامة والقراض وكسوة الكعبة والاجتماع يوم العروبة - الجمعة - للوعظ والتذكير... الخ[121]. كما نهى عن جملة أخرى من العادات والأعراف المنحرفة آنذاك؛ يشهد عليها الوجدان بالقبح والفساد، كتحريمه للغزو الداخلي واستباحة الأموال والأعراض والربا واسترقاق المدين والنهي عن الغرر في التعاقدات، كالنهي عن البيع بالمنابذة والملامسة والقاء الحجر وبيع الملاقيح والمضامين وبيع ضربة القانص والغائص وما إلى ذلك[122].

فجميع هذه الامضاءات والمحرمات مقبولة لدى العقل، لكن قد يستثنى من ذلك بعض الأمور التي لا ندرك مغزاها على وجه القطع واليقين، مثل علة عدم إلغاء الشريعة لنظام الرق، مع أنها تتبنى اصالة تساوي الناس وتحث على تحرير الرقبة وتضيّق من منابعها، بل ويظهر أحياناً من بعض الآثار أنها تستهجن حالة ذلك النظام، مثلما جاء عن الإمام علي قوله: ‹‹لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حراً››، وقوله أيضاً: ‹‹أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار››. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ‹‹متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً››.

ويمكن علاج هذا التناقض من خلال مقاصد الشرع، وذلك تبعاً لتناقضات ظروف الواقع وأحواله المختلفة. فمثلاً سبق ان استعرضنا موقف الشرع من المشركين، إذ رأينا ان بعض النصوص تدعو إلى المسالمة معهم ما لم يبادروا إلى الاعتداء، في حين تدعو نصوص أخرى إلى قتالهم وإن لم يقاتلوا. واذا كان ظاهر هذه النصوص هو التعارض والتناقض؛ فإن أخذ المقاصد بعين الاعتبار يثبت العكس. فالأمر بقتل المشركين والنهي عن قتلهم لا يمكن ان يكون معلولاً للشرك ذاته كموضوع، لحصول التناقض بين الأمر والنهي على الموضوع الواحد. أما لو حملنا الأصل على المسالمة كما هو واضح من النصوص الغزيرة، واعتبرنا في الوقت ذاته ان قتال المشركين جاء لبعض الطوارئ الخاصة؛ لأصبح الأمر مفهوماً، وهو ما تبديه بعض الآيات في وصفها لما في قلوب المشركين من خيانة وعداوة. وعليه فالغرض من القتال هو للوقاية، لا سيما وان المجتمع الإسلامي كان فتياً.

وكذا يمكن أن يقال بشأن التضارب في الموقف من حرية الإنسان كما أوضحنا سابقًا. لكن بلحاظ المقاصد والأصل العقلي يرتفع هذا التضارب. إذ الأصل المؤكد هو ان الناس أحرار لأنهم ينحدرون من نفس الأصل ويتساوون في الخلق. أما علة إبقاء التمايز أو اقرار نظام الرق فما زالت غائبة عن الأنظار[123]، ولا يقنع ما ذهبت إليه بعض التصورات الحديثة من ان المجتمع آنذاك كان بأمس الحاجة للرق لاعتبارات العمل الاقتصادي المعني بتحقيقه، ولولاه ما استطاع ان تقوم للمجتمع قائمة[124]. وهو تصور ينطوي على مبالغة، لا سيما ان الإسلام صنع في أوساط أهله ومريديه إرادة أمكنها ان تحقق الكثير من المعجزات بالعمل والجهاد والتضحية والايثار. ولعل من النماذج التي تشهد على عظمة الإسلام هو أنه جعل المؤمنين من أشد الناس امتناعاً عن الشيء الذي طالما سرى في عروقهم وخالط دماءهم، أي الخمرة التي كانت أقرب الأشياء إلى نفوسهم فأصبحت بعد الايمان من أبعدها وأكرهها.

على أن جهلنا لعلة عدم إلغاء نظام الرق لا يضر بسلامة التصور المنطقي من الناحيتين الوجدانية العقلية والشرعية كما سنبين أدناه:

طبقاً لدليل الاستقراء ومنطق الاحتمالات يمكن تفسير القضية الجزئية الشاذة بردها إلى الكلي المشترك مع إفتراض وجود بعض الأسباب التي أدت إلى ذلك الانحراف في تلك القضية عن الكلي.

والطريقة التي نعول عليها هنا هي ذات طريقة المنهج العلمي المتبع في إثبات الظواهر الطبيعية وتفسيرها، فنحن إزاء عدد من الفرضيات كالتالي:

الفرضية الأولى: هناك خطأ في تعيين الكلي المفترض، بدلالة عدم انطباقه على الجزئي الشاذ.

وما تعنيه مسألتنا حسب هذه الفرضية هو اننا اخطأنا اعتبار الشرع يطابق العقل ويلازم قراره، بدلالة قضيتنا الجزئية الشاذة، وهي ان ما أقره العقل من قبح نظام الرق لم يحكم به الشرع. إذاً بحسب هذه الفرضية إنه لا ملازمة بين العقل والشرع، فلكل طريقه ونتائجه المختلفة عن الآخر.

الفرضية الثانية: إن الخطأ متحقق في الجزئي الشاذ (عدم إلغاء الرق) لكون الكلي لا ينطبق عليه.

الفرضية الثالثة: إنهما صحيحان معاً، لكن ما جعل الجزئي ينحرف عن الكلي هو وجود أسباب خاصة غير معلومة دفعته إلى ذلك. فلولا هذه الأسباب لخضع تحت طوق الكلي كبقية القضايا.

ولا يخفى ان الفرضية الأولى غير سليمة باعتبار ان الكلي يحظى بقوة احتمالية كبيرة بحسب الاستقراء، فلا يمكن التضحية به لمجرد وجود بعض الشذوذ. فمن الصعب قبول كون الشواهد المؤيدة للكلي دون غيره جاءت صدفة بلا ضابط يجمعها.

كذلك لا يؤخذ بالفرضية الثانية لعلمنا يقيناً ان ما ورد من شذوذ حول الجزئي هو صحيح.

لذا ليس لنا من سبيل الا الأخذ بالفرضية الثالثة، حيث تتضمن وجود أسباب خاصة منعت انخراط الجزئي تحت حكم الكلي، سواء كنّا على علم بهذه الأسباب أم لم نكن.

وسبق للشاطبي أن أكد بأنه لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة الكليات الثابتة بالاستقراء، لأن الجزئيات الشاذة لا ينتظم منها كلي ليعارض الكلي الثابت. واذا كان التعارض بين الجزئي والكلي هو تعارض من بعض الوجوه فإنه يمكن الجمع بينهما[125]. أما لو كان التعارض من جميع الوجوه والجهات بحيث لا يمكن الجمع بينهما فإنه لا بد من الحفاظ على الكلي الثابت بالاستقراء مع اعتبار ما يخالفه من النصوص الشاذة بأنها من المتشابهات التي يجب الوقوف عندها وإيكال علمها إلى الله، إذ إن الأخذ بالجزئي سوف يفضي لا محالة إلى هدم الشريعة بكلياتها. وهو أمر منكر ومرفوض[126].

ومن الناحية المنطقية يمكن ارجاع هذه النتيجة – من بعض الوجوه - إلى طريقة (جون ستيوارت مل) المسماة ‹‹طريقة العوامل المتبقية››.

فقد قدّم (مل) هذه الطريقة الجديدة ليضيفها إلى عدد من الطرق المنهجية في الكشف العلمي[127]. ويقصد بها أنه إذا كانت هناك ظاهرة مؤلفة من عدة أجزاء أمكن تفسير بعض منها وفقاً لعوامل محددة ضمن مبدأ عام وشامل؛ فإنه يمكن تفسير ما تبقى من الأجزاء الأخرى طبقاً لذلك المبدأ المفترض.

وبهذه الطريقة أمكن التنبؤ واكتشاف عدد من الظواهر الكونية. ومن ذلك ما تمّ اكتشافه من كوكب جديد اعتماداً على نظرية الجاذبية. إذ رغم تمكن هذه النظرية من تفسير الكثير من الظواهر الكونية، الا أنها واجهت شذوذاً لم يخضع لتفسيرها، وهو انحراف مدار كوكب (يورانوس)، الأمر الذي احتاج إلى نوع من التفسير بحيث لا يتعارض مع مبدأ الجاذبية المتبنى. لهذا افترض وجود كوكب آخر مجهول هو الذي يسبب حالة انحراف ذلك المدار. وفعلاً إن أحد علماء الفلك استطاع ان يكتشف هذا الكوكب ويحدد مكانه، وهو ما اطلق عليه كوكب (نبتون). بل وتم اكتشاف كوكب آخر تبعاً لما لوحظ من وجود انحراف في مدار الكوكب المكتشف الأخير، فأُطلق عليه (بلوتو)[128]. كما استخدمت هذه الطريقة في الكشف عن غاز (الأرجون)، إذ لوحظ ان غاز (الآزوت) الموجود في الهواء يختلف في خواصه ومن ثم في تركيبه الكيميائي عن غاز الآزوت النقي، فافترض ان هناك غازاً مجهولاً يختلط به فيسبب ذلك الفارق. وفعلاً تم اكتشاف هذا الغاز الذي عُرف بالأرجون. وبهذه الطريقة أيضاً استطاعت (مدام كوري) أن تكتشف (الراديوم)، إذ لاحظت ان بعض المعادن تحتوي على طاقة اشعاعية أكثر منها في المعادن الأخرى، فبحثت عن الظاهرة الخفية من خلال إفتراض وجود عنصر مجهول، حتى تم لها اكتشافه[129].

العقل وإشكال الأخطاء والأهواء

لا ينكر ان للوجدان العقلي أخطاءه، فهو غير معصوم عن الأوهام والنتائج الخاطئة. لكن الميزة التي يمتاز بها هذا الوجدان عند الخطأ هي أنه يجد في الغالب سبيله نحو الصواب؛ من خلال الخبرة مع الواقع وما يترتب عليها من حقائق. فهو يعتمد على الواقع في تأسيس الأحكام والتقديرات، سواء بالخبرة والحس، أو بالإختبار والمماحكة، أو من خلال أُفق التوقع والإنتظار، أو عبر ما يكشفه الزمن.

مسيرة البشرية منذ انطلاقها وحتى اليوم قائمة على سلسلة متنوعة من محاولات الخطأ والصواب، ومع مرور الوقت تزداد خبرتها وتقدمها تبعًا لذلك. الأمر الذي يختلف عن سائر الإدراكات غير المتكئة على الواقع، ومنها الممارسات الاجتهادية البيانية التي يصعب عليها إدراك الأخطاء واختبار الآراء بوسائلها المعهودة. فالنص الذي تلجأ إليه في بناء أحكامها مركب من حروف ساكتة وساكنة، لا نطق فيها ولا حركة، بخلاف الواقع الذي يتسم بالديناميكية الحركية والقابلية الدائمة للكشف؛ فيما يشبه النطق القابل للاستنطاق والاستجواب باستمرار. وعليه يتأهل لأن يكون مصدراً أساساً للبناء والتصحيح.

فمثلاً إن مراجعة الواقع بين مدة وأخرى تساعد على تنمية معارفنا وتكشف عن أخطائنا وتغير من تقديراتنا، بينما قراءة النص قراءة فاحصة لمرة لا تستدعي قراءته مرة أخرى ليكون كاشفاً عما هو جديد في البناء والتصحيح، فهو هو، لم يتجدد منه شيء وليس فيه تغير يبعث على المقارنة والمساءلة والاختبار والاحتكام. وسنزيد ايضاح هذه المسألة فيما بعد.

على هذا فالأخطاء المترتبة على الممارسة البيانية للاجتهاد تكاد تكون ثابتة لا تقبل التصحيح، إذ نجد ركاماً من الآراء الفقهية المتضاربة على مدى تاريخ الفقه الإسلامي. فهي على تضاربها ظلت كما هي لم يبدُ عليها علائم التغيير الا عند اقتضاء الحاجة الزمنية وضغوطها الفاعلة. وحتى هنا نعود مرة أخرى إلى معيار الواقع الذي يحتكم إليه الوجدان العقلي، مما يجعله أقلّ خطأ وأكثر تصحيحاً. هذا بالإضافة إلى ان بالامكان ضبط أحكامه بعيداً عن الهوى والمصالح الشخصية، وذلك فيما لو تقيد بمقاصد الشرع واستند إلى نظام الشورى والاجتهاد الجماعي.

العقل وإشكال نقص الشريعة

إذا كنا قد علمنا أن أحكام الشريعة تطابق قرارات الوجدان العقلي، وعرفنا ان للأولى طبيعة امضائية مقارنة بالوجدان، ، فإن وظيفة الكشف عن الأحكام التي يُناط بها الوجدان لا تستلزم نقص الشريعة بل كمالها، وذلك لما تحمله من الطابع الامضائي والمطابقة، ولما تحث عليه ـ تبعاً لهذا ـ من حق الممارسة الوجدانية في الكشف الموثوق.

وسبق أن عرضنا وجهة نظر محمد اقبال القريبة من هذا المعنى، فقد لاح له إدراك مغزى بعثة النبي محمد (ص) وخاتميتها للرسالات السماوية، إذ حدد وظيفتها بربطها بين العالمين القديم والحديث. فمن حيث الدعوة إلى الرسالة كمصدر معرفي يكون النبي (ص) منتمياً إلى العالم القديم، لكنه أيضاً ينتمي إلى العالم الحديث، بحثّه على ايقاظ روح العقل والتجربة والواقع، معتبراً ان دين الإسلام يعترف بما للعقل من قدرة لأن يشكل مصدراً صادقاً للكشف عن الحقائق المعرفية، ومن ثم الإقرار بوجود مصادر أخرى للمعرفة بجانب ما أمده الوحي. وهو أمر جعل اقبال يعتبر مولد الإسلام مولداً للعقل الاستدلالي، وذلك لما دعا إليه من اعتماد التجربة والنظر لفهم ظواهر الكون واستنطاق الأنفس والآفاق كمصادر هامة للمعرفة[130]، وكذا الاعتبار من أخبار الأولين وغير ذلك مما يشكل اعترافاً بقيمة النشاط العقلي المستند إلى الواقع ونظام الخلقة[131]، كما سبقت الإشارة إليه خلال الفصل الأول لهذه الحلقة.

العقل وإشكال نهي الحديث عن الممارسة العقلية

أما حول الأخبار الناهية عن الممارسة العقلية كالتي تستحضرها الإمامية الإثنا عشرية؛ فتعارضها أخبار أخرى تحث على هذه الممارسة. ومن ذلك الأحاديث التي تعتبر العقل حجة باطنة، وشرعاً من الداخل، وأنه مما يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان. وهي أحاديث قيل فيها إنها متواترة[132]. بل من الأخبار ما يوصي بعدم قبول شيء من غير عرضه على الوجدان العقلي المفضي إلى نوع من الطمأنينة. ومن ذلك ما روي عن النبي (ص) قوله: ‹‹استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك››[133]، أو قوله: ‹‹استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك››[134].

 مع هذا فحتى لو صحت الأخبار الناهية عن الممارسة العقلية في إدراك الأحكام، فإن من الممكن تخصيصها في المجالات التعبدية التي لا يلوح منها معنى معلوم. أو ان المراد من النهي فيها هو الممارسات العقلية القائمة على الأهواء والمصالح الذاتية، أو تلك التي لا تفيد العلم وتكون على حساب الرجوع المباشر للمعصوم الكاشف عن الحكم يقيناً بلا أي لبس وفقاً للتقديرات المذهبية، أو تلك التي لا تكون منضبطة بضوابط تقنية متينة، كإن تكون غير مستنة بسنة التتبع والبحث والاستقصاء للقضية المطروحة في جوانبها المختلفة، سواء ما تعلق بما ورد عنها شرعاً، ومن ذلك إدراك المقاصد العامة والموجهات الكلية، أو بما ارتبط بها من المترتبات الواقعية والمقدرات الوجدانية.

مهما يكن، فالملاحظ هو أن مثل هذه الروايات، كما تُعرض في الفكر الإمامي، يُمكن إثارتها والاعتماد عليها فيما لو كان هناك وضوح كاف بمؤدى الأخبار والنقل. أما في غياب هذا الوضوح والاطمئنان فالأمر مغاير، ومن ذلك إن الروايات المتعلقة بهذا الجانب ينتابها بعض اللبس. لهذا ثمة خلاف كبير في أوساط الإمامية بين الإخباريين والأصوليين حول علاقة العقل بالاجتهاد والعمل بالرأي ضمن الاعتبارات الظنية والتي تفضي إلى كثرة الاختلاف وبالتالي كثرة الخطأ. فهل يجوز - وفقاً لذلك - أن نقول كما يقول الإخباريون: ان عمل المجتهدين ينافي ما جاء في الأخبار الدالة على منع تدخل العقول والآراء والإعتماد على القواعد والنظريات المفضية إلى المزيد من صور الاختلاف[135]؟!

مبادئ وضوابط

أخيراً لا بد من تحديد المبادئ والضوابط التي تتحكم ببناء الأحكام كما ندعو إليها، وذلك كما يلي:

1ـ ممارسة الوجدان العقلي في القضايا التي يمكنه إدراكها، كالقرارات التي تُتخذ في المعاملات الحضارية.

2ـ دراسة الواقع وفحصه عن كثب اعتماداً على أصول المنهج العلمي، لا سيما فيما يتعلق بالدراسات الإنسانية وكل ما له علاقة بعلاج الواقع وتقرير الأحكام.

3ـ التعرف على ثبات وتغير كل من حاجات الواقع والأحكام الشرعية، ومحاولة الفرز بين الحاجات التي لها القابلية على الثبات وتلك التي لها القابلية على التغير، وكذا بالنسبة للأحكام التي تتأثر بتلك الحاجات ثباتاً وتغيراً والتي ينبغي ان تتأسس على ضوئها.

4ـ النظر إلى مقاصد الشرع والاسترشاد بهديها من غير زيغ ولا انحراف.

5ـ العمل لتأسيس الأحكام طبقاً لضوابط محددة من العلمية الفقهية والخبرة الواقعية والإختصاص وحسن السليقة والإعتدال مع التدين والتقوى، وأن لا يكون ذلك بمعزل عن الشورى، حيث إنها صمام الأمان من الهوى الشخصي، وبها يتحقق أكبر قدر ممكن من العلمية كما هو واضح. وما أعظم ما قاله سفيان بن عيينة من السلف: ‹‹اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول هو برأيه››[136].



[1]  نجم الدين الطوفي: رسالة في رعاية المصلحة، نشرت خلف كتاب مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه لعبد الوهاب خلاف، مصدر سابق، ص109ـ110.[2]  علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1977م، ج1، ص395.[3]  أبو بكر الباقلاني: الانصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق وتعليق وتقديم محمد زاهد بن الحسن الكوثري، مؤسسة الخانجي، الطبعة الثانية، 1963م، ص19ـ20.[4]  انظر التفاصيل في حلقة (النظام المعياري). كذلك: يحيى محمد: منطق الاحتمال ومبدأ التكليف في التفكير الكلامي، دراسات شرقية، باريس، عدد9-10، 1411هـ ـ1991م.[5]  جلال الدين السيوطي: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، تعليق علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت، ص149 و161.[6]  الشافعي: الأم، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج7 (لم تذكر ارقام صفحاته). وجماع العلم، عن شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته).[7]  يس سويلم طه: مختصر صفوة البيان في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، مكتبة الكليات الأزهرية، 1393هـ ـ1973م، ج1، ص29.[8]  العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عن شبكة المشكاة الالكترونية، فصل في بيان جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على الظنون (لم تذكر ارقام صفحاته). وقد نقل الشاطبي النص الذي أدلاه العز بن عبد السلام دون ذكر اسمه، وعلّق عليه المرحوم عبد الله دراز معتبراً رأيه اشبه بمذهب المعتزلة (الموافقات، ج2، ص48).[9]  وهو قد صرح قبل ذلك بأن ‹‹معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، ولا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع ان تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وكذا ان تقديم ارجح المصالح ودرأ افسد المفاسد عند التزاحم هو محمود حسن أيضاً›› (نفس المصدر والفصل السابقين).[10]               الشاطبي: الاعتصام، دار المعرفة، لبنان، ج2، ص347 وما بعدها.[11]               الموافقات، ج3، ص230.[12]               أبو حامد الغزالي: المستصفى من علم الأصول، المطبعة الأميرية، مصر، الطبعة الاولى، 1322هـ، ج1، ص100 و217ـ218.[13]               نعم هناك من اسماء الكتب التي نُسبت لبعض العلماء قبل الشافعي ما يشير إلى احتمال تأسيس هذا العلم سلفاً. ومن ذلك ما ذكره ابن النديم من ان لمحمد بن الحسن الشيباني - تلميذ أبي حنيفة واستاذ الشافعي - كتاباً بعنوان (أصول الفقه). فلو صحت هذه النسبة لكان الشيباني سابقاً للشافعي في تأسيسه لهذا العلم (انظر: ابن النديم: الفهرست، اعتناء وتعليق ابراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الاولى، 1415هـ ـ1994م، ص254). كذلك ما نقله بعض علماء الإمامية من ان أول من صنف في هذا العلم هو هشام بن الحكم (المتوفى سنة 179هـ أو 199هـ) وهو تلميذ الإمام الصادق، حيث له كتاب بعنوان الألفاظ ومباحثها (حسن الصدر: تأسيس الشيعة، شركة النشر والطباعة العراقية، ص310).[14]               مقدمة ابن خلدون، مؤسسة الاعلمي، بيروت، ص455. وابن تيمية: رسالة في الحقيقة والمجاز، عن شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة عن أصول الفقه (لم تذكر أرقام صفحاتها). وبدر الدين الزركشي: البحر المحيط، شبكة المشكاة الالكترونية، لم تذكر ارقام صفحاته، فقرة 3.[15]               البحر المحيط، فقرة 3.[16]               انظر: الشافعي: الرسالة، شرح وتحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثانية، 1979م، ص20. والام، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ ـ1983م، ج7، ص250. والرويشد: قادة الفكر الإسلامي عبر القرون، مكتبة عيسى البابي وشركاه، ص61. وابو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، ص460.[17]               انظر التفصيل ضمن حلقة (النظام المعياري).[18]               انظر حول ذلك حلقة (نُظم التراث).[19]               محمد جواد مغنية: مع كتاب محاضرات في أصول الفقه الجعفري للشيخ أبي زهرة، رسالة الإسلام، عدد10، نشر الاستانة الرضوية المقدسة، مشهد، 1411هـ ـ1991م، ص42.[20]               المقصود بلحن الخطاب هو ان تدل قرينة ‹‹عقلية›› على حذف لفظ، مثل حذف (فضرب) في قوله تعالى: ﴿أن اضرب بّعصاك البحر فانفلق﴾ الشعراء/ 63. أما فحوى الخطاب فهو مفهوم الموافقة أو ما دلّ عليه التنبيه، كما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أُفٍّ﴾ الإسراء/ 23. أما دليل الخطاب فهو مفهوم المخالفة الذي يعني تعليق الحكم على أحد وصفي الحقيقة، كقوله في سائمة الغنم الزكاة. علماً ان هذه الأمور تبحث ضمن حجية الظواهر من علم أصول الفقه، وتؤخذ من فهم البيان اللغوي لا العقل كأمر مستقل (انظر: نجم الدين الحلي: المعتبر في شرح المختصر، لجنة التحقيق باشراف ناصر مكارم، نشر مؤسسة سيد الشهداء، 1364هـ.ش، المعجم الفقهي الالكتروني، (CD)، نشر مركز المعجم الفقهي، الاصدار الثالث، 1421هـ ، ص6).[21]               وتعني: ‹‹كل فعل واجب شرعاً يلزمه عقلاً حرمة ضده شرعاً››.[22]               يوسف البحراني: الحدائق الناضرة، تحقيق محمد تقي الايرواني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الاولى، 1409هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص40ـ41. كذلك: محمد رضا المظفر: أصول الفقه، مؤسسة الاعلمي، ج3، ص122ـ123.[23]               محمد جواد مغنية: فقه الإمام جعفر الصادق، دار التعارف، الطبعة الرابعة، 1402هـ ـ1982م، ج6، ص381.[24]               يقصد بقاعدة الإجزاء: ‹‹كل ما يأتي به وهو مأمور به حال الاضطرار يلزمه عقلاً الإجزاء عن المأمور به حال الاختيار››. ويقصد بقاعدة مقدمة الواجب واجبة: ‹‹كل فعل واجب شرعاً يلزمه عقلاً وجوب مقدمته شرعاً›› (أصول الفقه، ج2، ص210).[25]               أصول الفقه، ص197.[26]               عن: رشدي محمد عرسان عليان: العقل عند الشيعة الإمامية، مطبعة دار السلام، بغداد، الطبعة الاولى، 1973م، ص185.[27]               لاحظ: كاظم الحائري: مباحث الأصول، تقرير ابحاث السيد محمد باقر الصدر، مكتب الاعلام الإسلامي، قم، 1408هـ، القسم الثاني، ج1، ص479.[28]               فوائد الأصول، ج3، ص59.[29]               هاشم معروف الحسني: المبادىء العامة للفقه الجعفري، دار القلم، بيروت، الطبعة الثانية، 1978م، ص240.[30]               أصول الفقه، ج2، ص239-240.[31]               محمد حسين الاصفهاني الحائري: الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ترجمة وتحقيق گردآورنده، دار احياء العلوم الاسلامية، قم، الطبعة الأولى، 1404هـ، ج1 ص337. عن مكتبة مدرسة الفقاهة الالكترونية: https:/ / ar.lib.eshia.ir/ 13088/ 1/ 0[32]               محمد علي الكاظمي: فوائد الأصول، من افادات الميرزا محمد حسين النائيني، تعليقات ضياء الدين العراقي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ج3، ص60. والعقل عند الشيعة الإمامية، ص188ـ189.[33]               فوائد الأصول، ج3، هامش ص61.[34]               بل إن البعض كالمفكر محمد باقر الصدر أقرّ بحجية القطع سواء كان القطع موضوعياً يستند إلى البديهة أو الدليل، أو كان ذاتياً لا يستند إلى ذلك مثلما يكثر لدى عوام الناس (محمد باقر الصدر: دروس في علم الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الرابعة، 1417هـ، ص134).[35]               أبو القاسم الخوئي: الاجتهاد والتقليد، ضمن التنقيح في شرح العروة الوثقى، تحرير الميرزا علي الغروي التبريزي، مقدمة عبد الرزاق الموسوي المقرم، مطبعة الآداب، النجف، ص243 و91.[36]               المصدر السابق، ص289 و208.[37]               المصدر السابق، ص369. كما انظر: مرتضى اللنكرودي: رسالة الاجتهاد، ضمن رسائله الثلاث، مطبعة الإسلام، قم، 1380هـ، ص9.[38]               حسن بن زين الدين العاملي: معالم الدين وملاذ المجتهدين، اخراج وتحقيق وتعليق عبد الحسين محمد علي بقال، منشورات مكتبة الداوري، قم، ص373.[39]               مرتضى الشيرازي: شورى الفقهاء، ايران، الطبعة الاولى، ج1، ص320-328.[40]               بالفعل ان بعض العلماء الإخباريين لجأ إلى هذا المعنى في معارضته للاتجاهين الكلامي والأصولي الذين يتقبلان الحجج العقلية. فالشيخ يوسف البحراني اعترض على مقولتهم القائلة (اذا قام الاحتمال بطل الاستدلال)، حيث اعتبره كلاماً شعرياً والزاماً جدلياً. وعلى رأيه ان بذلك ينسد باب الاستدلال، حيث لا قول الا وللقائل فيه مجال، ولا دليل الا وهو قابل للاحتمال، وبالتالي لقام العذر لمنكري النبوات فيما يقابلون به أدلة المسلمين من الاحتمالات الممكنة، وكذا منكري التوحيد وجميع أصحاب الفرق والمقالات (لاحظ: يوسف البحراني: الدرر النجفية، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، ص63).[41]               أبرز من أورد هذا الحديث الكليني في (الكافي)، ونص رجاله كالتالي: علي بن ابراهيم عن ابيه، ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابان بن تغلب عن الإمام الصادق (الكليني: الكافي في الأصول والفروع، تحقيق وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر دار الكتب الإسلامية، تهران، 1367هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج7، ص299).[42]               انظر حول ذلك المصادر التالية: الطوسي: تهذيب الأحكام، تحقيق حسن الخرسان ومحمد الاخوندي، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365هـ.ش، ج10، ص184. والحدائق الناضرة، ج1، ص61. كذلك مصادر المعجم الفقهي الالكتروني التالية: الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج4، ص119. والتوني: الوافية في أصول الفقه، ص230. وزين الدين العاملي: مسالك الافهام، ج15، ص110. وشرح اللمعة الدمشقية، ج10، ص41. والاردبيلي: مجمع الفائدة، ج14، ص79. والنجفي: جواهر الكلام، ج42، ص86. والخوانساري: جامع المدارك، ج6، ص276. والخوئي: مباني تكملة المنهاج، ج2، ص206.[43]               محمد سرور الواعظ البهسودي: مصباح الأصول، تقرير بحث الخوئي، مكتبة الداوري، قم، الطبعة الخامسة، 1417هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص60.[44]               محمد تقي الحكيم: الأصول العامة للفقه المقارن، مؤسسة آل البيت، الطبعة الثانية، 1979م، ص326.[45]               فقه الإمام جعفر الصادق، ج6، ص342. رغم ان الشيخ مغنية صرّح في محل آخر ما ينقض تصريحه الآنف الذكر، حيث ذكر في كتابه (الشيعة في الميزان، ص370) ان أي حكم يتعارض مع مبدأ من مبادئ الإسلام مردود لا يسوغ نسبته إلى الإسلام، كان من كان قائله. وحتى لو كان هناك حديث يخالف ذلك فإنه يجب إهماله أو صرفه عن ظاهره، مهما كان راويه.[46]               أصول الفقه، ج3، ص203-204.[47]               أصول الفقه، ج2، ص179.[48]               مرتضى الانصاري: فرائد الأصول، تحقيق وتقديم عبد الله النوراني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة، 1411هـ، ج1، ص21.[49]               وهبه الزحيلي: الفقه الإسلامي وادلته، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1405هـ ـ1985م، ج6، ص359-360.[50]               مالك: الموطأ، صححه ورقمه وأخرج أحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء الكتب العرية، مصر، 1370هـ ـ1951م، ج2، باب ما جاء في عقل الأصابع، ص860. كما انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار احياء التراث العربي، الطبعة الرابعة، 1408هـ ـ1988م، ج10، ص190. وابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، مطبعة كردستان العلمية، مصر، الطبعة الاولى، 1326هـ، ص134.[51]               الفقه الإسلامي وادلته، ج6، ص359-360.[52]               محمد بن الحسن الشيباني: الحجة على أهل المدينة، رتب اصوله وعلق عليه مهدي حسن الكيلاني القادري، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ ـ1983م، ج4، هامش ص280-281.[53]               لاحظ مثلاً المصادر التالية كما عن المعجم الفقهي الالكتروني: يحيى بن سعيد الحلي: الجامع للشرايع، ص245. والعلامة الحلي: منتهى المطلب، ج2، ص1003. وتذكرة الفقهاء، ج1، ص222. وتبصرة المتعلمين، ص119. ومحمد بن مكي العاملي: الدروس، ص180. وابن فهد الحلي: المهذب البارع، ج3، ص182. وزين الدين العاملي: مسالك الأفهام ج3، ص186. والمحقق الأردبيلي: مجمع الفائدة، ج8، ص129. والمحقق السبزواري: كفاية الأحكام، ص84. والحدائق الناضرة، ج18، ص40. وعلي الطباطبائي: رياض المسائل، ج1، ص520. وجواهر الكلام، ج22، ص457. وأحمد الخوانساري: جامع المدارك، ج3، ص137. والصدوق: علل الشرائع، ج2، ص244. ومن لا يحضره الفقيه، ج3، ص164. والطوسي: تهذيب الأحكام، ج7، ص405. وابن أبي جمهور الأحسائي: عوالي اللئالي، ج3، ص302. وأبو الفتح الكراجكي: معدن الجواهر، ص71.[54]               وعلى هذه الشاكلة وردت أحاديث تمنع من التزاوج مع عدد من الأقوام بحجة ان لهم أرحاماً تدل على غير الوفاء، أو أنه ليس فيهم نجيب (لاحظ: الحر العاملي: وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، قم، الطبعة الاولى،1412هـ، ج20، ص82). وعادة ما يتعامل الفقهاء مع مثل هذه القضايا باعتبارها حقيقية مطلقة وليست خارجية رهن السياق الظرفي الخاص، مما يتسق ومقالة الحقائق الخفية التي نقدناها.[55]               محمد باقر المجلسي: مرآة العقول، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الأولى، 1407هـ، ج19، ص145، عن مكتبة موقع الفكر الإلكترونية: http:/ / alfeker.net/ library.php?id=2471. وانظر أيضاً النص ذاته وهو منسوب إلى بعض مشايخ يوسف البحراني من دون ذكر اسمه: الحدائق الناضرة، ج18، ص41. وجامع المدارك، ج3، ص137.[56]               ابن ادريس الحلي: السرائر، ج3، ص329، باب آداب التجارة، ضمن موسوعة ابن ادريس الحلي، عن موقع كتب الشيعة: http:/ / shiabooks.net/ library.php?id=2570[57]               جامع المدارك في شرح الجوهر النافع، ج3، ص137.[58]               أبو الحسن الأصفهاني: وسيلة النجاة، مطبعة مهراستوار، قم، الطبعة الاولى، 1393هـ، ج3، كتاب النكاح، مسألة 4، ص142، عن موقع الكتب الشيعية: http:/ / shiabooks.net/ library.php?id=3510[59]               محمد صادق الروحاني: فقه الصادق، مؤسسة دار الكتاب، قم، الطبعة الثالثة، 1414هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج15، ص170.[60]               محمود الهاشمي: بحوث في علم الأصول، تقريراً لأبحاث السيد محمد باقر الصدر، المعجم العلمي للامام الصدر، الطبعة الأولى، 1405هـ، ج4، تعارض الأدلة الشرعية.

[61]               الراغب الاصفهاني: محاضرات الأدباء، ج1، فقرة بعنوان: ذم النبط وأهل الرساتيق، عن موقع ملتقى أهل الحديث الالكتروني: https:/ / www.ahlalhdeeth.com/ vb/ showthread.php?t=70247

[62]               السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الثانية، 1411هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص353.[63]               الحلي: مختلف الشيعة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الاولى، 1415هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج5، ص235.[64]               أبو علي الحسن الآبي: كشف الرموز في شرح المختصر النافع، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الاولى، 1410هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص524.[65]               حيث روي عن الإمام الصادق أنه قال: ‹‹يقول ولد الزنا: يارب ما ذنبي، فما كان لي في أمري صنع؟ قال: فيناديه مناد فيقول: أنت شر الثلاثة؛ أذنب والدك فنبتَّ عليهما، وانت رجس ولن يدخل الجنة الا طاهر›› (عن: عبد الاعلى السبزواري: مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، مؤسسة المنار، قم، 1413هـ، ج1، ص381). وروي في المصادر السنية أنه بلغ عائشة ان أبا هريرة يقول: ان رسول الله (ص) قال: لأن امتع بسوط في سبيل الله احب اليّ من ان اعتق ولد الزنا، وان رسول الله قال: ولد الزنا شر الثلاثة.. فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعاً فأساء إصابة، أما قوله: لأن امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان اعتق ولد الزنا، أنها لما نزلت ﴿فلا اقتحم العقبة وما إدراك ما العقبة﴾ قيل: يا رسول الله: ما عندنا ما نعتق الا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فاعتقناهم، فقال رسول الله: لأن امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان أمر بالزنا ثم اعتق الولد. واما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله (ص) فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله (ص): هو شر الثلاثة. والله يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾... الخ (الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج2، حديث 2855).[66]               فاطر/ 18.[67]               ابن القيم: نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته).[68]               الحدائق الناضرة، ج5، ص201. ومحمد العاملي: مدارك الأحكام، مؤسسة آل البيت، الطبعة الاولى، قم، 1410هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص298. وفقه الإمام جعفر الصادق، ج1، ص35.[69]               الطوسي: الخلاف، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الاولى، 1417هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج3، ص596.[70]               محمد بحر العلوم: بلغة الفقيه، شرح وتعليق محمد تقي آل بحر العلوم، نشر مكتبة الصادق، طهران، الطبعة الرابعة، 1403هـ ـ1984م، المعجم الفقهي الالكتروني، ج4، ص213.[71]               المائدة/ 5.[72]               مع هذا اعتبر السيد الخوئي ان البحث عن نجاسة ولد الكافر وطهارته لا يتوقف على القول بنجاسة أهل الكتاب، بل البحث يجري حتى على القول بطهارتهم، لأن الكلام حينئذ يقع في من يولد من المشرك (الخوئي: كتاب الطهارة، ضمن التنقيح في شرح العروة الوثقى، دار الهادي، قم، الطبعة الثالثة، 1410هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص64). مما يعني أنه لو ثبتت طهارة أهل الكتاب لاضطر الفقهاء إلى تقييد وتخصيص لفظي الكافر والكفار الواردين في الروايات وحملهما على المشركين فحسب.[73]               منية السائل، مجموعة فتاوى السيد أبي القاسم الخوئي، جمعه ورتبه موسى مفير الدين عاصي، ص100، عن مكتبة زين الدين الالكترونية http:/ / zainealdeen.com/ library.[74]               كتاب الطهارة، ج2، ص65ـ67.[75]               محمد باقر الصدر: بحوث في شرح العروة الوثقى، مطبعة الاداب، النجف، المعجم الفقهي الالكتروني، ج3، ص296 وما بعدها.[76]               حيث روي عن الإمام الصادق قوله: لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة ولا تعلموهن سورة يوسف، وعلموهن المغزل وسورة النور (وسائل الشيعة، ج20، ص176-177. والنوري: مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1409هـ ـ1988م، ج4، الحديث الأول من باب استحباب تعليم النساء سورة النور). وروي الحديث أيضاً عن النبي (ص) كما في المصادر السنية، واعتبره ابن الجوزي حديثاً غير صحيح (ابن الجوزي: الموضوعات، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الاولى، 1386هـ ـ1966م، المعجم الفقهي الالكتروني، ج2، ص268). لكن في رواية أخرى عن النبي نهى فيها عن تعليم النساء سورة يوسف، وقد صححها الحاكم النيسابوري في المستدرك (الزركشي: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، الطبعة الاولى، 1377هـ، المعجم الفقهي الالكتروني، ج3، ص29. وانظر أيضاً: الشوكاني: نيل الاوطار، دار الجيل، بيروت، 1973م، ج9، ص105).[77]               صحيح مسلم، ج1، حديث 265ـ266. وابن العربي: أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، ج4، ص1606.[78]               الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص11. وانظر أيضاً: جواهر الكلام، ج14، ص400.[79]               محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة، ص333.[80]               يوسف البحراني: الحدائق الناضرة، ج23، ص89.[81]               السيد سابق: فقه السنة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الرابعة، 1403هـ ـ 1983م، ج2، ص163.[82]               الفخر الرازي: التفسير الكبير، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة، 1411هـ، ج24، ص110.[83]               ابن رشد الحفيد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة، بيروت، الطبعة السابعة، 1405هـ ـ 1985م، ج2، كتاب أمهات الاولاد، ص395ـ397.[84]               انظر على سبيل المثال المصادر التالية: الطوسي: النهاية، ص408. والمحقق الحلي: شرائع الإسلام، مطبعة الاداب، النجف، الطبعة الاولى، 1389هـ ـ 1969م، ج2، ص55ـ61. والنجفي: جواهر الكلام، ج24، ص136 وما بعدها. والشافعي: الأم، ج3، ص18. وظفر أحمد العثماني التهانوي: إعلاء السنن، ج14، فقرة 4762، عن مكتبة الكتب الالكترونية: https:/ / www.kutub-pdf.com/ downloading/ KXL6Y4.html. وأبو الحسن التسولي: البهجة في شرح التحفة، ج4، عن مكتبة الايمان الالكترونية:http:/ / www.al-eman.com/ index.htm . وفي كتب تخريج الحديث انظر مثلاً: الهيثمي: مجمع الزوائد، موقع نداء الايمان الالكتروني، ج4، ص190.[85]               انظر: محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان، دار التعارف، الطبعة الرابعة، 1399هـ ـ1979م، ص370ـ372.[86]               محمد حسن النجفي: جواهر الكلام في شرائع الإسلام، مؤسسة المرتضى العالمية ـ دار المؤرخ العربي، الطبعة الاولى، 1412هـ ـ1992م، ج3، ص416-417.[87]               مسالك الافهام، ج9، ص204. وجواهر الكلام، المعجم الفقهي، ج32، ص203. والحدائق الناضرة، ج25، ص379. والشيعة في الميزان، ص372.[88]               محمد رشيد رضا: تفسير المنار، دار الفكر، الطبعة الثانية، ج2، ص119. ومن ذلك ما نقل عن تحايل أبي يوسف في هذه القضية من دفع الزكاة خلاف المقاصد، كالذي نقله صدر المتألهين في تفسيره لسورة البقرة (تفسير القرآن الكريم، حققه وضبطه وعلق عليه محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف، 1419هـ ـ1998م، ج3، ص84).[89]               الشيعة في الميزان، ص372.[90]               قاسم أمين: تحرير المرأة، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 1989 م، ص404.[91]               قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المثال الثالث ضمن فصل (فيما أثبت على خلاف الظاهر).[92]               المصدر السابق، المثال الرابع عشر ضمن الفصل السابق.[93]               المصدر نفسه، المثال الثالث عشر.[94]               المصدر نفسه، المثال السادس.[95]               المصدر نفسه، المثال الحادي عشر.[96]               الحصفكي: الدر المختار شرح تنوير الابصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، دار الفكر، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية: www.yasoob.com، ج1، ص600ـ601.[97]               ابن عابدين: حاشية رد المختار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، 1415هـ ـ1995م، عن المعجم الفقهي الالكتروني، ج1، ص601.[98]               انظر: مشكلة الحديث.[99]               محمد رشيد رضا: كلمة في فوائد كتابي (المغني والشرح الكبير)، مجلة المنار مجلد 26، ص442، المكتبة الشاملة الالكترونية: http:/ / www.shamela.ws[100]             البحر المحيط، فقرة 22. والسيوطي: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، ص172ـ173.[101]             اعلام الموقعين، ج1، ص278 وما بعدها. كما انظر حلقة (النظام المعياري).[102]             انظر النصوص السلفية التي تهاجم الرأي في كل من: ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأُولى، 1345هـ، ج6، ص49-59. واعلام الموقعين، ج1، ص73-75. والاعتصام، ج3، ص241-249.[103]             انظر التفاصيل في حلقة (النظام المعياري).[104]             الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص395.[105]             عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص94-96.[106]             الموافقات، ج2، ص48.[107]             الاعتصام، ج2، ص347 وما بعدها.[108]             الموافقات، ج2، ص309            .[109]             أبو جعفر الطوسي: عدة الأصول، تحقيق محمد مهدي نجف، مؤسسة آل البيت، الطبعة الاولى، 1403هـ ـ1983م، ج1، ص355. أيضاً: فرائد الأصول، ج1، ص187.[110]             فرائد الأصول، ج1، ص20-21.[111]             المقصود بها الأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت التي تفيد أخذ الأحكام منهم، كقولهم: ‹‹حرام عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا››.. ‹‹من دان الله بغير سماع من صادق فهو كذا وكذا››.. الخ.[112]             فرائد الأصول، ج1، ص19-20.[113]             محمد باقر الصدر: الفتاوى الواضحة، دار التعارف، الطبعة السابعة، 1401هـ ـ 1981م، ج1، المقدمة، ص98. كذلك: بحوث في علم الأصول، ج4، ص126ـ127.[114]             الأصول العامة للفقه المقارن، ص388.[115]             مصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص103.[116]             ابن رشد: تهافت التهافت، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص201.[117]             انظر بهذا الصدد: الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، الفصل الثاني منه على وجه الخصوص.[118]             انظر التفصيل في حلقة (النظام المعياري). كذلك: منطق الاحتمال ومبدأ التكليف في التفكير الكلامي، العدد المزدوج، 9ـ10، ص14ـ33.[119]             أصول الفقه، ج2، ص209.[120]             عن: محمد جواد مغنية: مع كتاب محاضرات في أصول الفقه الجعفري للشيخ أبي زهرة، مصدر سابق، ص48.[121]             الموافقات، ج2، ص307.[122]             الشاه ولي الله دهلوي: المسْوى شرح الموطأ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1403هـ ـ1983م، ج2، ص29-30. ومجموع فتاوى ابن تيمية، مكتبة النهضة الحديثة، مكة، 1404هـ، ج29، ص23 وما بعدها. ومصطفى الزرقاء: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، دار الفكر، الطبعة السابعة، ج2، ص881-882.[123]             لا شك ان الاعتراف بتمايز الناس إلى أحرار وعبيد هو ما حدا بالكثير من الفقهاء إلى جعل العبد في مرتبة الحيوان.[124]             قد يقال إن عدم رفض الإسلام لظاهرة الرق يعود إلى احد هذين السببين أو كلاهما: الأول هو ان الظاهرة مرتبطة بما كان عليه نظام الحياة الاجتماعية من كثرة العيال وتعدد الزوجات ومن ثم سعة الانجاب وتكاثر الاولاد، مما يشكّل عبئاً ثقيلاً على أرباب الأُسر، لصعوبة تسديد الكفاية المعيشية والادارة الاجتماعية، فكان لا بد من الاعانة المجانية من الخدمة والعمل المنتج الذي يقدمه الرقيق. أما السبب الآخر فهو ان الاسترقاق في الأصل عبارة عن ضريبة يدفعها المحارب جراء حربه بدل قتله في عصر لم يتهيء له الوصول إلى عرف يتفق عليه المتحاربون أفضل مما كان عليه الحال.[125]             الموافقات، ج3، ص9-10.[126]             المصدر السابق، ج4، ص174 و176 و230.[127]             توفيق الطويل: جون ستيوارت مل، دار المعارف، مصر، ص145ـ148. ومحمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، دار المعارف، مصر، الطبعة السادسة، 1970م، ص226.[128]         Hemple, carl G., Philosophy of Natural Science, current printing 1987, USA, p. 72.[129]             المنطق الحديث ومناهج البحث، ص228ـ229.[130]             كما جاء في قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ فصلت/ 53.[131]             محمد اقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام، ص144ـ145.[132]             فرائد الأصول، ج1، ص19.[133]             أعلام الموقعين، ج4، ص254.[134]             الاعتصام، ج2، ص342-343. ورد ما يماثل هذا الحديث في المصادر الشيعية عن الإمام الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن النبي (ص) قوله: ‹‹.. البِرّ ما إطمأنت إليه النفس، والبِرّ ما إطمأن به الصدر، والإثم ما تردد في الصدر وجال في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك›› (الوسائل، ج18، أبواب صفات القاضي، باب11، حديث34، ص121).[135]             احتج الشيخ نعمة الله الجزائري، وهو من الإخباريين، على الأصوليين، مصوراً الخلاف بين الطرفين إنما ينحصر بين من يعمل بأقوال المعصوم ويرى الاحتياط لازماً عندما لا يجد قولاً للمعصوم، وبين من يعمل بالرأي والاجتهاد ويطرح الكثير من الأحاديث المروية عنه بأعذار شتى. فالشيخ الجزائري يصور الخلاف على هذا النحو ليعقد محكمة جزائية في الآخرة، ويتسائل هل يُعقل ان يوضع الإخباري وهو على ذلك النحو في النار، في حين يوضع الأصولي الذي لا يبالي بأقوال المعصوم بالجنة؟! (عن: مرتضى مطهري: الاجتهاد في الإسلام، دار التعارف ـ دار الرسول الاكرم، ص17).
[136]             أعلام الموقعين، ج1، ص73.
comments powered by Disqus