-
ع
+

التغيير الفقهي وأنماطه الواقعية

يحيى محمد

إن الممارسة الفقهية، بوصفها شكلاً من أشكال التشريع الامتدادي المستند إلى قواعد معتبرة كالعقل والقياس والمصالح والاستحسان والعرف وغيرها، لم تستطع أن تتخلى عن ظاهرة النسخ في الأحكام والفتاوى. فضغط الحاجة الزمنية الذي حدا بها إلى ممارسة التشريع الاجتهادي؛ هو نفسه جعلها تقوم بعملية النسخ ذاته. وهناك دواعي عديدة لتبرير هذه الآليات في تبديل الأحكام؛ كلها تعود في النهاية إلى ما أفرزه الواقع من حاجات ومصالح وتغير في الظروف والأحوال.

فتارة يستند تغيير الفتوى إلى دليل شرعي أقوى، سواء كان نصًا أو قياسًا أو غير ذلك مما ليس له علاقة بالواقع. وتارة ثانية يستند إلى فعل الواقع وتأثيره، بإعتبارات مردها؛ إما إلى كشف الواقع عن خطأ الفتوى جملة وتفصيلاً، أو لتقدير الواقع بوجود حاجة أو ضرورة أو مصلحة أو نفي عسر، أو لإعتبارات تخص تغيّر أحوال الناس وظروفهم.

وفي جميع هذه الإعتبارات يتربع الواقع كأساس لإنتاج الأحكام الجديدة وتبديلها. وقد أدرك الكثير من الفقهاء أن من بين مبررات تبديل الأحكام ما يعود إلى تغيّر الظروف إلى حدٍّ يجعلها غير منسجمة مع الفتاوى السابقة، إضافةً إلى تغيّر عادات الناس وأعرافهم، ومثل ذلك فساد الأخلاق المعبّر عنه بفساد الزمان، فضلاً عن حدوث التنظيمات الجديدة والترتيبات الإدارية الحديثة. وسبق للفقيه المالكي أبي بكر بن العربي أن اعتبر الإستحسان - الذي يُترك فيه مقتضى الدليل - متضمناً لأربعة أقسام، فقد يترك الدليل بسبب العرف، أو المصلحة، أو التيسير ورفع المشقة، أو إيثار التوسعة[1]. مع أن هناك إعتبارات أخرى تصلح أن تكون سبباً لترك الدليل أو مقتضاه، سواء شمله الإستحسان أم لا، كما لو تبين خطأ الفتوى تماماً بسبب الكشف الواقعي أو غيره. وكذا فيما لو كشف العقل عن معنى الحكم ضمن ظروف معينة دون أخرى.

وترد في هذا المقام ثلاثة أنماط من الصور التي حدث فيها تغيير الأحكام والفتاوى، وبلغ الأمر في بعضها حدّ تبديل حكم النص تبعاً للاجتهاد وضغط الحاجة الزمنية. غير أن غياب الالتفات المقصود إلى دراسة الواقع وعلاقته بالخطاب الديني، ومن ثم التقنين بينهما عبر الكشف عن موارد ثبات الأحكام وتغيرها، جعل عملية التبديل تتم وفقًا لمصادفة الفقيه لحالات عدم الملاءمة بين الأحكام الموضوعة والواقع، وذلك استنادًا إلى قاعدتي العرف والاستحسان.

ولو أن الفقهاء أولوا إهتماماً للنظر في الواقع وتغيراته والموارد التي تتقبل تغيّر الأحكام؛ لكان نسيج فقهنا اليوم هو غير النسيج الذي ألفنا فيه طابعه المتصلب وغير المتسق مع ما يحصل للواقع من تحولات وتطورات. فهو يصطدم في كثير من الأحوال، بطوارئ غير محسوبة ولا مرتقبة، خصوصًا في العصر الحديث الذي قلب العديد من الموازين، حتى بات الفقه متهمًا ليس فقط من قِبَل معارضيه، بل حتى من أولئك الذين تربوا فيه وأفادوا منه.

وكان من أبرز نقاط ضعف الفقه وإضطرابه هو أنه في كثير من الأحيان لا يتقبل – في بادئ الأمر - ما يفرضه الواقع من تغيرات وتطورات بمبررات تستند إلى النص أو أقوال السلف، لكنه سرعان ما يعود ليضطر إلى قبولها وتمريرها بمبررات هي الأخرى تستند إلى النص أو أقوال السلف. مما يكشف عن وهن آليته الاجتهادية، إذ تجعله صريع الواقع بدل العمل على دراسته والتصدي لتوجيهه دون إهمال إمكاناته ومتطلباته، بل لا غنى عن العودة مجدداً لكشف وتقييم ما يسفر عن التشريع من نتائج وآثار، لتصبح المعالجة مناسبة لمقتضيات الواقع وخصوصياته. فمن دون هذه العودة، لا يمكن تفادي الأضرار والنتائج العكسية التي قد تترتب على أكثر من صعيد، نظرًا لتداخل أحوال الواقع وتسارع أحداثه.

مع ذلك فقد ظهرت للفقه ثروة كبيرة من تبدلات الأحكام تبعاً لما فرضته الحاجات الزمنية، وهي بحق تعد مادة خصبة لتشكيل منعطف يتصدر فيه الواقع كعنصر أساس في التشريع. وإذا كان أسلافنا لم يدركوا أهمية دراسة الواقع بكل خصوصياته ونواحيه، سواء قبل تشريع الحكم وامتثاله أم بعده؛ فحري بعلمائنا اليوم أن يأخذوا بهذه المهمة الثرية على عاتقهم بعد تأصيلها ضمن علم الأصول. وإلا فلا قيمة للفتاوى إذا ما كانت مفصولة عن النظر إلى الواقع وفحصه، كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

لقد مارس الفقهاء مختلف أنواع التغيير في الأحكام؛ استجابةً للحاجات الزمنية وضغوطاتها، بما في ذلك تغيير بعض أحكام النص، وإن أنكروا من الناحية المبدئية العمل بمثل هذا التغيير في اجتهاداتهم، تجنباً لشبهة الوقوع في الاجتهاد في قبال النص، أو الاجتهاد مع وجوده، أو العمل على ممارسة النسخ في الأحكام. لكن الحال يكشف عن وجود العديد من الممارسات الاجتهادية التي أفضت نتائجها إلى مخالفة أحكام النص. ويندرج ضمن هذا الإطار الاجتهادات التي اعتمدت على تخصيص النص بالمصلحة والعرف، والتي لا تختلف في نتيجتها عن تلك التي تؤدي إلى مخالفة حكم النص بالكامل. وعليه، أضحت العملية الاجتهادية وتبديل الأحكام لا تفرّق بين حكم النص وغيره، ما دامت الظروف تتغير والأحوال تتبدل.

لذلك، سنفصّل الحديث عن الأنماط الثلاثة التي مارس الفقهاء من خلالها تغيير الأحكام، والتي أشرنا إليها سابقًا، وذلك على النحو الآتي:

 1ـ وحدة الدليل الاجتهادي

إن أخف حالات التغيير وأقلها وطأة ومؤونة هي تلك التي يُستبدل فيها حكم بحكم آخر مع وحدة الدليل. وغالبًا ما يحدث هذا التغيير نتيجة تبدّل العرف والعادة، مما يجعل الحكم متغيرًا تبعًا لتغير الظرف، حتى وإن بدا ظاهر الموضوع ثابتًا. فالكثير من الفتاوى الفقهية تنشأ وتتغير وفقًا لما متعارف عليه من معاملات لفظية وسلوكية. وعلى حد قول الشاطبي: إن ‹‹الحكم يتنزل على ما هو معتاد فيه، بالنسبة إلى من اعتاده دون من لم يعتده››[2].

ففي عالم الألفاظ يؤخذ بما متعارف عليه من ألفاظ المتعاملين دون معانيها الحقيقية، كما في الأيْمان والعقود والجرائم والقضاء وغيرها. فمثلاً قد يكون اللفظ دالاً بعرف ما على الشتم فيكون جريمة، لكنه في عرف آخر لا يدل على ذلك، فلا يكون جريمة. وكذا جاء في (الأشباه) أنه لو حلف الحالف أن لا يأكل لحماً؛ حنث بأكل الكبد والكرش؛ إن جرى الأمر على عادة أهل الكوفة، أما في عرف غيرهم فقد لا يحنث تبعاً لما يقصدونه من لفظة (لحم)[3]. ومثله ما قاله أصحاب الشافعي: لو حلف رجل أن لا يبيت على فراش ولا يستسرج سراجاً، فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث، لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفاً رغم ما ورد في القرآن من إعتبار الأرض فراشاً، كما في قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾[4].

ومن ذلك ما قاله القرافي في ايقاع الطلاق الثلاث بقول الزوج (أنتِ عليَّ حرام، أو الحرام يلزمني): ‹‹إياك أن تقول إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث لأن مالكاً قاله، أو لأنه مسطور في كتب الفقه، لأن ذلك غلط، بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلاً لك من جهة الإستعمال والعادة كما يحصل لسائر العوام، كما في لفظ الدابة والبحر والرواية. فالفقيه والعامي في هذه الألفاظ سواء في الفهم لا يسبق إلى أفهامهم إلا المعاني المنقول إليها. فهذا هو الضابط لا فهم ذلك من كتب الفقه، فإن النقل إنما يحصل بإستعمال الناس لا بتسطير ذلك في الكتب، بل المسطّر في الكتب تابع لإستعمال الناس فافهم ذلك. إذا تقرر ذلك فيجب علينا أمور: أحدها أن نعتقد أن مالكاً أو غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها صوناً لهم عن الزلل. وثانيها إنا إذا وجدنا زماننا عرياً عن ذلك وجب علينا أن لا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ، لأن إنتقال العوائد يوجب إنتقال الأحكام، كما نقول في النقود وفي غيرها فإنا نفتي في زمان معين بأن المشتري تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق لأن تلك السكة هي التي جرت العادة بالمعاملة بها في ذلك الزمان، فإذا وجدنا بلداً آخر وزماناً آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السكة تغيرت الفتيا إلى السكة الثانية وحرمت الفتيا الأولى لأجل تغيّر العادة. وكذلك القول في نفقات الزوجات والذرية والأقارب وكسوتهم تختلف بحسب العوائد، وتنتقل الفتوى فيها وتحرم الفتوى بغير العادة الحاضرة، وكذلك تقدير العوارى بالعوائد.. وإذا وضح لك أن ما عليه المالكية وغيرهم من الفقهاء من الفتيا في هذه الألفاظ بإطلاق هو خلاف الإجماع، وأن من توقف منهم عن ذلك ولم يجر المسطورات في الكتب على ما هي عليه بل لاحظ تنقل العوائد في ذلك، فإنه على الصواب وسالم من هذه الورطة العظيمة››[5].

وقال بعض العلماء: ‹‹التحقيق أن لفظ الواقف والموصي والحالف والناذر وكل عاقد يحمل على عادته وفي خطابه ولغته التي يتكلم بها؛ وافقت لغة العرب ولغة الشارع أو لا››[6].

أما في المعاملات السلوكية، فقد يُرفض سماع بعض الدعاوى في القضاء لأنها مما يكذبها العرف أو العادة. كما إن العرف يتدخل فيما يُعد في المبيع عيباً مسوغاً لفسخ البيع أو لا يُعد.

يضاف إلى أن للعرف الجاري دخلاً أكيداً في تحديد قبول لباس الناس بما يخرجه عن (لباس الشهرة). فمثلاً كان كشف الرأس يختلف بحسب البقاع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف بإختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح[7]. وكذا فيما يتعلق بتقدير النفقات الزوجية والأجور المعطاة وما يعتبر حقاً أو ضرراً بحق الغير في بعض المنافع.. الخ. فلو أن العرف تغيّر في مثل تلك الحالات لتغيرت الفتوى تبعاً له. ونفس الشيء فيما ذكره بعض العلماء من أن القول قول الزوج في دفع الصداق بناءً على العادة، وأن القول قول الزوجة هو أيضاً بناءً على نسخ تلك العادة، وبالتالي فالحكم ثابت ليس فيه إختلاف إلا من حيث إختلاف العادة[8].

ومما يندرج ضمن هذا المجال أن جماعة من السلف والفقهاء ردوا شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، والزوج لزوجه. وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وإبن حنبل. في حين إن السابقين عليهم كانوا يقبلون الشهادة منهم ركوناً إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدَين والأقربين﴾[9]. لذا ينقل عن الزهري قوله: ‹‹لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لإمرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على إتهامهم فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. فلم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان››[10].

كما نُقل بأن الشيخ إبن أبي زيد القيرواني (المتوفى سنة 386هـ) إتخذ كلباً بداره زمن الخوف، فقيل له: إن مالكاً كره إتخاذ الكلاب في الحضر، فقال إبن أبي زيد: لو أدرك مالك مثل هذا الزمن لإتخذ أسداً على باب داره[11].

بل قد ترد أحكام خارجة عن إرادة المكلف، يحددها الواقع وسننه التكوينية، أو ما يُعرف بالعادة في اصطلاح القدماء، مثل البلوغ الذي يرتهن بالاحتلام والحيض، ويختلف توقيته من بيئة إلى أخرى. فالمناطق ذات المناخ الحار تعجّل بالبلوغ خلافاً لتلك التي مناخها بارد[12].

ومن الطريف ما ينقل بهذا الصدد أن الإمام أبا حنيفة كان يعتقد بأن غاصب الثوب إذا صبغ الثوب المغصوب باللون الأسود؛ فذلك يُعدّ انقاصاً وتعييباً له، وعليه لا بد أن يتكفل الغاصب بضمان هذا الإنقاص حين يُردّ الثوب إلى المالك. لكن لما تبدل عرف الناس في النظر إلى اللون الأسود وإعتباره علامة على الكمال لا النقصان، وذلك حين إتخذه العباسيون شعاراً لهم، فإن بعض الأحناف (أبو يوسف) حكم بأن صبغ الغاصب للثوب باللون الأسود لا يعد تعييباً له بل زيادة في الكمال، وعليه لو أن المالك استرده إليه كان عليه أن يدفع للغاصب قيمة تلك الزيادة[13].

ويُعرَف مثل هذا الإختلاف بين الفقهاء بأنه إختلاف عرف وزمان لا إختلاف نظر وبرهان[14].

لذلك وردت الكثير من القواعد الفقهية التي تؤكد على أهمية العرف والعادة في علاقتهما بتحديد نوع الحكم الشرعي أو الوضعي، والتي منها ما ذكرته مجلة الأحكام العدلية، من قبيل: العادة محكمة، والحقيقة تترك بدلالة العادة، والممتنع عادة كالممتنع حقيقة، والعادة تعتبر فيما لو اطردت أو غلبت، وإستعمال الناس حجة يجب العمل بها، والعبرة للغالب الشائع لا النادر، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص، ولا ينكر تغيّر الأحكام بتغير الأزمان... الخ[15].

 2ـ تعارض الدليل الاجتهادي

ثمة نمط آخر من تغيير الأحكام والفتاوى يحصل عند التعارض بين الأدلة الاجتهادية، مما يقتضي العمل بالترجيح. فمثلاً يرجح الفقهاء الحاجة العرفية والمصلحة المقدرة في الواقع على القواعد والأدلة الاجتهادية؛ كالقياس والإستصحاب وغيرهما.

غير أن ترجيح المصالح على القواعد القياسية والأصول الاجتهادية؛ يفترض ضمناً وجود تعارض بين هذه الأدلة، الأمر الذي يعكس حالة تغيير الحكم أو نسخه. فالدليل الفقهي إذا عارض دليلاً قبله فسيفضي إلى إلغائه، أو إلغاء الحكم الذي يستند إليه. لهذا يشبّه بعض العلماء كما ينقل إبن تيمية ‹‹تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء، مع الفرق بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطناً وظاهراً، بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين››[16].

وفيما يتعلق بتعارض الأدلة الخاصة بالمصالح، قد يستند الدليل إلى الاستثناء المقدَّم على الأصول الاجتهادية الأساسية، وهو ما يُعرف بـ (الاستحسان). فسواء أكان العمل يجري بإطلاق تلك الأصول أم يُستثنى منها دليل المصلحة المشار إليه، فالنتيجة واحدة، إذ يبقى المسوّغ لتغيير الحكم المرتبط بتلك الأصول قائمًا.

كل ما في الأمر أن تغيير الحكم بعد تطبيق الأصول الاجتهادية يُعد تغييرًا فعليًا، بينما إذا تم الاستثناء قبل العمل بتلك الأصول، فإن تغيير الحكم يظل نظريًا لم يحالفه الحظ من التطبيق على أرض الواقع. وإن كانت حقيقته لا تختلف عن التغيير الفعلي المشار إليه آنفاً؛ طالما أن مسوّغات التغيير نابعة من متطلبات الواقع ومصالحه، وليس نتيجة أثر مباشر لدلالات النص واعتباراته اللفظية.

على ذلك فهناك إعتبارات متعددة لتغيير الحكم طبقاً لتعارض الأدلة. فقد يقوم المجتهد بصياغة اجتهاد معين ثم يعمد إلى تغييره، أو ينظر في مصلحة تدفعه إلى تعديل ما كان يفترض طرحه من اجتهاد وحكم، أو يأتي مجتهد آخر ليغيّر الحكم تبعًا لمصلحة معينة أو استنادًا إلى عرف من الأعراف.

ويعد العرف من أعظم العوامل التي يستند إليها الفقهاء في تغيير الحكم. فالعرف مقدّر لديهم ولو كان حادثاً أحياناً، بإعتباره غالباً ما يكون دليل حاجة، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين﴾[17]. فهو بالتالي أقوى من القياس، إذ يُرجَّح عليه حتى عندما يستند القياس إلى نص تشريعي بصورة غير مباشرة. ومن باب أولى يكون العرف مرجَّحًا على الاستصلاح (المصلحة المرسلة)؛ بإعتباره لا يستند إلى النص، بل إلى مجرد مصلحة زمنية عرضة للتبدل بإختلاف الظروف والأزمنة.

وعليه فالعرف كما يقول إبن الهمام في (شرح الهداية) هو ‹‹بمنزلة الإجماع شرعاً عند عدم النص››[18].

هكذا فإن الطريق إلى تغيير الأحكام ونسخها بفعل الواقع - ضمن إطار تعارض الأدلة - غالبًا ما يتم عبر المصلحة والعرف.

فبالنسبة للمفقود - مثلاً - إذا لم تثبت وفاته وكان متزوجاً، فبطريقة الإستصحاب يكون المفقود كالحي؛ وبالتالي يحرم على زوجته أن تتزوج بآخر، في حين إنه بمراعاة حقوق الزوجة وحاجاتها، طبقاً لقاعدة المصلحة المرسلة أو الاستصلاح، ينقلب الأمر إلى جواز زواجها[19].

كذلك أن الأصل القياسي يوجب على الحاكم أن يستجيب لكل دعوى ترفع إليه ليقضي على أساسها لصالح صاحب الدعوى أو عليه. لكن الفقهاء تركوا هذا القياس في بعض الحالات، فمثلاً إذا إدّعت الزوجة المدخول بها أن زوجها لم يدفع لها شيئاً من مهرها العاجل، ورفعت ذلك إلى القضاء، ففي هذه الحالة يرى بعض الفقهاء أن القاضي لا يقبل منها ولا يسأل الزوج عن ذلك؛ استناداً إلى العرف، لأن عادة الناس مطردة في أن المرأة لا تزف إلى زوجها ما لم يدفع بعضاً من مهرها العاجل[20]. فهذا ما ذهب إليه الفقيه أبو الليث ورجحه إبن عابدين[21].

كما أنه إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، فالقول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض. وعلق القاضي اسماعيل من فقهاء المالكية على ذلك بقوله: هذه كانت عادتهم بالمدينة: أن الرجل لا يدخل بإمرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها، لأجل إختلاف العادات.

كما أن القواعد القياسية توجب بأن لا يجوز دفع الدين لغير صاحبه إلا بوكالة أو ولاية، لكن الفقهاء تركوا هذا الحكم في بعض الحالات، كما في البنت البكر البالغة إذا قبض أبوها - أو جدها عند عدم الأب - المهر من زوجها حين زواجها، إذ اعتبروا هذا القبض نافذاً للعرف والعادة ما لم يصدر من البنت نهي عن دفع المهر إلى سواها[22].

كذلك فبحسب القياس لا يجوز بيع لبن امرأة في قدح لأنه جزء الآدمي، وهو بجميع أجزائه مكرّم مصون عن الإبتذال بالبيع، لكن الشافعي أجاز بيعه لأنه مشروب طاهر جرى العرف على بيعه من دون فرق بين الحرة والأمة[23].

كما ذهب المتأخرون من الفقهاء إلى اعتبار ما يدوّنه التاجر في الحساب الجاري حجّةً على المدين، استنادًا إلى العرف، في حين أن القياس لا يُثبت الحُجّية إلا بالبينة، ولا يعتمد على ما يدوّنه التاجر في دفتره العادي[24].

وأيضاً إنه بحسب القياس يبطل العقد إذا كان محله معدوماً أو مجهولاً لا يقبل التحديد وقت الإنشاء، لكن استثني من ذلك حالات تُرجّح فيها المصلحة والتيسير إستحساناً، مثل دخول الحمام رغم عدم تحديد كمية المياه المستعملة ولا وقت البقاء فيه.

وعلى هذه الشاكلة أُجيز الشرب من السقاء رغم عدم تبيان القدر المستهلك من الماء. وكذا مختلف إجارات المنافع كالأراضي والديار وغيرها[25].

ومثل ذلك أُجيز بيع السمك المحصور في الأجمة إذا كان قد أخذه ثم أرسله في الأجمة؛ لأن بارساله لا يزول ملكه، وإن كان لا يتمكن من أخذه إلا بالصيد لتعارف الناس، وهو خلاف اجتهاد إبن عمر وإبن مسعود الذين روي عنهما القول: ‹‹لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر››. وقد أخذ الأحناف باجتهادهما تبعاً للغرر[26].

كذلك أن الفقهاء القدماء لم يجوزوا الاستصناع طبقاً للقياس[27]، حيث لا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان، لنهي النبي (ص) عن ذلك باستثناء السَّـلَم. لكن أجازه من جاء بعدهم لتعارف الناس على التعامل به. فقيل إنه جائز إستحساناً للعرف العام، فبنوا أحكامه الفرعية عليه[28]. كما قيل إنه جائز إستحساناً لإجماع الناس عليه، لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، وعليه يكون مقدماً على القياس[29]. وبعضهم اعتبره جائزاً لقياس السَّـلَم عليه، فهو مستثنى من نهي البيع المعدوم صراحة، فيكون الإستصناع مستثنى ضمناً، للعرف الجاري في التعامل به، فهو مخصص للنص العام المانع لمثل هذا البيع[30]. كل ذلك مبرر بالعرف أو لإعتبار القاعدة الفقهية الشهيرة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة).

كما بالرغم من أن يد الأمانة لا تعد ضامنة عند عدم التقصير، فقد لجأ الفقهاء إلى تضمين الصناع بالمصلحة والإستحسان، وذلك عندما لاحظوا كثرة ما يفرّطون بالأمانة ويدعون حفظها، فاقتضى الأمر بالتضمين عند تلف أو فقد الأمانة. وقد نُقل أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع عند تلف أو ضياع ما في أيديهم من أمانة، وقال الإمام علي بهذا الشأن: ‹‹لا يصلح الناس إلا ذاك››[31].

كما أن إنقطاع الصلة بين الزوج والزوجة بالطلاق يحرم الأخيرة الميراث من الزوج، لكن الفقهاء استثنوا من ذلك فيما لو توافرت الشروط لتحقق مظنة فرار الزوج من التوريث؛ كإن طلق زوجته وهو في مرض الموت، فهذا الطلاق لا يمنعها من الميراث[32].

كما رغم أن القاعدة العامة ترى لزوم الحَجْر على السفيه في تصرفاته المالية؛ إلا أنه استثني من ذلك التصرفات التي يكون لها نفع تام من الهبات والوصايا. فالوصايا العقلائية مقبولة من السفيه، إذ القصد من الحَجْر عليه هو للمحافظة على ماله، كي لا يصبح كَلّاً على الناس وعالة عليهم، والوصية التي يتبرع بها لا تنفذ إلا بعد وفاته، فلا يضره ذلك في حياته، بعد حفظ حق الورثة منه[33].

كذلك رغم إتفاق الفقهاء على عدم إجازة بيع الثمار على الشجر قبل أن ينضج بعضه على الأقل للنص[34]، إلا أنهم اختلفوا في جواز ذلك إذا نضج أكثره أو بعضه، ومثله بيع الزروع كالبطيخ والباذنجان والكوسا وغيرها، إذ تخرج ثمراتها دفعات، وتسقى عدة مرات في أثناء ذلك، وقد جرى العرف على بيعها ولو خالف اجتهادات المجتهدين السابقين في منع بيع الثمار على الشجر. وجاء في (الهداية): ‹‹من باع ثمرة لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع، لأنه مال متقوم إما لكونه منتفعاً به في الحال أو في الثاني، وقد قيل إنه لا يجوز قبل أن يبدو صلاحها، والأول أصل››. وقد اختار الإمام محمد بن الحسن جواز تركها على الشجر خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف واستحسنه للعادة والعرف. وذكر السرخسي في (المبسوط): ‹‹وعند الشافعي يتركها إلى وقت الإدراك لأنه هو المتعارف بين الناس، ولو اشتراها بشرط الترك فالعقد فاسد عندنا، جائز عند الشافعي رحمه الله لأنه متعارف بين الناس››. وهو في هذا يتفق مع محمد بن الحسن خلافاً للصاحبين إستحساناً مبنياً على العرف، وقال مالك وبعض أصحاب أحمد وإبن القيم وشيخه بجواز هذا النوع من البيع[35].

وعلى هذه الشاكلة ذكر إبن القيم عدداً من الأحكام الواقعة تحت تأثير مبادئ العرف والحاجة والمصلحة ودفع الضرر؛ لولاها لاتخذت قالباً مغايراً ومضاداً من الأحكام، منها تضمين الأجير المشترك، ومنع الوصي من المضاربة بمال اليتيم في الزمن المتأخر لفساد الناس، وعدم إجارة الوقف أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي، وسقوط الشفعة إذا أقرّ طلب التملك شهراً عند الإمام محمد دفعاً للضرر، وبإفتاء العلماء بالعفو عن طين الشوارع للضرورة، وكذا طهارة الحياض والآبار واغتفار الغبن اليسير والعفو عن رشاش البول. ومن ذلك أيضاً القضاء بالأجرة للغسال والخباز والطباخ والدقاق والحمال وصاحب الحمام والقَيِّم؛ وإن لم يعقد معهم عقد إجارة؛ إكتفاءً بشاهد الحال ودلالته، ولو استوفى هذه المنافع ولم يعطهم الأجرة عُدّ ظالماً غاصباً، ومن ذلك قبول قول الوصي فيما ينفقه على اليتيم إذا ادعى ما يقتضيه العرف[36].

ومن النماذج الأخرى لتغيير الأحكام طبقاً لتعارض الأدلة؛ هو أن بيع النحل ودود القز غير جائزين عند الإمام أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف، لأنهما لا يعتبران هذه الحشرات من الأموال، قياساً على سائر هوام الأرض كالوزغ والضفادع. لكن الإمام محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة والشافعي حكما بماليتهما وصحة بيعهما لجريان التعامل بهما في عرف الناس بيعاً وشراءاً[37].

ولدى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين، كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن، لكن أجاز ذلك من جاء بعدهم بحجة أنه لو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة فسيلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالإكتساب من حرفة وصناعة فسيلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان، مع أن ذلك مخالف لِما اتفق عليه الثلاثة الأوائل؛ لإعتقادهم بعدم جواز الإستئجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات[38].

وبحسب القياس طبقاً لأبي حنيفة والشافعي إنه إذا فقأ صحيحٌ عينَ أعور فإن عليه نصف الدية، لكن المالكية لم يأخذوا بهذا القياس استناداً إلى المنفعة المقدرة في الواقع، حيث أن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، لذا وجب عليه مثل ديته لديهم[39].

كما بحسب القياس لا يُحدّ الرجل الذي شهد عليه أربعة بالزنا؛ إذا ما عيّن كل واحد منهم الجهة بغير ما عيّنه الآخر، فالظاهر هو أن الأربعة لم يجتمعوا على زنا واحد، لكن أبا حنيفة استحسن حدّه، كي لا يفضي الأمر إلى تفسيق العدول أو الشهود[40].

كما أن من المقرر في أصل المذهب الحنفي أن المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها؛ بإعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، طبقاً لمقتضى القواعد القياسية، لكن لما فسدت ذمم الناس بقلة الورع وكثرة الطمع؛ فقد أصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم بإجراء الوقف عليها أو هبتها لمن يثقون به. وهذا ما حدا بفقهاء الحنفية والحنبلية المتأخرين إلى الإفتاء بعدم نفاذ مثل تلك التصرفات من المدين إلا فيما كان زائداً عن وفاء دينه من أمواله[41]. وقد كان الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن ممن يذهب إلى ذلك خلافاً لاستاذهما أبي حنيفة[42].

وأيضاً في أصل المذهب الحنفي أن القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث استناداً إلى ما فعله عمر بن الخطاب، لكن لوحظ فيما بعد غلبة الفساد وأخذ الرشوات على القضاة، لذلك أفتى المتأخرون بعدم صلاحية ذلك العلم، والإكتفاء بالبينات والشهود[43].

كذلك فإنه في أصل المذهب الحنفي - خلافاً للمذاهب الثلاثة الأخرى - إن الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب طيلة مدة الغصب، بل يضمن العين فقط، بإعتبار أن المنافع عنده ليست متقومة في ذاتها، بل تتقوم بعقد الاجارة، ولا عقد في الغصب. لكن حيث أن الناس أصبحت لديهم الجرأة على الغصب نتيجة فساد الذمم وضعف الوازع الديني؛ فإن المتأخرين من فقهاء الحنفية أفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب، إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للإستغلال. وهذا ما استقر عليه العمل في مجلة الأحكام العدلية[44].

وبمقتضى القواعد العامة للقياس في الفقه الحنفي فإن البالغ العاقل أو الرشيد إذا أصابه الجنون أو العته فإن الولاية عليه تكون للقاضي ولا تعود إلى الأب والجد، لكن بالإستحسان من حيث وفرة الشفقة والرعاية لدى الأب والجد فإن الولاية تصبح لأحدهما ولا تعود للقاضي[45].

ومع أن القاعدة العامة تنص بأن للزوج أن يسافر بزوجته حيث شاء، وهو ما أفتى به المتقدمون من الفقهاء، لكن جماعة من المتأخرين أفتوا بعدم جواز ذلك، حيث أن السفر يضار الزوجة ويضيق عليها، واعتبروا فتوى الفقهاء المتقدمين جاءت لصلاح الناس في زمانهم وعدم قصدهم المضرة بالسفر. وبالتالي فقد أرجع المتأخرون الفتوى إلى إختلاف الزمان والعرف إن كان السفر فيه مأموناً أو غير مأمون[46].

ومن ذلك أن جماعة من المتأخرين ذهبوا إلى مخالفة المشهور، إذ قرروا بأن من هرب بامرأة يتأبد عليه تحريمها، مظنة أن من يعلم ذلك لا يقوم بالهروب وهو يعرف أنه لا يحل له الزواج بها. بينما المشهور يذهب إلى عدم التأبيد[47].

كما أن جماعة من الفقهاء منعوا تأجير الأرض بما يخرج وينبت فيها؛ لأنه تأجير بمجهول، لكن أباحه بعضهم لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج، إذ من الناس من تكون له الأرض ولا قدرة له على زراعتها، ومنهم من له القدرة على ذلك وإن لم يملك أرضاً، فالمصلحة بهذا شاملة للطرفين لا يجوز تضييعها[48]. وبعضهم اعتبر إجازة ذلك لعموم البلوى، إذ إن المعاملات إذا سادها الفساد على العموم فلا بد من الترخيص فيها.

كما أحدث إبن تيمية حكماً يخص الطلاق بخلاف من سبقه من المجتهدين وما كان عليه رأي عمر بن الخطاب. فقد تمسك في بعض حججه طبقاً لما عليه الواقع الإجتماعي مثلما فعل الخليفة عمر من قبل وإن كانت النتيجة بينهما متخالفة. فقد رفض إبن تيمية معاقبة الناس في إلزامهم بالطلاق، معتبراً أن جمع الثلاثة محرم، لكن حيث أن أكثر الناس لا يعلمون بأن هذا الجمع محرم، لا سيما وأن الشافعي يراه جائزاً، لذا يستشكل كيف يُعاقب الجاهل بالتحريم؟! وهو يرى أن المصلحة في عقوبة عمر عند إلزامهم بالثلاث هي أنه قد سدّ عليهم باب التحليل كعقوبة، لكن ما جرى للكثير من الفقهاء بعده هو عكس ما جرى للخليفة الراشد من مصلحة، فقد فتحوا للناس باب التحليل، الأمر الذي أخلّ بالمصلحة التي سلكها هذا الخليفة لردع الناس. فالرجل إذا علم أن بإمكانه أن يرجع إلى امرأته بالتحليل استهان بأمر الطلاق بالثلاث، وبالتالي فإن الإلزام بالثلاث لا يشكل عليه عقوبة رادعة.

لذلك رأى إبن تيمية لو أن عمر علم بأن الناس يتتابعون بعده بالتحليل لما عمل على تغيير ما كان عليه الأمر في عهد النبي وأبي بكر، لا سيما وأنه ندم على ذلك قبل موته كما يُنقل[49]. مهما يكن فقد اختار بعض المتأخرين ما رآه إبن تيمية، كالذي عليه صاحب (المختارات الجلية)[50].

ومن التغييرات المتعلقة بالعقود، إنه قبل إنشاء السجلات العقارية الرسمية التي تحدد العقارات وتعطي كلاً منها رقماً خاصاً، كان الشرط في صحة التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد هو ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الأربع ليتميز العقار المعقود عليه عن غيره وفقاً لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد. ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان، كما هو الحال في أيامنا الحاضرة، أصبح يُكتفى في العقود - من الناحية القانونية - بذكر رقم محضر العقار دون ذكر حدوده. وهذا ما يوجبه فقه الشريعة، لأن الأوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت وسيلة جديدة أسهل واتمّ تعييناً وتمييزاً للعقار من ذكر الحدود. وكذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلا بتفريغ العقار وتسليمه فعلاً إليه، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك. فإذا لم يتم هذا التسليم يبقى العقار في يد البائع فيكون هلاكه على ضمانه ومسئوليته. لكن بعد وجود الأحكام القانونية، التي تُخضع العقود العقارية للتسجيل، استقر الاجتهاد أخيراً بإعتبار التسليم حاصلاً بمجرد تسجيل العقد في السجل العقاري، فمنذ هذا التاريخ ينتقل الضمان إلى عهدة المشتري[51].

كما أُجريت جملة من التغييرات في بعض العقود المستحدثة، كما في عقد التأمين، فالأصل فيه عدم الجواز لما فيه من شبهة المقامرة أو الرهان الممنوع، أو أن التأمين على الحياة بالخصوص هو كفالة ضد قدر الله تعالى، ويكاد يكون خطراً على عقيدة الشخص المسلم إذا ما تعاقد فيه. وقد ذكر الشيخ الزرقاء أن أغلب علماء الشريعة المعاصرين حرموه لمثل هذه الإعتبارات من غير دراسة عميقة[52]. لكن جوّزه بعض العلماء قياساً على عقد الموالاة، أو الحراسة، أو بيع الوفاء الذي أباحه الحنفية إعتماداً على العرف، ونفوا أن يكون فيه غرر أو جهالة مفضية إلى نزاع[53].

ويُعد بيع الوفاء ‹‹من العقود المستحدثة في القرن الخامس الهجري، وجمهور الفقهاء يعتبرونه باطلاً لأنه يشتمل على بيع وشرط››[54]. لكن صححه البعض كما هو قول صاحب (الأشباه والنظائر)، إذ نقل عنه الشيخ عبد الوهاب خلاف قوله: ‹‹ومن ذلك الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الديْن على أهل بخارى، وهكذا بمصر، وقد سموه بيع الأمانة... وفي (القنية والبغية): يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح››[55].

ومن ذلك أيضاً إباحة شركات المساهمة، فقد حرّمها بعض الفقهاء المحدثين لأنها تتناقض مع عقد الوكالة، أو لأنها ليست عقداً أصلاً بين شخصين أو أكثر، أو لأنه لا يوجد فيها الجهد البدني من المشتركين، ولكن كثيراً من العلماء أباحوها نتيجة التطور التجاري، ولأنها تقوم على التراضي وهو أصل في العقود ولتوافر شروط الشركات الإسلامية فيها، وقيامها على الربح والخسارة[56].

 3ـ التعارض مع النص

من المعلوم أن ظاهرة تغيير الأحكام لم ولن تتوقف عند حدود تعارض الأدلة، بل تتجاوز هذه الحدود لتصل إلى أحكام النص ذاته. ورغم أن المبدأ العام عند الفقهاء هو عدم الاجتهاد عند وجود النص؛ إلا أن الحاجات الزمنية فرضت الكثير من التغيرات على أحكام النص.

ولا يمكن تبرير هذه العملية إلا بالاعتراف بأن النص، بوصفه مادة لغوية، لا يفي بسد حاجات الواقع العام. وبالتالي، لا بد من الاسترشاد بعلاقته بواقع التنزيل، مع التظلّل بمقاصده العامة والخاصة.

مبدئياً سبق أن ذكرنا العديد من الأنماط الفقهية التي أجازت تغيير أحكام النص ونسخها بالاجتهاد، فمن العلماء من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس، وبعضهم وافق على نسخ أخبار الآحاد فقط. كما إن منهم من جوّز نسخ أحكام النص بالقياس الجلي لا الخفي، وبعضهم جوّز النسخ بكلا النوعين من القياس؛ بتعليل مرده إلى قياس النسخ بالتخصيص، فما جاز التخصيص به جاز النسخ به بلا فرق. بل أكثر من هذا ما ذهب إليه جماعة من أن لولي الأمر أو الإمام حق ممارسة نسخ ما يراه مناسباً من الأحكام الدينية.

وعلى الصعيد العملي مارس الفقهاء، لا سيما القائلون بالمصالح والإستحسان، نوعين من الاجتهاد وتغيير الأحكام في قبال ما هو حاصل عندهم من نصوص. أحدهما لا يتجاوز تقييد النص وتخصيصه دون أن يلغي امتثاله كلياً. أما الآخر فهو معني بهذا الإلغاء؛ إما على نحو تام، أو على نحو مناط بما يفترض له من علة.

لكنّا لسنا بصدد تسطير ما قام به الفقهاء من مخالفة أحكام النص لترجيح القياس والاجتهاد عليها، كالذي أشار إليه إبن القيم ودلل عليه بشواهد غزيرة في كتابه (أعلام الموقعين عن رب العالمين)، ومن ذلك ما نصّ عليه من حالات كثيرة من القياسات غير المنضبطة بالضابط الشرعي، بل جاءت متناقضة ومخالفة لنصوص الإسلام ومبادئه، وبلغت الصفحات التي سوّدها هذا الفقيه لبيان هذه القياسات غير المنضبطة ما يقارب الأربعين صفحة[57]. وكذا ما ذكر من أمثلة لاجتهادات فقهية كثيرة العدد تقارب الستين شاهداً؛ تعدل عما جاء من نصوص شرعية وتردها[58]..

لكن لسنا بصدد تفصيل الحديث عن هذه المخالفات، بل سنحصر إهتمامنا على الشواهد المعنية بدور الواقع في تغيير الأحكام، ومنها أحكام النص، كما هو مورد بحثنا الآن.

أـ الواقع وتخصيص الحكم

فيما يتعلق بتغيير أحكام النص بالتقييد والتخصيص، يُلاحظ أن الفقهاء، رغم تمسكهم في امتثال أحكام النص على نحو الإجمال، إلا أن ذلك لم يمنعهم من ممارسة التغيير في شطر منها لا ينبئ بها الجانب اللغوي للنص، ولا تفرضه الضرورة العقلية أو الحسية التي تُعتبر بمثابة المنصوص فيه[59]. فالفقهاء لم يتوقفوا عند تقييد النص وتخصيصه طبقاً للقرائن اللفظية والحالية، ولا طبقاً للإجماع والسيرة فحسب، بل أضافوا إلى كل ذلك مصالح الواقع وحاجاته. وهم لا يعدون هذه الممارسة تعطيلاً للنص أو نسخاً لحكمه بالكامل، بل يعتبرونها توفيقاً إضطرهم إليها ضغط الحاجة. وغالبًا ما فسروا هذا الحال استنادًا إلى مبدأ العرف، لكنهم مع ذلك تحفظوا على التمسك بهذا المبدأ إلا ضمن شروط مقبولة كالتالي:

 1ـ أن يكون العرف مطرداً أو غالباً.

 2ـ أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائماً عند إنشائها. فالعرف الحادث لا عبرة به في الحكم، لذا قالوا ‹‹لا عبرة بالعرف الطارئ››. وعليه يجب أن تفهم النصوص التشريعية بحسب مدلولاتها اللغوية والعرفية خلال عصر النص؛ لأنها مراد الشارع ولا عبرة لتبدل مفاهيم الألفاظ في الأعراف المتأخرة.

 3ـ أن لا يعارض العرف تصريح بخلافه، من قبيل العقود التي نهى عنها الإسلام؛ مثل بيع الملامسة والمنابذة وغيرها، ومن قبيل الغزو واستباحة الحقوق به، ونكاح الشغار وإثبات ولد الزنا[60].. إذ للعرف دلالة ليست صريحة، والقاعدة الفقهية تقول: ‹‹لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح››. فهذا الشرط يعتبر قيداً أساسياً لقاعدة بيان عرف المعاملات القائلة: ‹‹المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً››.

 4ـ أن لا يكون في العرف تعطيل لنص ثابت أو لأصل قطعي في الشريعة. فنص الشارع مقدم على العرف. لكن لو كان العرف مما يمكن تنزيل النص الشرعي عليه أو التوفيق بينهما فالعرف عندئذ معتبر وله سلطان محترم[61]. كذلك فإن ‹‹العرف الطارئ إذا كان له مستند شرعي من نص أو إجماع أو ضرورة ملجئة يعتبر ولو خالف النص الخاص، وإلا فلا›› كما ذهب إلى ذلك أبو سنة في رسالته (العرف والعادة في رأي الفقهاء)[62].

وبمثل الشروط السابقة تمسك الفقهاء بحجية العرف في تخصيصه لحكم النص. فالقاعدة عند الحنفية هي أن العرف العام بنوعيه القولي والعملي يقوى على تخصيص النص، أما العرف الخاص فالراجح لديهم أنه لا يقوى على ذلك. فمثلاً ورد عن النبي حديثان أحدهما ينهى عن بيع المعدوم، والآخر ينهى عن بيع الغرر - المخاطرة -، وقد قام فقهاء المذهب الحنفي بتخصيص هذين الحديثين وجوزوا بيع المواسم الثمرية للكروم وسائر الأشجار ذات الثمار المتلاحقة، متى ظهر بعض هذه الثمار وبدا صلاحها؛ تبعاً لمصلحة حاجة الناس إلى مثل هذا البيع، إذ أشجار هذا النوع لا تؤتي ثمارها دفعة واحدة، بل كلما قُطفت خلّفت، أي أن فيها بيع المعدوم، كما إن فيها بيع الغرر، فكميتها احتمالية لا يمكن تحديدها وقت البيع. وقد قال الحنفية إن هذا تخصيص للنص بالعرف وليس تركاً للنص كلية[63]. لكن يظل، سواء عند الحنفية أم المالكية، أن العرف أصل مستقل يخصص العام منه النص العام، ويقيد المطلق، ويقدم على القياس.

بل يرى بعض العلماء بأن العرف الخاص القائم يمكن أن يخصص النص العام. فمثلاً جاء عن الإمام مالك أنه إذا كانت المرأة ذات حسب فإنه لا يلزمها أرضاع ولدها، بل يحق لها استئجار مرضعة له طبقاً للمصلحة العرفية. إذ اعتبر أن كل أم يلزمها رضاع ولدها طبقاً لما نصّ عليه القرآن الكريم، لكنه استثنى من ذلك - خلافاً لبقية الفقهاء - ذوات الحسب كتخصيص لعموم قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾[64]؛ تبعاً للمصلحة.

وقد علّق على ذلك إبن العربي بقوله: ‹‹هذا فن لم يتفطن له مالكي، وقد حققناه في أصول الفقه. والأصل البديع فيه هو أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب، وجاء الإسلام عليه فلم يغيره، وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضاع إلى المراضع إلى زمانه، فقال به››[65].

غير أن قبول الفقهاء لمبدأ العرف العام في تخصيصه للنص وتقييده؛ جعلهم يفهمون النص فهماً لا يتقيد بحرفية المنصوص كلياً، فقد منحوا لتأثير الأحوال العامة للواقع دوراً في فهم النص.

وقد يقال إن في هذا الفعل مخاطرة، بإعتباره يجانب حقيقة ما يريده الخطاب الديني، إذ فيه تغيير لحكم النص وتحويله مما هو عام ومطلق إلى شكل يستثنى منه بعض ما يعارضه العرف العام. وهو من هذه الناحية لا يختلف عن مخاطرة تخصيص النص بالعرف الحادث وجعل المنصوص متعلقاً بما عليه واقع الظرف القائم في عصر النص، وليس الواقع العام بشكل مطلق.. فكيف جاز قبول الصنف الأول دون الثاني مع أنهما يواجهان - معاً - نوعاً من المخاطرة لعدم أخذهما بعموم النص وإطلاقه؟

فلو قيل - مثلاً - كتمييز بين الصنفين، إن الأول إنما يخصص النص العام لوجود مصلحة أو حاجة في العرف العام لا تتسق مع العموم في النص؛ لكان يمكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة إلى تخصيص النص بالعرف الحادث من غير فرق. وكذا لو قيل إن ذلك يرتهن بعلاقة النص بالعادة الجارية؛ لكان يمكن الجواب بأن تغيّر العادة يبعث على تغيّر ما يتوقف عليه من حكم. لهذا فرغم أن هناك من اعترض على أبي يوسف كيف أنه قام بمخالفة بعض النصوص بالعرف الحادث؛ إلا أن في المقابل هناك من المتأخرين من أخذ يدافع عنه تعويلاً على ربط النص بالعادة.

بل ثمة الكثير من القضايا التي تقبّلها الفقهاء مع أن فيها تخصيصاً وتغييراً بالعرف الحادث أو بغيره مما فرضته الحاجات الزمنية. وهو أمر يدعو إلى طرح القضية لا على مستوى التخصيص فحسب، بل وعلى تبديل الحكم الكلي برمته إن وُجد له تفسير يتماشى مع واقع التنزيل.

فهذا لا يختلف عما قام به الفقهاء من تخصيص النص وتقييده؛ سواء بالعرف أو بغيره. ففي جميع الأحوال يتسق هذا الفهم مع الواقع وإن خالف بذلك ظاهر النص، سواء كانت هذه المخالفة مفضية إلى التخصيص، أو أنها تفضي إلى ربط النص بالواقع القائم أو الخاص بالتنزيل مثلما فعل أبو يوسف وغيره كما سنرى. فكلا الفهمين يتأسسان - ولو بدرجات - على الأخذ بروح الشريعة دون الوقوف عند الحرفية اللفظية الصرفة من النصوص. لذلك فإن الإتجاه المخصص للنص بالعرف وغيره يجد رفضاً من قبل الإتجاه الآخر المتمسك بالحرفية التامة للنصوص. وسبق للشاطبي أن أشار إلى مثل هذين التيارين في تعاملهما مع قضايا فهم النص كما سنعرف.

على أن بعض الفقهاء لم يحصر التخصيص في العرف العام ولا القائم ولا مجرد العرف كمبدأ، بل جعله مستنداً إلى مطلق الأدلة. وكما أورد إبن العربي واعتمد عليه الشاطبي من أن أبا حنيفة ومالكاً يريان تخصيص عموم النص بأي دليل كان؛ من ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة[66].

فمثلاً أفتى أبو حنيفة ومالك بجواز دفع الزكاة للهاشمي مع ورود الحديث بالمنع. إذ لما تغيرت الأحوال واختل نظام بيت المال وضاع حق الهاشميين منه أفتيا بذلك، دفعاً للضرر عن هذه الطائفة، وحفظاً لها من الفقر ومذلة الحاجة[67].

كما أباح بعض الفقهاء الربا في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع[68]، رغم تحريمه من قبل النص القرآني.

كذلك سلّم الفقهاء بإطلاق قاعدة (لا يقتل الوالد بولده) طبقاً لما جاء في الحديث النبوي: ‹‹لا يقتل الوالد بالولد››، حيث أخرجه الترمذي عن إبن عمر عن النبي (ص)، وقال فيه إبن عبد البر: ‹‹هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، وهو عمل أهل المدينة، ومروي عن عمر››[69]. وسواء اعتبرنا الفقهاء عملوا بتلك القاعدة استناداً إلى الحديث المذكور، أو استناداً إلى ما قضى به عمر بن الخطاب بالدية مغلّظة في قتل الوالد لإبنه، دون أن يُنكر عليه أحد من الصحابة، فإن أبا بكر بن العربي رأى أن الفقهاء هم الذين قرروا هذه المسألة تحت عنوان: "لا يُقتل الوالد بولده"، ولم يرد في ذلك نص صحيح عن النبي (ص) سوى حديث عدّه باطلاً، وهو: "لا يُقاد والد بولده". بل وان مالكًا لم يأخذ بإطلاق القاعدة التي عليها عمل أهل المدينة، إنما قيَّدها بحالات القتل العارضة. لذلك رأى أنه يُقتل الوالد بولده إذا ثبت أنه تعمّد قتله، كما لو أضجعه وذبحه، أما إذا رماه بالسلاح بدافع التأديب أو الغضب فلا يُقتل به. في حين يُقتل الأجنبي بمثل هذا الفعل. كما قال في هذا السياق: إنه لو حذفه بسيف، وهذه حالة محتملة لقصد القتل وغيره، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل، لذا فإنه لا يُقتل، لكن لو أضجعه فإنه يكون قد كشف عن قصده فيُقتل[70].

كما أن مذهبي مالك والشافعي لا يأخذان بإطلاق النهي الوارد في أحاديث سفر المرأة وحدها، حيث أجازا حج المرأة وحدها من غير محرم إن كانت في رفقة مأمونة. لذلك يعتقد أنهما فهما النهي المنصوص عن سفرها وحدها عند إضطراب الأمن وخوف الفتنة فحسب[71].

ومن ذلك أيضاً ما حكاه إبن بشكوال بأنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم أن واقع زوجته في رمضان، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته. فقال يحيى بن يحيى: يكفر ذلك صيام شهرين متتابعين. فلما برز ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق والطعام والصيام؟ فقال لهم: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود.

وعلّق الشاطبي على هذه الحاثة فقال: ‹‹إن صح هذا عن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفاً للإجماع››[72]. كما إنه خلاف الترتيب الوارد في النص.

وعلى نفس هذا المنوال وجد فقهاء الحنفية أن هناك موضوعات تقتضي فيها المصلحة قبول شهادة التسامع، حيث يتعذر العيان المشروط، ومن بينها ما يتعلق بإثبات النسب والوفاة والدخول بالزوجة، وأيضاً إثبات أصل الوقف ولو كان العقار في حوزة صاحب اليد، وذلك كي لا يجرأ إنسان على غصب الأوقاف القديمة. وهو خلاف ما قرره سائر الفقهاء من عدم قبول شهادة التسامع في إثبات الحقوق استناداً إلى ما روي عن النبي قوله عندما سُئل عن الشهادة: هل ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: ‹‹على مثلها فاشهد أو دع››.

كما تقبل فقهاء الحنفية شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه إلا النساء، كالجرائم التي تقع في حماماتهن، وكشهادة القابلة على الولادة وتعيين الولد عند النزاع فيه، وبمقتضى مثل هذه المصالح خصصوا نصوص القرآن والسنة التي تشترط في الشهادة عنصر الذكورة كلاً أو بعضاً[73].

ومن الأمثلة الأخرى على تخصيص النص بالعرف والمصلحة هو أن الفقهاء منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق ومنع تحليف المدعى عليه لها إعتماداً على ما يصدقه العرف، مع أن الحديث النبوي يقرر بأن ‹‹البينة على من ادعى واليمين على من أنكر››. وقد لاحظت المالكية أنه قد يُستغل هذا الحديث فيتجرأ السفهاء على الفضلاء ويجروهم إلى المحاكم بدعاوى كاذبة موهومة أمام الناس، فيستغلوا كراهيتهم للحلف ليبتزوا أموالهم افتداءً من اليمين. لهذا لا يوجب الإمام مالك تحليف المدعى عليه ما لم يكن بينه وبين المدعي خلطة؛ نظراً لتلك المصلحة ودرءاً للإستغلال الباطل[74].

ومثل ذلك ما قام به العديد من العلماء في عدم التقيد بما جاء في النص من تحديد موارد الزكاة للثمار، حيث ورد في نص الحديث ‹‹إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب››. فبعضهم اعتبر الزكاة جارية في الموارد الأخرى للثمار، بتعليل مفاده أن النص إنما حدد تلك الأصناف الأربعة بإعتبارها كانت شائعة ورئيسية آنذاك[75].

كما أن البعض أبدى مرونة إزاء الحدود، كالذي قرره إبن تيمية وتلميذه إبن القيم. فهذا الأخير رأى أن الحد يسقط عن التائب قبل القدرة على امساكه[76]. وهو واستاذه أفتيا بجواز ايقاف تنفيذ حد السرقة في بعض الحالات.

وعلى هذه الشاكلة قال إبن القيم: لو رأى إنسان موتاً بشاة غيره أو حيوانه المأكول، فبادر بذبحه ليحفظ عليه ماليته، كان بذلك محسناً ولا سبيل على محسن، ومن أوجب عليه الضمان؛ فقد سد باب الإحسان إلى الغير في حفظ ماله، لذا يُخصص به النص العام القاضي بعدم التصرف في مال الغير إلا بإذنه.

وثمة حالات أخرى كثيرة خُصصت إعتماداً على العرف: منها ما إذا استأجر أحد دابة جاز له ضربها إذا حرنت في السير وإن لم يستأذن مالكها. ومنها لو وقع الحريق في الدار، أو في جزء منها، فبادر فهدمها على النار لئلا تسري؛ فإنه لا يكون ضامناً إعتباراً بالعرف. وكذا لو رأى السيل فهدم عليه جزءاً من ملك غيره كي لا ينهدم الكل فإنه يكون غير ضامن ما هدمه. ومنها ما هو متعارف عليه من أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت ويتكئ على وسادته ويقضي حاجته بحسب المتعارف عليه، فكل ذلك لا يعد تصرفاً في ملك الغير بغير اذنه. ومنها أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد، أو تناول اليسير مما يسقط من مأكول وغيره[77].

لذلك عقّب إبن القيم بعد ذكره لمثل هذه الحالات؛ معتبراً أن أضعاف أضعاف هذه المسائل هي مما كان العمل فيها طبقاً لشاهد الحال والعرف والعادة وليس النطق الصريح، طالما أن الشريعة لا ترد حقاً ولا تكذب دليلاً ولا تبطل أمارة صحيحة[78].

ب ـ الواقع وتغيير الحكم

لقد تعدى الفقهاء حدود تخصيص حكم النص وتقييده كما رأينا سابقاً، وأجروا عليه التعديلات والإدخالات الإضافية تارة، ونسخه تارة أخرى، بتعليل مرده إلى المقاصد الشرعية التي هي بمثابة الحاكم على الحكم ذاته مع وجود الحاجة وتغير الظروف والأحوال.

والفارق الأساس بين هذا النوع وما قبله، هو أن في هذا النوع تغييراً لحكم النص بكافة صوره وتطبيقاته، خلال فترة معينة أو محل معين. في حين إن التغيير في النوع السابق يعمل على إستثناء بعض مصاديق الحكم من التطبيق، طبقاً للمصلحة أو الحاجة أو العرف أو غير ذلك.

وتغيير حكم النص تارة يكون طبقاً لعلة منصوصة أو مفهومة من لفظ النص، وأخرى بغير ذلك وهو الغالب.

فمثلاً على الحالة الأولى إن الأساس في إعتبار الصمت في استئذان الفتاة البكر في النكاح هو العرف القائم في ذلك الوقت؛ طبقاً لحديث عائشة كما روي في الصحيحين، إذ جاء أنها سألت النبي فقالت: ‹‹يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم. قلت: فإن البكر تستأذن فتستحي، قال: إذنها صماتها››[79]. وواضح أن نص الحديث ‹‹إذنها صماتها›› قائم على إعتبار العرف طبقاً للسياق. وحكم النص يؤكد على أن سكوت البكر عند استيذان وليها لها في تزويجها من رجل معين وبمهر محدد يعتبر إذناً منها وتوكيلاً، وقد اتفقت آراء الفقهاء على أن هذا الحكم مبني على ما معروف في البكر من الخجل عن إظهار رغبتها في الزواج عند استئذان وليها لها. لكن اليوم تغيّر العرف في كثير من البلدان وأصبح لا يكفي فيه صمت الفتاة البكر، إذ بلغت من الجرأة حداً تعرب فيه عن رأيها لفظاً فيعتبر إذنها كإذن الثيب، يؤخذ بالعرف لأن أساس حكم النص قام على إعتبار العرف وقد تغيّر فيتغير بتغيره[80].

والمثال كما هو واضح دال على تغيير حكم النص كلياً استناداً إلى المفهوم من لفظ النص وسياقه الدلالي. لكن هناك أمثلة كثيرة تشهد على تغيير الفقهاء لأحكام النص بدلالات هي ليست مأخوذة من النص ذاته، بل من الواقع وما يفرضه من إعتبارات مختلفة.

ومن ذلك ما جاء عن النبي أنه نهى عن كتابة أحاديثه وقال: ‹‹من كتب عني غير القرآن فليمحه››، ومع أنه ورد في القبال أحاديث أخرى لا تمانع من الكتابة والتدوين، إلا أن الكثير من الصحابة والتابعين كانوا يتهيبون التدوين أو الإبقاء عليه، وقد فهمَ الفقهاء من ذلك الكراهة تبعاً للنهي، واستمر التحفظ والكراهة حتى مطلع القرن الثاني، ثم بعد ذلك انصرف العلماء بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز أو من جاء بعده من الخلفاء العباسيين إلى تدوين الحديث النبوي خشية من ضياعه، معللين سبب النهي بأنه يعود إلى عدد من الأسباب أبرزها الخوف من أن تختلط الأحاديث بالقرآن، حيث من وجهة نظر العلماء أنه لما عمّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة لم يبق لهذا الخوف من معنى، وعليه أوجبوا كتابة الحديث لصيانته من الضياع بعد أن كانت مكروهة. وهذه هي السردية الشائعة وقد أشبعناها بحثاً ومناقشة في كتابنا (مشكلة الحديث)[81].

ومن ذلك ما قاله الزبير بن البكار: قلت لعبد الملك بن الماجشون وقد رأيته يأكل الرطب بقصعه، كيف تفعل هذا، وقد نهى رسول الله (ص) عن تقصيع الرطب؟ فقال: إنما نهى رسول الله (ص) عن تقصيع الرطب حيث كان أكله يتشبع به، وقد جاء الله بالرخاء والخير، والمراد ها هنا بالتقصيع أكل الرطبة في لقمة، وذلك يكون مع الشبع، فإذا لم يكن غيرها فأكلها في لقم أثبت للشبع[82].

كما أن شرط القرشية في الخلافة الذي قيل فيه إنه يحظى بالنص والإجماع قد أُسقط لدى العديد من العلماء بمبررات لها علاقة بفهم الواقع وما طرأ عليه من تحولات وتجددات، كالذي سيأتي تفصيله لاحقاً.

كذلك أُعتبرت الوصية للأقربين مستحبة لقوله تعالى: ﴿كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين حقاً على المتقين﴾[83]، وعُدّت هذه الآية منسوخة بالنسبة للوارثين بآية الميراث وهي قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾[84]، وبقول النبي (ص): ‹‹ألا أن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث››، لذا رأى فقهاء المذاهب الأربعة أنه لا تجوز الوصية للوارث. وقد جرى عرف الناس على أن يقوم الورثة بإعطاء أبناء أخيهم المتوفى من الميراث، وأن يوصي الجد لأولاد إبنه المتوفى رأفة بهم ورحمة. لكن تغيّر الأوضاع، وانتشار عرف الناس على حرمان أحفاد الجد، وعدم إعطائهم له، جعل بعض الفقهاء يقول بالوصية الواجبة في جعل الأحفاد يأخذون من ميراث جدهم مع وجود أعمامهم إذا مات أبوهم قبل وفاة جدهم أو جدتهم، لمعالجة حرمان الأحفاد من ميراث جدهم أو جدتهم ولإنصافهم ورفع الحيف عنهم. وتغيير هذا الحكم إنما جاء بناء على تغيّر العرف[85]. وهو الحكم الذي إستندت إليه القوانين الحديثة، كقانون الوصية المصري المرقم (71) لسنة (1946م)، حيث أجاز الوصية للوارث ما دامت لا تزيد على الثلث، وأوجب الوصية لبعض الأقربين من ذرية الميت[86].

ومن ذلك أيضاً إن بعض الفقهاء لم يكتفِ بظاهر العدالة في الشهادة لتفشي الكذب وانتشار الجرأة على شهادة الزور، مع أن النص العام بعدالة المسلمين كان يقتضي الإكتفاء بظاهر العدالة مثلما هو الحال في زمن رسول الله (ص) وصحابته. فمن ذلك أن الإمام أبا حنيفة اكتفى في عدالة الشهود بالعدالة الظاهرة لمستور الحال فيما عدا الحدود والقصاص دون حاجة لتزكيتهم؛ استشهاداً بقول الرسول: ‹‹المسلمون عدول بعضهم على بعض››. لكن لما غلب الفساد على الناس وفشا الكذب وتجرأ الناس على شهادة الزور؛ فإن الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن قالا بضرورة تزكية جميع الشهود دون أن يكتفيا بالعدالة الظاهرة[87].

كما أن الشهود الذين يُقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً كشرط إشترطه القرآن الكريم وأيدته السنة الشريفة وأجمع عليه الفقهاء. لكن ندرة العدالة الكاملة في الأزمان المتأخرة لضعف التدين وقلة الورع؛ جعل المتأخرين من الفقهاء يقبلون شهادة الأمثل فالأمثل من القوم وإن لم يتوفر صاحب العدالة الكاملة، حفظاً للحقوق من الضياع فيما لو امتنع الإثبات لغياب تلك العدالة[88].

وعلى هذه الشاكلة ما قاله أبو عمران: سألت عن مسألة ما سألت عنها منذ قرأت، إذ قال بعض المصامدة: يجري عندهم في رجل يقتل رجلاً فلا يصل الحد إلى القصاص؛ هل يُجبر على الدية، مخافة أن طُلب القصاص قامت الفتنة بينهم فيُقتل خلق كثير، فأفتى الشيخ الحاكم الذي سُئل عن هذا بأن يحكم بالدية مخافة أن تنزل الفتنة فتئول إلى هلاك بعضهم. قال الشيخ: وهذا أكثر المقدور عليه[89].

كذلك فرغم أن الفقهاء لم يتقبلوا الأخذ بالعرف المخالف للنص كلياً؛ لكن بعضهم استثنى من ذلك فيما لو كان النص حين نزوله وصدوره عن المشرع مبنياً على عرف قائم ومعللاً به، ففي هذه الحالة يكون النص عرفياً يدور مدار العرف ويتبدل تبعه.

فمثلاً إن النص في تحريم الربا في الأجناس المتساوية نصّ على الوزن، بالنسبة للذهب والفضة، وترك الأمر عاماً بالنسبة لغيرهما، ففي النص على الوزن جاء قول النبي (ص): ‹‹الذهب بالذهب وزناً بوزن مثْلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثْلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا››[90]، في حين إن النص في غيرهما جاء عاماً، كقول النبي (ص): ‹‹الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثْلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد››[91].

ورغم صراحة النص في تحديده لأن تكون المثلية في الذهب والفضة بحسب الوزن لا الكيل، إلا أن البعض علل ذلك طبقاً للعرف القائم في عصر النص. أي أن نوع المثلية يُحدد بحسب ما عليه العرف، فما كان وزنياً كالذهب والفضة اعتبر فيه الوزن، وما كان كيلياً كالحنطة والشعير والملح والتمر اعتبر فيه الكيل، كما هو المتعارف عليه في ذلك العصر.

والملاحظ أن الحديث نصّ على التساوي الوزني في الذهب والفضة بالخصوص، أما ما عداهما من المواد الأربعة الأخرى فقد تعامل فيها العرف القائم بحسب الكيل، غير أن العرف تبدل في هذه الأزمان فأصبحت الحنطة والتمر والشعير والملح توزن وزناً ولا تكال كيلاً، فأي العرفين يعتبر هنا؟

لقد ذهب الحنفية إلى عدم إعتبار العرف الحادث طبقاً للنص المخالف الآنف الذكر، وذهب معهم جمهور المجتهدين، لكن أبا يوسف عوّل على حجية مثل هذا العرف، وأنه يتبدل المقياس بحسبه كما في الأموال الربوية التي لم يرد نص خاص بشأن مقياسها. وهنا يقول إبن عابدين في الرد على من يزعم بأن أبا يوسف خالف النص في إتباع العرف: ‹‹حاشا لله أن يكون مراد أبي يوسف ذلك، وإنما أراد تعليل النص بالعادة، بمعنى أنه إذا نصّ على البر والشعير والتمر بأنها مكيلة وعلى الذهب والفضة بأنهما موزونة لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك، فالنص في ذلك الوقت إنما كان للعادة.. فليس في اتباع العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص بل فيه اتباع للنص››[92].

هكذا يعمل العرف الحادث لدى أبي يوسف على تغيير حكم النص كما في حديث الذهب والفضة الموزونين، الأمر الذي لم يتفق معه أغلب الفقهاء. ومن ذلك ما قاله شارح (سبل السلام): ‹‹إحتجت الحنفية بهذا الحديث على أن ما كان في زمنه (ص) مكيلاً لا يصح أن يباع بالوزن متساوياً بل لا بد من إعتبار كيله وتساويه كيلاً وكذلك الوزن››. وقال إبن عبد البر ‹‹إنهم أجمعوا على أن ما كان أصله الوزن لا يصح أن يباع بالكيل بخلاف ما كان أصله الكيل فإن بعضهم يجيز فيه الوزن.. إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شيء››. لكن ذهب آخرون - في قبالهم - إلى أن الكيل والوزن يُحددان بحسب عادة البلد ولو خالفا العرف القائم. فإن اختلفت العادة يُعتدُّ بالأغلب، أما إذا استوى الأمر، فإن بيع بالكيل كان له حكم المكيل، وإن بيع بالوزن كان له حكم الموزون[93].

كذلك جاء في باب الوقف من كتاب (ملحقات العروة الوثقى) للسيد كاظم اليزدي أن ظاهر إجماع الإمامية الإثنى عشرية هو أن الوقف لا يتم إلا مع الصيغة اللفظية الدالة عليه صراحة، لأن لفظ: (وقفت وتصدقت) ورد في حديث أهل البيت. ورغم إعتراف اليزدي بصحة النص وثبوت الإجماع فقد أفتى بعدم وجوب الصيغة، وكفاية المعاطاة بالوقف، استناداً إلى ما جرت عليه سيرة الناس وعاداتهم من أن يبنوا المسجد للصلاة، ويغرسوا الأشجار للإنتفاع العام، ويتركوا أرضهم للدفن من غير إجراء صيغة، ويكون ذلك وقفاً عندهم[94].

على أن بعض الأحكام المتبدلة لا يتوقع لها أن تعود إلى ما كانت عليه في السابق. فهي بالتالي معدودة بحكم المنسوخة أو الملغاة؛ استناداً إلى ما تجدد من واقع وظروف لا تتسق مع ما عليه الأحكام السابقة. فهذا هو النسخ الخاص بنمط تعارض الواقع مع حكم النص.



[1]  الشاطبي: الاعتصام، دار الكتب الخديوية في مصر، تقديم محمد رشيد رضا، الطبعة الأولى، 1913م، ج2، ص139.

[2]  الموافقات، ج2، ص284.

[3]  السيوطي: الاشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار إحياء الكتب العربية، ص102ـ105. ونشر العرف، ص132. وأحكام القرآن لابن العربي، ج3، ص1147ـ1148.

[4]  أحكام القرآن لابن العربي، ج1، ص13.

[5]  الفروق، ج1، ص44ـ45. كما قال صاحب (تهذيب الفروق) وهو بصدد ذات الموضوع من ألفاظ الطلاق: ‹‹إن اجراء الفقهاء المفتين للمسطورات في كتب ائمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار إن كانوا فعلوا ذلك مع وجود عرف وقتي؛ ففعلهم خطأ على خلاف الإجماع، وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلاً لها ولا عالمين بمداركها وشروطها وإختلاف أحوالها، وإن كانوا فعلوه مع عدم العرف الوقتي فليس بخطأ، وسبب إختلاف الصحابة (رض) في هذه الألفاظ ومن بعدهم من العلماء هو إختلافهم في تحقيق وقوع النقل العرفي هل وجد فيتبع أم لم يوجد فيتبع موجب اللغة›› (تهذيب الفروق، ج1، ص44).

[6]  نشر العرف، ص133.

[7]  الموافقات، ج2، ص284.

[8]  الموافقات، ج2، ص286.

[9]  النساء/ 135.

[10]               أحكام القرآن لابن العربي، ج1، ص507. وأعلام الموقعين، ج1، ص113.

[11]               محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، الاردن، الطبعة الثانية، 1421هـ ـ 2001م، ص315.

[12]               الموافقات، ج2، ص285 وهامشها.

[13]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص148ـ 149. وأحمد امين: الاجتهاد في نظر الإسلام، مجلة رسالة الإسلام، مؤسسة الطبع والنشر في الاستانة الرضوية، ج3، عدد 2، ص149.

[14]               رسالة نشر العرف، ص126.

[15]               مجلة الأحكام العدلية، لجنة من الفقهاء في الخلافة العثمانية، شبكة المشكاة الإلكترونية، ص20ـ2. كذلك: نشر العرف، ص115 و141. وعبد الرزاق السنهوري: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج6، ص43 وما بعدها.

[16]               مجموع فتاوى إبن تيمية، ج29، ص41. علماً بأن بعض الفقهاء استخدم إصطلاح النسخ في أقوال المجتهد عند التعارض التام فيما بينها، حيث اعتبر القول الأخير ناسخاً لما قبله (انظر: أحمد بن حمدان الحنبلي الحراني: صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، خرّج أحاديثه وعلق عليه محمد ناصر الدين الالباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1404هـ ـ 1984م، ص107).

[17]               الأعراف/ 199.

[18]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص909. ومحمد سلام مدكور: مناهج الاجتهاد في الإسلام، نشر جامعة الكويت، 1977م، ص248.

[19]               الإعتصام، ج2، ص333. والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص910. وسبق أن عرفنا بأن عمر بن الخطاب هو أول من أباح للمرأة أن تتزوج بعد أربع سنين من فقد زوجها.

[20]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص910.

[21]               لكن ناقش فيه الشيخ قاضيخان ولم يقبله، وأيده الشيخ أبو زهرة. فعلى رأي قاضيخان أن المهر ثابت بمقتضى العقد، والعرف لا يمكن أن يكون حجة لإبطال أمر ثابت لا مجال للشك في ثبوته، وفي منع سماع الدعوى لجريان العرف إبطال لذلك الامر الثابت، ولأن أقصى ما يدل عليه العرف في هذا المقام أن يجعل الظاهر يشهد للزوج، وكون الظاهر يشهد له يصلح لدفع المطالبة عنه مع يمينه، إن لم تكن بينة، ولا يصلح لإبطال حقها بعدم سماع الدعوى من كل الوجوه وعدم توجيه اليمين (محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثالثة، ص219).

[22]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص911.

[23]               نظرية العرف، ص37.

[24]               المصدر السابق، ص57.

[25]               نشر العرف، ص127. والموافقات، ج4 ص158. والاعتصام، ج2 ص327.

[26]               انظر لأبي يوسف: إختلاف أبي حنيفة وإبن أبي ليلى، ص23. والخراج، ص89. كذلك: نظرية العرف ص37..

[27]               المقصود بالاستصناع هو العقد الذي يطلب فيه من الصانع القيام بتشكيل مادة لعمل شيء مخصوص، كالطلب من النجار أن يعمل طاولة أو كرسياً لقاء مبلغ محدد متفق عليه سلفاً.

[28]               مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، ص37. ونشر العرف، ص127.

[29]               الكاساني: بدائع الصانع في ترتيب الشرائع، ج5، ص2ـ3.

[30]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص891ـ 892.

[31]               الاعتصام، ج2، ص119.

[32]               علماً بأن الشافعي خالف ذلك، معتبراً أن مظنة الفرار لا عبرة فيها، فأحكام الشريعة لا تناط عنده بالنيات الخفية، وإنما بالأسباب الظاهرة (الأحوال الشخصية، ص320).

[33]               الأحوال الشخصية، ص451.

[34]               إذ هناك عدد من الأحاديث تؤكد المنع من بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (الأموال، ص39. والمسوى شرح الموطأ،ج2، ص16ـ 17).

[35]               نظرية العرف، ص72ـ73. كذلك: المبسوط للسرخسي، ج12، ص196. والسنهوري: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج3، ص16 وما بعدها.

[36]               الطرق الحكمية، ص24. كذلك: نشر العرف، ص126.

[37]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص910.

[38]               نشر العرف، ص126.

[39]               أحكام القرآن لابن العربي، ج2، ص629.

[40]               الاعتصام، ج2، ص140.

[41]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص923.

[42]               الأحوال الشخصية، ص455ـ 456.

[43]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص924.

[44]               المصدر السابق، ج2، ص925. ونظرية العرف، ص87.

[45]               الأحوال الشخصية، ص467.

[46]               يقول أبو القاسم الصفار في ترجيح رأي المتأخرين على المتقدمين: ‹‹هذا كان في زمانهم، أما في زماننا فلا يملك الزوج أن يسافر بها، وإن أوفى صداقها، لأنه في زمانهم كان الغالب في حالهم الصلاح، أما في زماننا فقد فسد الناس، والمرأة متى كانت بين عشيرتها فالزوج لا يمكنه أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلدة أخرى ظلمها، ولا يمكن أن تستغيث عليه بأحد››. وقال بعض المتأخرين: إنْ أوفاها المهر كله معجله ومؤجله، وكان مأموناً عليها له أن يسافر بها. كما قال الزيلعي: ‹‹ قال صاحب المنتقى، وأفتي أنا بأنه يتمكن من نقلها، إذا أوفاها المعجل والمؤجل وكان مأموناً عليها، ولا يمكن إذا اوفاها المعجل دون المؤجل، لأنها لا ترضى بالتأجييل إذا أخرجها إلى بلاد الغربة›› (الأحوال الشخصية، ص237. كذلك: نشر العرف، ص126).

[47]               عيسى الحسني: النوازل، تحقيق المجلس العلمي بفاس، مطبعة فضالة ـ المحمدية، المغرب، 1403هـ ـ 1983م، ج1، ص101 وما بعدها.

[48]               عبد الرحمن الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، مطبعة الإرشاد، الطبعة الأولى، 1354هـ ـ 1935م، ج3، ص24.

[49]               مجموع فتاوى إبن تيمية، ج33، ص80. والطرق الحكمية، ص19ـ20.

[50]               المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص152ـ153. وبخصوص وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة هناك أربعة مذاهب كما يعددها إبن القيم كالتالي:    1ـ إنها تقع، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة.    2ـ إنها لا تقع، بل ترد لأنها بدعة محرمة، وحكى هذا المذهب إبن حزم، ونسبه إبن حنبل إلى ‹‹الرافضة››.    3ـ إنها تقع واحدة رجعية، وهو ثابت عن إبن عباس كما نقله عنه أبو داود. وهو قول طاووس وعكرمة، كما أنه إختيار إبن تيمية (كذلك انه رأي المشهور من الإمامية الإثني عشرية على ما فصّل الحديث عنه الشيخ النجفي في: جواهر الكلام، ج11، ص307 وما بعدها).    4ـ يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، ويقع بغيرها واحدة (زاد المعاد، ج5، ص247ـ248).

[51]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص931ـ932.

[52]               ذكر علماء القانون أن تاريخ ظهور عقد التأمين في بلاد اوروبا يرجع إلى أوائل القرن الرابع عشر الميلادي. أما عند المسلمين فكما ذكر الشيخ الزرقاء أنه لم يكن هناك بحث حوله باستثناء بحث إبن عابدين في القرن الثالث عشر الهجري، إذ كان الإتصال التجاري بين الشرق والغرب قوياً إبان النهضة الصناعية في اوروبا، وفي ذلك الوقت حرمه إبن عابدين إلا في حالات خاصة (الزرقاء: عقد التأمين، مطبعة جامعة دمشق، 1962م، ص4 و13ـ17).

[53]               نظرية العرف، ص93ـ94.

[54]               المقصود ببيع الوفاء بأنه بيع البائع للمشتري شيئاً على أن يقوم هذا الأخير برده بيعاً إلى الأول عند استحضار الثمن. لذلك سمي ببيع الوفاء لأن فيه عهداً من المشتري باسترداد المبيع عند إحضار الثمن (عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، 1397هـ ـ 1977م، ص202).

[55]               علم أصول الفقه، ص210.

[56]               نظرية العرف، ص93ـ94.

[57]               أعلام الموقعين، ج1، ص207ـ309.

[58]               المصدر السابق، ج2، ص305ـ427.

[59]               لهذا نجد الأصوليين من الإمامية يقبلون التخصيص اللبي أو العقلي عندما يكون المخصص قطعياً. فمثلاً إذا قال المولى: ‹‹أكرم جيراني››، وقطع المكلف بأنه لا يريد إكرام من كان عدواً له منهم، فإن هذا المخصص يؤخذ به لمن قطع به من غير شك (كفاية الأصول، ص259. كذلك: فرائد الأصول، ج2، ص795).

[60]               يقول إبن عابدين بهذا الصدد: ‹‹إذا خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالفه من كل وجه بأن لزم منه ترك النص فلا شك في رده، كتعارف الناس كثيراً من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه عاماً، وإن لم يخالفه من كل وجه بأن ورد الدليل عاماً والعرف خالفه في بعض أفراده، أو كان الدليل قياساً، فإن العرف معتبر إن كان عاماً، فإن العرف العام يصلح مخصصاً كما مر عن (التحرير) ويترك به القياس كما صرحوا به في مسألة الاستصناع ودخول الحمام، والشرب من السقاء، وإن كان العرف خاصاً فإنه لا يعتبر.. لكن أفتى كثير من المشايخ بإعتباره›› (نشر العرف، ص116).

[61]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص807ـ867.

[62]               المصدر السابق، ج2، ص907.

[63]               المصدر نفسه، ج2، ص892ـ893. ومناهج الاجتهاد في الإسلام، ص248ـ249. ونشر العرف، ص13 و141.

[64]               البقرة/ 233.

[65]               إبن العربي: أحكام القرآن، ج1، ص206.

[66]               المصدر السابق، ج2، ص575. والموافقات، ج4، ص209. والاعتصام، ج2، ص138.

[67]               يوسف حامد العالم: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، اميريكا، الطبعة الأولى، 1412هـ ـ 1991م، ص182. وعباس متولي حماده: أصول الفقه، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1385هـ ـ 1965م، ص216.

[68]               تفسير المنار، ج3، ص107.

[69]               فقه السنة، ج2، ص444.

[70]               أحكام القرآن لابن العربي، ج1، ص64ـ65.

[71]               دستور الوحدة للغزالي، ص95.

[72]               مع هذا فإن الشاطبي ذكر حالات أخرى مشابهة لتلك الحادثة ورآها متفقة مع المقصد الشرعي. ومن ذلك ما نقله عن إبن بشكوال الذي حكى أن الخليفة الحكم بن عبد الرحمن ارسل إلى الفقهاء وشاورهم فى مسألة نزلت به، فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه ـ أي عقائل نسائه الحرائر ـ ووطئها فى رمضان، فأفتوا بالإطعام، واسحاق بن ابراهيم ساكت. فقال له الخليفة: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول بقولهم؛ وأقول بالصيام. فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون مذهب مالك، إلا أنكم تريدون مصانعة امير المؤمنين، إنما أمر مالك بالاطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال بيت المسلمين. فأخذ الخليفة بقوله وشكره عليه. واعتبر الشاطبي هذا الحكم صحيحاً.   كما نقل عن الغزالي أنه حكى عن بعض أكابر العلماء بأنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين. فلما خرج راجعه بعض الفقهاء وقالوا له: القادر على اعتاق الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم، والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيداً غير محصورين؟ فقال لهم: لو قلت له عليك اعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيداً مراراً، فلا يزجره اعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين. وقد اعتبر الشاطبي هذا المعنى مناسباً، لأن مقصود الشرع من الكفارة هو الزجر، والملك لا يزجره الإعتاق ويزجره الصيام.   وكذا نقل ما قاله يحيى بن بكير من أنه حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق رقبة. فسأل مالكاً، فقال: صيام ثلاثة أيام. واتبعه على ذلك اسحاق بن ابراهيم من فقهاء قرطبة (انظر: الاعتصام، ج2، ص113ـ114).

[73]               الطرق الحكمية، ص181 وما بعدها. والفواكه العديدة، ص182ـ183. والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد،ج1، ص137 و139ـ141.

[74]               الطرق الحكمية، ص24ـ25. ونشر العرف، ص126ـ127. والفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص137.

[75]               أحكام القرآن، ج2، ص578ـ579. كما انظر: وسائل الشيعة، ج9، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة في تسعة أشياء، حديث 3، ص54.

[76]               أعلام الموقعين، ج3، ص8.

[77]               الطرق الحكمية، ص22ـ27. وأعلام الموقعين، ج2، ص412ـ243. والفواكه العديدة، ص361ـ 362. ونشر العرف، ص126ـ128. ومصادر التشريع في ما لا نص فيه، ص47.

[78]               الطرق الحكمية، ص27ـ28. ونشر العرف، ص128.

[79]               أعلام الموقعين، ج1، ص311. كما جاء في صحيح مسلم في رواية أخرى عن إبن عباس أن النبي (ص) قال: ‹‹الأيّم أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها›› (نفس المصدر والصفحة).

[80]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص887. ونظرية العرف ص60ـ61.

[81]               انظر القسم الأول من: مشكلة الحديث. وانظر أيضاً حلقة النظام المعياري، الفصل الرابع.

[82]               أحكام القرآن، ج2، ص473.

[83]               البقرة/ 80.

[84]               النساء/ 11.

[85]               نظرية العرف، ص91.

[86]               الأحوال الشخصية، ص16 و323.

[87]               نظرية العرف، ص92. ونشر العرف، ص126.

[88]               الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج1، ص930.

[89]               النوازل، ج1، ص112ـ113.

[90]               وجاء عن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) قال: ‹‹الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثْلاً بمثل وزناً بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى الأخذ والمُعطي›› (ابن شاهين: الناسخ والمنسوخ من الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ ـ 1992م، ص239).

[91]               رويت على هذه الشاكلة نصوص أخرى، منها ما جاء عن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) قال: ‹‹الذهب بالذهب والفضة بالفضة والرصاص بالرصاص، حتى قال والنحاس بالنحاس والحديد بالحديد والبر بالبر والشعير بالشعير، حتى قال والملح بالملح مثْلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى››. وجاء عن غيره بأن النبي قال: ‹‹الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فمن زاد أو انقص فقد أربى›› (الناسخ والمنسوخ من الحديث، ص238 و239).

[92]               نشر العرف، ص118ـ119.

[93]               نظرية العرف، ص66ـ67.

[94]               محمد جواد مغنية: الاجتهاد في نظر الإسلام، رسالة الإسلام، مؤسسة الطبع والنشر في الاستانة الرضوية، ج4، ص29.

comments powered by Disqus