-
ع
+

بين قراءة النص الديني والنص الأدبي

يحيى محمد

تتميز قراءة النص الديني عن تلك المتعلقة بالنصوص البشرية، كالتي وردت في الأدبيات الغربية، من منطلق ان اغلب الذين تناولوا النص، لا سيما الأدبي وسائر الأعمال الفنية، انما ارادوا ذلك بمعزل عن قصد المؤلف او صاحب النص، وقد دفعهم هذا العمل للبحث عن امكانات الدلالة التي يمكن ان يتضمنها النص حتى لو كانت خارج دائرة قصد المؤلف، بل وحتى لو جرت القراءة على الضد مما قصده صاحب النص. ولهذه القراءة مبرر مفهوم – مع ما لنا من تحفظ -، وهو أنها تبحث عن ثراء النص وخصوبته، لهذا فهي تتعمق في النص لاستكشاف المجالات الرحبة لامكاناته وجعله ينطق بكل شيء من غير تحديد، او ضمن قيود قد تتسع وقد تضيق، كما قد تتلاشى احياناً. لذلك تعترف هذه الأدبيات بوجود امكانات غير متناهية للفهم والتأويل، بل كل فهم يجر الى فهم اخر مغاير، وكل قارئ يمهد الى اخر يمكنه الادلاء بدلالات أُخرى مختلفة وقد تكون متعارضة مع ما سبق، وكلها تعد مناسبة او ذات اضاءات جديدة.

لقد بدأ فن (الفهم والتأويل) كعلم مستقل على يد فريدريك شلايرماخر (المتوفى سنة 1834م) تحت وسام: الهرمنوطيقا Hermeneutics، وهو مصطلح مشتق من لفظ يوناني قديم له علاقة بتفسير النصوص، كالذي جرى استخدامه على يد ارسطو1. ويتضمن المصطلح إشارة لها دلالة خاصة، وهي الإشارة المتعلقة بهرمس Hermesالذي عزا له القدماء مختلف أنواع العلوم، ومنها تعليم اللغة والتفسير والتشفير وفك الرموز والانتقال من الظاهر لمعرفة الباطن بلا حدود، أي القدرة على فتح باب التأويل بلا انقطاع، وهي ما امتازت به الدراسات المعاصرة للقراءة والهرمنوطيقا.

ومع أن هناك من سبق شلايرماخر في البحث حول قضايا الهرمنوطيقا، لكن اليه يعود الفضل في تأسيس هذه القضايا ضمن اشكالية علمية مستقلة تخص النصوص عامة، بشرية كانت او دينية، دون أن تقتصر على نصوص الكتاب المقدس. فهو لم يميز بين النص الديني والنص البشري، بحجة أن من كتب النص الديني هم بشر ايضاً، لكن ذلك لم يمنعه من أن يضع في عين الاعتبار اهمية دراسة حياة المؤلف، لالقاء الضوء على فهم النص والإبداع الفني بشكل افضل، وقد استدعاه هذا الأمر الى أن يتصور مع أتباعه من الرومانسيين بأنه يمكن للقارئ أن يفهم المؤلف بأفضل مما فهم هذا الأخير نفسه عند إتّباعه هذه المنهجية. وهي القاعدة التي سبق للفيلسوف الالماني (عمانوئيل كانت) أن استشهد بها2. وقديماً انشد المتنبي بيته الشهير عندما سئل عن معاني شعره: إسألواابنجنيفهوأدرىبشعريمني. في حين إن اغلب الذين تناولوا النص البشري والعمل الفني قاموا بعزل المؤلف وتحييده عما أبدعه، لا سيما بعد مرحلة ما يسمى بما بعد البنيوية او ما بعد الحداثة منذ ستينات القرن العشرين، الى الدرجة التي عبّر فيها الناقد الفرنسي (رولان بارت) تعبيره الشهير بموت المؤلف، وذلك ليخلّوا بين القارئ والنص، وبعضهم أراد من هذه الممارسة فسح المجال لأن يقول القارئ ما يريده تبعاً لما تفرضه ذاتيته وقبلياته الخاصة، ومن ثم اسقاطها على النص المقروء. لذلك وردت عبارة (إيف شيفريل) وهي تتضمن كون القارئ أصبح >البطل الحقيقي للبحث الأدبي<، لا سيما وأن فكرة غموض العمل الأدبي وعدم اكتماله يفسح المجال لإنتظار القراء أكثر فأكثر3. الامر الذي يفتح الباب لظهور نصوص جديدة للقراء – بلا حدود – غير تلك التي للمؤلف.

ولم يتوقف الحال عند إماتة المؤلف او تغييبه، بل وصل الأمر الى تغييب حتى (المتلقي الأصلي) الذي يتوجه اليه قصد المؤلف من نصّه المدوّن. والغرض من هذا التغييب، سواء بالنسبة للمؤلف او المتلقي الأصلي، هو ليفسح المجال للقراء جميعاً بأن يدلو كل منهم بدلوه لفهم النص دون اعتبار ما سبق ذكره. وبذلك سيكون النص مفتوحاً لجميع القراءات، او هو مفتوح على كل من يعرف القراءة كالذي يراه غادامير ويؤيده ريكور، وكما يقول هذا الأخير: >اذ ما دام النص يفلت من مؤلفه ومن سياقه فإنه يفلت أيضاً من متلقيه الأصلي، وهكذا يهب نفسه قراءً جدداً باستمرار<4.

ولاشكانمثلهذهالقراءةلاتناسبالنصالدينيكالقرآنالكريممثلاً،ولوطبقناعلىالقرآنكلمايمكنانيقال،وهومعنىالحدالاقصىللقراءة،لكنّالمنفهممنهشيئاًبقدرمانفهممنهاقوالالاخرين. فكلقراءةهينصجديد،وهكذابانفتاحودونحدود،وقديفضيالامراحياناًالىانقطاع الصلةبينالنصالاصليوالقراءاتالمتعلقةبه،فالقراءات هناهيافرازاتذهنيةمعلقةخارجحدودالنص

وبالتالي لا يمكن تطبيق ما سبق على النص الديني، اذ ليس الهدف في قراءة الاخير هو البحث عن الثراء والخصوبة بمعزل عن قصده او قصد صاحبه، بل الغرض هو معرفة ما يتضمنه النص كحقيقة موضوعية غير منفصلة عن قصد صاحبه. فنحن لا ينتابنا شك بأن مضمون النص الديني يحمل رسالة للبشر يراد التعرف عليها لتطبيقها، سواء آمنا بحقيقة ما يفترضه النص من مصدر قدسي ام لم نؤمن. ولا يجري هذا الحال – غالباً - في النصوص الأدبية وسائر الأعمال الفنية، وهو ما يبرر جعل القراءة فيها تستهدف الثراء المعنوي بعيداً عن قصد المؤلف، فالجدل المحتدم في الاتجاهات الغربية المعاصرة المعنية بفهم النص والهرمنوطيقا ينحصر في تحديد فعل الفهم والتأويل ضمن العلاقة الدائرة بين ذاتية القارئ والنص، ولم يُعط للمؤلف مجال ضمن هذه العلاقة الدائرية المسماة بالدائرة الهرمنوطيقية، فالغرض من ذلك كما اشرنا هو البحث عن الثراء والعمق وعدم التقيد بقيود مقاصد الكاتب وصاحب العمل الفني؛ طبقاً للاعتبارات النفعية (البراجماتية). وبالتالي فالاشكالية المطروحة في القراءة الخاصة بالنصوص الأدبية هي في الغالب اشكالية براجماتية. ومع ان هناك من يتبنى هذه النزعة صراحة، لكنها تمتد لتطول غيرها من الاتجاهات، لذلك لا غرابة من ان يصف المفكر البراجماتي رورتي نقائضية دريدا المسماة بالتفكيكية بأنها واقعة اسر النزعة البراجماتية، اكثر مما يتصف بها واضع هذه الكلمة (البراجماتية)، أي المفكر بورس5.

ولا تختلف الاشكالية البراجماتية للقراءات الهرمنطيقية الحديثة عما يسود اليوم في المجال العلمي، فقد اصبح من المسلم به ان القوانين العلمية هي قوانين لا يفترض مطابقتها للواقع، وان ما يعزز الروح البراجماتية للعلم هو استناده إلى التعميمات ذاتها، فهي تشكل صلب نسيج العلم الحديث، رغم الاعتقاد السائد بأن التعميم لا يجد له تبريراً على الصعيد المنطقي، كالذي فصلنا الحديث عنه في (منهج العلم والفهم الديني).

أما الاشكالية التي تناسب قراءة النص الديني فهي اشكالية (التطابق)، أي البحث عن حدود التطابق بين الفهم وما عليه النص او الخطاب الديني، وهو ما يستدعي معرفة قصد صاحبه دون التوقف عند حدود دائرة القارئ والمقروء، والا قد يفضي الأمر الى استحالات عقلية. فمثلاً لا يمكن فهم النص القرآني القائل: ((وهو على كلّ شيء قدير))6؛ بمعزل عن معرفة صاحب هذا الخطاب. فلو أن القارئ اراد التخلي عن هذه المعرفة وقصد المتكلم؛ لكان يمكن ان يستنتج بحسب الاعتبارات اللغوية الصرفة نتائج نعلم يقيناً بأن صاحب النص لا يقصدها، مثل أن الله قادر - ايضاً - على افناء ذاته وخلق ما هو اعظم منه قدرة وقوة. كما يمكن للقارئ ان يصل الى تناقض النص ذاته عند عدم أخذ مقاصد المتكلم، كما هو واضح من ظاهرة التعارض في الظهور اللفظي للعديد من نصوص الخطاب الديني، كالذي تعرضنا له خلال الجزء الاخير من هذا الكتاب7. لذلك كان لا بد من التعرف على كل ما له علاقة بصاحب النص او الخطاب، كالتعرف على الرسول القائم بتبليغ الخطاب وتجربته وكيفية تطبيقه له، بغية فهمه فهماً يقترب من مقاصد صاحبه.

 

صحيح انه في النصوص الادبية لا يمكننا اخذ قصد المؤلف خارج حدود مفردات وعلامات النص التي يضعها، فنحن ننتزع مقاصده مما نتوقعه وفق هذه المفردات والعلامات، ولا يحق لنا ان نضع ما نريده من مقاصد، فقد يكون النص متناقضاً، وبلا شك ان صاحبه لا يقصد التناقض، لكنه قد يقع به من دون وعي احياناً، وبالتالي ليست مهمتنا انقاذ المؤلف على حساب النص، فقراءتنا ينبغي ان تكون موجهة وفق هذا الاخير. لكن قد ندرك بأن علامات النص تفيد مقاصد له ليست معلنة، وقد تكون المقاصد وجدانية دون حاجة التنصيص عليها، كما قد نفهم هذه المقاصد من خلال المعنى العرفي وقت كتابة النص، او من خلال سيرة الكاتب بما لها علاقة مباشرة بالنص المقروء، والتي يتوقع ان يفهمها القارئ الاصلي الموجه اليه الخطاب قبل غيره من القراء. وبغير ذلك فمن المفروض ان لا يقحم القارئ نفسه في انقاذ النص من النقص والتناقض وفقاً لفهمه واستنتاجه، خلافاً للوظيفة التي نمارسها في فهمنا للنص الديني، والتي تفترض الاخير يتعالى على التناقض الذاتي.

هكذا اذا كان هدف قراءة النص الأدبي هو الثراء المعنوي فحسب؛ فإن ما يناسب هذه القراءة هو تحقيق (الحد الأقصى) للفهم والتأويل، سواء جرى ذلك طبقاً للموجهات الذاتية للقارئ، او تبعاً لموجهات النص وبمعزل عن قصد المؤلف، ففي كلا الحالين يكون الفهم بلا حد ولا نهاية، ويتعاظم الأمر عندما تنفلت ذات القارئ من عقالها، فتصبح هي الموجه للنص لا العكس، فيكون الفهم بلا حد ولا قيد ولا نهاية؛ طبقاً لانزلاق القارئ بإقحام ما يريد من قبليات ورغبات ذاتية. وكل ذلك بعيد عن أن يناسب القراءة الخاصة بالنص الديني، فالشيء الذي يناسب هذه القراءة ليس الثراء المعنوي وبلوغ الحد الأقصى من الفهم والتأويل، بل الاكتفاء بـ (الحد الأدنى) بغية التعرف على المعنى الحقيقي للنص. فلو طبقنا قاعدة الحد الاقصى للفهم والتأويل، فسيكون الهدف محكوماً بثراء المعنى وخصوبته رغم انه قد يكون على حساب ما يريده صاحب النص ويقصده، طبقاً للهدف البراجماتي، وقد نصاب بداء الممارسات الغنوصية للفهم؛ كممارسات فوضوية او هوسية بحسب تعبير السيميائي الايطالي (أُومبرتو إيكو). ورغم أن هذا الأخير نقد الاتجاهات المعاصرة التي لا تعير أهمية للنص بقدر ما تركز على ذاتية القارئ وابداعاته، ومنها ما وصفها بأنها نزعات هرمسية جديدة، او أن لها قرباً وشبهاً بالطريقة الهرمسية الغنوصية، باعتبارها تندفع بلا حدود ولا قيود، الا أنه كان الآخر في بعض كتاباته الاولى يقترب من هذا الاتجاه، كما في كتابه (العمل الفني المفتوح)، خلافاً لكتابه المتأخر (حدود التأويل)8. وبالتالي فالنزعة البراجماتية بارزة في تحديد نوع القراءة المطلوبة للنص والعمل الفني، وهو امر ينطبق ايضاً على المنهج الذي يرى النص الأدبي مصاباً بالتناقض والتنافر الذاتي، وانه يخلو من المعنى، وتظل مهمة القارئ المبدع هي الكشف عن تناقضات النص واظهار فضائحه وما يخفيه، كما هو الحال في كتابات دريدا النقائضية.

فعندما تكون سلطة القارئ الذاتية اقوى من سلطة النص فإن ذلك كفيل بتكثير القراءة وتعددها وانفتاحها بلا حدود، بل وابتعادها عن المعنى الذي يتضمنه النص، بخلاف ما لو كانت سلطة الاخير هي الاقوى، اذ في هذه الحالة تميل القراءة الى التوحد والاقتراب من ذلك المعنى المفترض ضمن الحد الأدنى.

إن الخلاف الحاصل اليوم في نظريات التأويل والقراءة حول منح الدور الاعظم للموجهات الذاتية للقارئ في قبال الموجهات الموضوعية للنص، او العكس، يذكرنا بالخلاف المنهجي لدى العلم الحديث بين النظامين العلميين الافتراضي والاجرائي، او بذلك الحوار الذي جرى بين وليام هويويل وجون ستيوات مل خلال القرن الثامن عشر، وذلك قبل ان تتكشف ثمار النظام الافتراضي ودواعيه ابان القرن العشرين. فقد تعلق النزاع بينهما حول طبيعة المفاهيم والنتائج المستخلصة من المنهج العلمي. وكان ستيوارت مل يعتقد ان النتائج العلمية إنما تعبّر عن مفاهيم مستنسخة من الواقع، أو أنها تمتاز بالمطابقة معه، وفاقاً مع الرؤية البيكونية، وخالفه في ذلك وليام هويويل الذي رأى ان القوانين العلمية عبارة عن افرازات ذهنية بما يتسق مع الرؤية الديكارتية9. فهذا النزاع يشابه ما يجري من خلاف لدى التأويلات السيميائية بين اولئك الذين يراهنون على الموجهات الذاتية للقارئ مثلما هو الحال لدى الاتجاهين النقائضي والبراجماتي، وبين الذين يلتزمون بسلطة الموجهات الموضوعية للنص، كالذي يدعو اليه المفكر الايطالي إيكو.

ان من الفوارق الاخرى في القراءة بين النص الأدبي والنص الديني، هو ان البحث في قراءة الاول يجري وفق علاقة ما يطلق عليه (التناص). فمن المسلّم به ان كل نص بشري لا بد وان يعتمد على نصوص أُخرى للغير، فيكون نص المؤلف جامعاً لتشكيلة من النصوص السابقة عليه مع ما له من اضافة جديدة. بمعنى انه لا يمكن كتابة نص من غير اعتماد على غيره من النصوص، سواء كان ذلك مصرحاً به أم لا، وسواء كانت النصوص منقولة حرفياً او أنها ملقاة بمعانيها او حتى محورة عما هي عليه في الاصل. وبالتالي فكل نص هو مستعار من نصوص اخرى مختلفة المشارب والاصول والازمان، وكل نص هو مرتع للنصوص والافكار الحاضرة منها والماضية. وهذا ما جعل (لانسون) يرى بأن ثلاثة أرباع الكاتب او المبدع مكوّن من غير ذاته10. وتعد الناقدة السيميائية (جوليا كريستيفا) أول من وضعت مصطلح التناص (عام 1966م)، وكانت تقول بأن >كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أُخرى<. لكنها تخلت عن هذا المصطلح (عام 1985م) واستبدلته بمصطلح اخر اطلقت عليه (التنقّلية)، لكونه، كما تقول، قد فُهم في الغالب بالمعنى المبتذل11. ومع ذلك فقد ظل المصطلح ساري المفعول في كتابات النقد الأدبي، لا سيما أن التناص، او كما يسميه الناقد الأدبي محمد عزام (النص الغائب)، لا يختص بالكاتب وحده، بل يشمل القارئ ايضاً، باعتباره يساهم في اعادة تشكيل النص وانتاجه من جديد.

أما النص الديني فلا يمكن اخضاعه للتناص بالمعنى السابق، لسبب واضح وهو أن صاحب هذا النص يفترض فيه أن يكون واحداً وليس متعدداً كما هو الحال في النص الأدبي وغيره من النصوص البشرية.

صحيح أن النص الديني – كالقرآن الكريم مثلاً – يعتمد على اللغة، واللغة تحمل ثقافة البيئة، اي ثقافة الناس وتصوراتهم الحاضرة والماضية، وبالتالي يصبح النص مرتعاً لهذه الثقافة، ومن ذلك انه نتاج نصوص آخرين سابقين، لكن ذلك لا يجعل منه بالضرورة أداة استهلاك للنصوص دون اعطائها المعاني الجديدة. اذ مع ان الكلمات قد يحافظ كل منها على المعنى المتداول ثقافياً؛ لكن ارتباطها ضمن الشبكة السياقية يجعلها قادرة على اعطاء الدلالات والمفاهيم الجديدة غير المألوفة للثقافة المتداولة. فمثلما ليس هناك معانٍ للالفاظ من غير تمايز، اذ الفهم اللغوي قائم على الاختلاف والتمايز بين الالفاظ كالذي يقرره اصحاب ما بعد الحداثة من امثال جاك دريدا12، فكذا نقولان الجدة والثراء المعنوي قائم على الاختلاف والتمايز بين سياق ومجال الالفاظ وعلاقاتها. فمثلاً ان النصوص العرفانية تتحدث بنفس الكلمات والمعاني اللفظية لثقافة الناس، لكن مراميها شيء اخر مختلف، فهي بالتالي تعد نصوصاً جديدة على هذه الثقافة. كذلك فان النص الديني رغم انه اعتمد غالباً على المعاني الدارجة ثقافياً للالفاظ اللغوية المعهودة، لكن تشكيلته العامة قد تجاوزت – في الغالب - ما سبقه من نصوص، معنى وصياغة.

وسواء في النص الديني، او النص الأدبي، هناك نوع من التصور المفترض، وهو أن كل فهم يتصدى لهما هو فهم ناقص يحتاج الى فهم اخر يتممه، وهكذا من غير نهاية، فتصبح بذلك القراءات خصبة ومشجعة ومثرية. فهذا هو ما يتفق عليه اصحاب القراءات الهرمنوطيقية، وهو ذاته يتسق مع أصل اشتقاق لفظة Hermeneuticsالمتضمنة للإشارة الهرمسية، ويكفي أنه يخدم الغرض البراجماتي. وقد اعتبر شلايرماخر أن فن الهرمنوطيقا يفترض – كمبرر لقيامه - كون الأصل في الفهم المتلقى هو فهم سيء وانه يحتاج الى معايير منضبطة لتقديم الفهم المناسب، لا سيما عندما يكون النص مكتنفاً بالغموض والرمزية. وقد يكون جميع الذين تناولوا النصوص من حيث التحليل الهرمنوطيقي يتفقون على مبدأ أن كل فهم يُقدم هو فهم ناقص، وهو ما يجعل ممارسة القراءة حيوية ودينامية لا تنتهي عند حدود معينة.

وينطبق هذا التصور على النص الديني الذي نعالجه، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا نتعامل مع نص – سواء كان دينياً او أدبياً- تتراوح فيه مستويات الفهم بين حدين: أدنى وأقصى، بمعنى أنه من الناحية المنطقية يمكننا تحصيل الحد الأدنى للفهم الصحيح، وهو الحد الذي يمكن بلوغه عند المستوى الأُفقي للنص، اعتماداً على قرائن الاحتمال الاستقرائية، لكننا كلما تدرجنا بالفهم من خلال المستوى العمودي، بممارسة التعمق في المعنى، فإن ذلك سيعرضنا الى امكانات وترددات عديدة تسمح بقراءات ممكنة كثيرة، ويصبح من الصعب أن نصل الى الفهم الصائب او المطابق لحقيقة النص كما هو في ذاته؛ لضيق أُفق القرائن الاحتمالية المبثوثة في النص عند هذا المستوى، فكان لا بد من الاستعانة بالافتراضات القبلية للتعويض عن نقص تلك القرائن، فيكون الفهم مشحوناً بالاسقاطات الذاتية للقارئ على حساب قرائن النص الموضوعية. وعندما يصل المستوى الى الحد الاقصى يصبح الفهم عاجزاً عن أن يلبي مطالب النص ومقاصده، اذ يكون القارئ مستنداً الى الاعتبارات الذاتية واسقاطاتها. ولا شك أن بين الحدين الأدنى والأقصى مراتب لا يمكن حصرها. لذلك فإنه اذا كان فن القراءة الأدبية يشجع على المراتب العليا للقراءة العمودية، وبعضها يشجع على أقصى حد ممكن لهذه القراءة او التأويل - شبيه بما تطور اليه العلم الفيزيائي اليوم من ولوج مساحات قصوى تتداخل مع القضايا الميتافيزيقية البعيدة الغور -، فالأمر مع القراءة الدينية شيء مختلف، لاختلاف الغرض، اذ ما تفعله القراءة الأدبية يأتي على خلاف ما يتطلبه النص الديني من ضرورة فهم مطالبه الاساسية كما هي، وبالتالي فكل قراءة تتقصد الخروج عن هذه الحدود بحجة الإثراء والخصوبة هي قراءة تحريفية، وهي بنظر مقاصد الخطاب الديني مرفوضة ومنكرة.

وهنا نواجه شبهتين، تتحدد الاولى بالقول ان هكذا قراءة ستكون ساذجة غير عميقة، كما تشير الثانية الى ان الزعم بان الخطاب الديني يرفض تلك القراءات هو ذاته مبني على قراءة ضمن قراءات اخرى مفتوحة، ومن بينها تلك التي يمكن ان تدعي بان الخطاب يرحب بمثل تلك القراءات، فيكون ادعاء الرفض بذلك دليلاً على نقيضه.

والجواب على الشبهة الاخيرة هو رغم اننا لا نؤمن بالقراءة الحصرية التي تعول على قراءة احادية دون غيرها، لكننا نرى في الوقت ذاته انه لا يصح ان تتجاوز القراءات المجال المحدد الذي يفرضه النص ذاته، باعتباره يتضمن الفاظاً وسياقاً ومجالاً كما سنرى، كما لا يصح لها ان تتجاوز القرائن المختلفة الدالة على المعنى المجمل للنص، والتي قد تفضي الى حالة من القطع واليقين، مهما ضاق نطاق هذه الحالة. وعليه لو صدقت الشبهة السابقة على مطلق القراءات من دون ضوابط وحدود لكانت دساتير الامم ومراسيمها ورسائلها وتراجماتها ومطلق تفاهماتها كلها عبثاً في عبث. فمثلاً انها تعطي المبرر للمجرم ان يرى حكم الادانة بحقه غير مبرر لكون القاضي قد التزم قراءة حصرية دون قراءات اخرى مختلفة للقانون الجنائي. كما انه بامكان اي مسؤول في الدولة ان يتنصل من اي قرار رسمي مدون بحجة انه قابل لقراءات اخرى مختلفة، يضاف الى ان الدعوة الى القراءات المفتوحة لو كانت مطلقة بلا شرط ولا حدود لأفضت الى ان تكون نقيضة لذاتها، ولكانت ردودنا وتفاعلاتنا معها عبثاً لا طائل تحته. لهذا انما يُقصد بهذه الدعوة للقراءات المفتوحة عادة هي ان تكون مشروطة بالنصوص الادبية لا سيما القوية منها.

اما الجواب على الشبهة الاولى فهو ان القراءة التي تلتزم بالحد الادنى دون الاقصى يمكن ان تكون ساذجة فعلاً فيما لو كانت تنطلق من منطلق غير واع او علمي. اما لو كانت مبنية على الخزين المعرفي والوعي النقدي لنافست بذلك نهج القراءة الاخرى. فهي لا ينقصها الوعي والمعرفة، ولو شاءت ان تدلو بدلوها لسهل عليها ذلك مثلما تفعل القراءة الاخرى، لكن ايمانها بخطأ الاخيرة يمنعها من فعل ذلك. ويشابه هذا النهج مذهب الفقهاء الذين توصلوا الى انسداد الباب العلمي او الطريق الى العلم ضمن ما يعرف باصحاب دليل الانسداد، فهم قد انتهوا الى هذه النتيجة من منطلق الوعي والاجتهاد وليس الغفلة والجهل. فلديهم ملكة الاجتهاد ما لدى غيرهم، بمعنى انهم لا يختلفون عن سائر الفقهاء ممن عارضوهم حول انغلاق الباب والطريق الى الاحكام، لكنهم اعتبروا القول بانفتاح الطريق الى الاحكام هو من الاوهام. وبلا شك ان هذا النهج يختلف جذراً عن الرؤية العامية الساذجة عندما تعترف بان الطريق الى ادلة الاحكام بالنسبة لها هو طريق مسدود، فالانسداد بالنسبة لها يأتي من الناحية الذاتية لا الموضوعية، باعتبارها ضيقة الافق معرفياً، خلافاً للاتجاه الاجتهادي الذي يتصف بسعة المعرفة والوعي النقدي، فمع انه يصل الى ذات المرمى من انسداد الطريق، لكن انسداده قائم على الجانب الموضوعي لا الذاتي، بمعنى ان هناك مبررات موضوعية تقتضي هذا الانسداد، ولا علاقة لذلك بالقصور المعرفي كما هو لدى عامة الناس.

***

بالفعل ان هناك من يؤيد القراءة القصوى للنص الديني؛ شبيه بما يرد في النص الأدبي، بحجة وجود روايات تفيد بأن للنص (القرآني) ظاهراً وباطناً ولهذا الباطن باطن آخر الى سبعة أبطن، او أن له ظاهراً وباطناً وحداً ومطلعاً، وكذا الروايات التي تفيد بأن كلام أئمة أهل البيت يسع لمعاني كثيرة، وان فيه طبقات من الباطن فيبدو بعضه على خلاف البعض الاخر13، او ان في كلام الائمة سبعين وجهاً ممكناً14. لكن الإشكال الذي يرد في هذا الصدد هو أنه حتى لو افترضنا صحة هذه الروايات؛ فما الذي يضمن الوصول الى تلك الطبقات من الباطن، مع أن ظاهر النص لا يبدي قرائن كافية للتدليل عليها؟ فكيف اذا ما عرفنا بأن تحقيق الحدود القصوى للقراءة - تحت مظلة تلك الطبقات من الباطن - يندفع بإسقاطات الاعتبارات الذاتية، كإسقاطات القبليات الفلسفية والعرفانية وغيرها؟! لذلك كان لا بد من التواضع والاعتدال عند معالجة هذا النص، من غير غلو ولا تقصير.

على ان هذه الطريقة في القراءة قد سبق اليها العرفاء المسيحيون قبل الاسلام، مثلما سبقهم في ذلك عرفاء اليهود.فهناك قراءة عرفانية للانجيل من خلال المفسر >الكامل< الذي يعرف معاني الرموز طبقاً لمبدأ ان الكون كله مليء بالرموز وانواع العالم غير المرئي، وان للاشياء كلها وجهين ظاهر وروحي، والاخير لا يتعرف عليه سوى الشخص الكامل، كالذي يراه الاسكندراني اوريجانوس (المتوفى سنة 254م)، فهو يعتقد ان النص الديني يحتوي على الغموض الاقصى الذي لا يمكن التعبير عنه بغير الرموز.. فالرمز فقط هو ما يقدم المفتاح لفك أقفال الغموض المختبئ في النص15. وقد عُرفت مدرسة الاسكندرية بطريقتها الرمزية في قراءة الانجيل خلافاً لمدرسة انطاكيا الحرفية. اذ كان كليمنفس الاسكندراني (المتوفى عام 214م) متأثراً بالمفسر اليهودي فيلون الاسكندراني (المتوفى عام 45ـ50م) فقرأ الانجيل بعيون الفلاسفة اليونان، واعتبر ان لغة النص رمزية ويجب ان تفهم بطريقة رمزية وتأويلية16. وكان فيلون يرى ان من الواجب - في اكثر الاحيان - وضع دلالة النص الحرفية جانباً لصالح الدلالة الرمزية، معتبراً ان النص يتضمن معان عديدة، ورأى ان لكل حرف من النص الالهي تميزاً خاصاً، وهو مليء بالمعاني العميقة. بل اكثر من هذا ان جماعة من احبار اليهود اعتبروا ان كل قراءة للتوراة لا يمكنها ان تصل الى اعماقه الحقيقية، محتجين على ذلك بان التوراة كانت موجودة حتى قبل الخلق نفسه، وفي تعليق مشهور يقول ان الله فكر في التوراة ثم خلق العالم، مثل البنّاء الذي يفكر في خطة سابقة ثم يبني عليها البناء، اما النص التوراتي المكتوب فهو بمثابة ثوب للنص الموجود منذ القدم. وهذا ما يجعل بنظرهم كون التفسير لا نهاية له، فكل قراءة لا تمس سوى ثوب النص دون ان تلوح اعماقه الغائرة17.

وقد يتناسب المعنى الاخير حول التوراة بما تراه بعض المذاهب الاسلامية بقدم الكلام الالهي، ومنهم المتصوفة الاشاعرة ومن تأثر بهم من فلاسفة الشيعة، أمثال صدر المتألهين ومحمد حسين الطباطبائي. فالقول بقدم الكلام الالهي يعطي المبرر للقراءات المعمقة والرمزية التي لا تنتهي عند حد.

فمع ان النص محدود، لكن المعنى غير محدود ولا متناهي. وقد يصدق في هذا المجال ما يقوله جاك لاكان: اذا كان الانسان يقول اكثر مما يعني فان الله يعني اكثر مما يقول.

 

1انظرحولالمصطلحالموسوعةالالكترونيةالتالية:

http://en.wikipedia.org/wiki/Hermeneutics

2بولريكور: نظريةالتأويل،ترجمةسعيدالغانمي،المركزالثقافيالعربي،الطبعةالثانية،2006م،ص122. كذلك: بولريكور: منالنصالىالفعل،ترجمةمحمدبرادة- حسانبورقية،عينللدراساتوالبحوثالانسانيةوالاجتماعية،الطبعةالاولى،2001م،ص110ـ111.
3دانييلهنريباجو: الأدبالعاموالمقارن،ترجمةغسانالسيد،منشوراتاتحادالكتابالعرب، 1997م، عن الموقعالالكترونيلاتحادالكتابالعرب:http://www.awu-dam.org.
4نظريةالتأويل،ص146.
5أُومبرتوإيكو: التأويلبينالسميائياتوالتفكيكية،ترجمةسعيدبنكراد،المركزالثقافيالعربي،الطبعةالاولى،2000م،ص126.
6المائدة/120.
7انظركذلك: القسمالاولمن: جدليةالخطابوالواقع.
8انظربهذاالصدد: عبدالكريمشرفي: منفلسفاتالتأويلالىنظرياتالقراءة،نشرمنشوراتالاختلافوالدارالعربيةللعلوم،الطبعةالاولى،1428هــ2007م، ص79.
9 للتفصيل انظر: فلسفة العلم، ص371ـ372. كذلك: الاستقراء والمنطق الذاتي.
10 لانسون : منهج البحث في تاريخ الآداب، ترجمة محمد مندور ، ضمن: محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب، نهضة مصر ، 1996م، عن الموقع الالكتروني: www.4shared.com.
11النصالغائب،ص29ـ30.
12انظرمثلاً: جوناثانكلر: جاكدريدا،ضمن: البنيويةومابعدها: منليفيشتراوسالىدريدا،تحريرجونستروك،ترجمةمحمدعصفور،سلسلةعالمالمعرفة(206)،1996م . كذلك: جونستروك: المقدمة،ضمننفسالمصدر.
13مرتضىالانصاري: فرائدالأصول،تحقيقوتقديمعبداللهالنوراني،مؤسسةالنشرالاسلامي،قم،الطبعةالثالثة،1411هـ،ج1،ص115.
14لاحظ: يوسفالبحراني: الدررالنجفية،مؤسسةآلالبيتلاحياءالتراث،ص87ـ88. والفيضمحسنالكاشاني: الأصولالأصيلة،تصحيحوتعليقميرجلالالدينالحسيني،سازمانچابدانشگاه،ايران،1390هـ،ص17ـ18. كماانظركتابنا: مشكلةالحديث.
15مقدمة في الهرمنوطيقا.
16نفس المصدر والصفحة.
17المصدرالسابق.
comments powered by Disqus