-
ع
+

ما الذي يفسر نكوص النفس في التفكير الفلسفي؟

يحيى محمد 

من مسلّمات التفكير الفلسفي التقليدي ان وجود الكائنات قائم على سلسلتين من الصعود والرجوع الى المبدأ الحق، وبالتالي لا مجال للقول بالنكوص والعودة الى الوراء، فكل الكائنات تتوجه نحو غاياتها العالية فتتحد بها شيئاً فشيئاً، اذ تبعاً لمنطق الحتمية في العلاقة العلية لا يمكن ان ينقلب الكائن الى ما هو دونه. فمثلاً فيما يخص تطورات الانسان تنتقل النفس وتترقى على سبيل الاتصال من نوع الى نوع اخر، فتتحول الصورة الطبيعية لمادة خلقة الانسان من الجمادية الى النباتية ثم الحيوانية فالانسانية فالملكية وما بعدها طبقاً لنظرية الاتحاد. وبحسب منطق الفلاسفة فان النكوص والرجوع مرة اخرى الى ما هو اقل كمالاً من الاول يعتبر منافياً لسريان الفيض المتصل في تكميل الاشياء وايصالها الى غاياتها على نسق واحد، حتى صرح صدر الحكماء بان لكل طبيعة حركة جوهرية ذاتية الى غاية ما، وهي في كل مرحلة تصل اليها لا يمكنها العودة الى ما كانت عليه سابقاً، لذا من المحال ان يقع شيء من تلك الحركات والتحولات الانتكاسية بخلاف المجرى الطبيعي، فلا يمكن ان تصير القوة الحيوانية نباتية، ولا النباتية معدنية، ولا المعدنية صورة عنصرية، وهكذا من المحال ان تجري الاشياء على خلاف ما هي مفطورة عليه من المجرى الطبيعي.1

مع هذا فان صدر المتألهين ولدواع نقلية اعتبر ذلك الحكم لا ينافي الشقاوة والعذاب في الاخرة، كما لا ينافي المسخ مثلما حصل كثيراً في امة موسى (ع) ظاهراً، وفي كثير من اهل زمانه - على حد قوله - باطناً2.

فحول النكوص الاول اعتبر هذا الفيلسوف ان الموت - مطلقاً - يمثل كمالاً لما ينطوي عليه من تجرد وعودة الى العالم القدسي3، فاعتبر ان الايتين الكريمتين: {يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه} الانشقاق/6.. {انا الى ربنا لمنقلبون} الزخرف/14؛ فيهما اشارة الى الانتقال الفطري للجوهر الطبيعي الى الله، حيث يستوي في هذا التوجه الذاتي والحركة المعنوية كل من المؤمن والكافر، المطيع والعاصي، فكلها مأمور بهذا الاتيان والسفر الى الله والدار الاخرة، فلا ينافي هذا التوجه الطبيعي الشقاوة والعذاب، باعتبار ان منشأ العذاب هو ايضاً تأكد الوجود وفعلية الذات وزوال الالتباس ورفع الغشاوة وكشف الغطاء وحدّة البصر، كما في قوله تعالى: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ق/22، اذ تنتبه النفوس الشقية عند كشف الغطاء من نوم الطبيعة ورقدة الدنيا فتتطلع على معاصيها وجهالاتها، مما يفضي بها الى غاية الالم والتأذي وتبلغ حد الكمال في الشقاء حتى تلحقها الندامة والحسرة4.

لكن لو صح ان ذلك العذاب هو نوع من الكمال؛ لما ذم الله الاشقياء في الاخرة ووصفهم بالخزي والخسران الى الدرجة التي تمنوا فيها ان يكونوا تراباً. كذلك فان العودة والرجوع الى الاول لا يحتمل ان يكون متلبساً بالالم والشقاء وهو منبع اللذة والطمأنينة على ما تقتضيه السنخية، فالنهاية كالبداية كما هو مقرر لدى التفكير الوجودي. وايضاً، لو صح ان العذاب هو نوع من الكمال فلماذا يكلف فيلسوفنا نفسه ذلك الجهد لانكار خلود العذاب واثبات انقطاعه دعماً للرحمة والخير وكون النهاية كالبداية على ما سيأتي ذكره؟! بل ما معنى العذاب ودخول الكافرين النار إن كان الوجود واحداً بذاته وصفاته؟ فهل ان ما يتعذب هو صفات الله واسماؤه؟ ولو من حيث اعتبار ما عليه الاعيان الثابتة التي هي بحسب بعض الاعتبارات نفس الذات الالهية وان هذه الاخيرة هي كل الاشياء، او من حيث ظهور الحق بصفات المحدثات وصفات النقص والذم كما اخبر الحق بذلك عن نفسه على ما يقوله ابن عربي5، وكما يقول الجندي: ‹‹فما تألم وما تنعم دنيا ولا اخرة الا الحق المتعين بك وفيك بحسبك، ولا حسب للحق الا انت، وبحسبك يظهر لك او عليك››6.

أما النكوص الخاص بالمسخ فقد اقر به صدر المتألهين واعترف بوقوعه في الدنيا لاقوام غلبت نفوسهم الشهوية او الغضبية او الشيطانية، فصاروا قردة وخنازير وعبدة الطاغوت. ومع ذلك اعتبره لا ينافي توجه النفوس الى ما فوقها بحسب سلسلة الصعود؛ لكونها تحصل على شيء من الكمالات الحيوانية. اذ ما يراه مستحيلاً انما هو رجوع نوع الى نوع اخر ادنى منه، وعودة كمال الى نقص، كإن تتقهقر الانسانية الى الخنزيرية وما شاكلها، أما جمع صورة الى صورة اخرى فليس بمستحيل عنده، فهو انسان خنزير - مثلاً - لا انسان بطلت انسانيته وحلت صورة الخنزيرية محلها7.

لكنه أقر في النشأة الاخرى بعد البعث بصيرورة النفوس الادمية الى صور انواع مختلفة الذوات بما يناسب اعمال الناس وافعالهم، وذلك عند ترسخ الملكات لديهم. فاعتبر انواع النفوس بحسب تلك النشأة كثيرة لكنها تقع تحت اجناس اربعة، هي الجنس الملائكي والشيطاني والبهيمي والسبعي. وفسّر على ذلك ما قيل: ‹‹ما من مذهب الا والتناسخ فيه قدم راسخ››. كما فسّر عليه بعض الايات القرآنية مثل قوله تعالى: {واذا الوحوش حشرت} التكوير/ 5، اذ اعتبرها تشير الى انقلاب جواهر نفوس بعض الناس الى نفوس الوحوش لغلبة صفاتها عليهم، فصارت نفوسهم في القيامة بهيئة الحيوانات بما يناسب طبائعهم واخلاقهم8. وقد اعترف بما اخذه عن الغزالي في (احياء علوم الدين) بان لكل انسان شوباً من تلك العناصر الاربعة (الملكية والشيطانية والسبعية والبهيمية)، وذلك من جهة روحه ونفسه وشهوته وغضبه، فيكون المجتمع في الشخص الانساني يمثل جمعاً للحكيم والشيطان والكلب والخنزير، فالاول صورة الروح، والثاني صورة النفس، والثالث صورة الغضب، والرابع صورة الشهوة9.

والمهم في الامر هو ان مثل هذه الاعقاب والنكوصات من المسخ والتحول الى الصور الحيوانية، سواء في الدنيا ام الاخرة، لا يمكن التوفيق بينها وبين ما تقتضيه السنخية وسلسلة الصعود في توجه الاشياء الى كمالاتها؛ مهما قيل في المسخ الدنيوي من انه جمع صورتين في جوهر واحد، لا تحويل صورة الى اخرى مخالفة لها. اذ يلاحظ في تلك النكوصات انها رُدّت الى ما هو ادنى منها، فهي وان ملكت كمالاً في صورها الحيوانية الجديدة، لكنها فقدت ما هو اهم من ذلك، حيث فقدت بعضاً من روحها المنطقية وذاتها النورانية.

 

قانون النزول وصور الانتكاس

اذا كان اصل الوجود هو محض الخير باعتباره محض الوجود، وكانت مراتب الوجود متشابهة بحسب السنخية، فان من المنطقي ان يُعد الخير سارياً في جميع المراتب. لكن على هذا يرد تساؤلان:

اولاً: لماذا اقتضت سلسلة النزول وجود الشرور والأعدام والكفر والشيطنة؟

وثانياً: لماذا لم تخضع هذه الشرور الى نسق تسلسل مراتب الوجود بمقتضى منطق السنخية كما سنرى؟

لقد اعتبر ارسطو واتباعه ان الشر امر عدمي نسبة الى الوجود والكمال، حيث في حد ذاته لا وجود له الا بالعرض، فهو إما عدم محض او امر يؤدي الى عدم. فمثلاً ان الموت والفقر والجهل البسيط وامثالها هي عدميات محضة، لكن البرد المفسد للثمار والاخلاق الذميمة والافعال القبيحة، لا تعد شراً، بل هي كمالات لامور جسمية ونفسية، رغم انها من حيث تأديتها الى العدم تُدرج في لائحة الشر10. والقاعدة العامة للحكماء تقر المقولة التالية: كلما هو شر بالذات فهو من افراد العدم لا محالة11. فالشر الذاتي يساوق العدم، والخير يساوق الوجود، وكل ما هو خير وشر فهو نسبي، حيث يلتبس به الوجود والعدم.

ولو نظرنا الى مراتب الوجودات وكيف تتنزل من الاكمل فالاكمل، وارجعنا الكمال الى ذات الوجود، فان عدم الكمال يصبح معبراً عن ضعف الوجود، وبالتالي فان الشر لما كان امراً عدمياً فانه يعني نقصاً في الوجود، اذ لا وجود للعدم المطلق، وكل شر هو وجود، لكنه وجود ضعيف. بهذا يتفاوت الشر في سلسلة الوجودات بحسب المراتب، فكل مرتبة تالية تكون اضعف من المرتبة التي قبلها، فتصبح فاقدة لشيء من كمال، ومن ثم تكون شراً قياساً بما قبلها، وإن كانت في حد ذاتها تمثل نوعاً خاصاً من الكمال والخير مهما كان ضعيفاً. وينطبق هذا الامر على القضايا الاخلاقية، اذ تصبح جميع الاخلاق الذميمة شراً وعدماً بالقياس بما فوقها من القوى الشريفة العالية الكمال، لكنها بالنسبة الى مرتبتها الخاصة وما هو دونها تعد من الخيرات الوجودية12. وكذا الامر مع الالام والغموم والهموم، فهي بنظر اغلب الفلاسفة تعد وجودات خيرية باعتبارها ادراكات تصدر عن علل فاعلة كاملة، اما شرورها فيعود الى متعلقاتها من الأعدام والفقدان او المفسدات والمؤلمات13، وهي بالتالي تمثل شرور بالعرض14.

ومن المعلوم ان مراتب الكمال تبدأ من اشرف الموجودات، وهو المبدأ الحق، ثم العقول العالية، ثم الجواهر المجردة كالنفوس الفلكية، ثم الصور المنطبعة السماوية، فالطبيعة العنصرية فالجسمية، الى ان تنتهي بالوجود الذي لا اخس ولا انقص منه، وهو الهيولى الاولى، حيث عندها تنقطع السلسلة النزولية15. وبحسب هذه المراتب ندرك ان المواد والاجسام هي ابلغ حالات الشر وصوره في عالم الوجود. وتأكيداً لذلك فان افلوطين عد المادة المحسوسة ذات وجود سلبي لانعدام الكمالات الالهية فيها، واعتبرها مصدر النقص وسبب الشرور16. كذلك ان صدر المتألهين اعتبر ان ‹‹كل ما هو اكثر برائة من المادة فهو اقل شراً ووبالاً››.17

هكذا يمكن القول ان الشر هو من ضرورات تنزلات الوجود. ولدى صدر المتألهين فانه من وجه يمكن اعتبار الشر عائداً الى المظاهر والمجالي، وإن كان مسلوباً عنها من وجه اخر، تبعاً لقسمة الاشياء الى الوجود والماهية، او الجعل والاعيان الثابتة، التي لها الخصائص الثابتة على ما هي عليه من غير تبدل ولا تحويل18، وهي منشأ النقائص والذمائم والشرور والافات، وبهذا تكون وقاية للحق من نسبة النقص اليه19، وعُدّت من حيث امكانها الفاشي في كل الموجودات المعلولة عبارة عن شرك خفي اخفى من كل شرك، وهي منبع كل شرك وكفر، ومبدأ كل شر وآفة، وقد وصفها صدر المتألهين بكفر الروح مقارنة بمراتب اخرى للكفر، مثل كفر القالب والنفس والقلب.20

وتبعاً لمنطق السنخية فانه لا فصل بين الوجود والماهية او العدم، ولا بين الخير والشر، وكذا الايمان والكفر، والطهارة والنجاسة، والحسن والقبح.. الخ، وفقاً لاعتباري تنزلات الوجود وعلاقة هذا الاخير بالماهية. فمن حيث الاعتبار الاول ان كل وجود متنزل يستبطن عدماً، كما يستبطن كل خير شراً، وكذا كل ايمان كفراً، وكل طهارة نجاسة، وكل حسن قبحاً. وانه بحسب هذا الاعتبار هناك تناسب عكسي بين الضدين، فكلما اشتد احدهما ضعف الاخر، والعكس بالعكس. أما من حيث الاعتبار الاخر فهو ان الشيء الواحد يحمل ذلك الازدواج من الضدين، باعتبار كل من الوجود والماهية، فمن حيث وجوده يتصف الشيء بالخير او الايمان او الطهارة..الخ، أما من حيث ماهيته فانه يتصف باضداد تلك الصفات. وهذا الاعتبار هو الذي مال اليه صدر المتألهين، حيث رد الشر وما على شاكلته الى الماهية، أما ما يلابس هذه الماهية من الخير فقد عدّه عائداً الى نور الوجود الفائض عليها. فالشيء الواحد شر من حيث ماهيته، وخير من حيث وجوده، وكذا لو قسنا ذلك بالنسبة الى الطهارة والنجاسة كما فعل هذا العارف في مثاله عن الكلب والكافر الجامعين للضدين الطهارة والنجاسة، فاعتبر ان ‹‹الماهيات ما شمت رائحة الوجود، فعين الكلب نجس، ووجوده المفاض عليه طاهر، والكافر نجس العين من حيث ماهيته وعينه الثابت، لا من حيث وجوده، لانه الطاهر الاصل، كنور الشمس الواقع على القاذورات والارواث، فانه لا يخرج عن نورانيته وضيائه وصفائه لوقوعه عليها، ولا يتصف بصفاتها من الرائحة الكريهة والكدورة الشديدة››21.

وهذا هو المعنى العرفاني الخلقي لوحدة الوجود كما تحدثنا عنه من قبل، اذ يعزو للماهية دورها الانفعالي الذي يتمظهر بمظهر الوجود، ويشير العرفاء الى ذلك بقول الحق تعالى: {ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك} النساء/79، الامر الذي يفسر قول البسطاني: ‹‹طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك››، وقوله ايضاً: ‹‹بطشي أشد من بطشه بي››.22

لكن من حيث ان ذات المبدأ الحق عين جميع الماهيات، فان هذه الذات تصبح حاملة لخلط من الاعيان الموصوفة بتلك الصفات المتضادة، وحيث انه ليس بالامكان ابدع مما كان، كما اشار اليه ذلك العارف في (شرح اصول الكافي)23، لذا لا موضع للتعليل والاستفهام باداة (لماذا)، فكل ما يظهر في عالمنا السفلي هو نتاج المشاكلة مع العالم العلوي الالهي، وكل شيء يتجلى في العالم الاول يكون على نفس صورة ما في الذات، وبالتالي لا يمكن ان تعطى الاشياء باكثر مما تستحق، او انها لا تكسب شيئاً أكثر من افاضة الوجود عليها باعتبارها حقائق غير مجعولة، حيث البسها الحق هذه الحلية وخلع عليها من ثوبه وانارها بنوره.

هكذا نخلص الى ان تفسير حالات الشر استناداً الى نقص رتب الوجود وضعفه؛ لا ينفي ربطها من حيث الاصل بذات العلة الواجبة المتمثلة بمبدأ الوجود الحق، اذ لا يظهر شيء الا على شاكلة هذا المبدأ تبعاً لمنطق السنخية. كذلك فان تفسير تلك الحالات لا ينفي ربطها بالماهيات المستهلكة في عين الجمع، فبحسب اعتبار ذواتها مقيدة تكون منشأ الاحكام الكثيرة والذمائم والنقائص والشرور.

***

قلنا ان للشر صوراً مختلفة وكثيرة، مثل النقائص الطبيعية والقبائح الاخلاقية والمعاصي الدينية. وحيث ان الشر من مقتضيات تنزلات الوجود السفلية، او كونه من مقتضيات الاعيان الثابتة غير المجعولة، فقد أثار ذلك مشكلة بشأن التوفيق مع النص الديني ودور كل من الارادتين الالهية التكوينية والتشريعية.

اذ كيف يمكن التوفيق بين صور الشر المذكورة وبين ما عليه الارادة التكوينية، خصوصاً فيما يتعلق بتلك التي لها قيم ومعايير دينية، كالكفر والعصيان؟ فالفلاسفة يقرون بحتمية ما عليه الارادة التكوينية للمبدأ الحق، وبالتالي كان لا بد من الوجود الناقص او الشر المتضمن للمعاصي والاخلاق السيئة، مع الاعتراف بان الحق لا يرضى بهذه القيم التي اوجدها عبر تلك الارادة، فهو وإن اراد هذه القيم لكنه غير راض عنها، استسلاماً - كما يبدو - لقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} الزمر/ 7. وقد مثّل الفلاسفة على ذلك بان من لسعت الحية اصبعه فانه يختار قطعها لاجل السلامة، فهو بالتالي يريد القطع ولا يرضى به24.

وانسجاماً مع الموقف الفلسفي قام صدر المتألهين بتصحيح ذلك المفهوم، فاعتبر المبدأ الحق يريد كل شيء ويرضى به من دون تفريق، لكنه اضطر لاجل هذا ان يأول النص القرآني الانف الذكر، معتبراً معناه ان الكفر وغيره من القبائح غير مرضية عند الحق بأنفسها وبما هي شرور، لكنها مرضية لديه بالتبعية والاجترار. كذلك اتساقاً مع مذهبه فانه لم يتقبل رأي البعض القائل بان الارادة زائدة على الذات، وهو ان الله يعلم كل شيء لكنه لا يريد كل شيء، فعلمه الذي هو عين ذاته غير ارادته.. ومن الطبيعي ان يكون هذا الرأي غير مقبول عند فيلسوفنا لمنافاته للكثير من الاعتبارات الفلسفية وعلى رأسها منطق السنخية25.

مع هذا فالاشكال الذي يرد على موقف صدر المتألهين هو انه رأى في ماهية الكفر والشرور، من حيث انفسها غير مرضية عند المبدأ الحق، مع ان الاصح ان يقال بان الماهية مهما كانت فهي من سنخ الوجود، وهي عين الحق من حيث الجمع، فكيف لا يرضى بشيء له تحقق في ذاته من الصور والمظاهر والاعيان الالهية الثابتة؟! بل ما معنى هذا الرضا اذا كانت الامور جارية تبعاً لما عليه الحال من الحتمية الوجودية؟!

كذلك تعرض هذا الموقف الى نقد من قبل بعض الفلاسفة التابعين. فقد اعترض ملا هادي السبزواري على ما سبق، واعتبر ان علم الحق وارادته لا يتعلقان بالشرور بما هي شرور بالحمل الشائع، لكونها أعداماً، وهو لا ينافي تعلقهما بها بما هي شرور بالحمل الاولي الذاتي. كما ان الطباطبائي رغم موافقته لصدر المتألهين، الا انه اعتبر الاية الانفة الذكر لها دلالة على الرضا التشريعي لا التكويني26. مما يعني ان الارادة والرضا يجتمعان لديه في امر واحد تكويني، مثلما يجتمعان في الامر التشريعي.

على ان لصدر المتألهين موقفاً آخر يختلف عما سبق، فقد اعتبر الخير من الوجودات الذاتية للمبدأ الحق، لهذا كان مرضياً عنده بخلاف الشر، حيث انه عرضي عدمي لا يرضى به الحق، مؤيداً كلامه بالاية المشار اليها ذاتها، فالشر بحسب هذه الرؤية يدخل في العالم بالقصد الثاني على التبع لا الاول، بخلاف الخير الذي هو قصد فعله الاول، وما بالذات اسبق مما بالغير، فالخير من ذات الحق، والشر من فعله. وقد استعان فيلسوفنا العارف ببعض النصوص القرآنية، فاعتبرها تلوّح الى المعنى السابق، مثل قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} الانعام/1227. وبذلك انكر ان يكون تحليله العرفاني يفضي الى اسناد الشرور والقبائح الى المبدأ الحق، حيث الشرور ما هي الا نتاج لوازم الوجود والايجاد28. مع ان هذا الاعتبار لا ينافي اسناد الشر من وجه اخر الى المبدأ الحق، سواء أخذنا بوجهة النظر الفلسفية او العرفانية، اي سواء قلنا ان الشر هو من متفرعات العلاقة العلية، اذ ليس هناك شيء في المعلول الا ويوجد قبله في العلة.. او قلنا ان الشر هو من مظاهر بعض اسمائه كالقهر وما شاكله، فما ينسب للشيطان وجنوده - مثلاً - انما يعود في الاصل والحقيقة الى ذات الحق، كالذي يقتضيه منطق السنخية ووحدة الوجود.

وفعلاً اعترف فيلسوفنا بهذا الامر في بعض كلماته، اذ نسب الشرور واختلاف الماهيات الى الاصل المتمثل في الذات الالهية، او الى العلم الذي هو عينها، وكما يقول: ‹‹التفاوت في القوابل والحقائق الامكانية والماهيات انما يحصل لها بوجه من نفس ذواتها، وبوجه من الفيض الاقدس المسمى بالقضاء الازلي الذي هو عبارة عن ثبوت الاشياء في علم الله تعالى بالنظام الاليق الافضل من حيث كونها تابعة لاسماء الحق وصفاته التي هي عين ذاته، ووجود تلك الماهيات في الخارج باضافة الوجود عليها بحسب اوقاتها المخصوصة واستعداداتها من الحق يسمى عندهم بالفيض المقدس وهو بعينه القدر الخارجي، اذ التقدير تابع لعلم الله تعالى››29. وعليه فقد نسب الافعال التي تعود للشيطان الى مكيدة الهية، وارجع كل ما يتعلق بالقبائح الى المبدأ الحق، ففي تفسيره لقول الحلاج ‹‹ما صحت الفتوة الا لأحمد وابليس›› ذكر قائلاً: ‹‹كإنه قال: هذان المظهران كل منهما كامل في بابه، متفرد في شأنه، احدهما مظهر اسماء المحبة، والاخر مظهر اسماء القهر، ومن فتح عينيه وشاهد ياء المتكلم في قوله تعالى: {وان عليك لعنتي الى يوم الدين} بالعين الاخرى؛ ليعرف ان هاتين النسبتين تتحدان في شيء واحد، وهو مجمع الموجودات ومرجع الكل، والجميع مظاهر اسمائه ومجالي صفاته، وحينئذ يعلم سر قوله: {فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين}، وقوله: {فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم}، فمَن أمره ظاهراً بسجدة آدم في قوله: {اسجدوا لادم} كان قد نهاه في السر عن سجدة غيره، فألهمه والقنه الحجة بقوله: {ءأسجد لمن خلقت طيناً}؟ فافهم ياحبيبي هذه الكلمات.. وتنبه لما قيل: ان نور ابليس من نار العزة لقوله تعالى: {خلقتني من نار}، ولو اظهر نوره للخلايق لعبدوه، انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، وذكر بعضهم النكتة في ان الخليل لماذا قال لما جن عليه الليل ورأى كوكباً قال: هذا ربي، مما روي عن كعب الاحبار انه قرأ في التوراة ان ارواح المؤمنين من نور جمال الله، وان ارواح الكافرين من نور جلال الله، وفي الادعية النبوية: اللهم اني اعوذ بك منك››30.

وقبل صدر المتألهين ذهب ابن عربي الى ان كل موجود عند ربه مرضي، سواء كان سعيداً او شقياً، تبعاً لما عليه الاسماء الالهية، فكل اسم له مربوباته الخاصة، فمن كان مربوباً الى اسم الهادي فهو مرضي عنده، وان كان مربوباً الى اسم المضل فهو مرضي عنده، لكن المربوب الى الاسم الاول هو غير مرضي عند الاسم الاخر، وكذا فان المربوب عند الاسم الثاني فانه غير مرضي عند الاسم الاول31. مما يدل على ان المرضاة تعطي معنى الارادة التكوينية. فالجميع بما في ذلك العاصي والمطيع مرضيون عند الحق في جمعه للاسماء وارادته للكل.

مع هذا يظل الاشكال قائماً حول الارادة التشريعية التي يُفترض ان تكون على وفق الارادة الاولى، والا فقدت معناها، او اصبحت مجازاً لا حقيقة. اي لكان هناك تفكيك يبعث على عدم الاتساق، كالذي وقع به القيصري حينما اثبت مرضاة الله للعصيان والكفر من حيث الارادة التكوينية لكنه نفاها بحسب ما عليه الارادة التشريعية، استجابة لنص الاية: {ولا يرضى لعباده الكفر}32. وبالتالي جعل القضايا التشريعية لا معنى لها قبال القضايا التكوينية، فليس في الحقيقة شيء سوى المشيئة والارادة التكوينية المتمثلة بما عليه الاسماء الالهية ولوازمها من الاعيان الثابتة. وعليه اكد هذا العارف انه لا مجال لما قد يقال لِمَ كان هذا فقيراً وذاك غنياً، وهذا عاصياً وذاك مطيعاً، مثلما لا يقال لِمَ كان هذا انساناً وذاك كلباً، فكل ذلك رهين العدل والحكمة بفضل ما عليه الاعيان الثابتة، او ان العدل هو اعطاء كل شيء على ما تقتضيه عينه الثابتة33.

وشبيه بهذا ما ذكره حيدر الاملي من اسناد العطاء واحوال الخلائق الى الحق تعالى، معتبراً ذلك من العدل الذي يعني اعطاء الله كل موجود حقه الذي يستحقه في الازل من دون زيادة ولا نقصان، وفقاً لما تكون عليه الصور العلمية او الاعيان الثابتة34. واقر انه بغير ذلك يصدق الظلم الفاحش باعتباره يعني وضع الشيء في غير موضعه35. وسبق للفارابي ان ادلى بما يقارب المعنى السابق، فاعتبر العدل هو ان يوفى كل كائن بما مهيأ له من الوجود، حيث جرى العدل بان يحصل كل ممكن على قسطه من الوجود36. وكذا ما ذهب اليه السهروردي من معنى كون الحق قائماً بالقسط، او كما اشار اليه المحقق الدواني من ان هذا العدل يقتضي ايصال كل قابل الى ما يقبله من الوجود وما يتبعه من الكمالات37.

هكذا ان اصل اتصاف الاشياء، بما هي عليه من خير وشر، يستمد وجوده من الحقيقة الالهية، سواء اعتبرنا ذلك بحسب إفاضة الوجود، او بحسب تبعية الاعيان الثابتة للاسماء والصفات. أما مقاييس الارادة التشريعية والاعتبارات الدينية وسائر القيم المعيارية، فجميعها تعد مجازية دون ان يكون لها حقيقة لدى اصحاب المنظومتين الوجوديتين الفلسفية والعرفانية، فكل شيء عندهم مقدر بقضاء حتمي لا يقبل التغيير والتبديل، فالعدل في الفهم الوجودي هو ما يماثل ضرورة الوجود، والظلم على خلافه يعطي معنى الاستحالة. لذلك صرح الاملي - في بعض المناسبات - ان هناك استحالة ذاتية لاعطاء الماهيات من الوجود بأكثر او اقل من قابلياتها38.

على ان هناك رأياً ملفقاً في تفسير مصدر وجود الشر، بين الروح الوجودية من جهة، وبين بعض المظاهر المعيارية من جهة ثانية، فقد ارتضى الكيلاني تلك الفكرة الوجودية التي تقول ان الشرور هي من مقتضيات الذوات الامكانية، لكنه ردّ ببعض المظاهر المعيارية على شبهة من قال (لِمَ اوجد الله تعالى ذاتاً مقتضية للشر)، فاعتبر ان في ايجاد الحوادث لا بد من مادة واستعداد كي لا يكون هناك ترجيح بلا مرجح، وبالتالي فلما استعدت مادة زيد لافادة الوجود؛ فإما ان يفاض عليه الوجود من المبدأ الفياض ام لا، وفي حالة عدم افاضة الوجود عليه من المبدأ الحق فاما ان يكون ذلك بسبب النقص والقصور في المبدأ الحق او بسبب البخل او لعدم علم الحق بالاستعداد، وكل هذه الافتراضات ممتنعة، وبالتالي وجب افاضة الوجود لمن استحق الوجود. فالمبدأ الحق فاعل بالجود الذاتي، والجود هو افادة ما ينبغي لا لعوض او غرض، انما يجب على المبدأ الحق تبعاً لارادته الكاملة الذاتية افادة ما ينبغي من الوجود لمن يستحقه، وبه يندفع اصل الشبهة. والحاصل ‹‹ان الواجب لما علم ان مادة زيد صارت مستعدة للوجود، افاده الوجود بالجود الذاتي، ولما صار موجوداً صار منشئاً للشرور والنقائص، فاستحق بذاته اللوم والعقاب، فيجب ان يعاقبه بمقتضى الجود الذاتي الذي هو افادة ما ينبغي، ولو لم يعاقبه لكان ظالماً، اذ الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهل عدم معاقبة من هو مستحق للعقاب الا وضعاً له في غير موضعه››.39

ويلاحظ ان اغلب ما ذكره الكيلاني غير صحيح للاعتبارات التالية:

1ـ ان البخل غير وارد فيما لو اراد عدم ايجاد زيد، سواء كان مؤمناً او كافراً، مادام انه معدوم.

2ـ ان الجود الذي ذكره لا يعطي معنىً حقيقياً بحسب الاعتبارات الوجودية، فالجود تابع للعلم، وما هكذا شأنه لا يقال ان فيه جوداً.

3ـ لو ان الله تعالى لم يوجد زيداً، فيما لو علِم انه سيصبح كافراً ومعذباً، لكان يمكن ان يقال انه فعل ذلك بفعل رحمته، كما يمكن ان يقال ان ذلك هو ارجح من حيث الرحمة والجود مقارنة مع ايجاده ومن ثم تعذيبه.

4ـ من الغريب ان يعتبر الكيلاني عقاب زيد هو امر واجب بدونه يحصل الظلم، اذ لو اعتمدنا على هذه المقاييس المعيارية، لكان من العسير ان نفسّر لماذا تكون الرحمة والغفران والتجاوز عن العاصي والظالم حسنة ممدوحة، بل وان نعدّ ذلك من التقوى، وقد ورد عن الامام علي انه فضّل العفو عن قاتله من ان يُقتل بالمثل، واعتبر العفو اقرب للتقوى.

***

مع هذا فالملاحظ ان النظام الوجودي وإن امكن ان يفسّر تلبسات الممكنات السفلية بحلى الكفر والشر والنجاسة وما اليها، لكن ذلك لا ينسجم مع يقدمه جملة من الحالات التي يشهد عليها كل من الواقع والاعتبارات الدينية. فهذه الحالات لا تتسق مع نظرية التراتب الوجودي تبعاً لمنطق السنخية والامكان الاشرف، اذ يفترض ان تترتب فيها الوجودات على منوال الاخْير فالاخْير، وكذا الاطهر فالاطهر، فلو طبقنا قاعدة الامكان الاشرف على الوجودات المعتبرة شريرة ونجسة، لكان يفترض ان يكون موقعها في اواخر السلسلة الوجودية، مع انها ليست كذلك. فمثلاً يُنظر الى الكلب بأنه نجس تبعاً للاعتبارات الدينية، مما يلزم ان تكون مراتب الكائنات الادنى منه اكثر نجاسة، وهو خلاف المفروض، فالنباتات واغلب الاجسام الطبيعية وغيرها من المراتب التي تقع دون مرتبة الكلب؛ تعد طاهرة لا نجسة.

ولو قيل ان الوجود بحسب ذاته طاهر، وهو ينطبق على كافة الوجودات، وبالتالي كانت جميع الاشياء طاهرة بهذا الاعتبار.. لقلنا ان ذلك لا يمنع من ان تختلف الوجودات في نسبة الطهارة مثلما تختلف في شدة الوجود وضعفه، فالوجود الضعيف يفترض ان يكون قليل الطهارة، والعكس بالعكس. وعندما تتحدد النجاسة بالماهية لبعض الكائنات فذلك يفترض ان يكون بحسب موقعها من السلسلة الوجودية، ولو اخذنا باعتبار ما يقره صدر المتألهين من الوجود بالمعنى الذاتي، حيث تكون الماهية عبارة عن صورة الوجود بالظلية والمحاكاة، فتصبح العلاقة بينهما واضحة التحديد من حيث السنخية على صعيد الصفات، ومنها تلك التي تتعلق بالطهارة والنجاسة. وفي جميع الاحوال ان وصف الكلب - مثلاً - بالنجاسة بخلاف ما دونه من المراتب يعد خرقاً للمنظومة الوجودية واصلها المولد.

وعلى نفس هذه الشاكلة من الخرق ما جاء في وصف بعض الفلاسفة لابليس والشياطين تبعاً للاعتبارات الدينية. فبحسب منطق السنخية يفترض ان يحظى الشيطان بنسبة من الشر والقبح اقل من النباتات والحيوانات والاجسام المعدنية والعنصرية، مثل الماء والهواء والتراب وغيرها، باعتباره يتمتع بمرتبة وجودية اعلى، فهو على رأي البعض عبارة عن موجود نفساني متولد من طبقة دخانية نارية يغلب عليه الشرارة والاغواء والاضلال، ويتصف باللطافة و سرعة النفوذ40. وهو بنظر صدر المتألهين عبارة عن جوهر نفساني فاعل الشر، ومبدأ الغلط في الاعتقادات، والفسوق والعصيان في الاعمال، ومنشأ الوسوسة والمكر والخديعة، وارائة اشياء لا حقيقة لها، وانه كذلك عبارة عن اصل الضلال والعمى والجهل، سيما ذلك المشفوع بالرسوخ41. ومن الواضح ان وصف الشيطان باصل الشر والضلال يكافئ ما توصف به المادة عند الفلاسفة، اذ اعتبروها اصل ذلك الشر لبعدها عن مراتب الكمال في الوجود. وهكذا اصبح لدينا حكمان ملفقان، احدهما ديني يكون فيه الشيطان من ابرز دواعي الشر واصوله، واخر فلسفي يرى مبعث الشر صادراً عن المادة لضعف وعائها الوجودي.

مع هذا فان صدر المتألهين لم ينكر ما للشيطان من دور ايجابي عرضي في الحياة، حيث اعتبر وجوده قياساً بوجود الملائكة كوجود القوة الوهمية بالنسبة الى القوة العاقلة، فرغم انها تفضي الى التضليل لكنها ضرورية لادراك الجزئيات، وكذا الشيطان رغم ما يسببه من شرور في الحياة فإن له دوراً هاماً في عمارة الدنيا وصلاحها، ولولا اوهام اتباع الشيطان من المعطلة والمتفلسفة والدهريين؛ لما انبعث اولياء الله واهل الحكمة والعرفان في تحقيق الحقائق وتعليم العلوم وطلب البراهين لبيان التوحيد، وكذا الحال مع قضايا تهذيب الاخلاق والاحوال والاعمال، اذ يستفيد الانسان كثيراً من مراقبة الاخرين له في اعماله واظهارهم عيوبه، كما يتجلى كمال الانسان حيث تبدو نقائص الاخرين وقبح اعمالهم، لهذا قيل: لولا معاوية ما كان علي42. لكن في جميع الاحوال ان وصف الشيطان باصل الشر والقبح هو وصف ملفق مع النصوص الدينية ولا يتناسب مع ما عليه المنظومة الفلسفية واصلها المولد.

وينطبق الحال على النفوس البشرية، من حيث انها مصدر للشر وباعث عليه بما يفوق غيرها مما هو دونها من المراتب، كالذي يشهد عليه الواقع وكذا النصوص الدينية التي تصف اقواماً بأنهم كالانعام او أضل سبيلاً. الامر الذي لا يتفق مع ما هو مقرر لدى الرؤية الوجودية في تحديدها لرتبة البشر الوجودية وفق منطق السنخية ونظرية الامكان الاشرف، اذ كلما كانت الوجودات اكثر تجرداً، فانها تكون اشد كمالاً وقرباً من المبدأ الحق، كالذي اقر به صدر المتألهين43، لكنه بدافع الوحي اعترف بخسة بعض الكائنات وحقارتها عما هو اقل منها تجرداً، ومن ذلك النفوس الانسانية الشريرة وما شاكلها. فاستناداً الى بعض النصوص القرآنية اعتبر ‹‹ان العالم كله في مقام الاستقامة على الصراط والعبودية والخضوع، الا كل مخلوق له قوة الفكر وتسلط الوهم واغواء الشيطان، وليس الا النفوس الانسانية النطقية من حيث اعيان تلك النفوس. أما ابدانهم وهياكلهم فهي ايضاً كسائر العالم في التسبيح والعبودية الذاتية، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة››44.

والواقع ان المنظومة الوجودية تواجه اشكالاً حتى مع عدم لحاظ ما عليه النصوص الدينية، اذ كيف يمكن تفسير حمل النفوس البشرية لامكانات الشر القوية، بما يفوق غيرها مما هو دونها من المراتب الوجودية؟!

 

التنزل وعلة هبوط النفس

رغم ان تفسير عمليات الصعود كما في النزول تعد من الحتميات المتعلقة بدوران الوجود؛ الا ان اضفاء صفة الغاية على هذه العملية لا تفهم الا بنحو من المجاز لا الحقيقة، اذ الاصل لما كان محض الكمال والتمام فكيف نفسر على ذلك علة التنزل والتسافل تبعاً للمنطق الغائي؟

وبعبارة اخرى ان سلسلة الصعود متوقفة على جريان سلسة النزول، ولولا ان الاولى متوقفة على الاخيرة لكان يمكن تفسير هذه الاخيرة وفقاً للمنطق الغائي، اذ الغرض هو الوصول الى الكمال. لكن المشكلة هي في سلسلة النزول التي لا يبررها المنطق الغائي، باعتبارها سلسلة قائمة على التسافل لا التصاعد، اي الجريان من الكامل الى الناقص، وان كل ما بوسع هذا الاخير هو العودة من جديد الى الكامل دون ان يضيف اليه شيئاً اخر غير موجود فيه. فمثلاً يمكن ان نتساءل: لماذا حدث للنفس ان تنزلت الى عالم الابدان المظلمة، مع انها كانت في الاصل ضمن عالم الكمال الجمعي؟

فهذه المسألة هي من المشاكل الهامة التي أرّقت عقول الفلاسفة القدماء، فاضطرتهم الى القول بان ذلك الهبوط انما نتج عما تعرضت اليه النفس في عالمها العلوي من ذنب وخطيئة قد اقترفتهما. وهو تفسير لم يرضِ صدر المتألهين، وحقّ له ان لا يتقبله، اذ كيف يمكن تصور ان تقترف النفس خطيئة، وهي في عالم العقل المقدس، حيث تكون كينونتها صافية نقية غير محتجبة ولا ممنوعة عن كمالها العقلي، بخلاف كينونتها في عالم الطبيعة والحس45؟!

لذا كان لا بد من تفسير اخر مختلف، كالذي يعرضه صدر المتألهين، اذ رأى ان علة النزول لغرض غائي مفاده إتمام ما بقي للنفس من خيرات لا يمكن تحصيلها الا بالهبوط والحلول في الابدان46. وهذا الهبوط والحلول لا يعني التخلي عن ذلك الكمال والعالم العلوي، وانما يعبر عن بعض نشآت النفس ومقاماتها ومراتبها، وهو تفسير يتسق واعتبارات الترتيب القائم في سلسلة الوجودات من العلة والمعلول تبعاً لمنطق السنخية ونظرية الامكان الاشرف، لكنه مع ذلك لا يبرر التفسير الغائي.

بل يمكن القول ان هذا التفسير لا يتسق مع ما عليه الشكل الحتمي لعلاقة السببية في المراتب الوجودية، حيث ان هذا الشكل ناظر الى تحديد النتيجة من العالي الى السافل، بخلاف التفسير الغائي الذي يفعل العكس، وهو انه يحدد النتيجة من السافل الى العالي. وبالتالي فان ما لجأ اليه صدر المتألهين لا يخلو من تناقض. فقد قرر ان العالم العلوي هو سبب هبوط النفس وسقوطها، معللاً ذلك لما يعود الى شؤون فاعلها وجهات علتها وحيثياتها، ولأن النفس ضعيفة فقد تشبثت بابدان ساكنة في منازل سفلية؛ تبعاً لاختلاف الاطوار والنشآت47، وكما يقول: ‹‹ان النفوس الانسانية موجودة قبل الابدان بحسب كمال علتها وسببها. والسبب الكامل يلزم المسبب معها، فالنفس موجودة مع سببها لان سببها كامل الذات تام الافادة، وما هو كذلك لا ينفك عنه مسببه، لكن تصرفها في البدن موقوف على استعداد مخصوص وشروط معينة، ومعلوم ان النفس حادثة عند تمام استعداد البدن وباقية بعد البدن اذا استكملت، وليس ذلك الا لان سببها يبقى ابد الدهر. فاذا حصل لك علم يقيني بوجود سببها قبل البدن، وعلمت معنى السببية والمسببية، وان السبب الذاتي هو تمام المسبب وغايته، حصل لك علم بكونها قبل البدن بحسب كمال وجودها وغنائها، والذي يتوقف على البدن هو بعض نشآتها، ويكون استعداد البدن شرطاً لوجود هذه النشأة الدنيوية والطبيعة الكونية، وهي جهة فقرها وحاجتها وامكانها ونقصها، لا جهة وجوبها وغناها وتمامها››. 48

وواضح ان هذا التفسير متسق ومقبول بقدر ما يعبر عن العلاقة الحتمية بين العلة ومعلولها، لكنه يخفق عندما يراد منه التعبير عن التفسير الغائي، كإن يقال ان علة هبوط النفس الى العالم السفلي هو لأجل تتميم الخيرات في هذا العالم، او كما يستشهد صدر المتألهين بكتاب (اثولوجيا) المنسوب خطأً الى ارسطو، وهو ان هناك فائدة عظيمة في هبوط النفس الى عالمنا السفلي، فالنفس لم يضرها هذا الهبوط شيئاً، بل انتفعت به من حيث استفادتها في معرفة الشيء والعلم بطبيعته بعد ان افرغت عليه قواها، وتراءت اعمالها وافاعيلها الشريفة الساكنة التي كانت فيها وهي في العالم العقلي، فلو انها لم تظهر افاعيلها وتفرغ قواها وتصيّرها واقعة تحت الابصار لكانت تلك القوى والافاعيل باطلة، ولكانت النفس تنسى الفضائل والافعال المحكمة المتقنة عندما تكون خفية لا تظهر، وبالتالي لما عرفت قوة النفس ولا شرفها، فالفعل انما هو اعلان القوة الخفية بظهورها، ولو خفيت قوة النفس ولم تظهر لفسدت وصارت كأنها لم تكن.49

وكما قلنا ان الاشكال ليس في وجود النشآت والاطوار المختلفة للنفس، قبل حلول البدن وبعده، انما الاشكال في التفسير الغائي الذي يدعي حاجة النفوس للهبوط لكسب الكمال، مع ان العالم السفلي محكوم بالعالم العلوي، وان النفس في عالمها الكامل ليست في حاجة لافاعيل النفس في العالم السفلي، مثلما لا حاجة للعلة الى معلولها، وان العالي لا يلتفت الى السافل، فكل ذلك يجعل من النفس وهي في العالم العلوي غنية عما دونها، بخلاف النفس الدنيوية التي ابلغ ما تتطلع اليه من الكمال هو الالتحاق باصلها الثابت من دون ان تضيف اليه شيئاً ابداً، اذ الفيض والجود والعطاء هو دائماً يسير باتجاه واحد من العالي الى السافل وليس العكس.

وبالتالي ليس هناك ما ينفع النفس العلوية ولا ما يضرها، سواء ظهرت للنفس الدنيوية افاعيلها أم لم تظهر، بل أنى لها ان تفعل شيئاً من ذاتها وهي محكومة بالاولى ومسيرة بها؟ دعك عن ان الواقع يطلعنا بان النفس الدنيوية قد تلوثت وحملت معها الكثير من الخطايا التي هي في غنى عنها عند عالم العقل الجمعي. لذا اشكل السهروردي على الفلاسفة عندما عدوا النفس قديمة فآل بها الامر الى النزول؛ معترضاً على ذلك بقوله انها لو كانت مجردة قديمة كما زعم الفلاسفة، اذن فما الذي الجأها الى مفارقة عالم القدس والحياة ومن ثم التعلق بعالم الموت والظلمات؟ ومَن ذا الذي قهرها على التعلق بالبدن؟ بل كيف انجذبت من عالم القدس والنور الى هذا البدن المادي؟ وبالتالي فهو ينتهي الى القول بحدوث النفس عند تمام استعداد البدن لقبولها، دون ان ينقص شيء من عالم القدس بفيضان النفوس الى غير نهاية.50

اخيراً يمكن القول ان مقالة هبوط النفس وحلولها في العالم السفلي لتتميم الخيرات؛ يأذن للقول بعدم وجود ممانعة في تنزل المبدأ الحق الى العالم الجسماني كي لا يفوته من الخيرات شيء، مما يفضي الى وجود حقيقة واحدة سارية في الكل هي ما نطلق عليها الوجود المطلق او واجب الوجود كالذي تراه الصوفية. خصوصاً ان هذه الطريقة تعد الكمال هو في كل شيء باطلاق من دون تشتيت ولا تفريق، مما يبرر اعتبار الواجب الحق عين الكل من دون نقص؛ بما في ذلك ما نتوهمه نقصاً، كوجود الاعراض والمواد والاجسام وما شاكلها.

 

1 اسرار الايات، ص148-149.

2 مفاتيح الغيب، ص558.

3 صرح صدر المتألهين في (اسرار الايات، ص167) بوجود ثلاثة انواع للموت؛ اولها وادناها الموت الطبيعي، اي موت البدن، باشارة قوله تعالى: {كل من عليها فان} الرحمن/ 26، والثاني هو موت الفزع او عدم النفس، باشارة قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الارض} النمل/ 87، والثالث هو موت الصعق والفناء في التوحيد الذي يمثل عدم الروح، باشارة قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض} الزمر/ 68. وقد اعتبر ان بالموت الاول يستحق المؤمن الذي من اصحاب اليمين جنة السعداء، والكافر جحيم الاشقياء، وبالموت الثاني يستحق جنة الكاملين المعبر عنها بقوله تعالى {يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية} الفجر/ 27-28، اما بالموت الثالث فيستحق جنة الموحدين المعبر عنها بقوله تعالى: {ادخلي في عبادي وادخلي جنتي} الفجر/ 29-30.

4 اسرار الايات، ص87-88 و149. والاسفار، ج9، ص27-28.

5 وذلك باشارة له الى عدد من النصوص التي استظهر منها انها تدل على الفقر والحاجة والنقص، مثل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} البقرة/ 245، او ما جاء في الحديث القدسي: ‹‹جعتُ فلم تطعمني، مرضتُ فلم تعدني، ظمئتُ فلم تسقني›› (شرح الفصوص، ص346).

6 شرح الفصوص، ص3973. ويقول بهاء الدين العاملي: ‹‹فان قيل فمن المثاب والمعاقب والمنعم والمعذب في الدار الاخرة اذا كان الوجود واحداً؟ أُجيب بان في الدنيا غنياً وفقيراً وعزيزاً وذليلاً ومالكاً ومملوكاً فكذلك في الدار الاخرة›› (مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم، ج3، ص161).

7 مفاتيح الغيب، ص85. ولطائف العرفان، ص19-20.

8 اسرار الايات، ص150-151. والاسفار، ج8، ص399-400. وعرشيه، ص241.

9 تفسير القرآن لصدر المتألهين، ج4، ص279 و288.

10 مفاتيح الغيب، ص197ـ198.

11 الاسفار، ج7، ص66.

12 فمثلاً ان البخل والجبن والاسراف والكبر والعجب وكذا الافعال الذميمة مثل الظلم والقتل والزنا والسرقة وغيرها كلها تعد من الخيرات الوجودية، فهي كمالات لاشياء طبيعية وقوى حيوانية في الانسان، وانما شريتها قياساً بما فوقها من القوى النفسية او العقلية الاكمل منها (الاسفار، ج7، ص61).

13 الاسفار، ج7، ص61-63.

14 هذا الموقف العام للفلاسفة من الالام قد اعترض عليه صدر المتألهين. صحيح انه لا ينكر ذلك الشر العرضي الذي تحدث عنه الفلاسفة والذي هو شر عدم الكمال، لكنه يرى ان بجنبه شراً اخر غير عدمي، وبالتالي هناك نوعان من الشر متلازمان، احدهما عدمي مثل قطع العضو وزوال الصحة، واخر وجودي هو ذات الالم، فهو شر بذاته، فرغم كونه نوعاً من الادراك مما يجعله على نحو ما من الوجود، لكنه من افراد العدم باعتبار انه ادراك للمنافي العدمي؛ كادراك قطع العضو وما على شاكلته، فيكون شراً بالذات، وهو وإن كان نحواً من العدم لكن له ثبوتاً على نحو ثبوت أعدام الملكات كالعمى والسكون والفقر والنقص والامكان والقوة. وعليه فالامر عنده لا ينقض القاعدة الفلسفية القائلة: ‹‹كلما هو شر بالذات فهو من افراد العدم البتة››. وهذا الرأي لصدر المتألهين لم يلق قبولاً لدى كل من السبزواري والطباطبائي، لكنا لسنا بصدد ذكر التعليق والاعتراضات عليه (لاحظ: الاسفار، ج7، ص63-66).

15 المبدأ والمعاد لصدر المتألهين، ص206.

16 اعلام الفلسفة العربية، ص377.

17 الاسفار، ج7، ص67.

18 وكما يقول صدر المتألهين: ‹‹قد ظهر ان ما ينسب الى المظاهر والمجالي من الافعال والصفات المخصوصة، فهو ثابت لها من وجه ومسلوب عنها من وجه، اذ لكل موجود خاص جهة ذات وماهية، وجهة وجود وظهور. ليس للحق الا افاضة الوجود على الماهيات›› (ايقاظ النائمين، ص33).

19 ايقاظ النائمين، ص31.

20 مفاتيح الغيب، ص175.

21 صدر المتألهين: رسالة جبر وتفويض، ص7 .

22 انظر: شطحات الصوفية، مصدر سابق، ج1، ص30.

23 شرح اصول الكافي، مصدر سابق، كتاب التوحيد، باب النهي عن الجسمية.

24 رسالة جبر وتفويض، ص5.

25 الاسفار، ج6، ص343-344.

26 الاسفار، ج6، حاشية ص 344-345.

27 مفاتيح الغيب، ص297.

28 مفاتيح الغيب، ص166-167.

29 الاسفار، ج2، ص354. وايقاظ النائمين، ص33-34.

30 صدر المتألهين: مفاتيح الغيب، ص173-174. والمبدأ والمعاد، ص198.

31 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص417-418.

32 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص424.

33 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص254-255.

34 اسرار الشريعة، ص87-88.

35 وعلى نفس هذا المقياس اقر الجيلي بعدالة عقاب وتعذيب كل من يكون مصدراً للشر والقبائح، اذ بدونه يتحقق الظلم تبعاً لوضع الشيء في غير موضعه (تحفه، ص288-289).

36 السياسة المدنية، طبعة انتشارات الزهراء، ص64.

37 هياكل النور، ص87. وشواكل الحور في شرح هياكل النور، ص193.

38 اسرار الشريعة، ص19.

39 تحفه، ص288-289.

40 المبدأ والمعاد لصدر المتألهين، ص191.

41 مفاتيح الغيب، ص164.

42 مفاتيح الغيب، ص165-166. وتفسير صدر المتألهين، ج4، ص253-254.

43 الشواهد الربوبية، ص180.

44 لاحظ اسرار الايات، ص81-82. وكذا نفس المصدر، ص164-165.

45 الاسفار، ج8، ص353.

46 الاسفار، ج8، ص354.

47 الاسفار، ج8، ص358 و369.

48 الاسفار، ج8، ص346-347. كذلك اسرار الايات، ص101.

49 عن: الاسفار، ج8، ص356-357.

50 رسالة هياكل النور، ص82. كذلك: رسالة شواكل الحور في شرح هياكل النور، مصدر سابق، ص153 و158.

comments powered by Disqus