-
ع
+

حقيقة النبوة في الفكر الفلسفي والعرفاني

يحيى محمد

يستمد فهم النبوة لدى الفلاسفة والعرفاء من العلم الالهي المعبر عنه بكل شيء، فالفلاسفة والعرفاء يقدرون للنبي علماً هو العلم بجميع الاشياء، وهو بعلمه هذا يكون اشبه بالتعبير عن (السيرة الذاتية) لطبيعة المبدأ الحق. وهم يعدون مبرر هذا العلم مستمداً مما في نفس النبي من العقل الفلسفي كما في الرؤية الفلسفية، او العقل العرفاني كما في الرؤية العرفانية. فالكمال الذي يتشرف به النبي ليس بالنبوة بما هي نبوة، وانما بما يمتلك من عنصر فلسفي يطلع فيه على جميع العلوم والمعارف، او عنصر الولاية العرفانية التي تتكشف له خلالها كل الحقائق، على شاكلة الحق الذي تتكشف له حقائق الموجودات جميعاً. وبهذا يصبح عقل النبي عقلاً يستغرق كل الاشياء بما يستمده من العلم اللدني الفوقاني.

يضاف الى ذلك ان الفلاسفة والعرفاء يفهمون من النبوة بعداً اخر يترتب على العلم الشمولي، وهو البعد المتمثل بالولاية والحاكمية. فلدى الفلاسفة ان النبي او الفيلسوف مفوض بحسب ما له من العقل الفلسفي لأن يحكم العالم على صورة ما يحكم المبدأ الحق الموجودات، بتكميل النفوس البشرية وايصالها الى غاياتها المتمثلة بالمفارقات السماوية، او على شاكلة ما يسمى المدينة الفاضلة كما لدى الفارابي1. فيشترط في رئيس هذه المدينة ان يكون حكيماً فيلسوفاً نظير المبدأ الاول الذي يرأس مملكة الوجود. والفيلسوف يطرح نفسه – هنا - كاعلم من في الارض لاصلاح المملكة الاجتماعية مثلما هو الحال مع المبدأ الاول باعتباره اعلم من في الوجود، اذ بعلمه تتحدد العناية بالوجود، حيث العناية عين العلم، والعلم عين الوجود. أما لدى العرفاء فالامر اكثر بعداً وعمقاً، فعندهم ان سلطة النبي او الولي العارف لا تنحصر بالسلطة الظاهرة التي يحكم بها النبي الناس، بل تتقدم عليها سلطة اخرى تفوقها وتكون علة لها، فهي تشكل نيابة عظمى عن الحق لصنع العالم وتكوينه. وهذه هي احدى اسقاطات المنظومة الوجودية، فكما سنرى ان العرفاء اسقطوا كلاً من العلم الالهي وكيفية التنزلات الحقية او الخلقية على العلاقة التي تخص النبي والعارف بالوجود. فهذه العلاقة هي ايضاً عبارة عن علم وصنع وايجاد، او انها علاقة الوهة.

ان ما يثير الاهتمام في الموقف الوجودي من النبوة، هو انه رغم الاتفاق المبدئي بين الفلاسفة والعرفاء حول ما تمثله هذه المرتبة من حقيقة علمية او ادراكية، الا ان الملاحظ هو ان كلاً من الفريقين لم يولها حظاً يفوق المرتبتين التين يتمتعان بهما، كلاً على حدة، واعني بذلك مرتبة الفلسفة والعرفان. فالفلاسفة جعلوا النبوة اقل مكانة وقدرة علمية مقارنة بالفلسفة. وكذا ان العرفاء فعلوا نفس الشيء في المقارنة بينها وبين العرفان. لكن مع الاخذ بعين الاعتبار ان النبي له اكثر من درجة ومقام، فهو لدى الفلاسفة نبي وفيلسوف، وهو لدى العرفاء نبي وولي عارف، وهو تخريج يبعد عنهم التهمة التي يعدون فيها انفسهم افضل من الانبياء وارقى درجة منهم. وعليه كان لا بد ان نلقي ضوءاً على طبيعة المرتبتين اللتين يمتثلهما النبي بحسب رؤية كلا الفريقين، وهما النبوة والفلسفة، وكذا النبوة والولاية العرفانية، تبعاً لما سبق ان بحثناه حول كل من العلم الالهي وتجلياته في العقول المفارقة، وقضية التنزيل وما لها من علاقة بالالوهة وصنع العالم.

لنبدأ اولاً بالرؤية الفلسفية، ثم نعقبها بنظيرتها العرفانية..

 

الرؤية الفلسفية وحقيقة النبوة

لدى الفلاسفة ان عقل الانسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعال، فليس لهذا العقل الاخير تأثير مباشر على الجسم، انما يتحقق تأثيره لما هو على شاكلته من العقل الانساني. فكما يقرر الفارابي ان العقل الفعال مختص بكمالات الانسان العقلية، فهو يمنح الانسان قوة ومبدءاً يمكّنه من ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات2. وعليه لما كان الانسان مرتبطاً بالوهة العقل الفعال؛ لذا تتعين حركته الكمالية بالاتصال بهذا العقل الكلي، بل والاتحاد به. فالادراك انما يكون لما هو شبيه له كما يقول الفلاسفة من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، او انها تفضي الى حالة الاتحاد التي هي اعظم واشد من حالة الشبه؛ كالذي عليه صدر المتألهين3. لذا فالاتصال او الاتحاد بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنبي كما سنرى.

وبحسب الرؤية الفلسفية فان حقيقة النبوة هي نفس جامعة لعوالم علم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل، وقد قُدّر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعال4، واقتضى هذا التقدير ان يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. فكلاهما يتصل بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الافضلية باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفقاً لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والاخلاقية كالذي يراه النظام المعياري.

وما يميز القوى الثلاث فيما بينها، هو ان القوة الاولى (العقلية) تمكّن النبي من ادراك الحد الاول دفعة واحدة، فيتحول من المعقولات الاولى الى المعقولات الثانية في اقصر الازمنة لشدة الاتصال بالعقل الفعال، حيث يفيض على النفس العلوم، فتصبح نفس النبي عقلاً مستفاداً أقل رتبة من العقل الفعال باعتباره علة هذه النفس النبوية. فالنبي يخضع – هنا - لسلطة الالوهة المتمثلة بالعقل الفعال جبريل. أما القوة الثانية (التخيل) او الحس الباطني، فهي تحاكي القوة الاولى وتكون مثالاً لها بحسب منطق السنخية، اذ تقوم بتصوير العلوم العقلية بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام، بحيث يتمثل للنبي ما يعلمه من نفسه فيراه ويسمعه، فيرى في نفسه صوراً نورانية هي الملائكة ويسمع اصواتاً هي كلام الله او وحيه، وهي من جنس ما يحصل للبعض الذين يمارسون الرياضات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين، وكذلك من جنس ما يحصل للنائم في منامه، حتى عُدّ النوم جزءاً من اجزاء النبوة5. او كما قال ابن سينا: ‹‹ان الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءاً من النبوة››6. وخاصية هذه القوة في النبوة هي للدلالة على المغيبات والانذار. في حين ان القوة الثالثة (الحسية) تتيح لنفس النبي تغيير الطبيعة، والتأثير في مادة العالم، كما تؤثر النفس في بدنها، ومن ذلك تحدث الخوارق والمعجزات، بالتأثير في هيولى العالم بازالة صورة وايجاد صورة اخرى، كإن تؤثر في استحالة الهواء غيماً ومن ثم مطراً. فقد ثبت في الالهيات ان الهيولى مطيعة للنفوس ومتأثرة بها، وان هذه الصور تتعاقب عليها من آثار النفوس الفلكية، والنفس الانسانية من جوهر تلك النفوس وشديدة الشبه بها. وهذا ما يبرر تأثير النفس الانسانية في هيولى العالم، وان كان غالب تأثيرها على بدنها الخاص، لكن يمكنها ان تؤثر على سائر الابدان كما يحصل في اصابة العين مثلاً7.

هذه قوى النبوة الثلاث التي اعتقد الفلاسفة أنها قد تجتمع في فرد واحد كما هو الحال مع النبي، وقد لا تجتمع وتتفرق وهو الغالب في الناس.8

فبالنسبة الى القوة الاخيرة (الحسية) يلاحظ ان لأغلب النفوس قدرة في تأثيرها على ابدانها من خلال الاوهام، فتحصل التغييرات من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والاحمرار وغيرها. فهذه التغييرات في البدن هي نتاج تصور الانسان وخيالاته. لكن للنبي قدرة على تغيير العالم الخارج عن بدنه، بفعل ما يكسبه من تصورات نفسية، مما يفسر معاجز الانبياء الخارقة. وهذه القوة يشارك بها الاولياء في كراماتهم، ومثل ذلك ما يحصل لذوي العيون المؤثرة9.

وبالنسبة الى القوة الثانية (المتخيلة)، وهي مرتبة وسطى بين الادراكين العقلي والحسي، فالملاحظ ان ما يحصل من إلهام للناس بما سيكون في المستقبل كالتنبؤ في المنام، او ما يسمى بالرؤيا، انما هو وظيفة يقترب بها الانسان من مرتبة النبوة. والفارق هنا بين الناس والانبياء هو ان إلهام الناس يحدث في المنام، اما إلهام الأنبياء فيحدث في المنام واليقظة عبر الاتصال بسطوع العقل الفعال واشراقه على النفس بالمعقولات، اذ يكتسب النبي الصور ويتخيل المعقولات ويصورها في الحس المشترك بأعظم ما يكون. وعليه كان العقل الفعال اشرف من نفس النبي وغيره من النفوس البشرية باعتباره علة وهي معلولة10. اما نفوس الناس فانها لا تتصل بالعقل الفعال وانما تتصل بنفوس الاجرام السماوية التي تعلم بكل ما يجري في عالمنا الارضي.11

أما القوة الاولى الموصوفة بالقدسية فانها تمكن غالبية الناس من معرفة الاستنباطات وترتيب النتائج حدساً بلا تفكير، كمن ينظر الى حدوث الحركة فيدرك مباشرة بان الحادث لا بد له من سبب.12

وقد تجتمع هذه القوى الثلاث بصورة كاملة لدى الفيلسوف13. وبنظر البعض انها تجتمع عند العارفين الاولياء على وجه التابعين للانبياء14. لكن في جميع الاحوال ان ذلك لا يجعل وجود فارق هام او نوعي بين الانبياء والفلاسفة تبعاً للرؤية الفلسفية، او بينهم والعرفاء تبعاً للرؤية العرفانية. الامر الذي يبرر الاعتقاد باستغناء الفلاسفة والعرفاء عن النبوة خلافاً لغيرهم من الناس، بدعوى التمكن من الاتصال والاتحاد بالعقل المفارق (جبريل) ومن ثم بلوغ الحقيقة وتحصيل السعادة التي يدعو اليهما الانبياء بحق.

وتبعاً للرؤية الفلسفية، لو قمنا بمقارنة بين الفيلسوف والنبي، سنرى انهما يشتركان بالقوة الاولى العقلية، ويكون احدهما في المرتبة التي يكون فيها الاخر، حيث ان نفسيهما تضاهيان العقل الفعال، وإن كانتا اقل منه شرفاً في العلم والرتبة، فهو علة وهما معلولان، والعلة اشرف من المعلول. لكن الفارق بينهما، كما يحدده ابن سينا، هو ان النبوة ظاهرة فطرية، في حين ان الفلسفة مكتسبة15.

أما لو قمنا بمقارنة بين حقيقة الفلسفة وحقيقة النبوة، فسنرى ان الامر مختلف تماماً. اذ تصبح المقارنة بين القوتين العقلية والتخيلية، فالقوة الاولى تمثل الفلسفة، فيما تمثل الاخيرة النبوة. وبالتالي جاز اعتبار تفوق الاولى على نظيرتها في العلم والرتبة رغم ما بينهما من مسانخة. فالمقرر ان النبوة من سنخ الفلسفة لكونها تعبر عن المضامين المجردة للاخيرة بالمحاكاة والتصورات التشبيهية.

وبعبارة اخرى، تتقوم الفلسفة بقوة العقل القدسية، والنبوة بقوة التخيل، وان بينهما رابطة من المسانخة المعرفية، حيث تتصف الاخيرة بمحاكاتها وحاجتها للاولى. اذ تعمل الاولى على ابراز الحقائق بالصور العقلية الكلية، فيما تقوم الثانية بتخيل هذه الصور لتعبر عنها بالرموز والامثال والتشبيهات. وقد تبلغ النبوة أكمل المراتب التي تنتهي اليها القوة المتخيلة، اذ بها يقبل الانسان في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة او محاكياتها من المحسوسات، كما يقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، فيراها كخيالات ذهنية. لكن مهما بلغت النبوة من الكمال فهي لا تبلغ مرتبة العقل والتجرد16.

مع هذا لا بد من الاخذ بعين الاعتبار ان الرؤية الفلسفية ترى الانبياء هم فلاسفة ايضاً، او ان كل نبي فيلسوف بالضرورة، لكونه يكسب المعقولات المجردة عن العقل الفعال. وبالتالي فان للنبي بعدين لاختلاف المقامات، احدهما كفيلسوف يقبل استفاضة المجردات عن العقل الفعال، والاخر كنبي يحاكي الفيلسوف بمحاكاة قوته الخيالية لقوته العقلية. وكما يصف الفارابي النبي من انه يكتسب النبوة والفلسفة عن طريق ما يفيضه الله تعالى الى عقله المنفعل بتوسط العقل الفعال، حيث يستمد منه المعلومات عبر العقل المستفاد، ثم يتحول ذلك الى قوته المتخيلة، فيكون بما يفيض منه الى عقله المنفعل حكيماً فيلسوفاً تام التعقل، وبما يفيض منه الى قوته المتخيلة نبياً منذراً بما سيكون، ومخبراً بما هو الان من الجزئيات. وهذه المرتبة هي اكمل مراتب الانسانية، بل واعلى درجات السعادة. اذ تصبح نفس النبي ‹‹كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا››17.

وعليه فالنبي كفيلسوف هو اعظم منه نبياً يوحى اليه. كذلك فكمال النبي اعظم من كمال الفيلسوف الصرف، باعتبار ان الاول يحمل كمالين؛ الفلسفة والنبوة، او انه يجمع بين البرهان المفيد لليقين والتخيّل المفيد للاقناع. وقديماً قال جابر بن حيان الكوفي: ‹‹ان الشرع الاول انما هو للفلاسفة فقط، اذ كان اكثر الفلاسفة انبياء؛ كنوح وادريس وفيثاغورس وطاليس القديم، وعلى مثل ذلك الى الاسكندر››.18

لكن نتسائل انه اذا كان كل نبي فيلسوفاً، فهل يجوز العكس، فيصبح من الممكن ان يكون الفيلسوف نبياً؟

لا شك ان اتجاه الفارابي يتقبل ذلك ولا يرى فيه مانعاً. فعلى رأيه انه يجوز للانسان بلوغ مرحلة النبوة من خلال الاتصال بالعقل الفعال، بالطرق الارادية والفكرية والبدنية19، حيث تبلغ القوة المتخيلة عنده نهاية الكمال. 20

لكن بحسب وجهة نظر ابن رشد فان الامر يختلف، فهو يعبر صراحة بان كل نبي فيلسوف من دون عكس21. ولا شك ان اتجاه الفارابي هو اقرب واوفق مع الرؤية الفلسفية مقارنة مع اتجاه ابن رشد. وقد يكون الاوفق والاشد اتساقاً هو الاعتراف بضرورة ان يكون الفيلسوف نبياً، تبعاً لما تفرضه سلسلة الصعود في عدم امكان تحقيق المرتبة الكمالية ما لم يسبقها تخطي غيرها مما هي اقل منها رتبة ووجوداً. فالانسان لا يمكنه على هذا ان تكون له قوة العقل القدسية ما لم يحقق قبل ذلك كمال مرتبة القوة التخيلية، فكل ادراك ضرب من الوجود، وبالتالي لا يسعه ان يكون فيلسوفاً ما لم يمرّ بمرحلة النبوة.

وبعبارة ثانية، اننا هنا امام تعدد في المقامات، فمقام الفلسفة ارقى من مقام النبوة، وانه لكي يتحقق المقام الاول لا بد من المرور بقنطرة المقام الاخر، والا كان ذلك تجاوزاً للمراتب مما لا يتفق والمنطق الوجودي.

واكثر من هذا انه لا غنى عن ان يكون كل فيلسوف نبياً من غير عكس، فالنبي وإن كان يصل الى نهاية كمال القوة المتخيلة، لكن ليس من المعلوم ان يحظى بكمال القوة العقلية (البرهانية)، وبالتالي جاز ان لا يكون فيلسوفاً وفاقاً مع المنطق الوجودي. وعليه فما يبدو هو ان الفلاسفة المسلمين تقصدوا اخفاء هذا اللزوم لاعتبارات التقية، كي لا يظهر لدى الاخرين انهم يعدون الفلاسفة اعظم من الانبياء باطلاق.

***

مهما يكن فان مهمة الفيلسوف هي اعظم من مهمة النبي، فبينما يتعامل النبي مع الظاهر يتعامل الفيلسوف مع الباطن، وبينما يمارس الاول دور الاقناع، يمارس الثاني دور البرهان والكشف عن الحقيقة، وانه اذا كان النبي يأتي بالشريعة كتنزيل فان الفيلسوف يمارس دور القيوم الذي يوضح فيه حقائق ما يأتي به الاول. وكلاهما حيث يتصلان بالعقل الفعال (جبريل)، فان ما يستفيدانه هو كسب العلم الالهي الكلي، وانهما معاً مما يوحى اليهما بواسطة العقل الفعال، وبالتالي فان لهما معاً نفس الاهلية في تغيير الشرائع22. والامر لا يقتصر على ذلك، اذ المقرر لدى الفلاسفة ان الانسان في قربه من العقل الفعال يتحول الى كائن الهي وعقل ومعقول بذاته23، مما يعني انه يصبح حاملاً لصفة العلم الالهي، وهي الصفة المناطة بايجاد الممكنات وخلق العوالم والاكوان.

فهل معنى هذا ان للفلاسفة والانبياء ذلك العلم الالهي بكل شيء، وكذا ان لهم تلك القوة الخارقة في تكوين الاشياء وخلقها؟

لا شك ان ما يتمخض عن الموقف الفلسفي هو خلع صفة الالوهة في العلم والتكوين على كل من الفلاسفة والانبياء.

فالنبوة والفلسفة هما بمثابة سلطتين تستخلفان ما عليه سلطة الحق الالهية، او سلطة المفارقات السماوية. خصوصاً وان الرؤية الفلسفية تصرح احياناً بان غرض الفيلسوف ليس مجرد الاتصال بالعقل الفعال وانما الاتحاد به، فيكون هو هو، وهو انه عبارة عن كل شيء، وهي السعادة القصوى. فالفلاسفة يذهبون الى ان غاية الحكيم هو ان يتجلى لعقله كل الكون ويتشبه بالاله الحق24. وقد قيل ان هذا القول هو جوهر ما بلغه فلاسفة الاسلام عن الرأي الرواقي القديم25. وهو في جميع الاحوال يمثل عين الرؤية الفلسفية التي يدعو لها فلاسفة النظام الوجودي.

فابن باجة - مثلاً - يرى الفيلسوف تام العقل وينظر الى كل شيء بعين هذا العقل، فيرى العقل في كل شيء ويصير هو إياه26. وقد تجاوز ابن باجة في نظره هذا من سبقه من الفلاسفة، مثلما اشار اليه بنفسه27. وكذا هو الحال فيما قرره ابن رشد من قبول الاتحاد على شرط ان يكون ذلك قائماً على التعليم الكسبي، تمييزاً له عن الاتحاد المدعى من قبل الصوفية28. فاتحاد النفس بالعقل الفعال، يجعلها تكون هي هو، وهو هي، فان النفس تبلغ بذلك درجة تكون جميع الموجودات فيها أجزاء ذاتها، وتسري قوتها في كل شيء، كما يصبح وجودها غاية كل شيء من المخلوقات.29

تلك هي الرؤية الفلسفية التي تجعل من النبي اوالفيلسوف في اتحاده بالعقل الفعال عبارة عن اله ينطوي علمه على كل شيء، وانه يصبح مصدر قيام وتكوين كل شيء، وكذا هو غاية كل شيء. وسنجد ان لهذه الرؤية شاكلتها المعمقة لدى نظيرتها العرفانية.

 

الرؤية العرفانية وحقيقة النبوة

نجد في الرؤية العرفانية صورتين مختلفتين بعض الشيء عن حقيقة النبوة، احداهما مقتبسة عن الموقف الفلسفي، حيث فيها يؤخذ بتلك القوى الثلاث التي استند اليها الفلاسفة، واضفي عليها صبغة عرفانية. أما الاخرى فانها لا تلتزم بهذه القوى، وانما تؤسس لنفسها مفهوماً مستقلاً عن النبوة، وإن كانت لا تبتعد كثيراً عن الصورة الاولى. واستعراض الصورتين سيكون كالاتي:

 

الرؤية الاولى

حول الصورة الاولى ذهب صدر المتألهين الى ان الانسان مكون من عوالم ثلاثة تعطي قوى معرفية ثلاث هي تلك التي تحدّث عنها الفلاسفة، اي القوة العقلية والخيالية والحسية. فالانسان يتصرف بكل من هذه القوى في عالم من العوالم الثلاثة: الدنيا والاخرة وعالم الوحدة والربوبية الذي يفوقهما. والانسان بحسب غلبة كل نشأة يدخل في عالم من هذه العوالم، فمن حيث حسّه هو من جملة الدنيا وضمن جنس الحيوانات، ومن حيث نفسه فهو من جملة الملكوت الاسفل، أما من حيث روحه فهو من جملة الملكوت الاعلى، والغالب في الناس هو النشأة الحسية الدنيوية. لكن حيث ان كل ادراك هو ضرب من الوجود، لذا فكمال كل واحد من هذه القوى يوجب التصرف في عالم من تلك العوالم بحسب المناسبة والسنخية. ويمتاز النبي بان فيه تكتمل هذه القوى وتشتد جميعاً، فبالقوة العاقلة يتصل بالقديسين ويجاور المقربين وينخرط في سلكهم، بل ويفوق عليهم عند اتصاله بالحق وفنائه عن الخلق واندكاك جبلّ إنيته، كما اخبر النبي (ص) عن نفسه في قوله: ‹‹لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل››. وبقوة التخيل المصورة فانه يشاهد الاشباح المثالية والاشخاص الغيبية، وكذا يتلقى الاخبار الجزئية منهم ويطلع على الحوادث الماضية والاتية. أما بقوة الاحساس فانه يتسلط بها على الافراد البشرية وتنفعل عنها المواد وتخضع له القوى والطبائع الجرمانية خضوع السافل للعالي، فلها قدرة تحريكية تؤثر في هيولى العالم لتزيل صورة او تلبس اخرى، فمثلاً انها تحيل الهواء الى الغيم، وتحدث الامطار، وتسبب الطوفان، وتهلك الامم وتشفي المرضى وتروي العطشى وتخضع الحيوانات. وتفسير هذه الامور هو ان الاجسام لما كانت عبارة عن ظلال وعكوس مطاعة لما فوقها من المجردات، فان النفس كلما ازدادت تجرداً وتشبهاً بتلك المبادئ القصوى فانها تزداد قوة وتأثيراً في ما دونها من الاجسام، لهذا تنصاع لها هذه الاخيرة، ومنه نفهم كيف تؤثر نفوسنا على اجسامنا الخاصة، وعند اشتداد القوة النفسية الحساسة فانه يمكنها ان تؤثر على الغير، كالذي يحدث في المعجزات والكرامات وغيرها. هكذا فان جوهر النبوة جامع للنشآت الثلاث، وان النبي يعلم بالقوة العقلية كالملائكة، ويخبر بالقوة النفسية كالافلاك، كما انه يحكم بالقوة الحسية كالملوك.

وحيث ان العوالم الثلاثة المذكورة متطابقة ومتحاكية بحسب منطق السنخية، لذا فان كل ما يدركه الانسان من عالم العقل له حكاية منه في عالم الاشباح الباطنية، فالصورة المحاكية للجوهر العقلي هي نفس الملك الذي يراه النبي والولي. اما النبي بما هو نبي فانه يدرك الامر عن طريق الحكاية والصورة، واما الولي فبما هو ولي يدرك الامر عن طريق التجرد الصرف، وهو ذات التجرد العقلي، وبالتالي فان الولاية العرفانية تكون افضل اجزاء النبوة30. ويظل ان مجموع هذه القوى هي من خصوصيات الانبياء، أما آحادها فهي مما يتحقق لدى غير الانبياء، فالاولى تتحقق لدى الاولياء والحكماء، وضرب من الخاصية الثانية يوجد في اهل الكهانة والرهبنة، أما الثالثة فقد تكون في الملوك ذوي الهمة وشدة البأس31.

وهنا نجد نفس محاكاة الفلاسفة في تصورهم لحقيقة النبوة، سوى اضفاء الصبغة العرفانية عليها بدل الصبغة الفلسفية، مع بعض التعديل كما تقتضيه الطريقة العرفانية، وبالذات فيما يتعلق بموقفها من القوة العقلية في النبوة، اذ منحتها دوراً يفوق ذلك الذي قدمه لها الفلاسفة. فقد قدر هؤلاء لهذه القوة حالة اتصال بالعقل الفعال، او حتى الاتحاد به كأقصى حد ممكن، بينما في الصورة العرفانية تجاوز الامر ذلك الحال ليصل الى حالة الاتحاد والفناء بالذات الالهية. وتظل سائر الاراء هي نفسها، بما في ذلك حالة التساوق في علاقة النبوة بكل من العرفان والفلسفة تبعاً للرؤيتين. فالنبوة تحمل في ذاتها تلك القوة القدسية العقلية، والتي هي لدى الفلاسفة عبارة عن حقيقة الفلسفة، ولدى العرفاء عبارة عن حقيقة العرفان، فيكون النبي بنظر اولئك فيلسوفاً، وبنظر هؤلاء عارفاً. كما يظل الجزء الافضل في النبي كونه فيلسوفاً هناك، وعارفاً هنا.

لكن تظل هذه الرؤية لا تمثل الموقف الغالب للعرفاء من حقيقة النبوة، فهي حالة توفيقية اشراقية سعى اليها صدر المتألهين في بعض كتبه، لكنه لم يتوقف عندها كما سنرى.

 

الرؤية الثانية

ان النبوة عند العرفاء، كما ينص العارف حيدر الاملي نقلاً عن الغزالي، عبارة عن ‹‹قبول النفس القدسي حقايق المعلومات والمعقولات عن الله تعالى بواسطة جوهر العقل الاول المسمى جبريل تارة وبروح القدس اخرى، والرسالة تبليغ تلك المعلومات››32. وهنا نواجه ذات الاشكالية التي مرت معنا في فهم الفلاسفة للنبوة، وهي قبول النفس النبوية المعلومات من العقل الكلي المفارق، سوى ان جبريل هناك يمثل العقل الفعال الاخير ضمن سلسلة المفارقات العقلية، في حين انه هنا يمثل العقل الاول في هذه السلسلة.

مع هذا فقد ذهب الاملي بعيداً دون ان يكتفي بهذا القدر، اذ صوّر فلسفة النبوة بحسب فهمين احدهما اكمل من الاخر، اطلق عليهما الطريقة والحقيقة. فالنبوة بحسب اهل الطريقة، مثلما ذهب اليه القيصري من قبل، عبارة عن مظهر عدل لحقائق الاسماء والصفات. فكما رأى - وفاقاً مع ابن عربي - ان للحق تعالى ظاهراً وباطناً، والباطن يشمل الوحدة الحقيقية التي للغيب المطلق، والكثرة العلمية حضرة الاعيان الثابتة، وان الظاهر لا يزال مكتنفاً بالكثرة دائماً، لان ظهور الاسماء والصفات من حيث خصوصيتها الموجبة لتعددها لا يمكن الا ان يكون لكل منها صورة مخصوصة، وبالتالي يلزم التكثر، وحيث ان كلاً منها يطلب ظهوره وسلطنته واحكامه، فانه يحصل النزاع والتخاصم في الاعيان الخارجية باحتجاب كل منها عن الاسم الظاهر في غيره، الامر الذي احتاج فيه الى مظهر حكم عدل ليحكم بينها ويحفظ نظام العالم في الدنيا والاخرة ويحكم بين الاسماء بالعدالة ويوصل كلاً منها الى كماله ظاهراً وباطناً، وهو ‹‹النبي الحقيقي والقطب الازلي اولاً واخراً وظاهراً وباطناً، وهو الحقيقة المحمدية (ص)››. أما الحكم بين المظاهر دون الاسماء فهو النبي الذي تحصل نبوته بعد الظهور نيابة عن النبي الحقيقي. اذن الانبياء (ع) هم مظاهر الذات الالهية من حيث ربوبيتها للمظاهر وعدالتها بينها. فالنبوة مختصة بالظاهر، ويشترك جميعهم في الدعوة والهداية والتصرف في الخلق33.

وواضح من هذه الطريقة ان للنبوة طابع الالوهة، حيث تمارس دوراً تكوينياً منظماً هو اعظم واعمق من الظاهر الذي تمارسه نبوة الانبياء المشخصة في الدعوة والانذار والهداية، بل ان هذه الاخيرة هي حكاية عن الاولى تبعاً لمنطق المناسبة والسنخية. وسنرى ما لهذه الفكرة من تجليات.

أما النبوة عند اهل الحقيقة، وهو الفهم الاخر الاتم والاكمل، فانها عبارة عن الخلافة الالهية المطلقة، لكن مراتبها هي بحسب مراتب الشخص الذي هو مظهر تلك الخلافة. فعندهم ان النبوة هي بمعنى الإنباء، والإنباء الحقيقي الذاتي الاولي ليس الا للروح الاعظم الذي بعثه الله الى النفس الكلية اولاً ثم الى النفس الجزئية ثانياً، لينبئهم بلسانه العقلي عن الذات الاحدية والصفات الازلية والاسماء الالهية والاحكام الجليلة والمرادات الجسمية. وكل نبي من ادم (ع) الى محمد (ص) هو مظهر من مظاهر نبوة الروح الاعظم، فنبوته ذاتية دائمة غير منصرمة، فحقيقته هي حقيقة الروح الاعظم، وصورته هي صور تلك التي ظهرت فيها الحقيقة بجميع اسمائها وصفاتها، وسائر الانبياء مظاهرها ببعض الاسماء والصفات، حيث تجلت في كل مظهر بصفة من صفاتها واسم من اسمائها، الى ان تجلت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها وختمت به النبوة، وكان الرسول (ص) سابقاً على جميع الانبياء من حيث الحقيقة، ومتأخراً عنهم من حيث الصورة. 34

ويمكن القول، بعبارة أخرى، إن كل ما للأنبياء والأولياء من وجود وصور؛ قائم بحسب الحقيقة المحمدية. بل إن هذه الحقيقة تتجلى بصور جميع الانبياء بما في ذلك صورة محمد وشخصه الجسماني ومن بعد ذلك صورة الائمة والاولياء، والكل انما يأخذون علمهم من تلك الحقيقة. والعرفاء يعترفون بأن علومهم ومبلغ كمالهم انما يتم من خلال هذه الروح المحمدية، فكما يصور ذلك صدر المتألهين، بأن نفوسهم تصير عقولاً بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي والحياة العقلية الاخروية، والنبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقية، ومبدأ لكمالاتهم العرفانية ومنشأ لفيضان الكمالين الاولي الاقدس والثانوي المقدس، فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي، كما انه المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي.

لكن الملفت للنظر ان صدر المتألهين استعان ببعض الايات ليدل بها عبر التأويل على هذا الحال من الصلة بين العرفاء والروح المحمدية، اذ جاء في قوله تعالى: {النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض} الاحزاب/6، معتبراً المراد بالمؤمنين هم العارفون انفسهم، وان النبي محمداً هو الاب الحقيقي لهم، ولذلك كانت ازواجه امهاتهم مراعاة لجانب هذه الحقيقة. والابوة هنا هي بمعنى العلية، حيث ان علة الشيء اولى بنفس ذلك الشيء من نفسه، اذ الشيء بالقياس الى علته بالوجوب حيث كان بالقياس الى نفسه بالامكان، فلو لم يكن روح النبي (ص) علة لوجوداتهم الحقيقية لم يكن اولى من انفسهم تبعاً لمنطوق الاية35. رغم ان القياس الذي لجأ اليه هذا العارف في تأويل الاية غير صحيح، حيث اعتبر النبي اباً حقيقياً للمؤمنين مثلما دلل على ذلك بامومة ازواجه، وهو ما لا يتفق مع النص القرآني الذي ينفي ابوة النبي لهم، كما في قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} الاحزاب/40.

واذا قيل ان الاية الاخيرة لا تتحدث عن الابوة الحقيقية، قلنا فهل كانت الاية الاولى المستدل بها تتحدث عن شيء يتعلق بتلك الابوة او الامومة الحقيقية، او الاولوية التكوينية من العلاقة السببية؟!

وتكتمل الصورة في رسم معالم النبوة، فتصبح حقيقتها ليست تلك التي قيل بأنها تأخذ العلم عن العقل الأول جبريل، فهي في هذه الحالة أعظم من العقل الأول، وكما سنرى ان هذا العقل في منظور الاملي يكون وزيراً للنبوة او الروح الاعظم، لذا فالاخير هو ذلك المسمى بالصادر الاول او الوجود المنبسط الذي تتقوم به كل الخلائق والكائنات، ويكون العقل الاول على رأسها. وبالتالي يصبح للنبوة خصوصية الانبساط والخلافة المطلقة التي يتم بها بناء الاشياء وتكوينها، ومن ثم فهي نبوة تكوينية قبل ان تكون نبوة قيمية معيارية تمارس دور الهداية والانذار. ولا شك ان للنبوة في هذا المعنى مظاهر تتفاوت تكاملاً بحسب منطق السنخية، وما محمد خاتم الانبياء الا رسول جاء على سنخ نبوة محمد الاول الذي يسبق جميع الانبياء، بل والخلق اجمعين.

تلك هي نبوة العقل الاول التكوينية والتي سيتم اجلاء فهمها بربطها بقضية الولاية، حيث تصبح النبوة والولاية العرفانية تعبران عن حقيقة واحدة لها وجهان ظاهر وباطن. فمن حيث الظاهر هي نبوة، أما من حيث الباطن فهي ولاية. ومثلما رأينا في علاقة الفلسفة بالنبوة بحسب الرؤية الفلسفية، حيث الفلسفة تعبر عن باطن النبوة، والنبوة عبارة عن ظاهرها، فهنا نواجه نفس السياق، فالولاية العرفانية هي باطن النبوة، والنبوة ظاهرها. ومثلما كان الفلاسفة يتقدمون على الانبياء بالفضل من حيث العلاقة بين حقيقة الفلسفة والنبوة، فنفس الحال هنا في كون العرفاء يفضلون الانبياء ايضاً من حيث حقيقة الولاية التي يحملونها مقارنة بالنبوة الظاهرة.

لا شك ان العرفاء يقدرون للنبي محمد حقيقة عليا مجردة لها صفة الولاية التكوينية التي تتمثل بما يطلق عليه الانسان الكامل، وقد قال فيه بعض العرفاء انه سبب ايجاد العالم وبقائه ازلاً وابداً، دنيا واخرة36. فمعنى الولاية التكوينية هي تلك السلطنة التي لها دور الخلق والتكوين للعالم بكافة شؤونه ومظاهره، فهي في فعلها تنوب عن الحق وتتوسط بينه وبين الخلق، وهي بحسب التعبير الفلسفي تمثل العقل الاول، او الصادر والمتعين الاول37، الذي هو من حيث العلم جامع لكل شيء، وانه من حيث الفعل تقوم به السماوات والارض وما بينهما، حيث يسري في كل شيء، ويمد الحياة لكل شيء، لذلك يطلق عليه (الاله الصانع) تمييزاً له عن (الاله المتعال).

من هنا رأى ابن عربي ان الحقيقة المحمدية هي اول التعينات، فهي النور الذي تجلى عن الله قبل كل الاشياء، ومنه تكونت سائر الاشياء. فهي عنده صورة كاملة للانسان الكامل الجامع لجميع حقائق الوجود. وهي ‹‹الحق ذاته ظاهراً لنفسه في اول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شيء. واذا كان ادم هو الانسان الظاهر المتعين بالوجود الخارجي في صور افراده، فمحمد هو الانسان الباطن المتعين في العالم المعقول››38. وهو اسم الله، او اسم الله الاعظم الذي تحققت به جميع المراتب والنسب والظهورات والتعينات، او انه مسمى الله الظاهر كأول متعين من تعينات الهوية الغيبية. وهو من حيث كونه متعيناً بحقيقة الانسان الكامل فانه مستغرق جميع الذوات الموجودة والنسب العدمية المفقودة والافعال والاخلاق والنعوت والصفات المذمومة والمحمودة بحيث لا يخرج شيء اصلاً عن حيطته، لكنه غير متكثر بهذه الكثرة، حيث يتعالى عن الظهور بما يناقض الكمالات الالهية، فان الله هو ‹‹احدية جمع جميع الكمالات الاسمائية المؤثرة والحقايق الفعالة الوجوبية الوجودية لا غير... واما غير مسمى الله خاصة مما هو مجلى له او صورة فيه، فان كان مجلى له فيقع التفاضل بين مجلى ومجلى.. وان كان صورة فيه فالذي يسمى الله هو الذي لتلك الصورة.. ولا يقال هي هو ولا هي غيره››39.

وحقيقة الانسان لدى العرفاء هو انها مظهر لجميع الاسماء الالهية، فكل مخلوق وموجود سوى الانسان له حظ من بعض اسمائه دون الكل، أما الانسان فله كل الاسماء، وهو سبب تعلم الانسان الاسماء الحسنى كلها دون الملائكة كما في الاية، لان حقيقة الانسان مظهر جامع لمظاهر كل الاسماء، خلافاً لغيره من الموجودات، اذ كل واحد منها يعد مظهراً لبعض الاسماء، فالملائكة مظهر لاسماء السبوح والقدوس والسلام ونحوها، والشياطين مظاهر للمضل والمتكبر والعزيز والجبار وغيرها، والحيوانات مظاهر لاسماء السميع والبصير والحي والقدير وما اليها، وكذا ان النار مظهر للقهار، والهواء مظهر للطيف، والماء مظهر للنافع، والارض للصبور، والادوية السمية للضار، والدنيا مظهر للاول، والاخرة للاخر، وهكذا40.. وبذلك فان للانسان حظاً في ان يكون مظهراً لجميع الاسماء الجمالية والجلالية41. او هو ‹‹مظهر جميع الاسماء والصفات ومجمع كل الحقائق والايات، فهو الكتاب الجامع››42. وهو المعبر عنه باسم الله الاعظم الذي يجمع هذه الاسماء على النحو الاجمالي، فهذا الاسم عبارة عن صورة الانسان الكامل او مظهره، وهو نفس حقيقة النبي الاكرم، فالله هو اسم للذات الالهية باعتبار جامعيته لجميع النعوت الكمالية، وصورته الانسان الكامل، واشير اليه بقول النبي: ‹‹اوتيت جوامع الكلم››، فهو روح العالم وخليفة الرحمن. 43

والانسان الكامل حيث انه جامع لجميع الاسماء فهو من هذه الناحية يجمع بين الحقيقتين الالهية والعالم. فقد اعتبر العرفاء ان الانسان ناشئ على صورة الرحمن تبعاً للحديث النبوي ‹‹خلق الله ادم على صورته، او على صورة الرحمن››44. وهو الحديث الذي اثبتت الدراسات الحديثة ان له اثراً يهودياً في سفر التكوين. وقد تعمد العرفاء توظيفه في نظريتهم الخاصة بالانسان الكامل. فالانسان نسخة مختصرة من الحضرة الالهية، ولذلك خصه الله بصورته كما في الحديث السابق. فهو صورة الحق تعالى وظهوره وتجليه، في حين يعبّر الانسان الكبير المتمثل بالعالم عن الصورة الظاهرة لهذا الانسان، او انه مظهر هذا الانسان، وبالتالي يمكن القول ان العالم هو صورة الحق، اي ان له مناسبة ومشابهة من هذه الناحية مع الحق تعالى.

فالانسان نسخة من الصورتين الحق والعالم، اذ نشأت صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، ونشأت صورته الباطنة على صورة الحق تعالى. وان صورته الظاهرة لا تقتصر على الجسمية فحسب، بل تشمل جميع الخلقة من الجسم والروح والقوى والعقل والمعاني والصفات، وكل ما يصح اطلاق الخليفة الكامل عليه مما هو سوى الله، أما الصورة الباطنة فهي على صورة الحق، حيث ان الانسان الكامل يحوي جميع الاسماء الالهية الفعلية الوجوبية وجميع نسب الربوبية. فهو: حق واجب الوجود وحي وعالم وقدير ومتكلم وسميع وبصير، وهكذا جميع الاسماء، ولكن بالله على الوجه الاكمل. فباطن الانسان على صورة الله وظاهره على صورة العالم وحقايقه45. فليس في الكائنات من هو اعظم جمع للوجودات غيره ‹‹فهو مجلّى الحق، والحق مجلّى حقائق العالم بروحه الذي هو الانسان، واعطى المؤخر لانه اخر نوع ظهر، فأوليته حق واخريته خلق، فهو الاول من حيث الصورة الالهية، والاخر من حيث الصورة الكونية، والظاهر بالصورتين، والباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الالهية››46.

وكما يذكر ابن عربي ان الرقائق المجتمعة في الانسان هي كل من العالم والحق، فادم من العالم ومن الحق بمنزلة بنيه منه، اذ كانت فيه رقيقة من كل صورة في العالم تمتد اليه لتحفظ عليه صورته، ورقيقة كذلك من كل اسم الهي تمتد اليه لتحفظ عليه مرتبته وخلافته، فهو يتنوع في حالاته تنوع الاسماء الالهية، ويتقلب في اكوانه تقلب العالم كله، وهو صغير الحجم لطيف الجرم سريع الحركة، فاذا تحرك حرّك جميع العالم، واستدعى بتلك الحركة توجه الاسماء الالهية عليه47.

هكذا تكون نسخة الانسان الظاهرة مضاهية للعالم باسره، أما نسخته الباطنة فتضاهي الحضرة الالهية، فهو الكلي على الاطلاق والحقيقة، وهو الحد الفاصل بين الله والعالم باعتباره يمثل صورة الله، والعالم بمثابة المرآة التي تعكس تلك الصورة، وذلك لِما اودعه الحق جميع الاسماء وجعله روحاً للعالم، ولهذا فهو يتصف بانه قابل لجميع الوجودات قديمها وحديثها48، وهويته معدة من كل شيء، لكونه اول الاسباب الفاعلية الكونية نزولاً، وانه يكمل ذاته من كل شيء لكونه اخر الاسباب الغائية الكمالية صعوداً. فالانسان الكامل هو نسخة مختصرة جامعة لجميع العوالم الكونية والعقلية وما بينهما، من عرفها فقد عرف الكل، ومن جهلها فقد جهل الكل49. لذلك كان الانسان اكمل الموجودات، فكل ما سواه يعد خلقاً الا هو فانه خلق وحق50. فادم او الانسان هو الحق باعتبار ربوبيته للعالم واتصافه بالصفات الالهية، وهو الخلق باعتبار عبوديته ومربوبيته51. ورغم ان الله قد اضله واخرجه من الجنة الروحانية كما تشير الى ذلك بعض الايات، الا ان هذا لا يقدح في خلافته وربوبيته52. فلكل انسان نصيب من الربوبية، وأما الربوبية التامة فهي للانسان الكامل باعتباره الخليفة وصاحب الولاية التامة، وكذلك فان له العبودية التامة53.

فالخلافة لدى العرفاء لا تصح الا للانسان الكامل. فكما ذكر الجندي من ان الله قد خلق ادم على صورة الرحمن، فالعلاقة بينهما علاقة خلافة، حيث لا بد ان يكون الخليفة على صورة مستخلفه والا فهو ليس بخليفة، وبعدها اوجد الله العالم على صورة ادم، باعتبار ان العالم صورة تفصيل النشأة الانسانية، وان الانسان هو صورة جمعها الاحدية، فالانسان هو غيب العالم، والعالم شهادته وظاهره، لكون الكثرة والتفرقة هي حجاب ظاهر، وان الجمعية الاحدية هي غيب باطن، وبالتالي فالانسان هو روح العالم وقلبه ولبه وسره الباطن54. وهو من حيث كونه خليفة الله فانه يكون عبد الله ورب العالم، اذ لم يؤد احد من العالم الربوبية غيره، وما أحكمَ احد غيره مقام العبودية، فعبد الحجارة والجمادات، لكونه نسخة جامعة بين الحق والخلق.55

هذه هي المشابهة بين ذات الحق والانسان، وبين هذا الاخير والعالم. حتى ان البعض صرح بكون ذات الحق عبارة عن انسان الهي تقليداً لما جاء به افلوطين56. كما انها ذاتها تستبطن فكرة الخلافة والولاية. وبالتالي فليس هناك من يمثل هذه الكمالات من المضاهات والشمول وصفات العلم والخلافة والقدرة على الايجاد والخلق والتكوين غير صاحب الكمالات الانسانية والوجودية المعبر عنه بالحقيقة المحمدية.

اذن ان فكرة الحقيقة المحمدية نابعة من فكرة الانسان الكامل الجامع للكل. كذلك فان فكرة الولاية هي ايضاً تنبع من هذه الفكرة عبر ما استخلفه الحق ليكون خليفة له في التكوين والايجاد. فمشروعية الولاية تستمد من الخلافة كما يصورها العارف الاملي، وان الخلافة هي تلك النيابة عن الله في التكوين والايجاد، وبالتالي فان للولاية تكويناً هي تلك المسماة بالولاية التكوينية. فالاملي ينقل عن الصوفية رأيهم بان الولاية والسلطنة لا تجوز مباشرة من الذات القديمة من دون واسطة، استناداً الى بعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدث، لذا لا بد من ان يولي القديم ما ينوب عنه في التصرف والولاية والحفظ والرعاية، وصفة هذا النائب هي ان له وجهاً في القدم يستمد به من الحق تعالى، ووجهاً في الحدث يمد به الخلق، ومن ثم فقد جعل الله على صورته خليفة يخلف عنه في التصرف، وخلع عليه جميع اسمائه، وسماه انساناً لامكان وقوع الانس بينه وبين الخلق برابطة الجنسية والانسية، كما جعل له بحكم اسميه الظاهر والباطن حقيقة باطنة وصورة ظاهرة ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. وحقيقته الباطنة هي الروح الاعظم، وهو الامر الذي يستحق به الانسان الخلافة، والعقل الاول وزيره وترجمانه، والنفس الكلية خازنه وقهرمانه، والطبيعة الكلية عامله. وأما صورته الظاهرة فهي صورة العالم من العرش الى الفرش وما بينهما من البسائط والمركبات، وهذا هو الانسان الكبير.57

مع انه قد يقال ان اعتبار العقل الاول وزير الروح الاعظم والذي هو روح النبوة او حقيقة النبي محمد، ينافي ما قد سبق ان صرح به الاملي من ان النبوة هي قبول النفس القدسي حقايق المعلومات عن الله تعالى بواسطة العقل الاول. الا ان يجاب بان الروح الاعظم او روح النبوة هي غير ما ذكر من النبوة، فالاولى لها دلالة الولاية والخلافة بخلاف الثانية، اي تصبح للنبوة حالتان، احداهما ظاهرة تنفعل عن العقل الاول، اما الاخرى فهي باطنة يطلق عليها الولاية. كذلك فقد صرح الاملي في محل اخر بان العقل الاول هو ذاته الروح الاعظم وليس وزيره، وهو المعبر عنه بالخليفة الاعظم والقلم الاعلى والانسان الكبير وقطب الاقطاب وادم الحقيقي وما الى ذلك58.

كما نجد ان صدر المتألهين قد عدّ الحقيقة المحمدية هي ذات العقل الاول. فعنده ان محمداً هو اول واخر سلسلة الوجودات الممكنة، او انه يمثل بداية السلسلة ونهايتها. فعند الاقبال والبداية هو عقل اول، فهو اول الجواهر والعقول، وقائد سلسلة العلل والمعلولات، وفاتح باب الرحمة والجود، وواسطة فيض الحق في الوجود. وهو عند الادبار والنهاية عقل اخر هو زبدة العناصر والاصول وخاتم كل نبي ورسول، وثمرة شجرة عالم الاضداد وسائق العباد الى منزل الرشاد ودرجة السداد وهادي الخلق الى رضوان الله الملك الحق والمعبود المطلق. فهو بالتالي اشرف من كل الممكنات والمخلوقات بما في ذلك الملائكة المقربين.59

والفارق بين الاملي وصدر المتألهين، هو ان الاول عدّ العقل الاول عبارة عن جبريل، وان ما هو اعلى منه رتبة ودرجة هو محمد الذي اليه يستند في وزارته، رغم انه عد النبوة متأثرة بهذا العقل او جبريل. في حين ان محمداً لدى صدر المتألهين عبارة عن نفس العقل الاول، وليس هناك ما يفوق هذا العقل سوى الحق تعالى. لكن لو اعتبرنا ان الصادر الاول هو الوجود المنبسط الذي يكون العقل الاول اعلى مراتبه، وانه عبارة عن نفس هذا العقل، فيكون له اعتباران، احدهما يعبر عن تلك الذات المتقدمة التي ينطوي فيها العالم على نحو الاجمال، والاخر يعبر عن ذلك الوجود المنبسط الذي يظهر به جميع ما في العالم على نحو التفصيل.. فلو اعتبرنا العقل الاول بهذه الصورة التوجيهية التي قربها صدر المتألهين للتوفيق بين المشربين الفلسفي والصوفي60، لكان ما يريده هذا الفيلسوف لا يختلف عما يريده الاملي من النبوة والحقيقة المحمدية والانسان الكامل.

وبحسب سلسلة التنزل لدى صدر المتألهين، يبدأ الامر من الحقيقة المحمدية التي تمثل العقل الاول، ثم بعدها الحقيقة العلوية المسماة في البداية بـ ‹‹النفس الكلية الاولية واللوح المحفوظ، وهو العقل الفرقاني، وذلك عند وجودها التجددي››. وان هذه الحقيقة تسمى بالنهاية بعيسى بن مريم عند وجودها البشري الجسماني. ثم بعد ذلك تستمر السلسلة بالاقرب فالاقرب من العقول والنفوس الكلية بعد العقل الاول والنفس الاولى، الظاهرة في صور الانبياء والمرسلين سابقاً، وصور الاولياء والائمة المعصومين لاحقاً، ثم بعد ذلك الحكماء والعلماء.61

ويفهم مما سبق ان هناك ثلاثة اركان تستمد رؤاها من البعد الفلسفي، وتمثل العلاقة بين كل من المبدأ الحق والعقل الاول والعالم، اذ يتخذ العقل الاول دور الوسيط في الربط بين المبدأ الحق والعالم، او هو فعل المبدأ الحق في العالم، ولهذا تمّ اعتباره يمثل الانسان الكامل، او الحقيقة المحمدية، وانه يحمل صورة المبدأ، وان العالم يحمل صورته ومظهره، انطلاقاً من منطق السنخية. وكما صرح ابن عربي بأن الخلائق مرائي للحق تعالى، وان اكمل المرائي واعدلها واقومها هي مرآة محمد، حيث ان تجلي الحق فيها اكمل من كل تجل. فليس في الموجودات من وسع الحق سوى الانسان الكامل او محمد (ص)، وما وسعه الا بقبول الصورة62. لذا فهو يوصي القارئ ويقول: ‹‹اجهد ان تنظر الى الحق المتجلي في مرآة محمد (ص) لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية، ولا تراه في صورتك››. 63

بذلك تصبح النبوة المحمدية غير متميزة عن الالوهة. فنحن هنا امام عين واحدة هي الالوهة والنبوة. بل اذا كان العرفاء السنة يكتفون بمحمد كإله صانع وخالق لكل ما هو موجود، فان العرفاء الشيعة اضافوا الى ذلك الائمة من اهل البيت، وبعضهم – مثل السيد الخميني - يستشهد بحديث منسوب الى احد الائمة يقول فيه: لنا مع الله حالات، هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو64. وبالتالي فانه سواء لدى العرفاء السنة او الشيعة؛ يكون محمد هو ذلك الاله الذي تتوقف عليه جميع التنزلات الوجودية والخلقية. الامر الذي يجعل التوحيد والنبوة والولاية او الامامة؛ كلها تندمج في وحدة واحدة هي الله في بعض تنزلاته ومراتبه. ويمكن القول ان هذه الرؤية تتوافق مع الاعتبارات الفلسفية، فالنبي او الولي يعد بحسب هذه الاعتبارات هو ذلك الذي تنزّل تبعاً لقاعدة الصدور (الواحد لا يصدر عنه الا واحد)، وان الواحد الصادر ليس منفصلاً عن الحقيقة الالهية، فليس هو من العالم ولا من الموجودات المجعولة او القابلة للجعل والتأثير، بل شأنه شأن الاله في الخلق والتكوين.

هكذا لا تقتصر الوساطة المحمدية، وكذا وساطة الائمة من اهل البيت، على المجال الديني من التبليغ والهداية، بل انها تسبق ذلك لدى الوساطة التكوينية التي يتقوم بها الخلق كله، فلولاهم لاستحال ان يُخلق شيء او يظهر موجود قط65. وبنظر البعض ان فيهم تتجسد العلل الارسطية الاربع. فعلى رأي الشيخ احمد الاحسائي انهم علة فاعلية لكونهم نفس المشيئة الالهية التي تمّ بها خلق العالم وتكوينه، فهم الخالقون الرازقون المميتون66، وان علة الايجاد هذه هي المحبة ذاتها، فكل موجود انما هو موجود بحبهم، ومن لم يحبهم فلا يوجد قط67. وهم ايضاً علة مادية، حيث ان جميع الخلق خلقوا من مادة الشعاع القائم بانوارهم. كذلك فهم علة صورية، اذ كل فرد من الخلائق إن كان طيباً فصورته من انوار هياكلهم او من انوار هياكل هياكلهم وهكذا، وإن كان خبيثاً فصورته من عكس انوار هياكلهم، وبالتالي فان تجلياتهم تكون في جميع الاشياء، وان الحديث النبوي القائل (من عرف نفسه فقد عرف ربه) يصدق عليهم، حيث ان من عرف نفسه فقد عرفهم، ومعنى ان الله يرينا اياهم في انفسنا هو انه يرينا ان انفسنا هي ذات شعاعهم وظهورهم لنا بنا، فيُعرفون كما يُعرف الشخص بظهور شبحه في المرآة، أما المبدأ الحق في ذاته فلا يمكن ان يعرف، بل يعرف بمعرفتهم، وكما يقول تعالى: {وله المثل الاعلى في السماوات والارض} الروم/27، ويقول الامام علي: ‹‹نحن الاعراف الذين لا يعرف الله الا بسبيل معرفتنا››68. واخيراً فهم علة غائية، حيث خُلق الخلق لاجلهم وان اياب الناس اليهم وحسابهم عليهم69. فهم اول السلسلة النزولية واخرها غاية، كما ان السلسلة عبارة عن تجلياتهم70. وعليه ‹‹فكل الخلق منهم وكل الخلق بهم وكل الخلق لهم وكل الخلق اليهم، بل الخلق هم››. 71

وعليه فالائمة عبارة عن ذلك الاله الصانع الذي تحدثت عنه الهرمسية، او هم عبارة عن ذلك الاله الابن الذي تحدثت عنه النصارى في تثليثها للامر الواحد. ومن حيث المنظور الفلسفي فكلها تعني العقل الاول او الصادر المنبسط العام، فما هي الا تطبيقات الاعتبارات الفلسفية على العينة الدينية. والعرفان في تطبيقاته مدين في ذلك الى تلك الوجهة من النظر. فعندهم ان اول موجود اوجده الله هو العقل، وهو ذاته عبارة عن الحقيقة المحمدية وكذا العلوية. ويوظف العرفاء في هذا الصدد عدداً من النصوص الدالة عليه تصريحاً وتلويحاً كأول صادر صدر عن المبدأ الحق. ومن هذه النصوص الاقوال المروية عن النبي72: اول ما خلق الله نوري - او روحي73.. كنت نبياً وادم بين الماء والطين.. ومثله قول علي: ‹‹كنت ولياً وادم بين الماء والطين74.. خُلقت انا وعلي من نور واحد قبل ان يخلق الله ادم باربعة عشر الف عاماً.. خلق الله روحي وروح علي بن ابي طالب قبل ان يخلق الخلق بألفي عام.. بُعث علي مع كل نبي سراً، ومعي جهراً75... الخ.

وعلى هذه الشاكلة هناك بعض النصوص التي يوظفها العرفاء الشيعة لما يقولونه حول قدم ولاية الائمة وباطنيتها وان بها يقوم كل شيء. ومن ذلك ما ينقله العرفاء من رواية عن الامام الصادق - كما في كتاب الاختصاص للمفيد - انه قال لتلميذه المفضل بن عمر: ان الله تبارك وتعالى توحد بملكه فعرّف عباده نفسه ثم فوّض اليهم امره واباح لهم جنته، فمن اراد الله ان يطهّر قلبه من الجن والانس عرّفه ولايتنا، ومن اراد ان يطمس على قلبه امسك عنه معرفتنا.. يا مفضل والله ما استوجب ادم ان يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه الا بولاية علي، وما كلّم الله موسى تكليماً الا بولاية علي، ولا اقام الله عيسى بن مريم اية الا بالخضوع لعلي76. وكذا ما ينقلونه من رواية عن الامام علي انه قال: ‹‹أنا وجه الله، أنا جنب الله، أنا يد الله، أنا القلم الاعلى، أنا اللوح المحفوظ، أنا الكتاب المبين، أنا القرآن الناطق، أنا كهيعص، أنا ألم ذلك الكتاب، أنا طاء الطواسين، أنا حاء الحواميم، أنا الملقب بياسين، أنا صاد الصافات، أنا سين المسبحات، أنا النون والقلم، أنا مايدة الكرم، أنا خليل جبريل، أنا صفوة ميكائيل، أنا الموصوف بـ (لا فتى)، أنا الممدوح في (هل أتى)، أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم، أنا الاول، أنا الاخر، أنا الظاهر، أنا الباطن››.77

 

علاقة الولاية بالنبوة

قلنا ان العرفاء يصورون الولاية بان لها معنى مباطناً للنبوة. فالنبوة هي ظاهر الولاية، والولاية باطنها78. او يمكن القول ان الولاية هي نوع من النبوة؛ تلك التي اطلق عليها ابن عربي (النبوة العامة)، وان النبوة هي درجة من الولاية. كما يصح القول ان للنبوة درجتين، احداهما دنيا، وهي الرسالة التي تختص في العلم بالشريعة. والاخرى هي الولاية التي تفوق الاولى درجة ومكانة. كذلك يصح عكس المسألة والقول بان للولاية درجتين، احداهما النبوة الخاصة او الرسالة، والاخرى النبوة العامة. وكما يقول ابن عربي: ‹‹النبوة والرسالة هي خصوص رتبة في الولاية على بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب››79. وفي هذه الحالة يكون النبي ولياً، كما يكون الولي نبياً.

ولدى تقسيم العارف حيدر الاملي فان هناك ثلاث مراتب بعضها يستبطن البعض الاخر، وهي الرسالة والنبوة والولاية. حيث ان لها ظاهراً وباطناً وباطن الباطن، اي ان لها قشراً ولباً ودهناً، فالقشر هو الرسالة، واللب هو النبوة، والدهن هو الولاية، وان الاخيرة هي باطن النبوة، وان النبوة هي باطن الرسالة. وبالتالي فان الولي باطن النبي والنبي باطن الرسول. وان كل رسول نبي، وكل نبي ولي، لكن من غير عكس، اي ليس كل نبي رسولاً، ولا ان كل ولي نبي. واعظم هذه المراتب الثلاث هي الولاية ثم النبوة ثم الرسالة، تبعاً لغور الباطن. وعلى شاكلة هذه المراتب هناك الشريعة التي هي دون الطريقة، وهذه دون الحقيقة. وكذا الوحي فانه دون الالهام80، وهذا دون الكشف. وكذا الاسلام فانه دون الايمان، وهذا دون الايقان81.

اذن لدى العرفاء ان الولاية اعظم من النبوة والرسالة. وكما يقول ابن عربي: ان ‹‹الولي فوق النبي او الرسول››82. وحيث يعظّم العرفاء الولاية قبال النبوة فانهم لا يعنون بذلك تعظيم الاولياء على الانبياء، وانما يرون ان في النبي مرتبتين احداهما باطنة وهي الولاية، واخرى ظاهرة وهي النبوة او الرسالة. ومن حيث المقارنة ذكر ابن عربي ان كون الرسل اولياء عارفين ارفع من كونهم رسلاً، فالولاية والمعرفة تحصرهم في بساط المشاهدة في الحضرة المقدسة، والرسالة تنزلهم الى العالم الاضيق ومشاهدة الاضداد ومكابدة الاسماء الالهية القائمة بالفراعنة الجبابرة. كما ان لمرتبة الولاية افضلية على مرتبة الرسالة، فمرتبة الولاية والمعرفة لها جهة حقانية، وبالتالي فهي ابدية ودائمة الوجود، ومرتبة الرسالة لها جهة خلقية، لذا فهي منقطعة غير ابدية، اذ تنقطع بالتبليغ، والفضل للدائم الباقي، وان الاولى متعلقة بالاخرة، بينما تتعلق الثانية بالنشأة الاولى الدنيوية، لان بخراب الدنيا يرتفع التكليف فلا تبقى الا الولاية. كما ان الولي العارف مقيم عنده، والرسول خارج، وحالة الاقامة اعلى من حالة الخروج83.

ومن المبررات التي ادلى بها ابن عربي في ترجيح الولاية على النبوة ما ذكره من ان الولي هو صفة من صفات الله كما جاء في النص القرآني، حيث سمى الحق نفسه (الولي الحميد)، ولم يرد من صفاته النبي او النبوة، ولهذا انقطعت النبوة والرسالة ولم تنقطع الولاية، باعتبار ان اسم الولي يحفظها، فهي ثابتة لا تزول ازلاً وابداً، اذ لو انقطعت الولاية لم يبقَ لها اسم، مع ان الولي هو اسم باق لله تعالى. وعلى عكس ذلك النبوة حيث انها من الصفات الزمانية والمكانية، لذا تنقطع بانقطاع زمن النبوة والرسالة. وللولاية من الشمول بحيث ان من درجاتها النبوة والرسالة، لكن ليس لأحد بعد النبي محمد (ص) ان يصل الى درجة النبوة الخاصة بالتشريع؛ لأن بابها مغلق، فللولاية حكم الاول والاخر والظاهر والباطن بنبوة عامة وخاصة وبغير نبوة84. على ذلك اعتبر العرفاء ان ولاية النبي محمد هي اكمل واتم واعظم من نبوته ورسالته وتشريعه.85

ومثلما انه لا بد للنبي من ولاية، فانه لا بد للولي العارف من نبوة، والا فانه غير معوّل عليه، وكما يقول ابن عربي من ان ‹‹كل ولاية لا تكون نبوة لا يعول عليها››86. وتأتي نبوة الولي العارف من حيث ان طبيعة الولاية هي نبوة عامة غير منقطعة، بخلاف الحال مع النبوة الخاصة بالتشريع، وبالتالي كان الاولياء الكاملون انبياء تابعين. اذ النبوة مقام يعطى للنبي المشرع كما يعطى لغيره من التابعين الذين يجرون على سنته، وهو باتباعه يكون قد اخذ النبوة بالاكتساب، حيث لم يأته شرع من ربه يختص به ولا شرع يوصله الى غيره، مثلما هو الحال مع هارون مقارنة مع موسى. فهذا هو معنى اكتساب النبوة، حيث يأتي بالاتباع ولا يختص بتشريع87. لذا لا يعد ابن عربي نفسه وغيره من العرفاء المسلمين الكاملين أنبياء بالمعنى الخاص الذي هم فيه مشرعون، وانما وارثين وتابعين لولاية محمد (ص). وهو في مقدمته لكتاب (فصوص الحكم) اعلن ان ما اتى به انما من محمد أمره ان يتلوه على الناس لينتفعوا به88. وصرح بان لهذه الامة اولياء اطلق عليهم انبياء الاولياء89. مما يعني انهم انبياء بالمعنى العام للنبوة، ولهم وظائف ما للنبي اذا ما استثنينا التشريع، حيث انهم يسمعون الوحي (جبريل) ويسألون النبي ويصححون الاخبار90، ولهم فوق ذلك كرامات هي معجزاتهم كاولياء مثلما للنبي معجزاته كنبي.

ولعل العرفاء مضطرون لنفي النبوة التشريعية من قائمة وظائفهم العرفانية لاعتبارات التقية، كي لا يُتهموا باستحداث اديان جديدة. والا فمن حيث الاتساق ان نبوة التشريع ليست بعزيزة عليهم طالما ان مقامهم يفوق مقام هذه النبوة نظراً لولايتهم، وانهم مطلعون على الغيب ومتصلون بالقطب الازلي للولاية، وهو الحقيقة المحمدية. فلو اخذنا بهذه الاعتبارات حقّ ان يكون كل ولي عارف نبياً، مثلما يكون كل نبي ولياً عارفاً.

لذا ينقل عن السهروردي انه كان يقول:لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر. كما يقال انه اشتهر عن ابن سبعين (المتوفي سنة 667هـ) انه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعاً بقوله: لا نبي بعدي.. فعلّق الذهبي على ذلك بالقول: إن كان ابن سبعين قال هذا فقد خرج به عن الاسلام91.

***

على ان بين الولاية العرفانية والنبوة عنصراً مشتركاً هو كشف حقائق الوجود بقوة قدسية تفوق العقل. وقد كان الغزالي يرى ان فوق العقل طوراً للكشف تشاهد فيه ارواح الانبياء والملائكة وسماع اصواتهم وغير ذلك. وذكر ابن عربي في (رسالة الانوار) ان بين النبوة والولاية ثلاثة مشتركات، احدها ان العلم عندهما هو علم من غير تعلم كسبي، والثاني ان الفعل لديهما هو فعل بالهمّة بخلاف ما جرت عليه العادة بوجود الاثر المادي في التأثير الفعلي، اي ان الفعل عندهما هو فعل خارق للعادة. أما الثالث فهو انهما يريان عالم الخيال في الحس المشهود خلافاً لسائر الناس. لكن مع هذا فانهما يفترقان بمجرد الخطاب، حيث ان مخاطبة الولي غير مخاطبة النبي. وهو يرى ان كل ولي لله فانه يأخذ بوساطة روحانية نبيه الذي هو على شريعته، ومن ذلك المقام يشهد92. لكنه في الفصوص والفتوحات ذهب الى ان الكل يأخذ من مصدر واحد.

مهما يكن فان الاعتراف بمشاركة الاولياء للانبياء بمزية العلم بالحقائق ومشاهدة عالم الخيال، وكذا التأثير على العالم الجسماني بالهمة مما يطلق عليه المعجزات والكرامات، كل ذلك يجعل من الولي تعبيراً اخر عن النبي، والعكس صحيح ايضاً، وبالتالي جاز ان لا يسد باب النبوة مثلما ان باب الولاية غير مسدود، رغم ان الولاية مكتسبة بالرياضات والمجاهدات، بخلاف النبوة الخاصة بالتشريع، حيث تأتي مباشرة من غير اكتساب.

ويظل انه بنظر العرفاء ان العارف افضل من النبي في نبوته الخاصة بالتشريع، تبعاً لفضل الولاية على النبوة الخاصة. فالولي على قسمين كما يذكر الاملي: احدهما هو الذي تكون ولايته ازلية ذاتية حقيقية، ويسمى بالولي المطلق، وهو القطب الاعظم. اما الاخر فهو الذي تكون ولايته مستفادة من ذلك الولي المطلق، ويسمى بالولي المقيد، وهو الامام او الخليفة. وكلا القسمين يرجعان الى حقيقة نبينا محمد (ص) وورثته من اهل بيته. وحيث ان النبوة مختومة من حيث الانباء فلم يبق الا الولاية من حيث التصرف في النفوس ابد الاباد، اذ يكون التصرف الى غير نهاية، فباب الولاية مفتوح وباب النبوة مسدود كالذي اطلعنا عليه. 93

فمن هذه الناحية يعتقد العرفاء الشيعة بافضلية الاولياء الائمة من اهل بيت النبوة على سائر الانبياء باستثناء نبينا محمد، وكذا يرى بعض العرفاء السنة افضلية ولاية عرفائهم على اولائك الانبياء، ومن ذلك ان ابن عربي نصّب نفسه كولي يفضل سائر الانبياء بفضل مقام تبعيته لولاية النبي (ص) على جميع سائر الانبياء والمرسلين. اذ جعل من نفسه خاتماً للاولياء على غرار خاتمية محمد للانبياء، ورأى بحسب هذه الخاتمية التابعة لنبينا محمد؛ ان كل نبي او رسول او ولي انما يرث منه العلم الباطن باعتباره خاتماً للاولياء، وهو بدوره ورثه مباشرة من نبع الفيض؛ روح محمد او الحقيقة المحمدية94. فقد اعلن بان الرسل لا تشهد العلم ‹‹الا من مشكاة خاتم الاولياء، فان الرسالة والنبوة - اي نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان، والولاية لا تنقطع ابداً. فالمرسلون من كونهم اولياء، لا يرون ما ذكرناه الا من مشكاة خاتم الاولياء، فكيف من دونهم من الاولياء››95.

وبعبارة اخرى، تبعاً لهذه الرؤية فانه يمتنع وصول احد من الانبياء وغيرهم الى الحضرة الالهية ما لم يكن ذلك بالولاية. وهي من حيث جامعية الاسم الاعظم تكون لخاتم الانبياء، ومن حيث ظهورها بتمامها في الشهادة تكون لخاتم الاولياء، فصاحبها واسطة بين الحق وجميع الانبياء والاولياء96.

ولا شك ان هذا المعنى يعطي لخاتم الاولياء ما ليس لخاتم الانبياء من الفضل والرتبة، سواء كان الخاتم بالولاية العامة كما يتمثل بعيسى، او بالولاية الخاصة المقيدة كما يتمثل بابن عربي ذاته97. وفعلاً فان هذا الشيخ جعل خاتميته للاولياء تفضل خاتمية الرسل، او ان مقام ختمه للاولياء يعلو مقام ختم النبي للرسل، وذلك من حيث رسالته لا ولايته. فهو يتفوق على النبي (ص) كرسول مشرع، وإن كان دونه من حيث الولاية. وكما يقول: ‹‹وإن كان خاتم الاولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من الشرايع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا اليه، فانه من وجه يكون انزل، كما انه من وجه يكون اعلى››. وقد ايد كلامه هذا بشواهد حسية تاريخية، مثل فضل عمر في حكمه بمثل ما حكم به الله في قتل اسرى بدر، وكان رأي النبي هو العكس، وكذا ان النبي قال في تأبير النخل: ‹‹انتم اعلم بامور دنياكم››98. وكل ذلك يعود الى اختلاف المقامات، وان العارف والولي يمكنه الترقي من مقام الى مقام اخر غيره حتى يصل الى بغيته في الفناء في التوحيد الذي هو ارقى المقامات، كالذي سنتحدث عنه قريباً.

الاتحاد وتعدد مقامات الانبياء والعرفاء

لدى العرفاء ان الحقيقة الواحدة لها تنزلات متفاوتة بالكمال والنقص والعلة والمعلولية. وحقيقة الانسان لا تبعد عن هذه الاعتبارات، حيث تتضمن عدداً من المقامات المتفاوتة اعتماداً على درجة الكمال والرقي. فبحسب نظرية الاتحاد يمكن للعارف ان يترقى من مراتب العقول والنفوس الى اقصى الغايات؛ مسافراً من المحسوسات الى الموهومات ثم منها الى المعقولات حتى يتحد بالعقل الفعال بعد تكرر الاتصالات وتعدد المشاهدات99، الامر الذي يفضي الى جواز اتحاده وفنائه في ذات المبدأ الحق، فيكون له بذلك مقامات متعددة تتفاوت بالكمال، وإن كانت تتطابق في الحقيقة وفقاً لمنطق السنخية.

وكذا هو الحال مع الانبياء ومنهم نفس نبينا محمد (ص)، فكما جاء عن صدر المتألهين انه في مقام ‹‹قاب قوسين او ادنى›› عقل بسيط قرآني متحد مع المعقولات كلها، وهو قلم الحق الاول وكلمة الله التامة التي فيها جوامع الكلم كما جاء في قوله (ص): ‹‹اوتيت جوامع الكلم››. وفي مقام آخر هو لوح نفساني فيه تفاصيل العلوم وصور الحقائق المرسومة من قبل قلم الحق الفعال100. وهو في جميع المقامات تارة يأخذ الكلام عن الله مباشرة بلا واسطة ملك101، وتارة ثانية بواسطة جبريل102، وثالثة في مقام غير هذا المقام الالهي الشامخ103، واخيراً انه كان يسمع كلام الله في هذا العالم الحسي104. فعلى ذلك تكون هناك مقامات اربعة للنبي (ص) في اخذه واستماعه للكلام الالهي105.

وبسبب تلك المقامات المتفاوتة والمتفقة الحقيقة، اعتبر صدر المتألهين ان للانبياء نوعاً واقعاً بين الانسان والملك، او هو في الحد المشترك بين عالمي الملك والملكوت، فانهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السماوات والارض، وكالبشر في احوال المطعم والمشرب والمنكح، فمثلهم كمثل المرجان حيث انه كالحجر والنخل في الوقت نفسه. لذلك فسّر قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} الانعام/9106. وبهذا استطاع فيلسوفنا ان يجمع بين اعتبار النبي (ص) كسائر الناس في صفته البشرية على ما صرحت به النصوص القرآنية وبين اعتباره غيرهم على ما هو طريقة الصوفية والعرفاء. فاعتبر النبي (ص) في قوله على ما روي عنه: ‹‹لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل›› قد اخبر عن حاله ومرتبته الباطنية، وعد هناك حالاً اخر غير ذلك المقام؛ كما جاء في بعض الآيات مثل قوله تعالى: {ما ادري ما يُفعل بي ولا بكم إن الحكم الا لله} الاحقاف/9، وقوله سبحانه: {لا اعلم الغيب ولا اقول لكم اني ملك، ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} الاعراف/188107. وقد افضى به ذلك التلفيق الى ان يأول سياق بعض الايات ويحكم بكفر من اعتبر النبي ذا حقيقة بشرية، فذكر يقول: ‹‹لا شبهة في ان نفس من هو خير الخلائق لا تساوي في الحقيقة النوعية لنفس من هو شر الخلائق.. واعلم ان الله قد حكم بكفر من قال بان نفس النبي (ص) مماثلة لنفوس سائر البشر في قوله: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا} التغابن/6، وقوله تعالى: {أبشراً منا واحداً نتبعه} القمر/24، واما قوله تعالى: {قل انما انا بشر مثلكم} الكهف/110، فانما ذلك بحسب هذه النشأة الظاهرة››. 108

كذلك فبحسب نظرية المقامات المتعددة علل صدر المتألهين امتناع النبي (ص) عن اجابة اليهودي الذي سأله عن معنى الروح في قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح، قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلاً} الاسراء/85، فعزا ذلك الى محدودية السائل وعدم استيعابه، باعتبار ان النبي وكذا العارفين اذا ما عبروا من مقام الى مقام، كإن يعبروا من عالم الروح ليصلوا الى ساحل بحر الحقيقة، فانهم سيعرفون عالم الارواح وما دونها بانوار مشاهدات صفات الجمال، واذا ما فنوا بسطوات الجلال عن انانية وجودهم ووصلوا الى لجة بحر الحقيقة فانهم يكاشفون بهوية الحق، واذا ما استغرقوا في بحر الهوية الاحدية وبقوا ببقاء الالوهية فانهم يعرفون الله بالله، فيوحدونه ويقدسونه ويعرفون به كل شيء، كما هو مسئول دعاء النبي (ص) فيما روي عنه انه قال: ‹‹ربي ارني الاشياء كما هي››109.

لهذا قام بتأويل الاية التي تقول: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} الشورى/52، ففسرها بانها تعني ما كنت تكتسب بالدراية والفهم صورة ما في الكتب العلمية، ولست تتعلم الايمان من معلم غير الله، ولكن جعل الله قلبك نوراً عقلياً تتنور به حقائق الاشياء ويهتدى به الى ملكوت الارض والسماء.110

ومثل ذلك قام بتأويل اية عدم تمكن موسى من رؤية الحق تبعاً لاختلاف المقامات. فالقرآن الكريم صريح في نفي إمكان الرؤية الالهية حتى بالنسبة الى الانبياء كالنبي موسى رغم مكانته الشامخة111. لكن بحسب المفاهيم الوجودية فان كل موجود يرى الحق ويشاهده بحسب وعائه الخاص. وبالتالي ان مسألة شهود الحق ورؤيته قد تثير بعض المشاكل المتعلقة بالنص الديني، وهذا ما دعا فيلسوفنا الى محاولة التوسط والتوفيق بين صراحة النص وبين مضامين تلك المفاهيم القبلية، فاجاب بان موسى انما كان يرى الحق تعالى بما هو متجل للاولياء، واراد ان يراه في صورة التجلي التي لا يدركها الا الانبياء، وحيث ان الانبياء متفاوتون في مقام المشاهدة، فبعضهم لم ينل ما يناله البعض الاخر، لذا اراد موسى ان يرى الحق سبحانه على الوجه الذي يطلبه مقامه كنبي، لانه كولي يراه دائماً ولا يمكن طلب المحصول عليه112. رغم ان هذا الجواب بعيد عن الاقناع، لان الله سبحانه قد اسند رؤيته الى استقرار الجبل، وبحسب المفاهيم الوجودية لم يكن الجبل اعظم ادراكاً من موسى حتى يسند اليه ويعول عليه. وبالتالي فما ذلك الا التأويل الذي نهى عنه هذا العارف.

ونخلص مما سبق الى ان العارف وكذا النبي والولي بامكانه الاتحاد بحسب المقامات المتعددة، لا فقط مع العقل الفعال بل حتى مع ذات الحق والفناء فيه.

فصدر المتألهين وان كان ينكر الحلول والاتحاد، فانما يريد بذلك وجود امرين مختلفين، اما مع وجود حقيقة واحدة غير متعددة فالاتحاد عنده من الضرورات العرفانية، فهو لا يعني اجتماع امرين معاً، بل هناك رقائق تذهب وتتكامل فتتحد وتفنى في الحقائق التي اعلى منها، دون ان تترك محلها خالياً، بل تنشأ ابدالها من الرقائق الاخرى لتحل مكانها وتتخذ دورها على سبيل الخلق والاعادة. وان العارف والولي يمكنه الترقي بفعل سلسلة الاتحادات فيتحول من مقام الى مقام اخر اعلى حتى يصل الى اخر المقامات، وهو مقام المعاد والفناء. رغم انه في تفسيره لسورة البقرة نفى ان يكون هناك اكثر من مقام لغير الانسان الكامل، فالملك والانسان والشيطان والحيوان وغيرها كلها ليس لها الا مقام واحد فقط، وهو ان كلاً منها يكون تابعاً لاسم الهي واحد هو ربّه الخاص لا يتعداه، اما تعدد المقامات فهي من خاصة ذلك الكامل.113

وذكر بعض المحققين من العرفاء ان الخلق اتصف اولاً بالوجود ثم العلم فالقدرة فالارادة فالفعل، وحيث ان المعاد هو عود الى الفطرة الاصلية والرجوع الى نقطة البداية، فلا بد على ذلك ان تنتفي تلك الصفات على التدريج والترتيب المعاكس. على هذا فان السالك العارف لا بد ان ينتفي منه الفعل اول الامر، فيكون تقياً زاهداً في الدنيا. ثم بعد هذا المقام لا بد ان ينتفي منه الاختيار والارادة، حيث يستهلك ارادته في ارادة الله. وبعده لا بد ان تنتفي عنه القدرة حتى لا يرى لنفسه حولاً ولا قوة وقدرة مغايرة لقوة الحق وقدرته، فيكون في مقام التوكل والتفويض. وبعده لا بد ان تنتفي منه صفة العلم لاضمحلال علمه في علم الله، وهو مقام التسليم. ثم بعد ذلك لا بد ان ينتفي وجوده فيكون في وجود الله حتى لا يكون له في نفسه عند نفسه وجود، وهو مقام اهل الوحدة والذي هو اجل المقامات وافضلها، حيث انه عبارة عن الفناء في التوحيد114. وبذلك تكون مقامات الانبياء والعرفاء مقامات منبسطة بانبساط الوجود الواحد مثلما قدمنا.

***

إذاً بحسب الرؤية الوجودية، يتجسد الاله في النبوة بكل ما يحمله من علم وفعل. فمن حيث العلم ان العلم الالهي شامل لكل شيء، وكذا هو حال العلم في النبوة، فلها هذا المعنى الشمولي، وذلك بما تمتلكه من العقل الفلسفي كما يصوره لنا الفلاسفة في اتصال النبي بالعقل المفارق الفعال، او بما لديها من العقل العرفاني كالذي يصوره لنا العرفاء في جعل النبوة بمنزلة العقل الاول او الروح الاعظم.

أما من حيث الفعل فيمكن القول ان الالوهة في النبوة بادية الظهور. فهي لدى التصور الفلسفي نابعة عن اتصال النبي بالعقل المفارق الفعال، وهو اله البشر الذي يتوسط بالنيابة عن المبدأ الحق115، ومنه يكتسب النبي القدرة على الخلق والتكوين كما يظهر ذلك في صنع المعاجز والكرامات. وتبلغ الالوهة اوجها عند القول باتحاد النبي مع العقل الفعال، حيث يكون هذا هو ذاك؛ مثلما يصرح به بعض الفلاسفة احياناً. أما لدى التصور العرفاني فالامر اعمق من السابق، فالالوهة بحسب التصور الفلسفي لا تتجاوز حدود العقل الفعال الاخير، لكنها في المعنى العرفاني تندك في الوسيط الذي تقوم به الخلائق كلها، وهو المعبر عنه بالاله الصانع والوجود المنبسط والفعل الشامل والحق المخلوق به والمشيئة الالهية واسم الله الاعظم ومسمى الله وغير ذلك.

وبحسب الفهم الوجودي ان الوظيفة الجوهرية للنبوة ليست معيارية كالتي تتعلق باصلاح الناس في سلوكهم واخلاقهم ومعاملاتهم الفردية والاجتماعية، بل هي وظيفة وجودية حتمية تتعلق بكل من العلم والايجاد تبعاً لسلسلة مراتب الوجود، فغرضها امداد التنزلات العلمية وايصالها الى النفوس البشرية حتى يتم لها السعادة بفعل الفيض العلمي الذي تقتبسه من فوق، وهي من هذه الناحية مختصة بتكميل النوع البشري116. فهي تلعب دور الوسيط العلمي في ربط النفوس بالعالم العلوي. وهي من حيث العلم تحكي السيرة الذاتية لطبيعة المبدأ الحق، كما انها من حيث الفعل تحاكي ما يقوم به هذا المبدأ من ايجاد العالم والتأثير فيه. لكن لما كانت السيرة الذاتية للمبدأ الحق هي العلم بذاته، وان هذا العلم سبب الايجاد والصنع، لذا فالنبوة هي على هذا النحو من السيرة، اي انها علم وايجاد. وهي من حيث كونها علماً فانها تؤثر وتوجد. فالنبي - اذن - عالم بالموجودات وصانعها بقدر ما له من العلم بها.

وبعبارة اخرى ان اتصال الفلاسفة والعرفاء بالعلة التكوينية للعالم، والتي هي لدى الفلاسفة عبارة عن العقل الفعال الاخير، ولدى العرفاء عبارة عن العقل الاول وما شاكله.. يجعل منهم الهة في العلم والتكوين، اذ يعرفون كل شيء، وبوسعهم خلق كل شيء، وذلك من منطلق ان العلم هو علة الايجاد والتكوين، او من منطلق ان الاتصال بالعلة يكسب المتصل صفاته الشبيهة، الامر الذي يوظفون به ما يروى: (عبدي اطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون). فكيف بالقائلين بنظرية الاتحاد، اذ يصبح العارف والفيلسوف هو ذاته عبارة عن ذلك العقل الذي هو علم بكل شيء، وفعله سار في كل شيء.

خلاصة البحث

نستخلص مما سبق النقاط التالية:

* ان درجة النبوة لدى الرؤيتين الفلسفية والعرفانية لا تفوق درجة ما عليه رتبة الفلاسفة وكذلك العرفاء. وان الانبياء في الوقت ذاته هم فلاسفة بحسب الرؤية الاولى، وعرفاء بحسب الرؤية الثانية. وان المكانة التي يحظونها بفلسفتهم وعرفانيتهم هي اعلى واهم من كونهم يحملون رتبة النبوة.

* ان العرفاء من جانب اخر هم انبياء، وان النبوة لم ولن تنقطع قط، بفضل الولاية العرفانية التي هي الدرجة العليا من النبوة. وضمن الاطار الفلسفي ان الذي يناسب الروح الحكمية هو ضرورة ان يكون الفلاسفة انبياء من دون عكس. بمعنى ان الانبياء ليس بوسعهم ان يكونوا فلاسفة ما لم تكتمل عندهم القوة العقلية التي يتحلى بها الفلاسفة. وبالتالي فان النبوة بحسب هذه الروح غير قابلة للانقطاع.

* ان نفس النبي بحسب الرؤية الفلسفية عبارة عن نفس جامعة لقوى ادراكية ثلاث، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل. وانه بقوة التخيل يتصف بالنبوة، وبقوة التعقل يتصف بالفلسفة، وبجمع القوتين يكون اكمل الناس واسعدهم درجة، حيث يجمع ما بين النبوة والفلسفة. وهما قوتان تشاكل الاولى منهما الثانية وتحاكيها، اذ تكتمل القوة الفلسفية (العقلية) بفيض العقل الفعال، ومنه يترشح الفيض الى القوة النبوية (الخيالية)، فيصدر عنها الامثال والرموز على شاكلة ما عليه القوة العقلية.

* من الواضح ان الفيلسوف بحسب الرؤية الفلسفية له مزايا ووظائف تفوق تلك التي للنبوة. فكشف الحقائق والتعامل مع الباطن والقيام بدور القيمومة هي كلها من مهام الفيلسوف لا النبي. فلهذا الاخير وظائف تتعلق بالتعامل مع الظاهر والامثال والرموز التي تقرب المفاهيم الدينية الى اذهان الناس بالاقناع رغم انها تخلو من الحقيقة.

* ان الغاية التي يتحراها الفيلسوف هي ان يتشبه بالاله فيكون عقله علماً بكل شيء. فهو يتصل بالعقل الفعال، او حتى يتحد به فيكون هو ذاته، الامر الذي يكتسب فيه الصفات الالهية، او انه يصبح ذاتاً الهية حاوية على كل شيء، وبذلك تكون له القدرة على الفعل والصنع والايجاد، فالعلم هو علة الايجاد. أما الغاية التي يتحراها العارف فهي ان تتحد نفسه بالمقامات الفوقية حتى يفنى في ذات الحق، وهو ايضاً حريص على ان تكون ذاته حاوية وعالمة بكل شيء، ومنه يتم له الخلق والايجاد.

* ان النبوة بحسب الرؤية العرفانية تتخذ صورتين احداهما تكاد تكون متطابقة مع الرؤية الفلسفية، حيث تقتبس منها القوى الثلاث ووظائفها، سوى ان الامر يختلف من حيث ابدال العنصر الفلسفي بالعنصر العرفاني في القوة العقلية لقوى النبوة. وايضاً ان هذه القوة العرفانية تجاوزت حدود العقل الفعال الاخير كما تعارف لدى الفلاسفة، ففي اقصى كمالها تصل الى حد الفناء والاتحاد مع الذات الالهية. أما الصورة الاخرى فهي ايضاً تؤكد على ان النبوة عبارة عن تلك النفس التي تتقبل ما يفيض عليها العقل المفارق، كالذي لاحظناه بحسب الرؤية الفلسفية. لكن بحسب الرؤية العرفانية يكون العقل المفارق هو العقل الاول او الصادر الاول وليس العقل الفعال الاخير. ولا شك ان هذه الصورة هي المتعارف عليها في اوساط العرفاء مقارنة بالاولى.

* بحسب الرؤية العرفانية يتم اتحاد النفس النبوية بالعقل الاول جبريل، وهما متحدان مع الحقيقة الالهية، وهي صيغة لا تختلف عن تلك الصيغة التي شاعت لدى النصارى من ان هناك حقيقة الهية واحدة لها ثلاث مراتب متحدة، هي الله وابنه عيسى وروح القدس.

* ان للنبوة بحسب الرؤية العرفانية ملكتين علويتين، احداهما معرفية حيث فيها كل الحقائق، والاخرى تكوينية بما لها من ولاية في تكوين الخلق وتصريفه، وهذا ما يبرر وصفها بالاله الصانع المستخلف عن الاله المتعال. وهي بحسب هاتين الخصوصيتين يطلق عليها الحقيقة المحمدية التي تنشأ عنها سائر المراتب الوجودية، وتتمظهر بها الاشكال والصور الخلقية، فهي عبارة عن اسم الله الاعظم والانسان الكامل والوسيط الجامع بين حقيقتي الحق والخلق.

* ان النبوة والولاية العرفانية يعبران بحسب الرؤية العرفانية عن حقيقة واحدة لها وجهان ظاهر وباطن، فمن حيث الظاهر نشهد النبوة، ومن حيث الباطن تكون الولاية، وهذه الاخيرة اعظم من الاولى. كذلك فبحسب هذه الرؤية ان الولاية العرفانية هي نبوة دائمة لا تقبل الانقطاع، وان النبوة الظاهرة منقطعة. وهذا يعني ان العرفاء في ولايتهم يفوقون الانبياء في نبوتهم الظاهرة. مع ان كل نبي عارف، لكنه بالعرفان اكمل منه بالنبوة، وذلك على شاكلة ما تقوله الرؤية الفلسفية من ان كل نبي فيلسوف، لكنه بالفلسفة اكمل منه بالنبوة.

* ان حقيقة محمد بحسب النظر العرفاني هي الصادر الاول المعبر عنه بالعقل الاول والوجود المنبسط، والذي تتقوم به حياة العالم. فمحمد من هذه الناحية يمثل الاله الصانع قبال الاله المتعال. فهو الله المتعين قبل سائر التعينات، وهو الانسان الكامل، ومنه تكونت الاشياء جميعاً، كما انه غاية الكل. وعلاقته بسائر الانبياء هي علاقة قيومية. وان ولاية العرفاء تستمد فعلها الوجودي منه، حيث يتمظهر بمظاهر مختلفة، مثل صور الانبياء ثم الائمة وبعدهم العرفاء والحكماء. فالكل يستمد وجوده وعلمه وتأثيره منه.

* اذا كان العارف الكامل نبياً، وان النبي هو اله يقوم به كل شيء، فان النتيجة المنطقية تقول بان العارف الكامل هو ذاته عبارة عن اله.

* بحسب الروح الوجودية يمكن القول ان للفلاسفة والعرفاء وكذا الانبياء قدرة على تغيير العالم وتسييره، بفعل ما يحملونه من العلم الشمولي والقوة الحسية. لكن يظل ان تغيير العالم بحسب الرؤية الفلسفية هو اقل درجة مما تدعيه الرؤية العرفانية.

* لا يوجد فصل لدى العرفاء بين التوحيد والنبوة والولاية، فكلها تعبر في جوهر الامر عن الذات الالهية وتنزلاتها، او هذه الذات وفعلها المطلق الساري في كل شيء. فللنبوة والولاية درجة الالوهة، حيث بيدها تصريف الخلق والتكوين، كما بيدها الهداية وتقرير المصير. لذلك فانها لا تخرج عن التوحيد، اذ هي عين صفة المشيئة والارادة، واذا اخذنا باعتبار ان صفات الحق عين ذاته، وانها موجودة بوجوده، فان ذلك يجعلها لا تتجاوز حد التوحيد، ولم يعد لدينا تعدد في الاصول، حيث تتحد الولاية والنبوة والتوحيد في اصل واحد هو حقيقة الاله وما يحمله من المرتبتين التين يعبر عنهما بالاله المتعال والاله الصانع.

 

1 يرى الفارابي ان المدينة الفاضلة ‹‹تصير شبيهة بالموجودات الطبيعية، ومراتبها شبيهة ايضاً بمراتب الموجودات التي تبتدئ من الاول وتنتهي الى المادة الاولى والاسطقسات، وارتباطها وائتلافها شبيهاً بارتباط الموجودات المختلفة بعضها ببعض وائتلافها. ومدبر تلك المدينة شبيه بالسبب الاول الذي به وجود سائر الموجودات. ثم لا تزال مراتب الموجودات تنحط قليلاً قليلاً فيكون كل واحد منها رئيساً ومرؤوساً الى ان تنتهي الموجودات الممكنة التي لا رئاسة لها اصلاً، بل هي خادمة وتوجد لاجل غيرها وهي المادة الاولى والاسطقسات›› (الفارابي: السياسة المدنية، طبعة انتشارات الزهراء، ص84).

2 السياسة المدنية، ص71-73.

3 غلام حسين ابراهيمي ديناني: قواعد فلسفي در فلسفه اسلامي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران، الطبعة الثانية 1366هـ.ش، ج2، ص330-332.

4 المبدأ والمعاد لابن سينا، ص116-120 61ـ 01. والشواهد الربوبية، ص340-344 443. ومقاصد الفلاسفة، ص380-381.

5 مفاتيح الغيب، ص118.

6 رسالة الفعل والانفعال، ضمن رسائل الشيخ الرئيس ابن سينا، انتشارات بيدار، قم، ص223.

7 مقاصد الفلاسفة، ص380-381.

8 المبدأ والمعاد لابن سينا، ص116. وكذا: مقاصد الفلاسفة، ص383.

9 المبدأ والمعاد لابن سينا، ص120. ومقاصد الفلاسفة، ص380-381.

10 رسالة في معنى الزيادة وكيفية تأثيرها، ضمن رسائل ابن سينا في اسرار الحكمة المشرقية، ص47.

11 المبدأ والمعاد لابن سينا، ص119 و117.

12 مقاصد الفلاسفة، ص382.

13 آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتحقيق البير نصري نادر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959م، ص101.

14 الشواهد الربوبية، ص344.

15 اذ يقول ابن سينا: ‹‹اعلم ان النفوس البشرية تتفاوت بالعلم والشرف والكمال، فانه ربما ظهرت نفس من النفوس في هذا العالم، نبوية كانت او غيرها، وبلغت الكمال في العلم والاعمال بالفطرة او بالاكتساب حتى تصير مضاهية للعقل الفعال وان كانت دونه في الشرف والعلم والرتبة العقلية، لانه علة وهي معلولة، والعلة اشرف من المعلول›› (رسالة في معنى الزيادة وكيفية تأثيرها، ص46-47).

16 اراء اهل المدينة الفاضلة، ص94.

17 اراء اهل المدينة الفاضلة، ص104.

18 زكي نجيب محمود: جابر بن حيان، مكتبة مصر، ص234.

19 اراء اهل المدينة الفاضلة، ص85.

20 اراء اهل المدينة الفاضلة، ص94.

21 تهافت التهافت، ص86.

22 السياسة المدنية، طبعة انتشارات الزهراء، ص79-81.

23 السياسة المدنية، المصدر السابق، ص36.

24 عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، عرض وتعريف حسين جمعة، دار دانية للنشر، الطبعة الاولى، 1990م، ص152.

25 نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام، ج1، ص85.

26 رسالة اتصال العقل بالانسان، ضمن رسائل ابن باجة، ص167-168.

27 رسالة الوداع، المصدر السابق، ص114و143.

28 ابن رشد: تلخيص كتاب النفس، مقدمة احمد فؤاد الاهواني، ص95.

29 مفاتيح الغيب، ص586.

30 تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج8، ص335-339. وج 7، ص135.

31 تفسير صدر المتألهين، مصدر سابق، ج7، ص134.

32 اسرار الشريعة، ص90. وجامع الاسرار، ص450-451.

33 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص124. واسرار الشريعة، ص92-93. وجامع الاسرار، ص391-392.

34 اسرار الشريعة، ص93-94.

35 تفسير صدر المتألهين، ج4، ص135-136.

36 تفسير صدر المتألهين، مصدر سابق، ج5، ص120.

37 لدى بعض العرفاء ان التعين الاول يتمثل بمقام الاحدية، وان التعين الثاني هو مقام الواحدية (الخميني: تعليقات على مصباح الانس، ص226). لكن لدى الاملي ان البحث عن المتعين الاول تارة يكون قبل اول كثرة واخرى عندها. اذ يرى ان اول تعين تعينت به الذات قبل اول كثرة فرضت في الوجود هو علمه بذاته، لانه اذا صار عالماً بذاته صارت ذاته معلومة له، وكل معلوم لا بد ان يكون معيناً، فيكون اول تعينه علمه بذاته، بالتالي لا بد ان يكون هذا العلم واسطة بينهما اي بين الله من حيث هو عالم وبين ذاته من حيث هي معلومة، فتحصل ثلاثة اعتبارات، هي اعتبارات العلم والعالم والمعلوم، وهذا عين الكثرة. اذن ان علمه بذاته هو سبب تعينه، كما انه سبب تعين كل واحد من معلوماته، وهي الاعيان الثابتة، ويكون الله هو الفاعل والقابل حقيقة واعتباراً لا غير. اما من حيث الكثرة الخارجية فان الحق تعالى تعين اولاً بحقيقة واحدة قابلة للكثرة كلها، وهي المسماة بالتعين الاول والعقل والروح والانسان الكبير والحقيقة المحمدية وما الى ذلك، فهي كالهيولى لصور الموجودات كلها (نقد النقود، مصدر سابق، ص685).

38 الفصوص والتعليقات عليه، ج2، ص320 و321 و323.

39 شرح الفصوص، ص341-342.

40 اسرار الايات، ص42. وجامع الاسرار، ص134-135.

41 الطالقاني: اصل الاصول، ص78.

42 ايقاظ النائمين، ص51.

43 مثلما ان اسم الله الاعظم يجمع جميع الاسماء الحسنى، فان صدر المتألهين اعتبر اسمي الحي والقيوم شاملين لجميع تلك الاسماء ايضاً، اي انهما يرادفان اسم الله الاعظم. فقد صرح بصدد قوله تعالى: {الله لا اله الا هو الحي القيوم} البقرة/ 255، بان الحي القيوم مشتمل على جميع الصفات الكمالية والنعوت الالهية، لان اسمه الحي مشتمل على جميع الاسماء الذاتية، فيدل على وجوب الوجود ووجوب الايجاب، ومستلزم للارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، والقيوم باعتبار ان معناه مبالغة في القيام لادامة الموجودات على وجه التمام فهو مشتمل على جميع الاسماء الفعلية كالخالقية والابداع والتكوين والانشاء والاعادة والتقديم والتأخير والارسال والانزال والبعث وغير ذلك من صفات الفعل. وبرأيه انه اذا تجلى الباري بعبد بهاتين الصفتين فان العبد يصبح من المكاشفين، حيث لا يرى في الوجود الا الحي القيوم، وبالتالي فان هذين الاسمين عبارة عن الاسم الاعظم لمن تجلى له (اسرار الايات، ص42-44).

44صحيح البخاري، حديث 5873. ومثله: صحيح مسلم، حديث 2841.

45 شرح الفصوص، ص189.

46 الفتوحات المكية، مصدر سابق، ج2، ص458-459.

47 الفتوحات المكية، مصدر سابق، ج2، ص237 .

48 نقش الفصوص، من رسائل ابن عربي، جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الطبعة الأولى، 1948م، ج1، ص1و2 . والفصوص والتعليقات عليه، ج1، الفص الاول، ص48-49، والفص الخامس والعشرين، ص199، وج 2، ص12 و329.

49 مفاتيح الغيب، ص497-498.

 

50 تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج2، ص11-12.

51 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص212.

 

52 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص209.

53 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص4094. كذلك: تعليقات على شرح فصوص الحكم، ص178.

54 شرح الفصوص، ص183.

55 نقش الفصوص، من رسائل ابن عربي، مصدر سابق، ج1، ص2. والفصوص والتعليقات عليه، ج1، ص49.

56 افلوطين عند العرب، ص146. وعرشيه لصدر المتألهين، ص240 02. وشرح اصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النهي عن الجسمية.

57 اسرار الشريعة، ص94.

58 جامع الاسرار، ص380.

59 تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج5، ص70.

60 الاسفار، ج7، ص116-117. وعرشيه لصدر المتألهين، ص23.

61 تفسير صدر المتألهين، ج4، ص128.

62 الفتوحات، مصدر سابق، ج2، ص458-459.

63 الفتوحات، مصدر سابق، ج4، ص431.

64 انظر مثلاً: روح الله الموسوي الخميني: مصباح الهداية الى الخلافة والولاية، تقديم احمد الفهري، مؤسسة الوفاء، بيروت، الطبعة الاولى، 1403هـ - 1983م، ص114.

65 يوظف عرفاء الشيعة بهذا الصدد حديث الكساء وغيره لاعطاء هذا المعنى من وجود الولاية التكوينية والغائية.

66 احمد بن زين الدين الاحسائي: شرح الزيارة الجامعة، دار المفيد، الطبعة الاولى، 1420هـ - 1999م، ج1، ص33.

67 شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص203.

68 هناك جملة من الاحاديث المروية عن الائمة يجملها الاحسائي كالاتي: بنا عُرف الله، ولولانا ما عُرف الله، ولا يُعرف الله الا بسبيل معرفتنا، ومعرفتنا معرفة الله، ونحن اركان توحيده (شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص251).

69 شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص190.

70 مما جاء في وصف اهل البيت ما ذكره الشيخ الاحسائي بانهم ‹‹صفات الله واسماؤه وآلاؤه ونعمه ورحمته الواسعة ورحمته المكتوبة، وهم وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء، وهم اسم الله المبارك ذو الجلال والاكرام، ووجه الله الباقي بعد فناء كل شيء، والوجه الذي يتقلب في الارض، ومقصد كل متوجه.. وهم اوعية غيبه، وهم ظاهره في سائر المراتب وجميع المعاني والمقامات. اياتهم ظاهرة في الافاق وفي انفس الخلق، ومعجزاتهم باهرة، وهم ملوك الدنيا والاخرة›› (شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص48).

71 شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص252.

72 ورد في الاحاديث التي تتحدث عن أول ما خلقه الله؛ لفظ النور والعقل والمداد والروح والقلم، وقد وجّهها العرفاء الى معنى واحد هو العقل، مثل ما جاء عن النبي (ص) قوله: اول ما خلق الله نوري. واول ما خلق الله العقل. واول ما خلق الله القلم. واول ما خلق الله الروح. واول ما خلق الله العرش. واول ما خلق الله جوهر محمد. والمداد نوري (كتاب شق الجيب بعلم الغيب، مصدر سابق، ص8 892. وجامع الاسرار، ص144 و380. ومعارج القدس، ص117).

73 تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج5، ص123.

74 اسرار الشريعة، ص94. وشرح الزيارة الجامعة، ج1، ص113.

75 جامع الاسرار، ص382.

76 شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص334.

77 جامع الاسرار، ص383.

78 شرح الفصوص، ص238. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص124.

79 شرح الفصوص، ص493.

80 لدى الغزلي مفاضلة اخرى معاكسة بين الوحي والالهام، تبعاً للاصطلاح التقليدي لهما. فهو يقول: >لم يفارق الوحي الالهام في شيء من ذلك، بل في مشاهدة الملك الملقي للعلم، فان العلم انما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة< (الغزالي: ميزان العمل، حققه وقدم له سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، الطبعة الاولى، 1964م، ص221).

81 جامع الاسرار، ص385-386.

82 شرح الفصوص، ص492.

83 كتاب القربة، من رسائل ابن عربي، ج1، ص8-9. وكتاب مقام القربة، ضمن رسائل ابن عربي (1)، ص242. ومطلع خصوص الكلم، ج2، ص139-143. وجامع الاسرار، ص386 و389.

84 الفتوحات، ج3، ص100. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص243.

85 شرح الفصوص، ص492. ومطلع خصوص الكلم، ج2، ص139-140.

86 رسالة لا يعول عليه، من رسائل ابن عربي، ج1، ص10.

87 الفتوحات، مصدر سابق، ج2، ص6. ويقول الجندي في هذا الصدد: ‹‹لما كانت النبوة نسبة بين الخلق والنبي فهي منقطعة ولا بد، اي لا ينزل الملك الى احد بعد رسول الله (ص) بشريعة مخالفة لهذه الشريعة ابداً، فهي منقطعة لذلك. واما الولاية فغير منقطعة، لان الاخذ عن الله والقاؤه وتجليه وتعليمه واعلامه والهامه غير منقطعة ابداً عن اولياء الله، لان الله سمى نفسه بالولي الحميد، ولم يسم بالنبي ولا الرسول›› (شرح الفصوص، ص239-240).

88 شرح فصوص الحكم، ص109 و111 و112. وفصوص الحكم والتعليقات عليه، ج1، ص47.

89 الفتوحات، دار احياء التراث العربي، ج1، ص203.

90 الفتوحات، مصدر سابق، ج1، ص203-204.

91 الفلسفة الصوفية في الاسلام، ص547 و586. وفي رواية اخرى انه قال:لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي (عن: درء تعارض العقل والنقل، ج1.).

92 رسالة الانوار، من رسائل ابن عربي، ج1، ص15-16.

93 اسرار الشريعة، ص99-100.

94 الفصوص والتعليقات عليه، ج2، ص24-25 ، وج 1، الفص الثاني، ص62.

95 شرح الفصوص، ص238 و231. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص243-244.

96 مطلع خصوص الكلم، ج1، ص243.

97 شهد الشيخ الأعرابي في الفصوص وغيره من الكتب على نفسه وعلى النبي عيسى بختم الولاية، اذ عدّ نفسه خاتم الأولياء بالولاية الخاصة، وان عيسى هو خاتمهم بالولاية العامة، فذكر انه اجتمع مع جميع الأنبياء حين أقام بقرطبة حيث بشّره هود بأن الأنبياء اجتمعوا لتهنئته على ختمه للولاية. وهو في الفتوحات شهد لعيسى بالولاية العامة ولرجل في عصره ادعى انه شاهده وجالسه، وقد عده اقل رتبة من عيسى (الفتوحات، مصدر سابق، ج1، ص243).

98 شرح الفصوص، ص240-241. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص244-245.

99 مقدمة رسائل فلسفي، ص4.

100 اسرار الايات، ص13.

101 كما قال سبحانه: {ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى، فأوحى الى عبده ما اوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى} النجم/ 8-12.

102 كما في قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحي، علّمه شديد القوى ذو مرّة فاستوى، وهو بالافق الاعلى} النجم/ 3-7.

103 كما في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة اخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المآوى، اذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى} النجم/ 13-18.

104 كما في قوله عز وجل: {وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وانه لفي زبر الاولين} الشعراء/ 192-196.

105 اسرار الايات، ص53.

106 اسرار الايات، ص154-155.

107 اسرار الايات، ص172-173.

108 اسرار الايات، ص143-144.

109 اسرار الايات، ص105-106. كذلك: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي، ج، سورة الاسراء، تفسير اية ويسألونك عن الروح. وقد ورد الدعاء بصيغة: ارنا الاشياء كما هي.

110 اسرار الايات، ص18.

111 مثلما جاء في قوله تعالى: {قال ربي ارني انظر اليك، قال لن تراني، ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً} الاعراف/ 143.

112 مفاتيح الغيب، ص191.

113 تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج3، ص411-412.

114 اسرار الايات، ص224-225.

115 السياسة المدنية، طبعة انتشارات الزهراء، ص80.

116 شواكل الحور في شرح هياكل النور، مصدر سابق، ص246.

comments powered by Disqus